الباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبر
................................
1000 - ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل 1
وأما «لعلما» فقد قال الآخر:
1001 - أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما... أضاءت لك النّار الحمار المقيّدا 2
وأمّا «ليتما» فلم تولها العرب الفعل قط، لا يحفظ من كلامهم ليتما يقوم زيد 3 [2/ 125] انتهى.
ونقل الشيخ مذهبا رابعا: وهو أنه لا يجوز كف «ليت» و «لعلّ» بـ «ما»، بل يجب الإعمال.
قال: وهو منسوب إلى الفراء، قال: والسماع بالوجهين إنما ورد في ليت 4.
ومنها: أن المغاربة يجعلون «ما» مع هذه الحروف إذا دخلت على الفعل مهيئة وموطئة لأنها هيأت الحروف للدخول على الفعل وإذا دخلت على المبتدأ والخبر جعلوها كافة، لأنها منعتها من العمل 5 وما ذكره حسن.
[تخفيف أن وكأن وأحكام ذلك - اللغات في لعل والجر بها]
قال ابن مالك: (فصل: لتأوّل «أنّ» ومعموليها بمصدر قد تقع اسما لعوامل هذا الباب مفصولا بالخبر، وقد تتّصل بـ «ليت» سادّة مسدّ معموليها. ويمنع ذلك في «لعلّ» خلافا للأخفش وتخفّف «أنّ» فينوى معها اسم لا يبرز إلّا اضطرارا، والخبر جملة اسمية مجرّدة أو مصدّرة بـ «لا» أو بأداة شرط أو بـ «ربّ» أو بفعل يقترن غالبا إن تصرّف ولم يكن دعاء بـ «قد» أو بـ «لو» أو بحرف تنفيس أو نفي، وتخفّف «كأنّ» فتعمل في اسم كاسم أنّ المقدّر والخبر جملة اسميّة أو فعليّة مبدوءة بـ «لم» أو «قد» أو مفرد، وقد يبرز اسمها في الشّعر، ويقال: «أما إن جزاك الله خيرا». وربما قيل: أن جزاك الله، والأصل أنّه، وقد يقال في «لعلّ»: «علّ» «ولعنّ» و «عنّ» و «لأنّ» و «أنّ» و «رعنّ» و «رغنّ» و «لغنّ» و «لعلّت». وقد يقع خبرها «أن يفعل» بعد اسم عين حملا على «عسى» والجرّ بـ «لعلّ» ثابتة الأوّل أو محذوفته مفتوحة الآخر أو مكسورته لغة عقيليّة). قال ناظر الجيش: قال المصنف رحمه الله تعالى 1: قد أشير في باب الابتداء أن من المبتدآت الواجب تقدم أخبارها «أنّ» وصلتها نحو: عندي أنك فاضل، وقد تدخل عليها «إن» أو إحدى أخواتها، فيلزم الفصل بالخبر نحو: إنّ عندي أنك فاضل 2، وكأن في نفسك أني سائل. وقد تدخل ليت بلا فصل كقول الشاعر: 1002 - فياليت أنّ الظّاعنين تلفّتوا... فيعلم ما بي من جوى وغرام 3
................................
فسدت «أنّ» بصلتها مسد جزأي الإسناد بعد «ليت» كما سدت مسدهما في باب «ظن» كقوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ 1 وكما سدت مسدهما في نحو وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا 2، فإن مذهب سيبويه في الواقعة بعد «لو» أنها مرفوعة بالابتداء سادة بصلتها مسد الجزأين 3، واختصت «أنّ» بهذا بعد «لو» كما اختصت «غدوة» بالنصب بعد «لدن» 4، ورأي سيبويه هذا أسهل من إضمار «ثبت» بعد «لو» رافعا «لأنّ»، وما ذهب إليه هو الصحيح، فإن إضمار فعل دون مفسر ولا عوض لا نظير له 5 بخلاف جعل «أنّ» وصلتها سادة
مسد جزأي الإسناد فإنه نظير سدها مسد جزأي الإسناد بعد «ليت» و «ظن»، فلم يكن بدعا.
فإنه قيل: لم لم يكن المفسر لثبت المضمر ما يقتضيه «أنّ» من معنى الثبوت؟
فالجواب أن يقال: لا نسلم اقتضاء «أنّ» للثبوت، ولو سلمنا اقتضاءها [2/ 126] للثبوت لم يساو اقتضاء لفظ الثبوت لمعناه، ولو وقع لفظ الثبوت بعد «لو» لم يغن عن مفسر فعل يرفعه فأن لا يستغنى عنه «بأنّ» أحق وأولى.
ونظير جعل «أنّ» بعد «لو» مبتدأ مستغنيا عن خبر، ما حكاه سيبويه من قول بعض العرب: «لحق أنّه ذاهب» بالإضافة إلى «أنّ» ما قال سيبويه كأنه قال: «ليقين ذلك أمرك»، فأمرك هو خبر هذا الكلام لأنه إذا أضاف لم يكن بد كقولك: «لحق من خير» 6. هذا نص سيبويه، وأجاز الأخفش أن تعامل «لعلّ» معاملة «ليت» في الدخول على «أنّ» بلا فصل، فيقال: لعل أنّ الله يرحمنا 7، ورأيه في المسألة -
................................
ضعيف لأنّ مقتضى الدليل أن لا يكتفى «بأنّ» وصلتها إلا حيث يكتفى بمصدر صريح، والمصدر الصريح لا يكتفى به بعد «ليت» فحق أن لا يكتفى بها بعدها، لكن سمع ذلك فقيل مع مخالفة الأصل فلا يزاد عليه دون 1 سماع.
وتخفف «أنّ» فلا تلغى كما تلغى «إن» المخففة إلا أن اسمها لا يلفظ به إلا في ضرورة كقول الشاعر 2:
1003 - لقد علم الضّيف والمرملون... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
بأنك ربيع وغيث مريع... وأنك هناك تكون الثّمالا 3
ولا يكون غير الملفوظ به إلّا ضميرا، ولا يلزم كونه ضمير الشأن كما زعم بعضهم 4، بل إذا أمكن عوده على
حاضر أو غائب معلوم فهو أولى، ولذلك قال سيبويه: حين مثل بقوله تعالى: أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا 5: كأنه قال جل وعز: أنك قد صدقت الرؤيا.
وذكر هذا في باب ما تكون فيه «أن» بمنزلة «أي» 6 وقال في الباب الذي بعده: وتقول: كتبت إليه أن لا تقل ذلك وأن لا تقول ذلك، وأن لا تقول ذلك.
فأما الجزم فعلى الأمر، عبر بالأمر على النهي.
-
................................
وأما النصب فعلى «لئلا».
وأما الرفع فعلى: لأنك لا تقول ذلك، أو بأنك لا تقول ذلك تخبره بأن ذلك قد وقع من أمره 1. هذا نصه.
ولا يكون الخبر بعد الاسم المنويّ إلا جملة مصدرة بمبتدأ نحو وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 2، وبخبر كقول الأعشى:
1004 - في فتية كسيوف الهند قد علموا... أن هالك كلّ من يحفى وينتعل 3
أو بحرف نفي نحو وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 4، أو بأداة شرط نحو قول الشاعر:
1005 - فعلمت أن من يثقفوه فإنّه... حرز لجامعة وفرخ عقاب 5
أو بربّ نحو قول الآخر:
1006 - تيقّنت أن ربّ امرئ خيّل خائنا... أمين وخوّان يخال أمينا 6
أو بفعل مباشر إن كان دعاء نحو وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها 7، أو غير منصرف نحو: وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ 8، فإن كان الفعل متصرفا -
................................ ولم يكن دعاء وقي مباشرة «أن» في الغالب بقد كقوله تعالى: وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا 1 كقول الشاعر: 1007 - ألم تعلمي أن قد تجشّمت في الهوى... من أجلك أمرا لم يكن يتجشّم 2 أو «بلو» 3، كقوله تعالى: تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ 4 [2/ 127]، أو بحرف تنفيس نحو عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى 5 أو بحرف نفي نحو: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا 6 وأَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ 7 وقال سيبويه مشيرا إلى قول الأعشى: 1008 - أن هالك كلّ من يحفى وينتعل 8 ومثل ذلك: أول ما أقول أن بسم الله، كأنه قال: أنه بسم الله 9. وقال سيبويه: واعلم أنه ضعيف في الكلام أن يقول: قد علمت أن تفعل وقد علمت أن فعل حتى تأتي بالسين أو قد، أو ينفى لأنهم جعلوا ذلك عوضا مما حذفوا من «أنه»، فكرهوا ترك العوض 10. قلت: ومن شواهد علمت أن فعل قول امرئ القيس: 1009 - وحدّث بأن زالت بليل حمولهم... كنخل من الأعراض غير منيّق 11
................................
وقال سيبويه: وأما قولهم: (أما أن جزاك الله خيرا)؛ فإنهم إنما أجازوه لأنه دعاء ولا يصلون هنا إلى قد وإلى السين ولو قلت: أما أن يغفر الله لك؛ جاز لأنه دعاء، قال: وسمعناهم يقولون: أما إن جزاك الله خيرا، شبهوه بأنّه، قال محمد:
و «أما» قبل أن المخفف المفتوحة بمعنى حقّا هي قبل المشددة المفتوحة وهي بمعنى «ألا» قبل «إن» المكسورة 1. هذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى.
ويجوز عندي أن تكون «أما» في الوجهين بمعنى «ألا» وتكون «إن» المكسورة زائدة، كما زادها الشاعر في قوله:
1010 - ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيبا... أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا 2
وفي المفتوحة على هذا وجهان:
أحدهما: أن تكون المخففة وتكون هي وصلتها من موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف 3، كما تقرر في «أن» الواقعة بعد «لو» على مذهب سيبويه 4، ويكون التقدير: أما من دعائي أن جزاك الله خيرا، ثم حذف الخبر للعلم به.
والوجه الثاني: من وجهي الفتح مع كون «أما» بمعنى «ألا»: أن تكون زائدة كما زيدت بعد «لما»، وقبل «لو»، وبعد كاف الجر في قوله 5: - - (منيق).
وهو من بحر الطويل.
اللغة: حمولهم: الجمال.
الأعراض: الأودية.
والشاهد قوله: (وحدث بأن زالت) حيث جاء خبر «أن» المخففة جملة فعلية فعلها منصرف، ولم تفصل من «أن» بفاصل.
................................ 1011 - كأن ظبية تعطو... 1 على رواية الجر، ويجوز أن تكون في قول الشاعر: 1012 - ألا إن سرى ليلي... المخففة من «إن» ويكون الأصل إنه سرى ليلي، ثم فعل به ما فعل بأما إن جزاك الله خيرا في قول سيبويه 2. وقد تباشر «أن» المخففة فعلا متصرفا غير مقصود به الدعاء 3 وعليه نبهت بقولي: (غالبا) 4، فإن كان ذلك بعد فعل قلبي أو معناه فهو أسهل من أن يكون بعد غير ذلك 5، فالأول: كقول الشاعر: 1013 - علموا أن يؤمّلون فجادوا... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل 6
................................ وأنشد الفراء: 1014 - إني زعيم يا نوي... قة إن أمنت من الرّزاح ونجوت من غرض المنو... ن من الغدوّ إلى الرّواح أن تهبطين بلاد قو... م يرتعون من الطّلاح 1 والثاني: كقراءة بعض القراء 2: (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) 3، ومثله قول الشاعر [2/ 128]: 1015 - يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكما... وحيثما كنتما لقّيتما رشدا أن تحملا حاجة لي خفّ محملها... يستوجبا منّة عندي بها ويدا أن تقرآن على أسماء ويحكما... منّي السّلام وأن لا تشعرا أحدا 4 و «أن» في هذين الموضعين وأشباههما عند البصريين هى الناصبة للمضارع، وترك إعمالها حملا على «ما» أختها، وهي عند الكوفيين المخففة 5، وشذ -
................................ وقوعها موقع الناصبة كما شذ وقوع الناصبة موقع المخففة في قول جرير: 1016 - نرضى عن الله أنّ النّاس قد علموا... أن لا يدانينا من خلقه بشر 1 وقول الكوفيين عندى أولى بالصواب، فإنه لا يلزم منه إهمال ما وجب له الإعمال ومما يؤيده قول الشاعر: 1017 - رأيتك أحييت النّدى بعد موته... فعاش النّدى من بعد أن هو خامل 2 فوصل «أن» بجملة اسمية وليس قبلها فعل قلبي ولا معناه، وكل موضع هو كذا فهو «لأن» الناصبة للفعل وأن الناصبة للفعل لا توصل بجملة اسمية، فصح وقوع المخففة موقع الناصبة وهو المراد، وقريب من قوله: «أن هو خامل» قول الآخر: 1018 - فلا تلهك الدّنيا عن الدين واعتمل... لآخرة لا بدّ عن ستصيرها 3 أبدل همزة «أن» عينا وحسن وقوع المخففة هنا لأنّ «لا بد» تجرى مجرى اليقين وتخفف «كأنّ» فلا تلغى، بل تعمل إعمال «أن» المخففة، إلا أنّ خبرها إذا قدر اسمها لا يلزم كونه جملة، بل قد يكون مفردا، بخلاف خبر «أن» 4 إذا قدر اسمها وإن كان جملة جاز كونها فعلية مبدوءة «بلم» كقوله تعالى كَأَنْ لَمْ تَغْنَ -
................................ بِالْأَمْسِ 1، أو «بقد» كقول الشاعر: 1019 - لا يهولنّك اصطلاء لظى الحر... ب فمحذورها كأن قد ألمّا 2 أو ابتدائية كقول الشاعر: 1020 - ووجه مشرق النّحر... كأن ثدياه حقّان 3 أو شرطية كقول الآخر 4. 1021 - وي كأن من يكن له نشب يح... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ 5 ومثال إفراد الخبر مع تقدير الاسم: قول الشاعر: 1022 - ويوما توافينا بوجه مقسّم... كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم 6
................................
أي كأنها ظبية.
ويروى بالنصب على حذف الخبر والتقدير: كأن ظبية عاطية المذكورة، وهذا من عكس التشبيه، ويروى بالجر على زيادة «أن» شذوذا.
وفي «لعلّ» عشر لغات: لعلّ، علّ، لعنّ، عنّ، لأنّ، أنّ، رعنّ، رغنّ، لعنّ، لعلّت.
فالستة المتقدمة مشهورة والأربعة الباقية قليلة الاستعمال، وأقلها استعمالا «لعلت» ذكرها أبو علي في التذكرة 1.
ومن ورود «أنّ» بمعنى «لعل» ما حكاه الخليل من قول بعض العرب: إيت السوق أنّك تشتري لنا شيئا 2. واستشهد الأخفش على ذلك بقول الراجز 3:
1023 - قلت لشيبان ادن من لقائه... أنّا نغذّي القوم من شوائه 4
ومنه قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو: أنها إذا جاءت 5 بالفتح 6. وقال امرؤ القيس في «لأنّ»:
1024 - عوجا على الطّلل المحيل لأنّنا... نبكي الدّيار كما بكى ابن خذام 7
وقال [2/ 129] الفرزدق في لعنّ: -
................................ 1025 - ألستم عائجين بنا لعنّا... نرى العرصات أو أثر الخيام 1 وإذا كان الاسم في هذا الباب وغيره اسم معنى؛ جاز كون الخبر فعلا مقرونا «بأن» كقولك: إن الصلاح أن تعصي الهوى، فلو كان الاسم اسم عين امتنع ذلك، كما يمنع في الابتداء، وقد يستباح في «لعلّ» حملا على «عسى» 2 ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لعلّك أن تخلّف فينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون» 3 وروى أبو زيد 4 أن بني عقيل يجرون بلعل مفتوحة الآخر ومكسورته 5 ومن شواهد ذلك قول الشاعر: 1026 - لعلّ الله يمكنني عليها... جهارا من زهير أو أسيد 6 وروى الفراء أيضا الجر «بعلّ» وأنشد: 1027 - علّ صروف الدّهر أو دولاتها... تدلينا اللّمّة من لمّاتها 7
................................
وزعم أبو علي أن «لعل» خففت وأعملت في ضمير الشأن محذوفا، ووليها في اللفظ لام الجر مفتوحا تارة ومكسورا تارة، والجر به.
و «لعلّ» على أصلها 1، ولا يخفى ما في هذا من التكلف 2. انتهى كلام المصنف 3. ونتبعه بذكر أمور:
منها: أن صاحب البسيط نقل أن الخلاف الذي في «ظننت أن زيدا قائم» هو أيضا في ليت أن زيدا قائم، فرأى الأخفش أن الخبر محذوف هنا كما أن المفعول الثاني محذوف هناك 4 ورأى سيبويه: أنها سدت مسد المفعولين في «ظننت»، فكذلك هنا 5 وقال ابن الدهان 6: تكتفي ليت «بأن» مع الاسم ولا تكتفي «بأن» مع الفعل عند المحققين.
كذا نص ابن السراج وهما مصدريان، وذلك لظهور الخبر مع أن 7. انتهى.
وهذا بخلاف الحال في باب ظن، فإنه يكتفى فيه «بأن» مع الفعل 8. قال الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا 9.
ومنها: أن الشيخ نقل أن الأخفش لم يقتصر على «لعلّ» في إجرائها مجرى «ليت» كما ذكر المصنف، بل نصّ على أن «لعلّ» و «لكنّ» و «كأنّ» في هذا الحكم سواء، فيجيز: (لكنّ أنك منطلق)، و (كأنّ أنك منطلق)، كما يجيز:
(لعل أنكّ منطلق) قال الجرمي 10: وهذا كله رديء في القياس، لأن «أن» لا يبتدأ بها، وقال الشيخ: وأجاز هشام: إنّ أنّ زيدا منطلق حقّ بمعنى إن إطلاق زيد حق.
انتهى 11.
ولا يخفى أن لا معول على شيء من ذلك، إذ لا ثبوت له عن العرب: ويكفي -
................................
في رده نبو الطباع عن التكلم به.
ومنها: أنه قد يسأل فيقال: ما الذي أحوج إلى تقدير اسم «لأن» إذا خففت محذوف وهلا ادعى فيها الإلغاء؟
والجواب: أن سبب إعمالها الاختصاص بالاسم، فما دام لها الاختصاص ينبغي أن يعتقد أنها عاملة ويدل على أنها عندهم باقية على الاختصاص: كونهم استقبحوا وقوع الأفعال بعدها دون فصل، إلا أن تكون الأفعال شبيهة بالأسماء لعدم تصرفها 1، لا يقال: سبب الفصل جعل تلك الحروف عوضا عن الاسم المحذوف، لأنه لو كان السبب ذلك، لزم الفصل بينها وبين الجملة الاسمية وهم لا يفعلون ذلك 2.
قال الله تعالى: [2/ 130] وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 3.
وقد تكلم سيبويه على هذا فقال: لأنهم لم يحلوا به هاهنا يعني بالاسم - لأنهم أقروا بعدها المبتدأ والخبر كما كانوا يفعلون لو شددوا.
فأما إذا حذفوا وأولوها الفعل الذي لم يكن يليها فكرهوا أن يجعلوا عليها الحذف ودخولها على ما لم يكن يليها مثقلة، فجعلوا هذه الحروف عوضا 4.
ومنها: أن سيبويه أجاز في «أن» المخففة أن تلغى لفظا وتقديرا كما ألغيت «إنّ» إذا خففت، وتكون حرفا مصدريّا لا يعمل شيئا كبعض الحروف المصدرية.
-
حكم المعطوف على اسم إنّ ولكنّ وبقية نواسخ هذا الباب
قال ابن مالك: (فصل؛ يجوز رفع المعطوف على اسم «إنّ» و «لكنّ» بعد الخبر بإجماع لا قبله مطلقا، خلافا للكسائي، ولا بشرط خفاء إعراب الاسم خلافا للفرّاء.
وإن توهّم ما رأياه قدّر تأخير المعطوف أو حذف خبر قبله، و «أنّ» في ذلك كـ (إنّ) على الأصحّ، وكذا البواقي عند الفرّاء والنّعت وعطف البيان والتّوكيد كالمنسوق عند الجرمي والفرّاء والزّجّاج.
وندر: إنّهم أجمعون ذاهبون.
وإنّك وزيد ذاهبان، وأجاز الكسائيّ رفع المعطوف على أوّل مفعولي «ظنّ» إن خفي إعراب الثّاني).
قال سيبويه: «ولو خففوا (أنّ) وأبطلوا عملها في المظهر والمضمر وجعلوها «كإنّ» إذا خففت لكان وجها قويّا» 1.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: نصب المعطوف على اسم «إنّ» مستغن عن التنبيه عليه لأنه كالعطف على لفظ سائر المعمولات، ولا فرق في ذلك بين إنّ وأخواتها ولا بين وقوعه قبل الخبر ووقوعه بعده 3.
ومثال وقوعه قبل الخبر، قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ 4 الآية.
ومثال وقوعه بعد الخبر، قول الراجز:
1028 - إنّ الربيع الجود والخريفا... يدا أبي العبّاس والصّيوفا 5
أراد: إن الربيع الجود والخريف والصّيوف يدا أبي العباس.
-
................................
والذي لا يستغنى عن التنبيه عليه رفع المعطوف، وهو على ضربين:
أحدهما: مشترك فيه، وهو العطف على الضمير المرفوع بالخبر.
والثاني: العطف على معنى الابتداء، وهو عند البصريين مخصوص «بإنّ» «ولكنّ» ومشروط بتمام الجملة قبله 1. ومثاله مع «إنّ» قول الشاعر:
1029 - إن النّبوّة والخلافة فيهم... والمكرمات وسادة أطهار 2
ومثله قول الآخر:
1030 - فمن يك لم ينجب أبوه وأمّه... فإنّ لنا الأمّ النّجيبة والأب 3
ومثاله مع «لكن»، قول الآخر:
1031 - وما زلت سبّاقا إلى كلّ غاية... بها تقض في النّاس مجد وإجلال
وما قصّرت بي في التّسامي خؤولة... ولكنّ عمّي الطيّب الأصل والخال 4
وهذا العطف المشار إليه، ليس من عطف المفردات كما ظن بعضهم، بل هو من عطف الجمل، ولذا لم يستعمل إلا بعد تمام الجملة أو تقدير تمامها 5، ولو كان من -
................................
عطف المفردات لكان وقوعه قبل التمام أولى؛ لأنّ وصل المعطوف بالمعطوف عليه أجود من فصله ولو كان من عطف المفردات [2/ 131] لجاز رفع غيره من التوابع، ولم يحتج سيبويه في قوله تعالى قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 1 إلى أن يجعل عَلَّامُ الْغُيُوبِ خبر مبتدأ أو بدلا من فاعل يَقْذِفُ 2، وأيضا فإن وأخواتها مشبهة بالأفعال لفظا ومعنى واختصاصا 3، فلا عمل للابتداء بعد دخولها 4 كما لا عمل له بعد دخول الأفعال الناسخة 5. ولقوة شبهها بالأفعال لم يبطل عملها بالفصل في نحو: إن فيك زيدا راغب 6، ولا بتقديم المسند في نحو: إن عندك زيدا، ولا بالحذف مع دليل كقراءة حمزة والكسائي 7: وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات 8. بخلاف «ما» المشبهة بليس، و «لا» المشبهة بإنّ، فإنها ضعيفة الشبه وضعيفة العمل، ولذا لا تعمل في الخبر عند سيبويه 9 ويبطل عملها الفصل بإجماع، فلضعفها لم تنسخ عمل الابتداء لفظا 10 ومحلّا، بل هو باق تقديرا بعد دخولها، ولهذا ينعت اسمها باعتبار المحل رفعا، ولم يفعل ذلك باسم «إنّ» والحاصل: أن عمل الابتداء بعد دخول إنّ وأخواتها منسوخ لفظا - - الأصل في هذه المسألة: عطف الجمل إلا أنهم لما حذفوا الخبر لدلالة ما تقدم عليه أنابوا حرف العطف مكانه ولم يقدروا إذ ذاك الخبر المحذوف في اللفظ لئلا يكون جمعا بين العوض والمعوض منه فأشبه عطف المفردات من جهة أن حرف العطف ليس بعده في اللفظ إلا مفردا وهو يخالف ما قاله الرضي ويوافق ما قاله شيخنا.
اه.
وينظر المسألة في حاشية الصبان (1/ 285)، والهمع (2/ 144)، ومغني اللبيب (2/ 474)، وشرح الألفية للمرادى (1/ 350)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 67)، والتذييل (2/ 800798)، والقول بأنه من عطف الجمل هو مذهب الجمهور.
وانظر أيضا شرح الرضي على الكافية (2/ 352 - 353).
................................ ومحلّا كانتساخه بـ «كان» و «ظنّ»، إلا أنّ «إنّ» و «لكنّ» لم يتغير بدخولها معنى الجملة، ويتغير بدخول «كأن» و «ليت» و «لعل» فجاز أن يعطف على مصحوبي «إنّ» و «لكنّ» مبتدأ مصرح بخبره ومحذوف خبره، كما يجوز ذلك بعد المبتدأ والخبر لبقاء المعنى على ما كان عليه 1، ولكون الخبر الموجود صالحا للدلالة على المحذوف إذ لا تخالف بينهما، بخلاف خبر «كأن» و «ليت»، و «لعل» فإنه مخالف لخبر المبتدأ المجرد، فلا يغني أحدهما عن الآخر. فلو كان خبر المعطوف مخالفا لزم ثبوته نحو [قوله تعالى]: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 2. ومثله [قوله تعالى]: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها 3، وقرأ حمزة بنصب (الساعة) 4، ولم يختلف في رفع وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 5. وحمل سيبويه ما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير، فالتقدير عنده في [قوله تعالى]: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى 6: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك 7. وأسهل من التقديم والتأخير تقدير خبر قبل العاطف مدلول عليه بخبر ما بعده 8 كأنه قيل: إن الذين آمنوا فرحون، والذين هادوا والصائبون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فإن حذف ما قبل العاطف لدلالة ما بعده مقطوع بثبوته في كلام العرب قبل دخول إنّ كقول الشاعر 9: 1032 - نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راض والرّأي مختلف 10
................................
وبعد دخولها كقول الآخر:
1033 - خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما... وإن لم تبوحا بالهوى دنفان 1
فتقدير الأول: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض وتقدير الثاني:
فإني دنف، وأنتما دنفان.
وأنشد سيبويه قول الفرزدق:
1034 - إني ضمنت لمن أتاني ما جنى... وأبي فكان وكنت غير غدور 2
[2/ 132] ثم قال: ترك أن يكون للأول خبر حين استغنى بالآخر 3 ومثل «إنّ» و «لكنّ» في رفع المعطوف على معنى الابتداء «أنّ» إذا تقدمها علم أو معناه 4؛ فمعناه كقوله تعالى وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ 5، وصريح العلم كقول الشاعر 6:
1035 - وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم... بغاة ما بقينا في شقاق 7
تقديره عند سيبويه: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، حمله على التقديم والتأخير، - - والعيني (1/ 557)، والهمع (2/ 109)، والدرر (2/ 142)، والأشموني (3/ 152)، وملحقات ديوان قيس (173)، ومعاني القرآن للفراء (2/ 363)، وديوان حسان (ص 28)، ومعاني القرآن للزجاج (2/ 493)، والشاهد قوله: (نحن بما عندنا) حيث حذف ما قبل العاطف لدلالة ما بعده عليه وليس في الكلام (إنّ).
................................
كما حمل آية المائدة، فسوى بين «إنّ»، و «أنّ» 1 فصح أن من فرق بينهما على الإطلاق مخالف لسيبويه، وجعل من هذا القبيل قوله تعالى 2: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ 3. وزعم قوم أنه إنما أورده بكسر الهمزة وهي قراءة الحسن 4، وهو بعيد من عادة سيبويه 5 فإنه إذا استدل بقراءة تخالف المشهور لا يستغني عما يشعر بذلك كما فعل إذا ورد (إذا لا يلبثوا خلفك إلا قليلا) 6، 7، وأجاز الكسائي رفع المعطوف بعد «إنّ» قبل الخبر مطلقا فيقول: إنّ زيدا وعمرو قائمان.
وإنك وزيد ذاهبان.
ووافقه الفراء إن خفي إعراب الاسم نحو: إنك وزيد ذاهبان 8. وكلا المذهبين ضعيف لأن «إنّ» وأخواتها قد ثبت قوة شبهها بكان وأخواتها، فكما امتنع بكان أن يكون للجزأين إعراب في المحل يخالف إعراب اللفظ؛ يمنع بإنّ.
ولو جاز أن يكون اسم إنّ مرفوعا بالمحل باعتبار عروض العامل لجاز أن يكون خبر كان مرفوع المحل بذلك الاعتبار لتساويهما في أصالة الرفع وعروض - - ومعاني القرآن للفراء (1/ 311)، وشرح التسهيل للمصنف (2/ 51)، وشرح التسهيل للمرادي (1/ 51)، وتعليق الفرائد (1158)، والكافية الشافية (1/ 513)، والخزانة (4/ 315)، استطرادا (324)، والعيني (4/ 315)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 67)، والبهجة المرضية (38)، وشرح الألفية للمرادي (1/ 348). اللغة: بغاة: جمع باغ وهي هنا بمعنى طالب من قولك: بغيت الشيء أبغيه إذا أردت طلبه.
والشاهد قوله: (أنا وأنتم بغاة) حيث عطف ضمير الرفع (أنتم) على محل اسم (أن) المبني قبل استكمال الخبر.
................................
النص، ولا حجة لهما فيما حكى سيبويه من قول بعض العرب: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان 1 لأن الأول تخرج على أن أصله إنهم هم أجمعون ذاهبون فهم مبتدأ وأجمعون توكيد وذاهبون خبر المبتدأ وهو وخبره خبر إنّ، وأصل الثاني: إنك أنت وزيد ذاهبان، فأنت مبتدأ وزيد معطوف وذاهبان خبر المبتدأ، والجملة خبر «إنّ» وحذف المتبوع وإبقاء التابع عند فهم المعنى جائز بإجماع، فالقول به راجح.
وغلّط سيبويه من قال: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان، فقال: واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون وإنك وزيد ذاهبان وذلك أن معناه معنى الابتداء فيرى أنه قال هم، كما قال:
1036 - لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئا... 2
وهذا غير مرضي منه رحمه الله تعالى 3، فإن المطبوع على العربية - كزهير قائل البيت - لو جاز غلطه في هذا لم يوفق بشئ من كلام، بل يجب أن يعتقد الصواب في كل ما نطقت به العرب المأمون حدوث لحنهم بتغير الطباع.
وسيبويه موافق على هذا ولولا ذلك ما قيل نادرا كلدن غدوة 4، وهذا جحر ضبّ خرب 5، وأجاز الفراء في المعطوف على اسم غير إنّ ما أجاز في المعطوف على اسم إنّ 6، واستشهد بقول الراجز: -
................................
1037 - يا ليتني وأنت يا لميس... في بلد ليس له أنيس 1
[2/ 133] ولا حجة له فيه لأن تقديره: يا ليتني وأنت معي يا لميس، فحذف «معي» وهو وخبر «ليت» والجملة حالية واقعة بين اسم ليت وخبرها وأجاز الجرمي والزجاج والفراء رفع نعت الاسم بعد الخبر، وبمثل ذلك حكموا للتوكيد وعطف البيان 2، وأجازوا أن يكون من ذلك قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 3.
وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إن خفي إعراب ثانيهما، نحو:
ظننت زيدا صديقي وعمرو 4. انتهى كلام المصنف رحمه الله، ويتعلق به مباحث:
الأول:
قد عرف من كلامه أن المرفوع في نحو: إن زيدا قائم وعمرو مبتدأ محذوف الخبر، ولا شك أن هذا هو الحق.
وقد أقام الدليل على ذلك، وعرف منه أيضا أن القائل بأنه من عطف المفردات، يقول: إنه معطوف على المنصوب باعتبار محله قبل دخول «إنّ».
وقد أبطل المصنف ذلك، ولكن للقائلين بأنه من عطف المفردات -
................................
قول آخر وهو أن المرفوع معطوف على موضع «إنّ» وما عملت فيه لأنها وما عملت فيه في موضع ذلك الاسم الذي كان مبتدأ قبل دخولها، وهذا هو الذي جنح إليه الفارسي 1، ومن ثم قيل في المسألة مذاهب ثلاثة 2. وأما كون المرفوع يكون معطوفا على الضمير الذي في الخبر، فقد عده الشيخ مذهبا رابعا، ولا ينبغي ذلك لأن هذه مسألة برأسها 3، والعطف على الضمير المستتر لا خصوصية له بهذا الباب، وإذا كان كذلك فلا يعد مذهبا.
واعلم أن القائلين بأنه من عطف المفردات شبهتهم أنه سمع من لسان العرب: إنّ زيدا منطلق لا عمرو.
قالوا: ولا يتصور أن يكون من قبيل عطف الجمل لأن «لا» لا يعطف بها إلا المفرد، ولو كان ما بعد «لا» مرفوعا بالابتداء وكانت «لا» حرف نفي مستأنفا ما بعدها لزم تكرارها.
ولأجل هذا قال ابن خروف في قولهم: (إن زيدا منطلق لا عمرو) جاز الرفع وإن لم يجز الابتداء «بلا»، ومن هنا وقع الخلاف، إذ لا يقال في الابتداء: (لا عمرو قائم)، قال: فذكر «لا» هنا أوقع الخلاف بين النحويين في هذا المرفوع، وإنما دخلت «لا» هنا من حيث كان الاسم بعدها بصورة المعطوف؛ فجاز فيه ما لا يجوز في الابتداء 4.
وجعل الشلوبين ذلك دليلا قاطعا على أن سيبويه يحمل على الموضع 5. ولا يتم ما قاله الشلوبين لأن كلام سيبويه يعطي خلاف ذلك، فإنه قال: وما يكون محمولا على «إنّ» فيشارك فيها الاسم الذي وليها ويكون محمولا على الابتداء 6: إنّ زيدا ظريف وعمرو، فيرفع على وجهين: فأحدهما حسن، وهو أن يكون محمولا على الابتداء، لأن معنى إنّ زيدا منطلق: زيد منطلق وإنّ توكيد والآخر ضعيف أن يكون محمولا على المضمر، فأحسنه أن يقول: هو وعمرو، فإن شئت جعلت الكلام على الأول فقلت: (إنّ زيدا منطلق وعمرا) 7. ولكنّ المثقلة -
................................ في جميع الكلام بمنزلة «إنّ»، فإذا قلت: إنّ زيدا منطلق لا عمرو فتفسيره كتفسيره «مع الواو». وإذا نصبت فتفسيره كتفسيره مع الواو [2/ 134]. و «لعلّ» وكأنّ و «ليت» يجوز فيهن جميع ما جاز في «إنّ» إلا أنه لا يرتفع على الابتداء 1. انتهى. وهو كلام واف بالمقصود شاهد بصحة ما قرره المصنف. المبحث الثاني: لما جرى ذكر العطف على الموضع هنا قصدت أن أذكر الضابط له على طريقة المتأخرين، وذلك يستدعى ذكر تقسيم، وهو أن المعطوف عليه إمّا مبنيّ فيحمل على موضعه أبدا إلا في بابين، في باب «لا» 2، والمبني في باب النداء 3. وإما معرب ولا موضع له؛ فيحمل على لفظه، نحو: قام زيد وعمرو، أو وله موضع بحق الفرعية ويكون ذلك في باب اسم الفاعل والصفة المشبهة «وليس» و «ما» تقول: هذا ضارب زيدا وأخيه وحسن وجها ويد، وليس زيد قائما ولا قاعد. وما زيد خارجا ولا ذاهب. فهذا ممتنع على مذهب الجمهور 4، وأجازه البغداديون في البابين الأولين لأن الإضافة فيهما قد كثرت 5 وأجاز الفراء في البابين الآخرين لأنه قد كثرت زيادة الباء في خبريهما، وقد جاء: 1038 - بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى... ولا سابق... البيت 6
................................
وإن كان الموضع بحق الأصالة فإن لم يصرح به لم يجز الحمل عليه نحو: مررت بزيد وعمرو لأنهم لم يقولوا مررت زيدا إلا شاذّا ومنهم من أجازه، وإن صرح بالموضع فإما أن يتغير العامل حال التصريح عما كان عليه أو لا يتغير، إن تغير لم يجز الحمل، وذلك في بابين:
الأول: اسم الفاعل والمفعول والصفة.
الثاني: المصدر المنحل لأن مع الفعل نحو ضارب زيدا وعمرا، فسيبويه يمنعه 1، وغيره يجيزه.
وإن لم يتغير العامل جاز الحمل، وعدم تغير العامل هو الذي يعبرون عنه بالمحرز، وبهذا التقرير يعلم امتناع العطف على الموضع في نحو: إنّ زيدا قائم وعمرو، إذ لا محرز له.
المبحث الثالث:
ناقش الشيخ المصنف في كلامه من وجهين:
أحدهما: قوله: رفع المعطوف على اسم إنّ واسم «إنّ» منصوب، قال: فكيف يجوز عطف المرفوع على المنصوب؟
والثاني: قوله: بإجماع، قال: وليس بصحيح، بل العطف بالرفع على موضع اسم إن فيه خلاف.
والصحيح أن ذلك لا يجوز، والرفع إنما هو على الابتداء والخبر محذوف لدلالة الخبر قبله عليه 2. انتهى.
والجواب عن هاتين المناقشتين في غاية الظهور:
أما الأولى: فإن العطف إذا قلنا: إنه على اسم «إنّ» جاز أن يقال في المرفوع إنه عطف على الاسم، لأن العطف على اسم له محل يصح فيه أن يقال: عطف عليه باعتبار لفظه وعطف عليه باعتبار محله، وفي كلتا الحالتين يصح أن يقال عطف الاسم ويطلق القول، وكيف يتخيل أن مرفوعا معطوف على منصوب أعني على لفظه.
وأما الثانية: فإن قوله: بإجماع يتعلق بقوله: يجوز الرفع لا بقوله: المعطوف على اسم إنّ.
وكيف يتوهم ذلك في المصنف [2/ 135] مع قوله: وهذا العطف المشار إليه ليس من عطف المفردات - كما ظن بعضهم - بل هو من عطف الجمل فجعل -
................................
كونه من عطف الجمل هو قول الجمهور، وجعل كونه من عطف المفردات هو قول بعضهم، فكيف ينسب إليه بعد هذا أنه يدعى أنه معطوف على اسم «إن» بالإجماع، لأنه إذا كان معطوفا على اسم «إنّ» كان من عطف المفرد على المفرد بلا شك.
وأما إطلاق المصنف عليه أنه معطوف على اسم «إنّ»، فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه إطلاق مجازي لأنه في الصورة كالمعطوف عليه فشبه بالمعطوف على الاسم حقيقة.
وإما أنه أرد العطف حقيقة، وذلك على قول من يرى أنه من عطف المفردات، ثم إنه صحح القول بأنه من عطف الجمل وهذا كما في كتب الفقه وغيرها، يذكر القول الضعيف ثم يذكر أن الأصح خلافه.
المبحث الرابع:
قد تقدم من كلام المصنف أن سيبويه غلط من قال: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيدا ذاهبان 1، إلى آخره وأن المصنف قال: إن ذلك غير مرضيّ من سيبويه إلى آخر الكلام، فقال الشيخ بعد إيراده ذلك: وفهم - يعني المصنف - من كلام سيبويه أن ناسا من العرب يغلطون حقيقة الغلظ، وأنهم لحنوا في ذلك، قال:
ولم يرد سيبويه هذا المفهوم الذي فهمه المصنف، وإنما يريد أنه لم يشارك في الناصب وكأنه لم يتقدم ناصب بل ابتدأ بالاسم مرفوعا فأتبعه مرفوعا، فصار كأنه لم يذكر الناصب.
وسمي هذا غلطا مجازا لا على جهة الحقيقة.
قال: ولم يفهم أحد من الشراح ولا الشيوخ المأخوذ عنهم هذا العلم عن سيبويه 2 ما فهمه هذا المصنف، قال:
وهذا كما قال في قوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ 3، فإنه - يعني سيبويه - سماه عطفا على التوهم كأنه قيل (أصدق، وأكن) ولا يريد التوهم حقيقة لاستحالة ذلك على الله تعالى، وإنما يريد أنه لم يتبع الثاني الأول في الإعراب، يعني بل راعى في إتباع الثاني الأول أمرا آخر يصح تلبس الأول به في هذا التركيب 4. انتهى.
-
................................ وهذا الذي ذكره الشيخ عن الشراح والشيوخ من حمل كلام سيبويه على ما ذكروا هو الحق. وقبل وقوفي على كلام الشيخ قد كنت أفهم أن المراد من الغلط الذي أشار إليه سيبويه ما يقرب من المراد بالتوهم، أو ما هو المراد بالتوهم نفسه ولم أفهم منه أن المراد به الخطأ 1. المبحث الخامس: قال الشيخ: إن قول المصنف: بشرط خفاء إعراب الاسم يشمل أن يكون مبنيّا، وبه مثّلوه وأن يكون معربا لكن الإعراب فيه مقدر كالمقصور، والمضاف إلى ياء المتكلم. قال: وهو يحتاج إلى نقل مذهب الفراء في ذلك 2. المبحث السادس: قد عرفت أن المصنف أجرى «أنّ» مجرى «إنّ» و «لكنّ» في رفع المعطوف على معنى الابتداء، وأنه قيد ذلك في الشرح بأن يتقدمها علم أو معناه فعلم أنه لا يجريها مجراها مطلقا، وذكر أن هذا مذهب سيبويه، وأنه جعل من هذا القبيل قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [2/ 136] وَرَسُولُهُ 3. وأن قوما زعموا أن سيبويه إنما أورد الآية الكريمة بكسر الهمزة، وهي قراءة الحسن 4، واستبعد المصنف ذلك كما تقدم، فقال الشيخ 5: ما زعمه قوم من إنه بكسر الهمزة هو مضبوط في الكتاب بكسر الهمزة مصححا في نسخ الشيوخ المأخوذ عنهم الكتاب رواية ودراية. قال: ويدل على ذلك أنه لم يذكر في باب ما كان محمولا على «إن» سوى «لكن» فقال 6: و «لكن» بمنزلة «إن» فلو كانت «أن» بمنزلة إن في ذلك لذكرها كما ذكر لكن، إلا أنه ذكر في آخر هذه الأبواب قول الشاعر: 1039 - وإلا فاعلموا أنّا وأنتم... بغاة... 7
................................
وقال: كأنه قال: نحن بغاة ما بقينا وأنتم، فقال ابن خروف: هذا نص من سيبويه في المفتوحة أنه يحمل معها على الابتداء.
قال الشيخ: وليس بنص، إذ يحتمل أن يكون من باب العطف على التوهم، ويحتمل أن يكون «وأنتم» معطوفا على مبتدأ محذوف تقديره: وإلا فاعملوا أنا نحن وأنتم بغاة، والجملة في موضع خبر أن كما قيل في إنك وزيد ذاهبان: إن التقدير إنك أنت وزيد ذاهبان.
وأما من قرأ: أن الله برئ من المشركين بفتح همزة أن فيكون «ورسوله» معطوفا على الضمير المستكن في بريء، وحسن ذلك الفصل بالجار والمجرور، ثم قال 1:
وفي هذا العطف بالرفع ثلاثة مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا، وجعل أبو الفتح والأستاذ أبو علي قول الشاعر:
1040 - فلا تحسبي أنّي تجشّمت بعدكم... بشيء ولا أنّي من الموت أبرق
ولا أنا ممّن يزدهيه وعيدكم... ولا أنّني بالمشي في القيد أخرق 2
من قبيل ما عطفت فيه الجملة على أنّ وصلتها، فجعلا قوله: «ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم» معطوفا على أنّ وصلتها وخرج غيرهما ذلك على أن يكون قوله: «ولا أنا من يزدهيه وعيدكم» جملة اعتراضية بين قوله «أنّي تجشمت» والمعطوف عليه الذي هو «ولا أنني بالمشي» لما فيها من التشديد والتأكيد 3 وفي الإفصاح اختار ابن جني الجواز واحتج بقول القائل:
1041 - ولا أنا ممّن يزدهيه وعيدكم
ولا حجة فيه لأنه استئناف كلام وقوله: «ولا أنني بالمشي»، استئناف آخر أراد:
(ولا تحسبي أني بالمشي): فحذف لتقدم الذكر.
الثاني: المنع مطلقا فلا يجوز العطف فيها على معنى الابتداء عند أكثر المحققين -
................................
لأن المفتوحة وما عملت فيه يتقدر باسم مفرد، وفي البسيط: وأما (أن) فلا يعطف على موضعها عند المحققين، كأبي علي الفارسي 1 وغيره لأنها لا بد لها من عامل، فلا يبقى للابتداء فيها مساغ لدخول العامل اللفظي.
الثالث: التفصيل بين أن يكون الموضع الذي وقعت فيه يجوز وقوع المفرد فيه ووقوع الجملة، أو يكون لا يقع فيه إلا المفرد.
فإن كان مما لا يقع فيه إلا المفرد فلا يجوز العطف على موضع أنّ وصلتها [2/ 137] نحو: بلغني أنّ زيدا قائم وعمرو.
فإن ورد مثل هذا كان الخبر محذوفا والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على الجملة التي هي «بلغني أنّ زيدا قائم» عطف جملة اسمية على فعلية، وإن كان الموضع يصلح للمفرد والجملة جاز العطف على موضع أنّ وصلتها نحو قولك: أتقول أنّ زيدا قائم وعمرو؟ تريد وعمرو قائم (لأنّ أتقول يقع بعدها المفرد نحو: أتقول أن زيدا قائم والجملة نحو أتقول عمرو قائم) 2.
المبحث السابع:
قد صرح المصنف فيما تقدم نقله عنه بأن الجرمي والزجاج والفراء أجازوا رفع نعت الاسم بعد الخبر وأنهم بمثل ذلك حكموا للتوكيد وعطف البيان، وهذا يقتضي أن الجرمي والزجاج يعتبرون محل إنّ مع وجودها، إذ الرفع في النعت والتوكيد وعطف البيان إنما يكون بالتبعية بخلاف رفع المنسوق، فإنه إذ ذاك لا تتعين التبعية فيه لأنه يكون
مبتدأ محذوف الخبر كما تقدم، وقد قال الشيخ في شرح هذا الموضع - يعني بقوله: كالمنسوق: إنه إن كان العطف وعطف البيان والتوكيد بعد الخبر جاز الرفع عند الجرمي والزجاج والفراء ويعني بعد، ولكن فيقول: إن زيدا قائم العاقل، وإن 3 زيدا قائم نفسه، وإن زيدا قائم بطنه، وأما قبل الخبر فالذي يقتضيه مذهب الفراء جواز الرفع بشرط خفاء إعراب الاسم، نحو: إن هذا العاقل قائم، وإن هذا -
................................
أخوك قائم، وإن هذا نفسه قائم، وأما الجرمي والزجاج فلا يجوز هذا عندهما لأنهما لا يريان العطف بالرفع قبل الخبر فلا يريان اتباع الاسم بهذه الثلاثة.
انتهى 1.
ولا شك أن من أجاز رفع الثلاثة - أعني النعت والتوكيد وعطف البيان - يلزمه أن يكون معتبرا محل الاسم أي موضعه من الرفع قبل دخول «إنّ» وعلى هذا لا يحتاج في المنسوق أن يجعله مبتدأ بل معطوفا على الاسم باعتبار المحل.
المبحث الثامن:
تقدم أن الكسائي يجيز رفع المعطوف على أول مفعولي «ظن» إن خفي إعراب ثانيهما نحو: ظننت زيدا صديقي وعمرو.
قال الشيخ: هكذا مثل المصنف هذه المسألة.
قال: والذي حكاه الفراء عن الكسائي أنه أجاز: أظن عبد الله وزيد مالهما كثير، فرفع زيدا في كل ما كان خبره وخبر المنصوب مستويين، وكان لا يجيز:
أظن عبد الله وزيد قائمين ولا قائما، لأن الرفع والنصب يستبين في قائمين.
ثم كأن الفراء لم يقبل ذلك منه، قال الشيخ: والقول عند البصريين قول الفراء، ثم قال: واتضح أن تصوير المصنف وتمثيله الذي ذكره خطأ.
انتهى 2.
وإنما كان له أن يحكم بخطأ المصنف أن لو نقل الفراء أنّ الكسائي لا يجيز المسألة التي ذكرها المصنف ومثل
بها.
غاية ما في الباب أن الفراء ذكر مسألة والمصنف ذكر [2/ 138] أخرى، ولا مانع من أن يكون الكسائي قائلا بكلّ منهما، وقد ذكر الشيخ ها هنا عدة مسائل من أبواب تركت إيرادها خوف الإطالة 3.