تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2011-2040

الباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيه

صفحات 2011-2040

................................  معنى جميع في نحو: جاء الزيدان معا، ورأيت العمرين معا 1، واختلف في فتحة العين من «معا» قيل: هي فتحة إعراب كفتحة دال رأيت يدا، فيكون الاسم ثنائي اللفظ في حالتي الإفراد والإضافة، أو هي كفتحة ياء فتى، فيكون الاسم قد جبر وقصر حين أفرد، والأول مذهب سيبويه والخليل 2 والثاني مذهب يونس والأخفش 3 وهو الصحيح، لأنهم يقولون: الزيدان معا والعمرون معا، فيوقعون معا موقع رفع [توقع] 4 الأسماء المقصورة كقولك: هو فتى وهم عدى، ولو كان باقيا على النقص لقيل: الزيدان مع كما يقال: هم يد واحدة على من سواهم، وهم جميع، ومن شواهد وقوع معا في موضع رفع قول الشاعر: 1601 - أفيقوا بني حرب وأهواؤنا معا... وأرحامنا موصولة لم تقضّب 5 ومثله قول الآخر 6: 1602 - حننت إلى ريّا ونفسك باعدت... مزارك من ريّا وشعبا كما معا 7 وإلى نحو هذين البيتين أشرت بقولي: وغير حاليّتها حينئذ قليل، وانتصر للمذهب الأول بأن قيل: لا نسلم بأن معا في البيتين في موضع رفع بل هو منصوب على الحال بعامل محذوف هو الخبر والتقدير: وأهواؤنا كائنة معا وشعبا كما كائنان معا.
وهذا التقدير باطل للإجماع على بطلان نظيره، وهو أن يقال: زيد قائما على -

................................  تقدير زيد كائن قائما 1، وانتصر له أيضا بأن قيل: القول بلزوم النقص هو الصحيح؛ لأنه مستلزم لموافقة النظائر وأن حاصله حكم بنقصان اسم في الإفراد كما هو في الإضافة.
ونظائر ذلك موجودة كيد ودم وغد، والقول بكون معا مقصورا في الإفراد ثنائيّا في الإضافة مستلزم لما لا نظير له، فلا يصار إليه، فإن الثنائي المعرب إما منقوص في الإضافة والإفراد وإما متمم في الإضافة وحدها كأب؛ فإن حكم بأنّ «معا» مقصور في الإفراد منقوص في الإضافة لزم عدم النظير، وثبوت ما هو بالنفي جدير 2. والجواب أن يقال 3: مقتضى الدليل [2/ 464] كون الإفراد مظنة جبر ما فات من الثنائيات في إحدى حالتيه؛ لأن ثاني جزأي ذي الإضافة متمم لأولهما 4 ولذلك عاقب التنوين ونوني التثنية والجمع، بخلاف المنقوص المفرد فلا متمم له إلا ما يجبر به من رد ما كان محذوفا منه.
فإذا جعلنا «معا» منقوصا في الإضافة مقصورا في الإفراد، فقلنا بمقتضى الدليل وسلكنا سواء السبيل، بخلاف باب «أب» فإن فيه شذوذا، ولذلك لم تجر العرب فيه على سنن واحد، فمنهم من يلزمه الجبر ويلحقه بباب عصا، ومنهم من يلزمه النقص ويلحقه بباب «يد» وأيضا ففي الحكم بأن «معا» غير ملازم للنقص بيان لاستحقاقه الإعراب؛ إذ لا يكون بذلك موضوعا وضع الحروف الثنائية، بخلاف الحكم عليه بالنقص في حالي إفراده وإضافته؛ فإنه يلزم منه استحقاق البناء كسائر الأسماء الثنائية دائما دون جابر 5 ومع ذلك فقد ألغت ربيعة جبره في الإفراد؛ لأنه جبر لم يتمحض ولذلك لم يتفق على الاعتراف به بخلاف جبر باب يد، فيقال في اللغة الربعية: ذهبت مع أخيك ومع ابنك بالسكون قبل حركة وبالكسر قبل سكون، وبعضهم يفتح قبل السكون، هكذا روى الكسائي عن ربيعة 6 ولولا الكسر قبل السكون لأمكن أن يقال: إن السكون سكون تخفيف لا سكون بناء، ومن الوارد -

................................  بالسكون قول الشاعر 1: 1603 - فريشي منكم وهواي معكم... وإن كانت زيارتكم لماما 2 وقد خفي على سيبويه أن السكون لغة لأنه قال: وسألت الخليل رحمه الله تعالى عن «معكم» لأي شيء نصبتها؟ فقال: لأنها استعملت غير مضافة اسما كجميع ووقعت نكرة وذلك قولك: جاءا معا وذهبا معا، وقد ذهبت معه ومن معه صارت ظرفا فجعلوها بمنزلة أمام وقدام، قال الشاعر: فجعلها كهل، حين اضطر وأنشد للراعي: فريشي منكم....................... البيت فذكر سبب إعرابها أو تضمن كلامه أنها اسم على كل حال وأن نقصها لم يزل بالإفراد، وذلك بيّن من كلامه الذي ذكرته، وزعم قوم أن الساكن العين حرف 3، وليس بصحيح؛ لأن المعنى مع الحركة والسكون واحد، فلا سبيل إلى الحرفية، وزعم النحاس 4 أن النحويين مجمعون على أن الساكن العين حرف 5، وهذا منه عجيب، فإن كلام سيبويه مشعر بلزوم الاسمية على كل حال وأن الشاعر إنما سكنها اضطرارا.
ومن الظروف العادمة التصرف «بين بين» كقول الشاعر 6: -

................................  1604 - نحمي حقيقتنا وبع... ض القوم يسقط بين بينا 1 والأصل بين هؤلاء وبين هؤلاء، فأزيلت الإضافة وركب الاسمان تركيب خمسة عشر، فلو أضيف المصدر إلى العجز جاز بقاء الظرفية [2/ 465] وزوالها.
فبقاؤها كقولك: من أحكام الهمزة التسهيل بين بين وزوالها كقولك: بين بين أقيس من الإبدال، فإن أضيف إليها تعين زوال الظرفية، ولذلك خطّأ ابن جني رحمه الله تعالى من قال: همزة بين بين بالفتح، وقال: الصواب أن يقال: همزة بين بين بالإضافة 2، والأصل وقوع بين مفردا ظرفا، فالتوسط في مكان أو زمان ملازما للإضافة إلى ما يتوسط 3 [3/ 1] فيه منهما، وإذا خلا من التركيب والوصل بما والألف لم تلازم الظرفية، وقد تقدم التنبيه على ذلك 4. ومن ظروف المكان العادمة التصرف الملازمة للإضافة «حوال» 5 وتثنيته، و «حول» وتثنيته وجمعه، فالأول كقول الراجز 6: 1605 - أهدموا بيتك لا أبا لكا... وأنا أمشي الدّألى حوالكا 7 والثاني كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم حوالينا ولا علينا» 8. -

................................  والثالث كقوله تعالى: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ 1. والرابع كقول الراجز 2: - 1606 - يا إبلي ما ذامه فتأبيه... ماء رواء ونصيّ حوليه 3 والخامس كقول امرئ القيس: 1607 - فقالت سباك الله إنّك فاضحي... ألست ترى السّمار والنّاس أحوالي 4 ومن ظروف المكان العادمة التصرف «بدل» لا بمعنى بديل كقولك: هذا بدل ذلك أي هذا مكان ذلك، فلا يجوز حينئذ أن يستعمل غير ظرف، وكذا مكان إذا أردت به بدل، قال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه: البدل والمكان إذا استعملا بمعنى واحد لا يرفعان، فإن ذكر كل واحد منهما في موضعه ولم يحمل أحدهما على الآخر في المعنى رفعا نحو قولك: هذا مكانك تشير إلى المكان، وهذا بدل من هذا؛ فترفع لأنك أشرت بهذا إلى البدل وهو هو، وإنما انتصب «البدل» هنا و «المكان» ولم يجز فيهما الاتساع حين أخرج كل واحد منهما عن موضعه فلزما طريقة واحدة 5. هذا نص ابن خروف انتهى كلام المصنف 6. - وثم أبحاث نشير إليها: -

................................  الأول: إن المصنف قد أشار إلى أن غير «فوق وتحت» من أسماء الجهات من المتوسط التصرف، وذلك نحو «أمام وقدام ووراء وخلف وأسفل وأعلى» وليعلم أن الكلمات المذكورة إذا تصرف فيها لا فرق بين أن لا يتجوز فيها نحو قولك: خلفك مجدب و «وراءك أوسع لك» 1 وبين أن يتجوز فيها نحو قولك: زيد خلفك برفع خلف فجعله خبرا عن زيد، فزيد ليس بخلفك في الحقيقة وإنما الخلف مكان لزيد، وطريق المجاز فيه أن يقدر مضاف إلى المبتدأ محذوف، التقدير: مكان زيد خلفك أو أن يجعل الخلف زيد لما كان [2/ 466] حالّا فيه كما جعل النهار صائما من قولهم: نهاره صائم لما كان الصوم واقعا فيه 2 وليس هذا الذي ذكر مخصوصا بأسماء الجهات، بل يجوز ذلك في غيرها فتقول: مكانك مرتفع وعمرو مكانك، برفع مكانك على التقديرين اللذين ذكرا في زيد خلفك 3. أشار إلى ذلك كله ابن عصفور في شرح المقرب.
بقي أن يقال: إن قول المصنف: (كغير فوق وتحت من أسماء الجهات) يدخل فيه يمين وشمال، وعلى هذا يكونان من المتوسط التصرف، لكن المصنف قد عدهما مع الكثير التصرف، وقد يجاب عن هذا بأن نحو «يمين وشمال» لا يدخلان تحت قوله: (كغير فوق وتحت)، لأنه قد ذكرهما قبل فيما يكثر تصرفه، فكان ذكرهما أولا مخصصا لما أفهمه قوله: (كغير فوق وتحت من أسماء الجهات).
الثاني: قد عرفت أن «حيث» من الكلمات النادرة التصرف وأن مما استدل به المصنف على تصرفها قول الشاعر: - -

................................  1608 - إنّ حيث استقرّ من أنت راعي... هـ حمى فيه عزّة وأمان 1 وقد جعل الشيخ هذا الاستدلال خطأ، قال: لأن كون (حيث) اسما لإن فرع عن كونها تكون مبتدأ، ولم يسمع ذلك فيها، قال: ولا دليل في هذا البيت؛ لأن اسم إنّ هو حمى، وحيث في موضع خبر إنّ؛ لأنه ظرف، نحو: إنّ حيث زيد قائم عمرا، التقدير: إن حمى فيه عزة وأمان حيث استقر من أنت راعيه 2. انتهى.
ولا أعرف كيف يتوجه الخطأ على المصنف؛ لأن الغرض أن تصرف «حيث» نادر، واتفق أن التصرف النادر الذي حصل لها هو أن وردت اسما لإنّ، فكيف يقال: إن هذا موقوف على ورودها مبتدأة وهي لا يتصرف فيها إلا بما سمع، ثم إن هذه الكلمة إذا ندر وقوعها اسما لإن؛ فقد ندر وقوعها مبتدأة، وأما تخريجه البيت على أن «حمى فيه عزة وأمان» هو اسم إن، وحيث هو الخبر ينافي مراد الشاعر؛ لأن مقصوده أن يحكم على مكان من يرعاه الممدوح بأنه حمى فيه عزة وأمان، لا أن يحكم على حمى المذكور بأنه كائن حيث استقر من يرعاه الممدوح، وحاصله أن هذا التخريج يعكس النسبة المقصودة للشاعر من كلامه.
الثالث: فقد عرفت أن المصنف أنشد البيت الذي أوله: 1609 - وسطه كاليراع........................................ 3 وأنه حكم فيه بأن وسطه في رواية من رواه مرفوعا تصرف فيه يجعله مبتدأ وأن ذلك نادر، وقد كان ذكر أن «وسطا» بسكون السين ظرف لا اسم، وكلام ابن عصفور يقتضي أن «وسطه» في البيت المذكور اسم لا ظرف وأن سينه سكنت -

................................  ضرورة؛ فإنه بعد أن ذكر وسطا الساكن السين وأنه ظرف [2/ 467] قال: فإن أخرجوه عن الظرفية فتحوا السين فقالوا: وسط الدار أحر، ولا يجوز تسكينها إذ ذاك إلا في ضرورة نحو قول الفرزدق: - 1610 - أتته بمجلوم كأنّ جبينه... صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا 1 وقول عدي بن زيد: 1611 - وسطه كاليراع.................. البيت قال: فاستعمل «وسط» في حال إخراجه عن الظرفية، وجعله مرفوعا بالابتداء ساكن السين لما اضطروا إلى ذلك 2. انتهى.
وما قاله ابن عصفور أظهر مما قاله المصنف، ثم اعلم أن الفراء (ومن تبعه) 3 من الكوفيين قالوا: إنّ «وسط» إذا كانت ظرفا، وكانت بمعنى «بين» كانت ساكنة السين، وإذا لم تكن بمعناها كانت مفتوحة السين، فأجازوا أن يقال: احتجم زيد وسط رأسه بفتح السين، وإن كانت ظرفا [3/ 2] لأنها ليست بمعنى «بين» إذ لا يقال: احتجم بين رأسه، والبصريون لا يجيزون في مثل هذا المثال إلا إسكان السين؛ لأن الكلمة ظرف، ولا يفرقون بين ما يصلح فيه «بين» وما ليس كذلك 4. فعلى هذا قول الشاعر أنشده الفراء: -

................................  1612 - فوسط الدار ضربا واجتماعا 1 غير ضرورة عند البصريين؛ لأن وسط الدار ظرف، وهو عند الفراء ومن تبعه في ذلك ضرورة؛ لأن وسطا فيه لا يتقدر «ببين».
الرابع: قد عرفت أيضا أن المصنف حكم بأن كلمة «دون» إذا لم تكن بمعنى رديء، من النادر التصرف، ومراده أنها إذا كانت ظرفا، وذاك إطلاقه على أنه لا فرق أن تكون ظرفيتها حقيقة نحو: جلست دون زيد، أو مجازا نحو: زيد دون عمرو في الشرف، وهذا هو الظاهر بل المتعين، لكن في كلام ابن عصفور أن كلمة «دون» التي يراد بها نقصان الرتبة في صفة من الصفات لا تتصرف 2، وعلل ذلك بأنه لم يرد بالكلمة حينئذ المكان، فالظرفية فيها مجاز، فلم يتصرف فيها كما يتصرف في الظروف الحقيقية، وأما «دون» التي يراد بها الظرف فإنها تتصرف إلا أن ذلك قليل، وأنشد قول الشاعر: - 1613 - ألم تريا أني حميت حقيقتي...... البيت 3 فكأنه جعل ما يراد بها نقصان الرتبة عادمة التصرف، وما يراد بها المكان هي النادرة التصرف وهو غير ظاهر، ويدفعه قول سيبويه: «وأما دونك فإنه لا يرفع أبدا، وإن قلت: هو دونك في الشرف» 4، فقول سيبويه: وإن قلت: هو دونك في الشرف، يقتضي أن دلالة «دون» على النقصان في الرتبة لا تقتضي عدم التصرف، بل قد تنافيه، ولهذا قال: وإن قلت هو دونك في الشرف، ثم إن كلمة «دون» في البيت الذي أنشده شاهدا على تصرفها وهو قوله: - 1614 - وباشرت حدّ الموت والموت دونها 5 إنما المراد بها نقصان الرتبة لا الظرف الحقيقي.
-

................................  البحث الخامس: تقدم لنا ذكر ما نقله المصنف عن الأخفش من أن العرب تقول: فوقك رأسك وتحتك رجلاك [2/ 468] بنصب فوق، لا يختلفون في ذلك، وبعد قول الأخفش ذلك لا يلتفت إلى ما ذكره الشيخ عن ابن الأنباري 1، إنما هو رأي رآه من رآه 2، واعلم أنه كما ندر جر «فوق» بعلى في البيت الذي أنشده المصنف ندر جرها بالباء أيضا في قول الآخر: - 1615 - كلّفوني الذي أطيق فإني... لست رهنا بفوق ما أستطيع 3 وليس من ذلك قول الآخر: - 1616 - وشبّهني كلبا ولست بفوقه... ولا مثله إن كان غير قليل 4 لأن الباء زائدة فلا عبرة بدخولها، وأما جرّ «فوق» و «تحت» بمن في قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ 5 وتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ 6 فقد عرفت أن الجر «بمن» لا يخرج الكلمة عن الظرفية، وقد فصل ابن عصفور الأمر في كلمة «فوق» كما فصل ذلك في كلمة «دون» فقال لما عدد الظروف التي لا تتصرف: «وفوقك إذا أريد بها علو المرتبة في صفة من الصفات» 7، وعلل ذلك بما علل به كلمة دون، ومقتضى كلامه أنها إذا أريد بها العلو الحسي قد -

................................  تتصرف، وهذا خلاف ما قد عرف أنه من لغة العرب، وذكر ابن عصفور من الظروف التي لا تتصرف «سواك» و «سواك وسواك»، قال: لأنها بمعنى مكانك الذي يدخله معنى عوضك 1 يعني بذلك، والمصنف يرى أن هذه الكلمة بمعنى غير، ويجيز تصرفها؛ فلهذا لم يذكرها وقد ذكرها في باب المستثنى وأشبع الكلام عليها 2، قال الشيخ: ومما أهمل أكثر النحويين ذكره من الظروف التي لا تتصرف «شطر» بمعنى نحو، قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ 3 وقال تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ 4 ومنه: - 1617 - ألا من مبلغ عني رسولا... وما تغني الرسالة شطر عمرو 5 أي نحو عمرو، وقول الآخر: - 1618 - أقول لأمّ زنباع أقيمي... صدور العيس شطر بني تميم 6 قال: والشطر أيضا نصف الشيء، والشطر أيضا الجزء من الشيء؛ فهو مشترك بين هذين وبين الجهة 7. البحث السادس: ذكر الشيخ في شرحه أن الجملة التي يضاف إليها «حيث» شرطها أن تكون خبرية اسمية أو فعلية مصدرة بماض أو مضارع مثبتين أو منفي بلم أو لا، قال: وأما قوله: 1619 - من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور 8

................................  فما مصدرية على رأي من يجر بحيث المفرد، ومن لم يجز ذلك قال: إنما جاز ذلك ضرورة، أو يجعل «ما» زائدة أي من حيث سلكوا، وقد ذكروا أنها قد تجر بالباء أو بإلى أو بفي، فالباء كقولك: - 1620 - كان منّا بحيث يعلى الإزار 1 وإلى كقوله: 1621 - إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم 2 في رواية من رواه بإلى، وفي نحو [2/ 469]. 1622 - فأصبح في حيث التقينا شريدهم 3 وكقول الآخر: 1623 - على فتخاء يعلم حيث تنجو... وما في حيث تنجو من الطّريق 4، 5

    • (1/ 259)، والإنصاف (1/ 24)، وابن يعيش (10/ 106)، وابن القواس (75)، والروض الأنف للسهيلي (1/ 38)، والخزانة (1/ 58)، (3/ 477، 540)، والمغني (2/ 368)، وشرح شواهده (2/ 785)، والفصول الخمسون (271)، وأمالي الشجري (1/ 221)، والاقتراح (41)، والهمع (2/ 156)، والدرر (2/ 207)، وملحقات ديوان ابن هرمة (239). والشاهد فيه: إضافة «حيث» إلى شيء لم تتوفر فيه الشروط التي ذكرها أبو حيان.

................................  ثم إنك قد عرفت أن المصنف جعل حيث في قول الشاعر: 1624 - إذا ريدة من حيث ما نفخت له 1 مضافة إلى جملة مقدرة، التقدير: إذا ريدة نفخت من حيث ما هب.
فقال الشيخ: يحتمل أن تكون «حيث» مضافة إلى الجملة التي بعدها وهي: نفخت له، و «ريدة» مرتفعة بفعل محذوف يفسره المعنى، التقدير: إذا نفخت ريدة 2... انتهى.
قلت: وصحة التخريجين دون الآخر متوقفة على المعنى المراد من البيت؛ فإن كان المعنى المراد منه يعطيه تخريج الشيخ وجب الوقوف عنده، وإلا فيتعين تخريج المصنف، [3/ 3] والذي يظهر أن المصنف لم يتعسف التخريج الذي ذكره إلا لأنه رأى أنه معنى البيت، والله سبحانه أعلم.
ومما يتعين ذكره هنا أن الفارسي أجاز وقوع حيث مفعولا بها 3، وجعل من ذلك قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ 4؛ لأن المعنى أن الله تعالى يعلم المكان المستحق لوضع الرسالة فيه، وليس المراد أنه تعالى يعلم شيئا في المكان، قال: وناصبها يعلم محذوفا مدلولا عليه بأعلم، لا «أعلم» نفسه لأن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به 5.. انتهى.
ومن الناس من يؤول «أعلم» بعالم، فقد ينسب العمل إليه بهذا الطريق، ولا يحتاج إلى تقدير عامل غيره 6. البحث السابع: قال ابن عصفور: إنما لم تتصرف «عند» لأنها شديدة التوغل في الإبهام؛ إذ -

................................  تصدق على الجهات الست فبعدت من المختص، فلم تستعمل استعمال الأسماء 1، قلت: وقد تكون العلة في عدم تصرف «لدن» هي شدة التوغل في الإبهام أيضا، ثم إنك قد عرفت أن معنى «لدن» مخالف «عند»، ويدل على ذلك قول المصنف وليست لدى بمعناها بل بمعنى «عند» على الأصحّ، وقد اشتمل كلام المصنف في المتن والشرح على التفرقة بين «لدن» و «عند» من ستة أوجه: - أولها: أن لدن مخصوصة بما هو مبدأ غاية زمان أو مكان؛ فهي لا تفارق هذا المعنى بخلاف «عند» فإنها قد تكون لابتداء الغاية وقد لا تكون، وقد تقدم التمثيل لذلك في كلام المصنف.
ثانيها: أنها لا تستعمل إلا مصحوبة بمن، واستعمالها غير مصحوبة بها في غاية القلة و «عند» ليست كذلك.
ثالثها: أن «لدن» مبنية وإنما أعربت في اللغة القيسية، وقد أشار المصنف فيما تقدّم إلى علة بنائها، وأما «عند» فمعربة في جميع اللغات.
رابعها: أن «لدن» تضاف إلى الجملة كما تضاف إلى المفرد، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: ويجر ما يليها بالإضافة لفظا إن كان مفردا، وتقديرا إن كان جملة 2 وأما «عند» فلا تضاف إلا إلى مفرد.
خامسها: أن «لدن» قد لا يذكر بعدها مضاف إليه، وذلك إذا نصبت غدوة [2/ 470] بعدها أو رفعت بخلاف «عند» فإنها لا تذكر دون مضاف إليه أبدا.
سادسها: وهو الذي ذكره في الشرح دون المتن أن «لدن» يمتنع الإخبار بها وعنها، أي كما يمتنع الإخبار عنها يمتنع الإخبار بها، فلا يقال: الخروج من لدن الكوفة ولا السفر من لدن المسجد، وأما «عند» وإن امتنع الإخبار عنها فلا يمتنع الإخبار بها، وقد تقدمت أمثلة الإخبار بها، وبلدى من الكتاب العزيز، وهذا الوجه السادس هو الذي يعبر عنه بأن «لدن» لا تقع إلا فضلة 3، واعلم أنه لا يضاف -

................................  إلى الجمل من ظروف المكان إلا «لدن» و «حيث» لكن «حيث» تضاف إليها وجوبا و «لدن» تضاف جوازا 1. البحث الثامن: قد عرفت من كلام المصنف أن نصب «غدوة» بعد «لدن» إما على التمييز وإما على إضمار كان واسمها مضمر فيها، ومن نصب على التمييز قال: شبهت نون «لدن» وإن كانت من بنية الكلمة بالتنوين؛ إذ صارت هذه النون تثبت تارة وتحذف تارة أخرى فأشبهت «ضاربا»؛ فكما قالوا: ضارب زيدا، قالوا: لدن غدوة 2، هكذا ذكروا فيؤخذ عن الأئمة تقليدا، وقد قال بعضهم في نصب «غدوة» تمييزا: إنه إعراب يعسر تعقله 3، ثم إذا انتصب «غدوة» بعد «لدن» فالمحفوظ أنها منونة قبل.
وكان من حقها أن تمنع من الصرف، وإنما صرفوها لأنهم لما عزموا على إخراجها عن النظائر في حالها غيروها في ذاتها بالصرف، وأيضا لو لم يصرفوها لفتحوها فلم يعلم أمنصوبة هي أم مجرورة لأنها لا تتصرف، فلما عزموا على نصبها وإخراجها لكثرة الاستعمال عن حال نظائرها صرفوها، لكون ظهور التنوين مع الحركة يحقق قصدهم، فإن قلت: الذي رفع غدوة أو جرها ما دعاه إلى الصرف ولا إشكال فيه كما في النصب.
فالجواب: أنهم لما أوجبوا ضروبا منصوبة، وهو الأكثر من أحوالها، حملوا الجر عليه، لأنه أخوه فصار لها تنوين في الحالين، فحملوا الرفع عليهما والرفع هنا دخيل على النصب، لأن «غدوة» ظرف وأصله النصب، فلما كان فرعا في هذا الموضع حمل على النصب في التنوين 4. هذا ما لخصه الشيخ من كلام ابن جني في هذه المسألة، ولا شك أنه كلام من أوتي تفقّها في علمه وتصرفا في فنه، وإذا عطفت على «غدوة» المنصوبة بعد «لدن» فقلت: لدن -

................................  غدوة وعشية، فقد أجاز أبو الحسن الجر في المعطوف والنصب، أما النصب فوجهه ظاهر 1، وأما الجر فقالوا: لأن «غدوة» وإن لم تجر لفظا فهي في موضع جر 2، قال المصنف - في شرح الكافية الشافية -: والنصب في المعطوف بعيد عن القياس 3، قال الشيخ: والذي أختاره أنه لا يجوز في المعطوف إلا النصب، لأن «غدوة» عند من نصب ليس في موضع جر، فليس من باب [2/ 471] العطف على الموضع وهو نصب صحيح؛ فإذا عطف عليه، ولا سيما على مذهب من جعل «غدوة» منصوبة بكان مضمرة فلا يتخيل فيه إذ ذاك جرّا البتة، فإن قلت: يلزم من ذلك أن تكون «لدن» قد انتصب بعدها ظرف غير «غدوة» ولم يحفظ نصب بعدها إلا في غدوة، فالجواب: أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل 4. انتهى.
وأما الرفع بعد «لدن» فعلى تقدير «كان» أي لدن كانت غدوة، قال الشيخ: وظاهر كلام ابن جني أنها مرفوعة بلدن فإنه قال: وقد شبهه بعضهم بالفاعل فرفع فقال: لدن غدوة كما تقول في اسم الفاعل: ضارب زيد.
انتهى 5. ولا يخفى بعد القول بأنها مرفوعة 6 [3/ 4] بلدن، وكلام ابن جني ليس صريحا في ذلك.
البحث التاسع: قال الشيخ: قول المصنف: وتفرد - يعني مع - فتساوي جميعا معنى ليس بصحيح، قال: وهذه المسألة جرت بين أحمد بن يحيى 7 وأحمد بن قادم 8، وهما من شيوخ الكوفة، سأل أحمد بن يحيى عنها ابن قادم قال: فلم يزل يركض -

................................  فيها إلى الليل وفرق أحمد بن يحيى بأن جميعا تكون للقيام في وقتين وفي وقت واحد، إذا قلت: قام زيد وبكر معا 1، ثم قد عرفت أن المصنف اختار مذهب يونس والأخفش في أن «معا» كفتى لفظا لا كيد إذا نصبت، واستدل لصحة ذلك بأنك تقول: الزيدان معا والعمرون معا، فتوقع معا في موضع رفع كما توقع الأسماء المقصورة كقولك: هو فتى وهم عدى، ولو كان باقيا على النقص لقيل: الزيدون مع، كما يقال: هم يد واحدة على من سواهم، لكن قد قال الشيخ: ما ذكره المصنف من أنه لو كان الأمر كما ذهب غير يونس والأخفش، لكان يلزم الرفع في مثل قولنا: الزيدون معا خطأ فاحش؛ لأن «مع» قد تقرر أنها ظرف لا يتصرّف، وقد ذكر هو ذلك، فقولك: الزيدون معا، هو منصوب على الظرف الواقع خبرا كما تقول: الزيدون عندك، وإذا كان ظرفا لا يتصرف فلا يرفع 2. انتهى.
ولك أن تجيب عن المصنف فتقول: إن الظرف الذي لا يتصرف إنما هو «مع» الملازمة للإضافة، أما المفردة عن الإضافة فليست كذلك، بل تقول: إن الظرفية لا يتعقل فيها حالة الإفراد، وإنما يتعقل ظرفيتها حال إضافتها، وإذا لم يحكم عليها بالظرفية حال الإفراد فمعناها في نحو: جاء الزيدان أو الزيدون معا، إما معنى جميعا كما رأى المصنف ومن وافقه، وإما معنى مصطحبين أو مصطحبين فالظرفية منفية عن كل من المعنيين، والنصب في كلتا الكلمتين أعني جميعا ومصطحبين لو صرح بهما إنما هو على الحال فكذلك نصب معا إذا وقعت هذا الموقع إنما هو على الحال لا على الظرف، وكذا يكون المعنى في قول الشاعر: 1625 - وشعباكما معا (3) [2/ 472] وقول الآخر: 1626 - وأهواؤنا معا 3 والتقدير: وشعبا كما مصطحبان أي مقترنان، وأهواؤنا مصطحبة أي مقترنة، فمعا مرفوعة في هذين البيتين على الخبرية، وليست منصوبة على الظرف، إذ قد بينا أنه لا ظرفية حينئذ، وإذا كان كذلك فلو كانت «مع» حال إفرادها «كيد» -

[التوسع في الظرف المتصرف]

قال ابن مالك: (ويتوسّع في الظّرف المتصرف فيجعل مفعولا به مجازا ويسوغ حينئذ إضماره غير مقرون بفي والإضافة والإسناد إليه، ويمنع من هذا التّوسّع على الأصحّ تعدّي الفعل إلى ثلاثة).  لوجب الرفع، فكان يقال: «مع» فصح كلام المصنف بهذا التقدير وانتفى عنه الخطأ الفاحش والحمد لله. قال ناظر الجيش: قال المصنف رحمه الله تعالى 1: من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه ومقام المفعول الموقع به الحدث، فالأول: كقوله تعالى: اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ 2 وقوله تعالى: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً 3 وكقول الشاعر 4: 1627 - أقول للحيان وقد صفرت لهم... وطابي ويومي ضيّق الحجر معور 5 والثاني: كقولهم: ولد له ستون عاما 6، وصيد عليه الليل والنهار 7، وكقول الشاعر: 1628 - أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة... واللّيل في جوف منحوت من السّاج 8

................................  يعني نفسه وكان مأسورا فأخبر أن نهاره مقيد وليله مسجون مبالغة ومجازا، ويضاف المصدر إلى الظرف المتوسع فيه على الوجهين، فإضافته إليه على تقدير كونه فاعلا، كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا 1 كان الأصل: ليلكم ونهاركم ماكران، ثم أضيف المصدر إلى المخبر عنه بمعناه مجازا كما يضاف إلى المخبر عنه بمعناه حقيقة، وإضافته إليه على تقديره مفعولا به كقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ 2 أي إمضاء أربعة أشهر، وكما أضيف إليه المصدر على تأويل الفاعلية وعلى تأويل المفعولية أضيفت إليه الصفة بلفظ اسم الفاعل ولفظ اسم المفعول، فمن الأول: 1629 - يا سارق اللّيلة أهل الدّار 3 ومن الثاني: يا مسروق الليلة أهل الدار، ذكرهما سيبويه، وإذا ثبت أن من كلامهم: التوسع بجعل الظرف المتوسع فاعلا ومفعولا به ومضافا إليه على معنى الفاعلية والمفعولية لزم من ذلك جواز الحكم عليه في حال النصب بأنه مفعول به تجوزا ما لم يمنع من ذلك مانع، وتظهر فائدة ذلك في إضماره مستغنيا عن لفظ «في» فإن الظرف أصله أن يكون مقرونا بلفظها، فاستغني عن لفظها بمعناها مع الظاهر ولزم [2/ 473] الرجوع إلى الأصل مع الضمير؛ لأن الإضمار يرد الشيء إلى أصله، ولذلك لزم من يقول: لد زيد، أن يقول: من لدنه يرد النون، ولزم من يقول: لم تك صديقا، أن يقول: أما الصديق فإن لم تكنه فمن يكنه؟ فيرد النون أيضا، ولزم من يقول: قعدت جبنا: الجبن قعدت له فيرد اللام، ولا يستغنى مع المضمر بمعناها كما استغني مع الظاهر ولزم من يقول: المال لزيد بكسر اللام أن - - والشاهد فيه: قوله: (أما النهار... والليل) حيث توسع فيهما فوضعا موضع الموقع به الفعل؛ لأن المقيد والمحبوس هو الشخص وليس الليل والنهار.

................................  يقول: المال له فيفتح لأن فتحها هو الأصل 1، فعلى هذا يلزم من أضمر الظرف مقصودا به معنى الظرفية أن يقرنه بفي، كقولك في صمت اليوم: اليوم صمت فيه، فمن قال: صمته علم أنه لم يقصد الظرفية، وإنما قصد جعله مفعولا به توسّعا 2، فمن ذلك قول الشاعر: - 1630 - ويوما شهدناه سليما وعامرا... قليل سوى الطّعن النّهال نوافله 3 ومثله: - 1631 - فإن أنت لم تقدر على أن تهينه... فدعه إلى اليوم الّذي أنت قادره 4 ومثله 5: - 1632 - يا ربّ يوم لي لا أظلّله... أرمض من تحت وأضحى من عله 6 وهذا التوسع في باب «أعلم» جائز على ظاهر قول [3/ 5] سيبويه، فإنه قال في - - والشاهد فيه: هو التوسع في ظرف الزمان، فأضيف إليه اسم الفاعل على طريق الفاعلية.

................................  باب المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعول بعد أن مثل بأرى عبد الله أبا فلان: لو أدخلت في هذا الفعل وبنيته له لتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين، ثم قال: واعلم أن الأفعال إذا انتهت ها هنا فلم تجاوز، تعدت إلى جميع ما يتعدى إليه الفعل الذي لا يتعدى المفعول وذلك قولك: أعطى عبد الله الثوب إعطاء جميلا ونبئت زيدا أبا فلان تنبؤا، وسرق عبد الله الثوب الليلة، لا تجعله ظرفا ولكن تجعله على قولك: يا مسروق الليلة الثوب 1 هذا نصه، قال ابن خروف في شرحه: أجاز سيبويه نصب الظرف مفعولا به بالمتعدي إلى ثلاثة، وإنما قاسه ولم يقس النقل؛ لأن النقل فيه نصب الفاعل ولا ينصب الفاعل إلا تشبيها بما ثبت أصله في الكلام كما نصب الفاعل في حسن الوجه تشبيها بضارب زيدا، ونصب الظرف على الاتساع ليس فيه تغيير عما كان عليه وجميعه مجاز في متعد لواحد أو أكثر، والنقل كله حقيقة فاقتصر فيه على السماع بخلاف نصب الظرف على الاتساع، فإنه مجاز فلا معنى لمراعاة التعدي وغير التعدي فيه 2، ومنعه قوم في باب «أعلم» قياسا على النقل.
قال محمد بن مالك 3 غفر الله تعالى له: جواز تعدي ذي ثلاثة إلى ظرف على أنه مفعول به يستلزم مشبها دون مشبه به؛ لأنه إذا فعل ذلك بما له مفعول واحد أو مفعولان لم يعدم أصلا يحمل عليه بخلاف نصبه بما له ثلاثة؛ فإنه يلزم منه فرع لا أصل له ومشبه دون مشبه به فوجب منعه، ولأن جواز ذلك [2/ 474] في غير باب أعلم مرتب على ما سمع من إقامة الظرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه ومقام ما يوقع به في إخبار عنه وإضافة إليه، ولم يسمع من ذلك شيء في باب «أعلم» فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه 4. هذا كلام المصنف ولنتبعه بأمور يتعين التنبيه عليها: 1 - منها: أن قول المصنف: (ويتوسع في الظرف المتصرف) - يشمل ظرف الزمان وظرف المكان، لكنه لم يمثل إلا لظرف الزمان وقد مثل لظرف المكان بقول الشاعر: - -

................................  1633 - ومشرب أشربه وشيل... لا آجن الطّعم ولا وبيل 1 فالضمير في أشربه عائد على مشرب وهو مفعل من الشرب أي مكان شرب.
هكذا ذكر الشيخ في هذا البيت 2، والظاهر أن المراد بمشرب في هذا البيت المصدر وأريد بالمصدر المفعول، فالمراد بمشرب شرب والمراد بشرب المشروب.
وإذا كان كذلك فلا يتم الاستدلال بهذا البيت على الاتساع في ظرف المكان ولا شك في صحة الاتساع في ظرف المكان المتصرف، فمن أمثلة سيبويه: سير عليه فرسخان 3، لكن نقل الشيخ عن صاحب البسيط أن التوسع في ظرف المكان لا يطرد بخلاف ظرف الزمان، قال: يقال: نحى نحوك وقصد قصدك وأقبل قبلك، قال: رفعوا فدلّ على نصب التوسع، ولا يجوز: ضربت خلفك فيجعله مضروبا وكذلك لا يتوسع فيجعله فاعلا، فتوسع الفاعل والمفعول غير مطرد في المكان، وإنما كان ذلك لأن ظرف الزمان أشد تمكنا منها 4. 2 - ومنها: أن اشتراط التصرف في الظرف الذي يتوسع فيه ظاهر؛ لأن غير المتصرف لا يسند إليه ولا يضاف إليه.
3 - ومنها: أنهم شرطوا في جواز التوسع أن يكون العامل في الظرف الذي يتوسع فيه فعلا أو ما يعمل عمله إذا كان من جنس ما ينصب المفعول به 5، فمثال الفعل قوله: -

................................  1634 - ويوما شهدناه......... البيت 1 وقول الآخر: - 1635 - قد أصبحت صحبها السّلام... بكبد خالطها سنام في ساعة يحبّها الطّعام 2 أي يحب فيها الطعام، والمراد بما يعمل عمل الفعل ما يرفع الفاعل إذا كان من فعل لا يتعدى، وما ينصب المفعول إذا كان من فعل يتعدى، مثال الأول: منطلق، ومثال الثاني: أكل، فيقال: أما الليلة فأنا منطلقها، تريد فأنا منطلق فيها، وأما اليوم فأنا آكله خبزا، تريد فأنا آكل فيه خبزا، فجاز هذا كما يجوز في الفعل إذا قلت: الليلة انطلقتها أي انطلقت فيها، واليوم أكلته خبزا أي أكلت فيه خبزا، ولا يجوز أن يقال: أما اليوم فليته زيدا منطلق، تريد ليت فيه زيدا منطلق، ولا أما الليلة فما أتاها زيد منطلقا، تريد فما فيها زيد منطلقا؛ لأن ما وليت وأخواتها ليس ينصب شيء منها المفعول في موضع من المواضع، فلذا [2/ 475] لم ينصب ما اتسع فيه من الظروف وجعل بمنزلة المفعول به، وقد نقل عن الأخفش جواز ذلك في ما، والذي صححه الجمهور أن ذلك لا يجوز، وإنما قيدوا العامل عمل الفعل بقولهم: إذا كان من جنس ما ينصب المفعول به؛ ليخرج المجرور والظرف الواقعان 3 موضع الخبر نحو قولك: زيد في الدار يوم الجمعة، وزيد عندك يوم الخميس، فإنهما يرفعان الفاعل كما يرفعه الفعل إلا أنهما ليسا من جنس ما ينصب المفعول به، فلا يجوز نصب يوم الجمعة ويوم الخميس على الاتساع، بل هما منصوبان على الظرف.
والدليل على أنهما ليسا فيما ذكرنا منصوبين على الاتساع أنه لا يجوز أن يأتي في مثل ذلك بضمير منصوب، فلا يجوز أن تقول: أما يوم الجمعة فزيد في الدار -

................................  إياه، تريد فزيد في الدار فيه، ولا أما يوم الخميس فزيد عندك إياه، تريد فزيد عندك فيه، وذلك لأنهما ليسا من جنس ما ينصب المفعول به، لأن العرب لم تنصب بالظرف والمجرور الواقعين موقع الخبر المفعول به في موضع من المواضع كما نصبته بالفعل واسم الفاعل.
4 - ومنها: أن الضمائر من الزمان والمكان لا تقع خبرا للمبتدأ [3/ 6] منصوبة كما يقع الظرف في شيء من كلام العرب، فتقول: يوم الخميس سفري فيه، ولا تقول: سفري إياه إلا أن تدخل عليه «في» وهذا يدل على أن الضمائر لا تنصب ظروفا؛ لأن كل ما ينتصب ظرفا يجوز وقوعه خبرا إذا كان مما يصح عمل الاستقرار فيه، ذكر ذلك ابن هشام الخضراوي 1 قال: ولم أر أحدا نبّه على هذا، أشار إلى ذلك الشيخ في شرحه 2. قلت: وما ذكره قد عرف من قول المصنف وقول غيره: إنك إذا قصدت الاتساع في الظرف قلت: يوم الجمعة صمته، وإذا لم تقصد الاتساع فيه يجب أن تقول: يوم الجمعة صمت فيه، فعلم من هذا أنه متى قصدت الظرفية مدلولا عليها بالضمير، وجب اقتران ذلك الضمير «بفي» ولا يجوز الإتيان به غير مقرون بها، وقد تقدم في كلام المصنف إشارة إلى العلة الموجبة لذلك، ومع ذلك لا يحتاج إلى ما ذكره ابن هشام.
5 - ومنها: أنه قد فهم من قول المصنف: (ويسوغ حينئذ - أي حين إذ يتوسع فيه - إضماره غير مقرون «بفي» والإضافة والإسناد إليه) أنه لا يضاف إلى الظرف وهو باق على الظرفية، بل إنما يضاف إليه بعد التوسع فيه، وهذا كالمجمع عليه عند النحاة، وعلل الفارسي ذلك بأن قال: إذا قلت: يا سائر اليوم ويا ضارب اليوم لم يكن اسما وخرج بالإضافة إليه عن أن يكون ظرفا؛ لأنه إذا كان ظرفا كانت «في» مرادة ومقدورة معه بدليل ظهورها مع الضمير، قال: فإرادة ذلك فيه تمنع الإضافة إليه 3، قال ابن هشام الخضراوي: ولا يظهر عندي، يعني تعليل -

................................  الفارسي، قال: لأن كل مضاف سوى باب الحسن [2/ 476] الوجه يقدر باللام أو بمن ولم يمنع ذلك من الإضافة، وقولنا: الظرف مقدر «بفي» معناه: يصلح في اللفظ إن كان متمكنا ولا يعني إضمارها لعدم الخفض ولا تضمينها لعدم البناء، وإذا لم تضمر ولم تضمن فتقديرها تقدير معنى كتقدير لام الملك في غلام زيد و «من» للتبيين في ثوب خز، وكذا تقول: هنا في للوعاء، ولا يمنع الإضافة كما لا يمنعها تقدير لام الملك 1. انتهى.
والذي يظهر أن الحق ما قاله الفارسي؛ لأن تقدير الحرف في الإضافة إنما هو تقدير معنوي ليفيد الاختصاص إن كان المقدر اللام، والجنسية إن كان المقدر «من»، وأما تقدير الحرف مع الظرف فإنه مقدر لفظا مع كونه مقدرا معنى، وإذا كان مقدرا لفظا كان في حكم الملفوظ به، وإذا كان كذلك فلا يجوز الإضافة إلى الظرف وهو باق على الظرفية لما يلزم من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، والدليل على أن التقدير في الإضافة يخالف التقدير في باب الظرف أنك لو أتيت بالحرف في الإضافة فقلت: غلام لزيد وثوب من خز تغير معنى الإضافة، أما إذا أتيت بالحرف في نحو: سرت يوم الخميس فقلت: سرت في يوم الخميس فمعنى الظرفية باق، لكن مع وجود «في» لا يطلق على مدخولها ظرف في اصطلاح النحاة؛ لأن الظرف عنده هو المنصوب من أسماء الزمان والمكان على تقدير «في».
وقد قال ابن أبي الربيع: لو تعدى الفعل إلى المفعول فيه على حسب ما يطلبه لتعدى إليه بحرف الجر، ويجوز ذلك فيه فتقول: جلست في يوم الجمعة ومشيت في يوم الخميس، ولا يكون حينئذ ظرفا إنما يكون من قبيل ما يصل الفعل إليه بحرف الجر، ولا يسمي النحويون ظرفا إلا ما انتصب بالفعل على معنى «في» مما يكون زمانا أو مكانا وإن كان المعنى واحدا.
انتهى.
فقوله: إن المعنى واحد مع قوله: إن النحويين لا يسمون مدخول «في» ظرفا يحقق ما ذكرته ويقوي ما أشرت إليه وجوب ذكر «في» مع ضمير الظرف، وتعليل ذلك بأن الضمائر ترد معها الأشياء إلى أصولها؛ فلولا أن الأصل في الظرف أن تباشره «في» لما صح هذا التعليل، فإن قيل: قد قلتم: إن «في» إذا باشرت -

................................  الظرف خرج عن الظرفية إلى الاسمية، وتقدم الدليل على ذلك في أول الباب.
فإذا حكمتم بأن «في» مقدرة لفظا لزم خروج الظرفية عن الظرفية إلى الاسمية، فالجواب: أن الكلمة إنما تخرج عن الظرفية إذا لفظ معها «بفي» أما تقديرها فلا يلزم منه ما يلزم من النطق بها، ولا شك في ظهور الفرق بين ما هو ملفوظ به وبين ما هو في حكم الملفوظ به 1، وقد استضعف ابن عصفور قول الفارسي أيضا فقال: هذا الذي استدل به الفارسي هو الذي عول عليه أكثر النحويين، وهو عندي ضعيف لأن العرب تفصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر ملفوظ به في باب لا [2/ 477] نحو قولك: لا أبا لك، وإذا لم يعتدوا به فاصلا وهو ملفوظ به فبالأحرى أن لا يعتدوا به فاصلا، وهو مقدر، وليس ما ذكروه من أن المقدر بمنزلة الملفوظ صحيحا، إذ لو كان كذلك لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع اللفظ «بفي» بل لقائل أن يقول: كما لم يعتدوا بفي المقدرة ولذلك نصبوا، كذلك ينبغي أن لا يعتد بها إذا أضافوا، قال: وإلى ذلك ذهب الجزولي، فإنه أجاز الإضافة مع بقاء الظرفية، ثم قال: والصحيح عندي أنه لا يضاف إلى الظرف إلا بعد الاتساع فيه كما ذهب إليه أبو علي، لكن العلة فيه هو ما ذكره، وهي أن الظرف إذا دخل عليه الخافض خرج عن الظرفية، والسبب في ذلك أي في خروج الظرف بالخفض عن الظرفية إلى الاسمية ما ذكره أبو الحسن في كتابه الكبير من أنهم جعلوا الظرف بمنزلة الحرف الذي ليس باسم [3/ 7] ولا فعل لشبهه به، من حيث كان أكثر الظروف قد أخرج منها الإعراب وأكثرها أيضا لا يثنى ولا يجمع ولا يوصف، قال: فلما كانت كذلك كرهوا أن يدخلوا فيها ما يدخلون في الأسماء 2. انتهى ما ذكره ابن عصفور، ولقائل أن يقول: ما ذكره من الفصل في «لا أبا لك» يجاب عنه من وجهين: - أحدهما: أن هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وما كان خارجا عن القواعد والقياس لا عبرة به.
-

................................  ثانيهما: أن مذهب جماعة من أكابر النحاة أن لا إضافة وأن المجرور بعد اسم «لا» في موضع الصفة ولكن الموصوف شبيه بالمضاف، فعومل معاملته، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب «لا» العاملة عمل «إنّ» وأما قوله: إنه لو كان المقدر بمنزلة الملفوظ لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع التلفظ «بفي» فالجواب عنه: أن الفعل إنما لم يصل إلى النصب مع التلفظ «بفي» لأن المحل قد شغل بعمل «في» عن قبول غير ما شغل به، أما إذا لم يلفظ بها فلا يكون لها عمل؛ إذ لا يجر بحرف مقدر إلا في مواضع مخصوصة ليس هذا منها، وإذا لم يكن لها عمل فأي مانع يمنع من وصول الفعل إلى ما يطلبه، وأما التعليل الذي علل هو به ونقله عن أبي الحسن فلم يتوجه لي على التحقيق فعلى الناظر أن يتأمله، فإن كان صحيحا فهو تعليل آخر يضاف إلى تعليل الفارسي.
6 - ومنها: أنك عرفت أن المصنف ذكر في الاتساع في الفعل المتعدي إلى ثلاثة - مذهبين، الجواز وقال: إنه ظاهر قول سيبويه، والمنع واختاره هو واستفيد من كلامه أن الاتساع فيما يتعدى إلى اثنين جائز كما هو جائز في غير المتعدي وفي المتعدي إلى واحد، قال ابن عصفور: وهو مذهب الأكثرين وهو مذهب سيبويه أعني جواز الاتساع في الفعل الذي يتعدى إلى اثنين 1، ثم ذكر أعني ابن [2/ 478] عصفور مذهبا ثالثا وهو أن الاتساع إنما يجوز في غير المتعدي وفي المتعدي إلى واحد خاصة، واختار هو هذا المذهب، قال: وإنما امتنع عند هؤلاء الاتساع في الظرف المنتصب بالفعل المتعدي إلى اثنين؛ لأنه ليس في الأفعال ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين بحق الأصالة، فلحق به الفعل المتعدي إلى اثنين إذا اتسع في الظرف المنتصب به، وذلك أن أعلم وأرى إنما تعديا إلى ثلاثة بالنقل بالهمزة، وأما أنبأ وأخواتها فإنما تعدت بالتضمين، ثم قال: ومما يؤيد هذا المذهب أن الاتساع لا يحفظ في الظروف المنتصبة بالأفعال، إلا إذا كان الفعل الناصب لها غير متعد أو متعد إلى واحد 2. انتهى.
وقال الشيخ: تعدي الفعل إلى الظرف اتساعا غير معتد به ولا يراعى مراعاة -

................................  تعدّيه إلى المفعول به غير المتسع فيه، ودليل ذلك تعدي ما لا يتعدى إليه، فلولا أنه لا يتعدى به لم يجز في «قام» ونحوه مما لا يقتضي مفعولا به، فلما كان كذلك صحّ الاتساع في الظرف فيما يتعدى إلى ثلاثة، قال: ولم يلتفت سيبويه إلى ما يكون نظيرا له في كلام العرب أصح أم لا، كأنه لا يلزم ذلك ولا يعتدّ بهذا التعدي، وكأنه لم يجعل الظرف مفعولا به، ولم يتوسع فيه إذ ذاك مجاز لا حقيقة، ولولا ذلك لم يجز في قام ونحوه؛ لأن ذلك ممتنع في الحقيقة وإنما جاز لضرب من المجاز، قال: وأما قوله يعني المصنف: لم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم، فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يترتب عليه؛ فهذا أمر لازم له فيما يتعدى إلى اثنين، وقد جوز هو التوسع فيما يتعدى إلى اثنين ولم يسمع من ذلك شيء فيما يتعدى إلى اثنين؛ فينبغي على ما قررنا أن لا يجوز ذلك، وقد جوز الاتساع فيما يتعدى إلى اثنين فتناقض 1. انتهى.
والذي ذكره الشيخ هو الظاهر، وقد عرفت أن المصنف قال: إن ظاهر قول سيبويه يعطي جواز الاتساع فيما يتعدى إلى ثلاثة، وعرفت كيف قرر ابن خروف ذلك، فعلى ما ذكره الشيخ يتمشى مذهب سيبويه، ويتبين صحة تقرير ابن خروف.
فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنّه وكرمه.
7 - ومنها: أن ابن عصفور تعرض إلى ذكر المصدر بالنسبة إلى جواز الاتساع فيه، فقال: الاتساع في المصدر أن ينصب نصب المفعول به، وأعني بذلك أن يعامل معاملة المفعول لا معاملة المصدر، بدليل أنه يجوز أن يؤتى بعده إذ ذاك بالمصدر كما يؤتى به بعد المفعول به، ومن ذلك قول العرب: سير عليه سير شديد، أيما سير فسير شديد كان قبل بناء الفعل للمفعول منصوبا على التشبيه بالمفعول به، بدليل أنهم أتوا بعده باسم منتصب على المصدر [2/ 479] وهو أيما سير 2. انتهى.
ومن أجل هذا ابتدأ الشيخ شرح هذا الموضع كأنه يستدرك على المصنف بأن قال: ظاهر كلامه اختصاص الظرف المتصرف بالتوسع فيه بأن يجعل مفعولا به على التوسع والمجاز ولا يختص ذلك بهذا الظرف، بل يجوز ذلك في المصدر المتصرف -

................................  أيضا فينصب مفعولا به على التوسع والمجاز، ولو لم يصح فيه ذلك ما جاز لفعل ما لم يسم فاعله حين قلت: ضرب ضرب شديد؛ لأن بناءه لما لم يسم فاعله فرع عن التوسع فيه بنصبه نصب المفعول به وتقول: الكرم أكرمته زيدا، ويا ضارب الضرب زيدا 1. هذا كلام الشيخ.
واعلم أن في كون المصدر يتوسع فيه بأن يجعل مفعولا به نظرا، وموجبه أن التوسع مجاز والمجاز لا يرتكب إلا بدليل، وقد وجد في الظرف ما يدل على أنه ينصب مفعولا به على السعة وهو أنهم أوصلوا العامل إلى ضمير الظرف بنفسه [3/ 8] دون «في» فدلّ ذلك على أنهم إنما أوصلوه إلى الضمير بعد إيصالهم إياه إلى الظاهر بنفسه أيضا؛ إذ لو لم يقدر ذلك في الظاهر لم يجئ في مضمره، فثبت نصب الظرف مفعولا به على التوسع بهذا الطريق، وأما المصدر فأي دليل يدلنا على أنه إذا نصب، أما مع عدم ذكر مفعول أو مع ذكر مفعول على أنهم توسعوا فيه فنصبوه مفعولا به، وإذا لم يكن ثمّ دليل على ذلك فندعي أنه منصوب على المصدر، ولو ذكر معه المفعول به؛ إذ لا مانع من ذلك، وما قاله ابن عصفور من أنه يجوز أن يؤتى بعده إذ ذاك بالمصدر ممنوع، وأما استدلاله بقول العرب: سير عليه سير شديد أيما سير إلى آخر ما ذكره فمنازع فيه؛ لأن لمدّع أن يدعي أن أيما سير باق على المصدرية وأنه منصوب على الحال من سير شديد؛ لأن سيرا وإن كان نكرة قد تخصص بالوصف، وكما أن الحال يكون عن المعرفة يكون عن النكرة المخصصة لا فرق بينهما كما هو المعروف عند أهل الصناعة النحوية، وأما ما مثّل به الشيخ وهو: الكرم أكرمته زيدا فلا أعرف ما المانع فيه من أن يكون الضمير منصوبا على المصدر، وكذا: يا ضارب الضرب زيدا أصله: يا ضاربا الضرب زيدا، فالضرب منصوب على المصدر وأضفنا إليه وهو باق على مصدريته إذ لا مانع من ذلك، وإنما احتجنا إلى إخراج الظرف عن الظرفية حال الإضافة إليه لأجل «في» المقدرة كما تقدم تقريره.
وأما قوله: «إنه لو لم يصح فيه ذلك ما جاز أن يقام مقام المفعول إذا بني الفعل له، وتعليله ذلك بأن بناءه لما لم يسم فاعله فرع عن التوسع فيه بنصبه نصب المفعول به» فغير ظاهر [2/ 480] ولا نسلم أن إقامته مقام المفعول فرع عن نصبه نصب -

................................  المفعول به، بل نقول: إن المصحح لإقامة المصدر مقام الفاعل هو المصحح لوقوعه فاعلا وهو الملابسة التي بينه وبين الفعل، كما أن ذلك واقع في الظرف وحاصل الأمر: أن المصدر يتوسع فيه بالإسناد إليه ولا يتوسع فيه بأن ينصب مفعولا به ولا بأن يضاف إليه؛ إذ لا داعية تدعو فيه إلى ذلك بخلاف الظرف فإنه يتوسع فيه بالإسناد كالمصدر ويتوسع فيه أيضا بنصبه مفعولا به والإضافة إليه 1؛ ولأجل ذلك لم يتعرض المصنف إلى ذكر التوسع في المصدر في هذا الباب حين ذكر التوسع في الظرف، لأن التوسع في الظرف عام في ثلاثة الأمور المذكورة والتوسع في المصدر خاص بأمر واحد، وقد ذكر المصنف ذلك الأمر في باب ما لم يسم فاعله لأنه مكانه فلم يبق لذكره في هذا الباب وجه، وهذا يدل على جلالة قدر المصنف وعلو رتبته وأنه موفق في نظره مهدي إلى طريق الصواب؛ فرحمه الله تعالى وأسكنه غرفات الجنان بمنه وكرمه.

جارٍ التحميل