................................ أول ضارب أخانا، وغير الكسائي 1 يمنع ذلك وهو الصحيح، ويكتسب المذكر المضاف إلى مؤنث تأنيثا؛ بشرط صحة الاستغناء بالمضاف إليه وكون الأول بعضا أو كبعض وكذلك يكتسب المؤنث المضاف إليه مذكر تذكيرا بالشرط المذكور فمن الأول قول الشاعر: 2926 - إذا بعض السّنين تعرّقتنا... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم 2 ومثله: 2927 - مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت... أعاليها مرّ الرياح النّواسم 3 ومثله: 2928 - لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت... سور المدينة والجبال الخشّع 4 ومثله: 2929 - أبا عرو لا تبعد فكلّ ابن حرّة... سيدعوه داعي ميتة فيجيب 5 ومثله: 2930 - مويهة داعي المنيّة بالوري... فمنهم مقدّم ومنهم مؤخّر 6 ومثله: 2931 - قد صرّح السّير عن كتمان وابتذلت... وقع المحاجن بالمهريّة الذّقن 7
................................ ومن قراءة أبي العالية 1: [4/ 79] لا تنفع نفسا إيمانها 2، ومن الثاني قول الله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 3، ويمكن أن يكون منه: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 4، ومنه قول الشاعر: 2932 - إساءة من يبغي على النّاس موقع... بحوبائه الهلكاء من حيث لا يدري 5 ومنه: 2933 - نعجة الحسن فاتن فاغضض الطّر... فـ ليلقى صيد الظباء الأسودا 6 ومثله: 2934 - إنارة العقل مكسوف بطوع هوى... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا 7 ومثله: 2935 - رؤية الفكر ما يؤول له الأم... ر معين على اجتناب التّواني 8 فـ «أنت» في النوع الأول المضاف وهو مذكر لتأنيث المضاف إليه، وذكر في النوع الثاني المضاف وهو مؤنث لتذكير المضاف إليه؛ لصحة الاستغناء فيهما عن المضاف بالمضاف إليه مع كون المضاف بعض المضاف إليه أو كبعضه، واحترزت بهذا من المضافات الصالحة للحذف وليست بعض المضاف إليه معمولا ولا كبعضه كـ: يوم الخميس، وذي صباح، فلو لم يصح الاستغناء بالمضاف إليه لم يؤنث مذكر ولم يذكر مؤنث نحو حسن غلام هند، وكرمت أم زيد، ويضاف الشيء إلى الشيء بأدنى ملابسة بينهما كقول صاحب الخشبة لحامليها خذا طرفيكما، وكقول الشاعر: 2936 - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة... سهيل أضاعت غزلها في القرائب 9
................................ وكقول الآخر: 2937 - إذا قال قدني قال بالله حلفة... لتغني عنّي ذا إنائك أجمعا 1 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 2. وأقول: أما التعليل الذي ذكره لكون معمول المضاف إليه لا يتقدم على المضاف؛ فقد ذكر الجماعة تعليلا أحسن منه وهو أن المتضايفين شديدا الاتصال لحلول الثاني من الأول محل ما به تمامه من تنوين أو نون إن كانا فيه، ومعمول المضاف إليه من تمامه فلا يتقدم على المضاف كما لا يتقدم المضاف إليه على المضاف وأما أن معمول المضاف إليه «غير» فإنه يجوز تقديمه على «غير» الذي هو المضاف إذا كان المراد بـ «غير» النفي. فقال الشيخ: قد سبقه إلى ذلك الزمخشري، وحكاه أصحابنا عن بعضهم وردوه وصححوا أن ذلك لا يجوز 3، ثم إنه خرج ما استدل به المصنف فقال: إن «حقّا» يكون معمولا لعامل مضمر كأنه قال: فتى لا يلغي 4 حقّا. ولا يخفى إذا قدرنا ذلك ما يؤول إليه الكلام من الركة والسماجة. وأما «لعندي غير مكفور» فقال فيه: سهل ذلك كون المعمول ظرفا والظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها مع أنه محتمل للتأويل كتأويل «هو حقّا غير ملغ» 5. ولا شك أن الذي ذكره المصنف لا يبعد عن الصواب؛ فكم من كلام يجوز فيه ما كان ممتنعا لكونه في معنى كلام يجوز فيه ذلك، ومنه ما قيل في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى 6: إن الباء الزائدة جعلت في خبر «إن» لما كان معنى الكلام: أليس الله بقادر. ولذلك نظائر كثيرة. ثم قال الشيخ: وأجاز بعض النحويين أن يتقدم معمول ما أضيف إليه «حق» مستدلّا بقول الشاعر: 2938 - فإلّا أكن كلّ الشّجاع فإنّني... بضرب الكلى والهام حقّ عليهم 7
[ما لازم الإضافة لفظا ومعنى وأحكامه]
قال ابن مالك: (فصل: لازمت الإضافة لفظا ومعنى أسماء منها: ما مرّ في الظّروف والمصادر والقسم.
ومنها: «حمادى» و «قصارى» و «وحد» لازم النّصب والإفراد والتّذكير وإيلاء ضمير، وقد يجرّ بـ «على» وبإضافة «نسيج» و «جحيش» و «عيير»، وربّما ثنّي مضافا إلى ضمير مثنّى.
ومنها «كلا» و «كلتا» ولا يضافان إلّا إلى معرفة مثنّاة لفظا ومعنى أو معنى دون لفظ، وقد تفرّق بالعطف اضطرارا.
ومنها: «ذو» وفروعه ولا يضفن إلّا إلى اسم جنس ظاهر وكذا «أولو» و «أولات» وقد يضاف «ذو» إلى علم وجوبا إن قرنا وضعا وإلّا فجوازا، وكلاهما مسموع.
والغالب في ذي الجواز الإلغاء، وربّما أضيف جمعه إلى ضمير غائب أو مخاطب).
يريد: حق عليهم بضرب الكلى والهام 1. قال: والصحيح المنع لندور هذا البيت وإمكان تأويله 2. انتهى.
واعلم أنهم ذكروا من إضافة الشيء بأدنى ملابسة قوله تعالى: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها 3؛ لما كانت العشية والضحى طرفي النهار صح إضافة إحداهما إلى الأخرى.
قال ناظر الجيش: الأسماء بالنسبة إلى جواز الإضافة وامتناعها ووجوبها ثلاثة أقسام: قسم لا يلزمه الإضافة بل
يجوز أن يضاف وأن لا يضاف، وأكثر الأسماء من هذا القسم.
وقسم يمتنع فيه الإضافة وذلك كالأسماء المضمرات وأسماء الإشارة وكالموصولات وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام إلا «أيّا» فإنها من القسم الملازم للإضافة موصولة كانت أو شرطية أو استفهامية.
وقسم تجب إضافته.
ثم هذا الواجب الإضافة قسمان: قسم يجب إضافته إلى الجملة وقسم يجب إضافته إلى المفرد وكل منهما ضربان: ضرب لا يفارق الإضافة فهو يلازمها لفظا.
وضرب يفارقها فيقطع عنها لفظا وهي مرادة معنى.
ولا شك أن قسم ما يجوز فيه -
................................
الأمران لا يحتاج إلى ذكره، وكذا قسم ما تمتنع فيه الإضافة؛ لأن امتناع ذلك يعلم من قواعد الفن ومن الكلام على الأسماء المذكورة في تفاصيل الأبواب، وإنما يحتاج إلى ذكر ما يجب إضافته.
وقد قلنا: إن منه ما تجب إضافته إلى الجملة ومنه ما تجب إضافته إلى المفرد.
أما ما يجب إضافته إلى الجملة فهو ثلاث كلمات وهي «إذ» و «إذا» و «حيث» وهذه قد تقدم ذكر المصنف لها في باب المفعول فيه، وذكر هناك أيضا [4/ 80] ما يقطع منها عن الإضافة وما لا يقطع 1؛ فاستغنى عن إيراد ذلك في هذا الباب، وقد نبه على ذكر ذلك متقدما وذكر غيره بقوله هنا: (منها ما مر في الظروف) وأما ما يجب إضافته إلى المفرد فقد تقدم له ذكر ما ذكر منه في الأبواب الثلاثة التي أشار إليها في باب الاستثناء أيضا.
وها هو قد ضمن هذا الفصل ما بقي منه وبدأ فيه بذكر الضرب الأول وهو الذي لا يفارق الإضافة وإليه أشار بقوله: (لازمت الإضافة لفظا ومعنى أسماء) ثم ثنى بذكر الضرب الثاني وهو الذي يفارقها فتقطع عنها لفظا وهي مرادة معنى، وإليه أشار بقوله: (ولازمتها معنى لا لفظا أسماء).
وينبغي أن يعلم أن المصنف لم يتضمن كلامه حصر الأسماء التي يجب إضافتها ولهذا قال: منها كذا ومنها كذا، ولم يقل: وهي كذا وكذا.
والظاهر أنه قصد التعرض إلى ذكر الكلمات التي يتعلق بها أحكام أخر غير لزوم الإضافة ليفيد أحكامها.
وإذ قد تقرر هذا فلنذكر كلام المصنف.
قال رحمه الله تعالى 2: قد يقتضي الاستعمال لزوم الإضافة لفظا ما
يفهم معناه بمجرد لفظه كـ «حمادي» الشيء، فإنه بمعنى: غايته، فلو استعمل استعمال غاية لصلح لذلك من جهة المعنى لكن الاستعمال منع من ذلك، والأكثر لزوم له لإضافة ما لا يفهم معناه إلا بها، فإذا كان معنى الاسم لا يفهم بمجرد لفظه استحق متمما بصلة أو بصفة لازمة أو إضافة:
فالمتمم بصلة نحو هذا الذي عندي والمتمم بصفة لازمة نحو قوله:
2939 - لما نافع يسعى اللّبيب فلا تكن... بشيء بعيد نفعه الدّهر ساعيا 3
والمتمم بإضافة كـ «عند» و «لدى» و «إذا».
ثم المتمم بالإضافة منه ما -
................................ استعمل ملازما لها لفظا ومعنى كـ «كلا» ومنه ما استعمل غير ملازم لها في اللفظ كـ «كل». فمن الملازمة للإضافة لفظا ومعنى ما ذكر في الظروف كـ «عند» و «لدى» وفي المصادر كـ «سبحان» وبله المعرب وفي الاستثناء كـ «سوى» و «بيد» وفي القسم كـ «عمرك الله» و «قعدك الله»، ومنها حمادى الشيء وقصاراه بمعنى: غايته، وقد يقال: قصاره وقصره، ومنه قول الشاعر: 2940 - قصر الجديد إلى بلى... والعيش في الدّنيا انقطاعه 1 ومن الملازمة للإضافة لفظا ومعنى «وحد» ولا يضاف إلا إلى ضمير، ولا يكون إلا منصوبا على الحال وهو في الأصل مصدر؛ فلذلك لم يؤنث ولم يثن ولم يجمع فيقال: جئت وحدك، وجئت وحدك، وجئتما وحدكما، وجئتم وحدكم، وجئتن وحدكن، وجئتنا وحدنا. قال الشاعر: 2941 - أعاذل هل يأتي القبائل حظّها... من الموت أم أحلي لنا الموت وحدنا 2 وقد يجر بـ «على» وبإضافة «نسيج» في المدح، وفي الذم بإضافة «جحيش» و «عيير» فيقال: هو نسيج وحده 3؛ إذا قصد قلة نظيره في الخير، وهو جحيش وحده وعيير وحده؛ إذا قصد قلة نظيره في الشر وحكى ابن سيده 4 أنه يقال: جلس على وحده، وجلسا على وحديهما وعلى وحدهما، وقلنا ذلك وحدينا. ومن الملازمة للإضافة لفظا ومعنى «كلا» و «كلتا» وقد ذكرا في باب الإعراب وسيذكران إن شاء الله تعالى في باب التوكيد. ولا يضافان إلا إلى معرفة مثناة لفظا ومعنى نحو: مررت بكلا الرجلين أو معنى دون لفظ كقول الشاعر: 2942 - إنّ للخير وللشّرّ مدى... وكلا ذلك وجه وقبل 5
................................
فأضاف «كلا» إلى «ذلك» وهو مفرد في اللفظ؛ لأن المراد به اثنان وهو شبيه بقوله تعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ 1 ولا يضافان إلى نكرة؛ فلا يقال: مررت بكلا رجلين، ولا: بكلتا امرأتين، ولا يضافان أيضا إلى مفترقين؛ فلا يقال:
مررت بكلا زيد وعمرو، وربما جاء مثل ذلك في الشعر كقول الفرزدق:
2943 - كلا السّيف والسّاق الّذي ضربت به... على دهش ألقاه باثنين صاحبه 2
ومثله:
2944 - كلا الضّيفن المشنوء والضيف نائل... لديّ المنى والأمن في اليسر والعسر 3
ومثله:
2945 - كلا أخي وخليلي واجدي عضدا... وساعدا عند إلمام الملمّات 4
ومن الملازمة للإضافة لفظا ومعنى «ذو»، ومؤنثه ومثناهما وجمعهما ومرادفا جمعهما ولا يضفن إلا إلى اسم جنس ظاهر نحو: هذا رجل ذو فضل، وهذه امرأة ذات حسب، وهذان ذوا فضل، وهاتان ذواتا حسب، وهم ذوو فضل، وهن ذوات حسب، وأولو فضل، وأولات حسب، وقولي: (وقد يضاف «ذو» إلى علم وجوبا إن قرنا وضعا) نبهت به على نحو «ذي يزن» و «ذي زعين» و «ذي الكلاع» و «ذي سلم» من الأعلام التي أولها «ذو» ثم قلت: (وإلا فجوازا) فنبهت به على نحو قولهم في «تبوك وقطرى»: «ذو تبوك» و «ذو قطري» و «ذو عمرو» ومنه قول جرير:
2946 - تمنّى شبيب منية سفلت به... وذو قطريّ لفّه منك وابل 5
وكلا النوعين مقصور على السماع.
والأكثر في النوع الثاني أن يكون «ذو» فيه مثل «الذي» في قولهم: لقيته ذا صباح، أعني كونه غير معتد به إلا بجعله من إضافة المسمى إلى الاسم.
وأما أن يكون مضافا إلى علم ويعتد به كالاعتداد في نحو: هو ذو -
................................
مال؛ فقليل، ومنه: «أنا ذو بكة» وجد مكتوبا في حجر من أحجار الكعبة قبل الإسلام، وقد يضاف «ذو» إلى ضمير غائب ومخاطب.
فمن إضافته إلى ضمير الغائب قول عمر رضي الله تعالى عنه: اللهم صلّ على محمد وذويه، ومنه قول الشاعر:
2947 - صبحنا الخزرجيّة مرهفات... أباد ذوي أرومتها ذووها 1
ومنه ما أنشده الأصمعي من قول الآخر:
2948 - إنّما يصطنع المع... روف في النّاس ذووه 2
ومن إضافته إلى ضمير المخاطب قول الأحوص 3:
2949 - وإنّا لنرجو منك عاجلا مثل ما... رجوناه قدما من ذويك الأفاضل 4
انتهى ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى 5.
وقد تضمن أن من الكلمات [4/ 81] التي تلازم الإضافة لفظا ومعنى ما ذكره في باب المستثنى وهذا زيادة على ما تضمنه متن الكتاب من المذكور في ثلاثة الأبواب وهي باب الظروف، وباب المصادر، وباب القسم، ثم ما ذكره
في هذا الباب أيضا.
والمذكور منها في هذا الفصل سبع عشرة كلمة؛ فالذي لازم منها الإضافة لفظا ومعنى ثلاث عشرة وهي: «حمادى وقصارى ووحد وكلا وكلتا وذو» وفروعه من مؤنث ومثنى وجمع تذكيرا وتأنيثا واسم جمع.
وكان يتعين أن يضيف اليمين «كلّا» إذا استعملت توكيدا ونعتا.
-
................................
ثم هذه الكلمات التي هي لازمة الإضافة لفظا ومعنى: منها ما يضاف إلى الظاهر والمضمر: وهو «حمادى وقصارى وعند ولدى وسوى وكلا وكلتا».
ومنها ما يختص بالظاهر: وهو «ذو» وفروعه.
ومنها ما يختص بالمضمر.
فقد يكون ضمير المخاطب خاصة نحو: «لبيك وسعديك وحنانيك ودواليك»، وقد يكون كل ضمير نحو: «وحدك ووحده ووحدي» والذي لازم منها الإضافة معنى لا لفظا أربع كلمات، وهي «قبل» و «بعد» و «آل» بمعنى: أهل، و «كل» إذا لم يكن توكيدا ولا نعتا.
نعم قد ذكر أن كلمتي قبل وبعد قد يقطعان عن الإضافة لفظا ومعنى كما ستعرف.
ثم قد بقى التنبيه على أمور:
منها: أن الشيخ تكلم هنا على «وحد» من قولك: جاء زيد وحده، هل هو منصوب على الظرف كما هو مذهب يونس 1؟ أو على اسم موضوع المصدر الموضوع موضع الحال؛ فوجد موضع اتحاد، واتحاد موضع موحد وموحد هو الحال كما هو مذهب سيبويه 2؟ أو على أنه مصدر على توهم حذف الزيادة؛ فمعنى «وحد»: اتحاد كما هو
مذهب بعض النحويين 3؟ أو على أنه مصدر لم يلفظ له بالفعل كالأبوة والخؤولة كما هو مذهب بعض آخرين منهم 4؟
وأقول: إن الكلام على هذه الكلمة قد تقدم في باب الحال؛ فلا حاجة إلى إعادته، ثم قال: والصحيح أنه مصدر لفعل ملفوظ به.
حكى الأصمعي: وحد الرجل يحد إذا انفرد فيكون وحده ووحده مصدرين لـ «وحد» كما تقول: وعد وعدا وعده 5.
ومنها: أن الشيخ ناقش المصنف في قوله: (إن «وحد» لازم النصب)؛ لأنه نقض ذلك بقوله بعد: وقد يجر بـ «على» أو بإضافة.
والجواب: أن لزوم النصب إنما هو في اللغة الكثرى أو في أكثر الكلام وفي لغة أو في قليل من الكلام قد يجر، وأيضا فإن الجر لم يثبت له على الإطلاق؛ إنما حصل له الجر -
................................
بحرف واحد وبإضافة ثلاثة ألفاظ مخصوصة فكأنه قال: هو لازم النصب إلّا في هاتين الحالتين.
ولذا ناقش المصنف في قوله مشيرا إلى «ذو» وفروعه: (ولا يضفن إلا إلى اسم جنس) فقال: قد نقض هذا الحصر المصنف بقوله بعد: (وقد يضاف إلى علم) 1.
والجواب عن ذلك هو كالجواب عن مسألة «وحد».
ومنها: أن الشيخ ذكر لفظا آخر يضاف إلى «وحد» وهو «فريع» يقال: هو فريع وحده 2، وهو للمدح كما أن «نسيج وحده» لذلك و «عيير» تصغير «عير» وهو ولد الحمار، يذم بذلك الرجل الذي ينفرد بما يؤدي إليه رأيه ولا يخالط أحدا في رأي ولا يدخل معه في معونة.
ومعنى «نسيج وحده» أنه منفرد بالفضل، وأصله أن الثوب إذا كان رفيعا لا ينسج على منواله معه غيره.
وفي شرح الشيخ: ويجوز التثنية والجمع والتأنيث في هذه الألفاظ فيقال: هما نسيجا وحدهما، وهم نسجاء وحدهم، وهي نسيجة وحدها، وهما نسيجتا وحدهما، وهن نسائج وحدهن، كذا
قاله الخليل 3.
ويجري «فريع» و «عيير» و «جحيش» على هذا القياس.
وحكى بعضهم أن «نسيجا» يترك موحدا في التثنية والجمع ومذكرا في التأنيث؛ فيقال: هما نسيج وحدهما، وهم نسيج وحدهم... إلى آخر الكلمات.
والقياس فيه ما ذكره الخليل 4.
ومنها: أن المصنف لما ذكر أن «كلا وكلتا» قد يضافان إلى ما هو مثنى معنى دون لفظ كقول الشاعر:
2950 - وكلا ذلك وجه وقبل
قال الشيخ: أهمل المصنف مسألة ذكرها ابن الأنباري 5، وهي أن «كلا» يضاف إلى مفرد بشرط أن يتكرر؛ وذلك قولك: كلاني وكلاك محسنان، أي:
كلانا.
وكذا: كلا زيد وكلاك محسنان، وكلاي وكلا عمرو منصفان 6. قال:
وأوردها ابن الأنباري على أنها من كلام العرب وجعلها مثل «أي» من قول الشاعر: -
[ما لازم الإضافة معنى فقط وأحكامه]
قال ابن مالك: (ولازمتها معنى لا لفظا أسماء كـ «قبل» و «بعد» وك «آل» بمعنى أهل ولا يضاف غالبا إلّا إلى علم من يعقل وك «كلّ» غير واقع توكيدا أو نعتا، وهو عند التّجرّد منويّ الإضافة فلا يدخل عليه «ال» وشذّ تنكيره وانتصابه حالا، ويتعيّن اعتبار المعنى فيما له من ضمير وغيره إن أضيف إلى نكرة، وإن أضيف إلى معرفة فوجهان.
وإفراد ما لـ «كلا» و «كلتا» أجود من تثنيته، ويتعيّن في نحو: كلانا كفيل صاحبه).
2951 - فأيّي ما وأيّك كان شرّا... فقيد إلى المقامة لا يراها 1
ومثل قولهم: المال بين زيد وبين عمرو، كما قال أعشى همدان:
2952 - بين الأشجّ وبين قيس باذخ... بخ بخ لوالده وللمولود 2
ثم المنقول عن الكوفيين أنهم أجازوا إضافة «كلا وكلتا» إلى نكرة، ولا معول على مذهبهم في ذلك 3.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: «قبل» و «بعد» اسمان متقابلان يلزمهما الظرفية ما لم ينجرّا بـ «من» وتلزمهما الإضافة معنى ولفظا في أكثر الاستعمال ويقطعان عن الإضافة لفظا وينوى معناهما إذا علم المضاف إليه ولم يقصد إيهام كقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 5 أي: لله الأمر من قبل الحوادث ومن بعدها، وقد يقطعان عن الإضافة لفظا ومعنى فينكران؛ وذلك لقصد الإيهام أو لعدم دليل على المضاف إليه.
ويستوجبان البناء على الضم إذا قطعا لفظا لا معنى؛ وذلك أن لهما مناسبة للحرف معنوية ولفظية.
أما المعنوية فمن قبل أنهما لا يفهم تمام ما يراد بهما إلا بما يصحبهما، وأما اللفظية فمن قبل جمودهما وكونهما لا يثنيان ولا يجمعان ولا ينعتان ولا يخبر عنهما ولا ينسب إليهما ولا يضاف.
ومقتضى هاتين المناسبتين أن يبنيا على الإطلاق لكنهما أشبها الأسماء -
................................
المتمكنة بقبول التصغير والتعريف والتنكير؛ فاستحقا إعرابا في حال وبناء في حال.
والأحوال ثلاث: حال التصريح بترك الإضافة عند قصد التنكير، وحال ترك الإضافة لفظا وإرادتها معنى فكان البناء مع هذه الحال أليق؛ لأنهما على خلاف الأصل، وبناء الاسم على خلاف الأصل فجمع بينهما التناسب، وتعين الإعراب مع الحالتين الأخريين؛ لأنهما على وفق الأصل وإعراب الاسم على وفق الأصل وكان بناؤهما على حركة؛ لأن لهما أصلا في التمكن ولولاه لم يفارقهما البناء وكانت الحركة ضمة؛ لئلا يلتبس الإعراب بالبناء، وذلك أنهما إذا كانا معربين فلا تدخلهما ضمة وإنما تدخلهما فتحة أو كسرة كنحو: جئت قبلك ومن قبلك، ومن الملازمة
للإضافة معنى لا لفظا «آل» بمعنى أهل 1 وأصله فأبدلت هاؤه همزة وأبدلت الهمزة ألفا بدلا لازما؛ لسكونها بعد همزة مفتوحة في كلمة واحدة ويدل على أن أصلها «أهل» قول العرب في تصغيره: أهيل وقالوا أيضا: أويل ح فاعتبروا فيه اللفظ متناسين الأصل ويقل استعماله غير مضاف لفظا ومضافا إلى ضمير ومضافا إلى اسم جنس ومضافا إلى علم ما لا يعقل فمن ترك اضافته لفظا قول الشاعر:
2953 - نحن آل الله في بلدتنا... لم نزل آلا على عهد إرم 2
ومن استعماله مضافا إلى ضمير قول الشاعر:
2954 - أنا الفارس الحامي حقيقة والدي... وآلي فما تحمي حقيقة آلكا 3
ومن استعماله مضافا إلى اسم جنس قول عبد المطلب 4:
2955 - لا يغلبنّ صليبهم... ومحالهم عدوا محالك
وانصر على آل الصّليـ... ـب وعابديه اليوم آلك 5
ومن إضافته إلى علم ما لا يعقل قول الشاعر: -
................................
2956 - من الجرد من آل الوجيه ولا حق... تذكّرنا أوتارنا حين تصهل 1
ومن الملازمة للإضافة معنى لا لفظا «كل» غير الواقع توكيدا ولا نعتا.
فإن رفع توكيدا أو نعتا كان مثل «كل» في ملازمة الإضافة لفظا ومعنى فالتوكيد كقولك:
مررت بهم كلهم، والنعت نحو: زيد الرجل كل الرجل، أي: الكامل الرجولية؛ فلا يجوز إفراد «كل» في هذين
الموضعين.
وقد أجاز الفراء 2 والزمخشري 3 الإفراد في التوكيد وحمل على ذلك قراءة بعض القراء إنا كلا فيها إن الله قد حكم بين العباد 4، ولا خلاف في منع إفراد المنعوت به.
والصحيح عندي منع إفراد المؤكد به؛ لأن ألفاظ التوكيد على ضربين: مضاف ومفرد؛ فالمفرد 5 كـ: أجمع وجمعاء لا يجوز أن يضاف بإجماع والمضاف غير «كل» كالنفس والعين و «كلا» لا يجوز إفراده بإجماع فإجازة إفراد «كل» تستلزم مخالفة النظائر في الضربين فوجب اجتنابها.
وأما النصب في إنا كلا فيها فيخرج على أن (كلا) حال والعامل فيه (فيهآ) كما عمل «فيهم» في قول النابغة:
2957 - رهط ابن كوز محقبي أدراعهم... (فيهم ورهط ربيعة بن حذار) 6
في «محقبي» وقد بسطت القول على هذه المسألة في باب الحال.
وأما «كل» غير الواقع توكيدا ولا نعتا فإنه ملازم الإضافة معنى لا لفظا لكنه لا يجرد عن الإضافة لفظا إلا وهو مضاف معنى؛ فلذلك لا تدخل عليه «ال» وقد أدخلها عليه أبو القاسم الزجاجي في جمله ثم اعتذر عن ذلك 7. وشذ تنكيره وانتصابه حالا فيما حكاه أبو الحسن الأخفش 8؛ فعلى هذا لا يمتنع أن تدخل عليه «ال» -
................................
فإن أضيف إلى نكرة تعين اعتبار المعنى في ما له من ضمير وإخبار وغير ذلك فتقول:
كل رجلين أتياك فأكرمهما، وكل رجال أتوك فأكرمهم، وكل امرأة أتتك فأكرمها، ومنه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ 1. وإذا أضيف إلى معرفة لفظا أو نية جاز اعتبار المعنى واعتبار اللفظ؛ فمن اعتبار المعنى قوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ 2، ومن اعتبار اللفظ قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً 3 وإفراد ما لـ «كلا» و «كلتا» أجود من تثنيته ولذلك جاء القرآن العزيز بالإفراد قال الله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها 4.
فقال آتَتْ ولم يقل: آتتا، وقد اجتمع الوجهان في قول الشاعر:
2958 - كلاهما حين جدّ الجري بينهما... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي 5
ويتعين إفراد الخبر في نحو: كلانا كفيل صاحبه؛ لإضافته إلى «صاحبه» إذ لو ثني الخبر فقيل: كلانا كفيلا صاحبه؛ لزم الجمع بين تثنية وإفراد في خبر واحد وفي الإفراد السلامة من ذلك فكان متعينا، ولأن إضافة «كفيل» إلى «صاحب» وهو مضاف إلى ضمير «كلا» بمنزلة تثنيته، فلو ثني لكان ذلك بمنزلة تثنيته مرتين فلم يجز ذلك.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 6.
ويتعلق به أبحاث:
أولها:
قوله في «قبل» و «بعد» أنهما يلزمهما الظرفية ما لم ينجرّا بـ «من» ظاهر، ولكن الجماعة كأنهم لا يحكمون لهما بذلك.
ولهذا قال الشيخ: إنهما صفتان للظرف وليسا بظرفين، وأن الأصل في نحو: جاء زيد قبل عمرو: جاء زيد زمنا قبل زمن مجيء عمرو، وكذا «بعد» التقدير فيها: زمنا بعد زمن مجيء عمرو 7.
ولا يخفى بعد هذا التقدير، ثم إن الموصوف الذي قدروه لم ينطق به أصلا والذي يظهر أنهما أنفسهما ظرفان، فـ «قبل» في قولنا: جاء زيد قبل عمرو؛ اسم زمن -
................................
سابق، أي: متقدم على زمن مجيء عمرو.
ثانيها:
أن هذا الفصل إنما هو [4/ 82] معقود لذكر أسماء لازمت الإضافة، وأن منها ما لا يقطع عنها فهو ملازم لها لفظا، ومنها ما يقطع عنها لفظا فهو ملازم لها معنى.
أما كون ما يقطع منها يعرب بعد القطع أو مبني فليس الفصل معقودا له؛ لأن المصنف أورد الكلام في ذلك مستوفى في الفصل الذي يلي هذا الفصل لكنه مع هذا تعرض هنا إلى الكلام على حكم هاتين الكلمتين - أعني قبلا وبعدا - بالنسبة إلى الإعراب والبناء حال قطعهما عن الإضافة.
ثم إن الشيخ لم يقتصر على ذكر هاتين الكلمتين كما فعل المصنف بل ذكر الكلمات المشاركة لهما في هذا الحكم 1 ورأيت تأخير ذلك إلى أن يحصل الكلام في الفصل الآتي؛ فإنه أمسّ بذلك.
ثالثها:
أن المصنف قد قال مشيرا إلى «آل»: (ولا يضاف غالبا إلا إلى علم من يعقل) فقال الشيخ: لو قال: إلا إلى علم من يعلم كان أجود؛ لأنهم أضافوه إلى الله تعالى.
رابعها:
قد عرفت قول المصنف في متن الكتاب مشيرا إلى «كل»: (وهو عند التجرد منوي الإضافة، فلا يدخل عليه «ال» وشذ تنكيره وانتصابه حالا).
وقد استشكلت كلامه هذا من حيث إنه غير محتاج إليه؛ لأن الكلام الآن إنما هو في الكلمات اللازمة للإضافة في المعنى دون اللفظ وإذا كان الكلام في ما هو كذلك؛ فأي فائدة في قوله:
(وهو عند التجرد منوي الإضافة)؟ لا يقال: إنما ذكر ذلك؛ لأنه قد قال في «قبل» و «بعد» إنهما قد يقطعان عن الإضافة لفظا ومعنى، فينكران؛ فخشي أن يتوهم أن كلمة «كل» كذلك؛ لأنا نقول: الأصل أن جميع الكلمات التي ذكرها وإن قطعت عن الإضافة لفظا أن إضافتها معنى مرادة لقوله: (ولازمتها معنى لا لفظا أسماء)؛ فمن أين يعلم أنهما ينكران؟ ولو لم ينبه في الشرح على أن هاتين الكلمتين يفعل بهما -
................................
ذلك ما علمناه، وإذا كان كذلك فهو مستغن عن قوله في «كل»: إنه (عند التجرد منوي الإضافة)، وقد يقال: إنما ذكر المصنف ذلك؛ لأن من الناس من يزعم أن «كلّا» نكرة إذا قطعت عما تضاف إليه.
قال الشيخ: اختلف النحويون في «كل» و «بعض» هل هما معرفتان أو نكرتان؟ فذهب سيبويه 1 والجمهور إلى
أنهما معرفتان تعرفا بنية الإضافة؛ لأنهما لا يكونان أبدا إلا مضافين.. وقالوا: مررت بكل قائما وببعض جالسا.
وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان، وألزم من قال بتعريفهما بنية الإضافة القول بأن نصفا وثلثا وسدسا معارف؛ لأنها في المعنى مضافات 2، وبإجماع منا أن هذه نكرات؛ فكذلك «كل» و «بعض» فلا تكون الإضافة من طريق المعنى توجب التعريف، ورد بأن العرب تحذف المضاف إليه وتريده نحو قوله:
2959 - أقبّ من تحت عريض من عل 3
وقد لا تريده كقوله:
2960 - [مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا]... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل 4
ووجدناهم يجيئون بآحاد منها في كثير من الكلام فدل على أن العرب لحظت المضاف إليه فيما ذكر واستدل أيضا على تنكير «كل» بقولهم: مررت بهم كلّا؛ فنصبوها حالا، وأجيب بأنه شاذ 5. انتهى.
ولقائل أن يقول: قد يكون المضاف إليه «كل» و «بعض» نكرة ويقطعان عن الإضافة إلى تلك النكرة وينوى إضافتهما إليها ولا يمكن الحكم بتعريفهما بنية الإضافة؛ لأن الإضافة هذه لو صرح بها ما تعرف المضاف فكيف وهي منوية؟! وإذا كان كذلك فكان ينبغي التقييد فيقال: إنهما معرفتان بنية الإضافة إذ كان -
................................
المضاف إليه المحذوف معرفة.
أما أن يقال: إنهما معرفتان على الإطلاق فغير ظاهر إلا أن يدعى أن المضاف إليه «كل» و «بعض» لا يحذف إلا إذا كان معرفة، وأما إذا كان نكرة، فلا يجوز حذفه وذلك بعيد؛ إذ لا يمتنع أن يقال في كل أحد يموت: كل يموت، ولا في كل إنسان يبعث ويحاسب: كل يبعث ويحاسب.
خامسها:
أن المصنف قد قال في «كل»: (وإن أضيفت إلى معرفة فوجهان) أي: يجوز أن يعتبر في الضمير والإخبار
وغيرهما بالمعنى كما في قوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ 1 وأن يعتبر اللفظ كما في قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً 2 فقال الشيخ:
سوى بين ما أضيف إلى معرفة لفظا وبين ما أضيف إليها نية لا لفظا 3. قال: والذي دل عليه الاستقراء أنهما ليسا سواء، بل إذا كان مضافا إلى معرفة نية فالحكم ما ذكر يعني من جواز اعتبار المعنى واعتبار اللفظ؛ فمن مراعاة المعنى قوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ 4، وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ 5، ومن مراعاة اللفظ قوله تعالى:
فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ 6، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ 7، وقال الشاعر:
2961 - فكيف وكلّ ليس يعد وحمامه... وما لامرئ عمّا قضى الله مرحل 8
وإن كان مضافا إلى معرفة لفظا فالسماع مراعاة اللفظ وهو الإفراد قال الله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً 93 لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا 94 وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً 9، وقال الشاعر:
2962 - وكلّهم حاشاك إلّا وجدته 10
ولا يكاد يوجد في لسان العرب: كلهم يقومون، ولا: كلهن قائمات، وإن كان موجودا ذلك في تمثيل كثير من النحاة 11. -
[من أحكام ما لازم الإضافة]
قال ابن مالك: (ما أفرد لفظا من اللّازم الإضافة معنى، إن نوي تنكيره أو لفظ المضاف إليه أو عوّض منه تنوين أو عطف على المضاف اسم عامل في مثل المحذوف لم يغيّر الحكم، وكذا لو عكس هذا الآخر، وإن لم ينو التّنكير ولا لفظ المضاف إليه، ولم يثبت التّنوين ولا العطف بني على الضّم إن لم يشابه ما لا تلزمه الإضافة معنى).
سادسها:
ذكر الشيخ في شرحه تعليلا حسنا لتعين الإفراد في قولنا: كلانا كفيل صاحبه؛ فقال: إنما لم يجز التثنية؛ لأنه لزم من ذلك ألا يكون أحدهما كفيلا للآخر، بل كلاهما معا يكونان كفيلي صاحبهما، والمقصود الإخبار عن أن كل واحد منهما كفيل للآخر 1. قال: وضابطه أنه متى كان كل واحد منهما محكوما عليه بحكم الآخر بالنسبة إليه لا إلى ثالث تعين الإفراد كما قال الشاعر:
2963 - كلانا غنيّ عن أخيه حياته... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا 2
وكذلك يتعين الإفراد أيضا في قولك: كلاهما محب للآخر [4/ 83] وكلتاهما مكرمة للأخرى 3. انتهى.
وهذا التعليل أحسن من التعليل الذي ذكره المصنف بكثير؛ لأنه يرجع إلى أمر معنوي والذي ذكره المصنف يرجع إلى أمر لفظي.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: اللازم الإضافة معنى يعم ما اجتمع فيه جمود اللفظ والافتقار إلى غيره في بيان معناه كـ «قبل وبعد وغير وحسب وأول وأمام وخلف» وأخواتهما، وما وجد فيه الافتقار دون الجمود كأسماء العدد، وك «أهل وصاحب وجزء وجملة وجهة وجانب ومثل»، ونحوها مما يصغر ويثنى ويجمع ويشتق منه، فهذه أشبهت بقبولها لهذه الأحوال الأسماء التامة الدلالة فساوتها في -
................................
الإعراب مضافة وغير مضافة بخلاف القسم الأول، فإنه أشبه الحرف لفظا؛ لعدم قبوله للأحوال المذكورة، ومعنى؛ لافتقارها إلى غيرها في بيان معناها.
فكان مقتضى هذا أن تبنى أبدا، إلا أنها أشبهت الأسماء التامة الدلالة بأن أضيفت إضافة صريحة وإضافة في حكم الصريحة وبأن جردت تجريدا صريحا قصدا للتنكير فوافقتها في الإعراب فإذا قطعت عن الإضافة ونوي معنى الثاني دون لفظه أشبهت حروف الجواب في الاستغناء بها عن لفظ ما بعدها؛ فانضم ذلك إلى الشبهين المذكورين فبنيت.
والمراد بكون الإضافة صريحة أن تكون في اللفظ والمعنى نحو:
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ 1، والمراد بكونها في حكم الصريحة أن يحذف المضاف (إليه) 2 ويبقى المضاف بحاله التي كان عليها قبل الحذف كقول الراجز:
2964 - قبل وبعد كلّ قول يغتنم... حمدا لإله البرّ وهّاب النّعم 3
أراد: قبل كل قول؛ فحذف المضاف إليه وترك المضاف على حاله قبل الحذف - أعني النصب وترك التنوين - والمراد بالتجريد الصريح أن يقطع عن الإضافة لفظا ومعنى كقول الشاعر:
2965 - فساغ لي الشّراب وكنت قبلا... أكاد أغصّ بالماء الحميم 4
وإياه عنيت بقولي: (إن نوي تنكيره).
ولو كان في موضع جر لكسر كقراءة بعضهم: (لله الأمر من قبل ومن بعد) 5 أي: أولا وآخرا.
وجعل بعض العلماء «قبلا» معرفة.
والتنوين عوضا عن المضاف إليه فبقي الإعراب مع العوض كما كان مع المعوض عنه، ثم قلت: (أو لفظ المضاف إليه) فأشرت بذلك إلى أنه إذا حذف المضاف إليه لظهور معناه ونوي لفظه لقوة الدلالة عليه ترك المضاف بإعرابه وهيئته -
................................ التي يستحقها مع بقاء المضاف إليه كقول الشاعر: 2966 - أمام وخلف المرء من لطف ربّه... كوالئ تزوي عنه ما هو يحذر 1 فأبقى «أمام» منصوبا غير منون كما لو نطق بما هو مضاف إليه من لفظ «المرء» المحذوف وبقاء المضاف مع المحذوف على هيئته أكثر ما يكون إذا عطف على المضاف عامل في ما يماثل المحذوف لفظا ومعنى، وقد يكون بخلاف ذلك كقول سويد بن كراع: 2967 - أكالئها حتّى أعرّس بعد ما... يكون سحيرا أو بعيد فأهجعا 2 أراد: أو بعيده، ومثله: 2968 - ومن قبل نادى كلّ مولى قرابة... فما عطفت مولى عليه العواطف 3 كذا رواه الثقات بكسر اللام، ومن ذلك قراءة ابن محيصن 4: فلا خوف عليهم 5 بالنصب دون تنوين على تقدير فلا خوف شيء ومثله قول بعض العرب: سلام عليكم بلا تنوين 6 يريد: سلام الله، وحكى أبو عليّ: ابدأ بذا من أوّل 7، بالفتح على منع الصرف، وبالضم على نية الإضافة دون قصد إلى لفظ المضاف إليه، وبالجر على قصد المضاف إليه، وحكى الكسائي أن بعض العرب قال: أفوق تنام أم أسفل 8، بالنصب على تقدير: أفوق هذا تنام أسفل منه، ومثله -
................................ على أجود الوجهين قول الشاعر: 2969 - أقول لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر 1 أراد: سبحان الله؛ فحذف المضاف إليه، وأبقى المضاف على الهيئة التي يستحقها قبل الحذف. ومثل قول الآخر: 2970 - سبحان من فعلك يا قطام... بالرّكب تحت غسق الظّلام 2 والاستعمال المذكور في الأسماء الناقصة الدلالة قليل وهو في الأسماء التامة الدلالة كثير، فمن شواهده في النثر قول بعض العرب: قطع الله الغداة يد ورجل من قالها 3، ومن شواهده في النظم قول الأعشى: 2971 - إلّا علالة أو بدا... هة سابح نهد الجزاره 4 ومنها قول الآخر: 2972 - سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها... فنيطت عرى الآمال بالزّرع والضرع 5 ومنها قول الآخر: 2973 - بنو وبناتنا كرام فمن نوى... مصاهرة فلينأ إن لم يكن كفوا 6 ومنها قول الآخر: 2974 - يا من رأى عارضا أكفكفه... بين ذراعي وجبهة الأسد 7 ومنها قول الآخر: 2975 - نعيم وبؤس العيش للمرء منهما... نصيب ولا بسط يدوم ولا قبض 8
................................
ولقلته في الناقص الدلالة جعلته فرعا وجعلت الآخر أصلا، وكل هذه الأمثلة قد عطف فيها على المضاف مضاف إلى مثل المحذوف؛ فتقدير الأول: قطع الله يد من قالها ورجل من قالها، وتقدير الثاني: إلا بداهة سابح أو علالة سابح، وتقدير الثالث: سهلها وحزنها، وتقدير الرابع: بنونا وبناتنا، وتقدير الخامس: بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد.
وتقدير السادس: نعيم العيش وبؤس العيش.
وأحق هذه الأمثلة بالاطراد الثالث والرابع؛ لأن المحذوف فيهما مدلول عليه بما قبله وبما بعده [4/ 84] وعبر عن المحذوف بعامل لا بمضاف ليدخل فيه ما المعطوف فيه غير مضاف نحو: «إنّ أحدكم ليفتن في قبره مثل أو قريبا من فتنة الدّجّال» 1 أراد:
مثل فتنة الدجال أو قريبا من فتنة الدجال، ومثله قول الراجز:
2976 - بمثل أو أنفع من وبل الدّيم... علّقت آمالي فعمّت النّعم 2
أراد: بمثل وبل الديم أو أنفع من وبل الديم.
ونبهت بقولي: (وكذا لو عكس هذا الآخر) على أنه قد يحذف المضاف إليه بعد العاطف متروكا ما قبله على ما كان عليه قبل الحذف كما فعل به قبل العطف في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها، لكن هذا فيه استدلال بالآخر على ما حذف من الأول وفي عكسه استدلال بالأول على حذف من الآخر.
ومن شواهده قول أبي برزة الأسلمي 3 رضي الله تعالى عنه: غزوت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبع غزوات أو ثماني، هكذا ضبطه الحفاظ في صحيح البخاري 5 بفتح الياء دون تنوين والأصل: أو ثماني غزوات؛ فحذف المضاف إليه وترك المضاف على هيئته التي كان عليها قبل الحذف ومثله قول الشاعر: -4
................................
2977 - خمس ذود أو ستّ عوّضت... منها مائة غير أبكر وأفال 1
ويختص الناقص الدلالة بتعويض التنوين التنوين مما كان مضافا إليه فيبقى مع العوض على الحال الذي كان عليه مع المعوض منه من إعراب أو بناء، فالباقي على الإعراب كـ «كل» و «أي» في قوله تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ 2 وأَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 3، والباقي على البناء نحو: يومئذ، وحينئذ، والأصل: يوم إذ كان أو يكون، وحين إذ كان أو يكون؛ فحذفت الجملة للعلم بها وعوض منها التنوين فبقي بناء «إذ» مع العوض كما كان مع الجملة، والتقى الساكنان: الذال والتنوين، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين.
وزعم الأخفش أن كسرة الذال كسرة إعراب نظرا إلى أن البناء كان من أجل الإضافة إلى الجملة فلما حذفت عاد الإعراب إلى إذ، لأنه الأصل 4. ويبطل ما ذهب إليه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن من العرب من يفتح الذال فيقول: يومئذا ولو كانت الكسرة إعرابية لم تغن عنها الفتحة.
الثاني: أن المضاف إلى «إذ» قد يفتح في موضع الجر والرفع ففتحه في موضع الجر كقراءة نافع: ومن خزى يومئذ 5، ومن فزع يومئذ 6 ومن عذاب يومئذ 7؛ بالفتح كقول الشاعر:
2978 - رددنا لشعثاء الرّسول ولا أرى... كيومئذ شيئا تردّ رسائله 8
وفتحه في موضع الرفع كقول العرب من رواية الفراء: مضى يومئذ بما فيه، فلو كانت كسرة «إذ» إعرابية لم يبن ما أضيف إليه؛ لأن سبب بنائه إنما كان الإضافة إلى ما ليس معربا فبطل ما أفضى إلى القول بإعراب «إذ».
-
................................
الثالث: أن العرب تقول: كان ذلك إذ؛ بالكسر دون إضافة «إذ» كقول الشاعر:
2979 - نهيتك عن طلابك أمّ عمرو... بعافية وأنت إذ صحيح 1
فلو كانت الكسرة إعرابية في «يومئذ» لم تثبت عند عدم ما اقتضاها وهو الإضافة.
وقد أورد الأخفش هذا البيت في كتاب المعاني 2، وزعم أنه مما حذف فيه المضاف وترك عمله ولو جاز هذا لجاز في مثل: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 3 الجر وكان فيه أجوز؛ لأن المضاف - أعني «أهل» - مراد اللفظ والمعنى ومع هذا لم يجز فيه الجر بإجماع حين حذف المضاف، فقدم الجواز في «حينئذ» لكون المضاف فيه مستغنى عنه من جهة المعنى أحق وأولى.
وبهذا يرد قول الأخفش: [أصل لات أوان: حين أوان، وإنما الأصل: ولات أوان ذلك؛ فحذف ذلك ونويت الإضافة وبني على الكسر ونون للضرورة ويجوز أن يكون الأصل: ولات من أوان؛ فحذف «من» وبقي عملها كقراءة بعضهم:
ولات حين مناص 4 بكسر النون] 5.
وقولي: (وإن لم ينو التنكير) إلى (بني المضاف على الضم) أشرت به إلى سبب بناء ما يقطع عن الإضافة وقد تقدم شرحه مستقصى.
ونبهت بقولي: (إن لم يشابه ما لا تلزمه الإضافة معنى) على أن بعض ما تلزمه الإضافة معنى يشبه الأسماء التامة الدلالة بقبول التصغير والتثنية والجمع والاشتقاق وكثرة 6 استعماله غير مضاف كـ «ثلث وربع ومثل وشبه» فلا يتأثر بالقطع عن الإضافة نويت أو لم تنو.
انتهى كلام المصنف.
وهو كما قيل: كالماء إلا أنه زلال، والسحر إلا أنه حلال، فرحمه الله تعالى -
................................
ورضي عنه وأرضاه بمنه وكرمه.
ثم يتعلق بكلامه أبحاث:
الأول:
ذكر أن المضاف اللازم للإضافة معنى إذا أفرد أي: قطع عن الإضافة وذلك بأن يحذف المضاف إليه له حالات خمس؛ منها حالة يشترك فيها الاسم المعرب والمبني، وأربع حالات يختص بها المعرب:
الأولى: أن يقطع عن الإضافة معنى كما قطع عنها لفظا وهي الحالة المعبر فيها عن المضاف بأنه نوي تنكيره.
الثانية: أن ينوى لفظ المضاف إليه فيكون المضاف في حكم ما هو مضاف لفظا وكأنه في التقدير لم يقطع عن الإضافة.
الثالثة: أن يعوض من المحذوف تنوين وهذه هي الحالة التي يشترك فيها المعرب والمبني، فالمعرب نحو: «كل» و «أي» المبني نحو: «يومئذ» و «حينئذ».
الرابعة: أن يعطف على المضاف اسم عامل في مثل المحذوف.
الخامسة: أن لا يكون شيء من هذه الأمور الأربعة لا نية تنكير المضاف، ولا نية تنكير لفظ المضاف إليه، ولا تنوين هو عوض، ولا عطف؛ وإنما ينوى معنى المضاف إليه لا غير.
ففي الحالات الأربع الأول يكون حكم المضاف كحاله مع ذكر المضاف إليه إن كان مع ذكر المضاف إليه معربا بقي بعد الحذف على إعرابه، وإن كان مبنيّا بقي على بنائه، وإلى هذا أشار بعد ذكر الحالات الأربع بقوله: لم يتغير الحكم.
ثم المعرب مع بقائه بعد الحذف على إعرابه باق على حذف تنوينه أيضا إلا في حالة التنكير فإنه ينون.
وحاصل الأمر: أن صورة المضاف بعد حذف المضاف إليه تستقر على ما كانت عليه حال ذكر المضاف إليه إلا إذا نكر فإنه ينون إن لم يمنع منه مانع كما إذا كان ذلك الاسم الذي هو المضاف لا ينصرف [4/ 85] وأما في الحالة الخامسة وهي أن ينوى معنى المضاف إليه فإن المضاف يبنى على الضم.
وهذه الحالات الخمس مصرح بها في متن الكتاب.
وفي الحقيقة إنما هي أربع فإن الحالة الرابعة وهي المشتملة على العطف داخلة في الحالة الثانية وهي التي ينوى فيها لفظا المضاف إليه، وذلك أنه إذا نوي لفظ -
................................
المضاف إليه فقد يكون ذلك مع العطف وقد لا يكون فهو قسم واحد تحته صورتان، وكلامه في الشرح يقتضي هذا؛ فإنه بعد أن ذكر المضاف إليه إذا حذف ونوي لفظه ترك المضاف بإعرابه وهيئته التي يستحقها مع بقاء المضاف إليه وأنشد:
2980 - أمام وخلف المرء من لطف ربّه...... البيت
قال: وبقاء المضاف على هيئته أكثر ما يكون إذا عطف على المضاف عامل في ما يماثل المحذوف لفظا ومعنى ثم قال: وقد يكون بخلاف ذلك وأنشد:
2981 - أكالئها...
البيت المتضمن: «أو بعيد فأهجعا».
وقول الآخر:
2982 - ومن قبل نادى......... البيت
إلى آخر ما استدل به على ذلك.
البحث الثاني:
أطلق المصنف القول ببناء الاسم الناقص الدلالة عند حذف المضاف إليه مع إرادته؛ فلم يقيد شيئا منهما.
وابن عصفور قيد البناء بكون المضاف اسم زمان وبكون المحذوف 1 معرفة، لكنه إنما ذكر ذلك فيما يجوز فيه حذف المضاف إليه بقياس 2؛ فلا يلزم أن يمتنع ذلك على الإطلاق فقد يكون ذلك على غير قياس في غير أسماء الزمان وفي ما المضاف إليه المحذوف نكرة.
والمصنف إنما ذكر المسألة من الرأي دون تعرض منه لقياس ولا غير قياس.
على أن في اشتراط كون المضاف إليه المحذوف معرفة حال بناء المضاف بحثا وذلك أنهم قالوا في قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 3: إن التقدير: من قبل ذلك ومن بعد ذلك، فيقول القائل: لم لا يجوز أن يكون التقدير: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء؟ وما المانع من ذلك؟
بل يظهر أن هذا التقدير أبلغ في التعظيم من التقدير الذي ذكروه ويقوي أن المعنى على التقدير الذي ذكرته قول الإمام مالك 4 رضي الله تعالى عنه حين حضرته الوفاة: لله -
................................
الأمر من قبل ومن بعد، ويقال: إنها آخر كلمة تكلم بها رضي الله تعالى عنه وأرضاه بمنه وكرمه.
فلا يرتاب أن
مراده بذلك الاعتراف بأن الأمر لله من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء، أي: لله الأمر على الإطلاق.
لكن نقل الشيخ عن البسيط قال: إذا بنيت فهي معارف؛ لأنك لا تذكرها حتى يتقدمها كلام أو شيء واقع.
وقال بعضهم: هي نكرات وإنما تريد: قبل شيء، وعزاه إلى سيبويه 1. انتهى كلام صاحب البسيط، وقوله: لأنك لا تذكرها حتى يتقدمها كلام أو شيء واقع؛ قد يمنع، ثم يكفي في عدم ثبوت ذلك أنها نكرات في قول من خالف.
البحث الثالث:
اختلف القول في موجب بناء هذه الأسماء المنقطعة عن الإضافة.
فأما المصنف؛ فقد عرفت ما ذكره من جمود لفظها وافتقارها إلى الغير في بيان معناها.
قال: فأشبهت الحرف لفظا؛ للجمود، ومعنى؛ للافتقار، إلى آخر كلامه المتقدم إلى أن قال: إنها لما قطعت عن الإضافة ونوي معنى الثاني أشبهت حروف الجواب في الاستغناء بها عن لفظ ما بعدها؛ فانضم ذلك إلى الشبهين المذكورين فبنيت.
وأما غير المصنف؛ فمنهم من قال: الموجب للبناء أن المضاف إليه لما حذف وأريد افتقر إلى ما يدل عليه فأشبه المضاف الحرف؛ لافتقاره إلى غيره.
ومنهم من قال: إن المضاف إليه لما حذف وأريد بقي المضاف كبعض كلمة، وبعض الكلمة لا يستحق الإعراب.
ومنهم من ذكر أن الموجب للبناء الإبهام ولذلك بنيت «غير» لما قطعت عن الإضافة إذا قلت: ليس غير ولا غير.
وإذا قسمت ما ذكروه بما ذكره المصنف علمت ما بينهما كما علمت ما بين السماء والأرض.
ثم إن الذي ذكره المصنف تعليل عام يشمل الكلمات التي يعرض لها البناء عند حذف ما هي مضافة إليه ظرفا كانت أو غير ظرف.
والكلمات التي أوردها في الشرح هي «قبل»، و «بعد»، و «غير»، و «حسب»، و «أول»، و «أمام وخلف» وأخواتهما.
- - صلبا في دينه ويقول: «العلم يؤتي إليه».
له الموطأ وغيره، (ت: 179 هـ). الأعلام (6/ 128)، والوفيات (1/ 439).
................................
يعني بذلك بقية أسماء الجهات، وفي الألفية «دون»، و «عل» 1.
ولا شك أن كلّا من هذه المذكورات ينسب إليه الجمود والافتقار، وأما ما ذكره غيره فربما لا يشمل الكلمات كلها.
البحث الرابع:
لا شك أن هذا الفصل إنما هو معقود لبيان حكم الأسماء الملازمة للإضافة معنى إذا قطعت عنها لفظا؛ هل تبقى على إعرابها الذي كان لها قبل أن تقطع أو تبنى؟
ولكن لما كان القطع عن الإضافة عبارة عن حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف؛ لزم من ذلك أن يكون الكلام على قطع المضاف عما بعده مستلزما للقول بجواز حذف المضاف إليه، لكن المضاف إليه قد يحذف وإن لم يكن المضاف من الأسماء الملازمة للإضافة وهذا من هذا الباب، ثم إنه لم يكن في كلامه في المتن - أعني متن هذا الفصل - ما يقتضي التنبيه على ذلك أيضا، لكنه قد أورده في الشرح؛ فإنه لما ذكر مسألة الحذف إذا عطف على المضاف اسم عامل في مثل المحذوف وأنشد:
2983 - أمام وخلف المرء من لطف ربّه... كوالئ تزوي عنه ما هو يحذر
قال: والاستعمال المذكور في الأسماء الناقصة الدلالة قليل، وهو في الأسماء التامة الدلالة كثير كقولهم: قطع الله يد ورجل من قالها، وكقول الشاعر:
2984 - إلّا علالة أو بدا... هة سابح نهد الجزاره
[4/ 86] إلى آخر ما ذكره.
ولما أشار إلى حكم حذف المضاف إليه هذا استغنى عن ذكره عند ما ذكر حذف المضاف في فصل سيأتي.
فإنه كان الأصل أن يقرن بين الأمرين في الذكر كما فعل غيره، وكما فعل هو في الألفية.
ثم لننبّه بعد ما تقدم على أمور:
منها: أننا فهمنا من كلام المصنف أن المحذوف في قولهم: قطع الله يد ورجل من قالها؛ هو المضاف إليه «يد»، والتقدير: قطع الله يد من قالها؛ فحذف من -
................................
الأول لدلالة الثاني.
وابن عصفور ذكر في كتبه أن «يدا» مضافة إلى «من قالها» المنطق به والتقدير: قطع الله يد من قالها ورجله؛ فحذف الضمير وأقحم المعطوف بين المضاف والمضاف إليه وحذف التنوين من «يد» لإضافته إلى «من» وحذف من «رجل» لأنه مضاف إلى «من» في المعنى وبمنزلة المضاف إليه في اللفظ 1.
وإنما قال: إنه بمنزلة المضاف إليه في اللفظ؛ لأنه قال: إذا حذف المضاف إليه وكان المضاف غير ظرف فلا بد من التنوين إلا أن يكون المضاف بعد الحذف على هيئته قبل الحذف نحو قولهم: قطع الله يد ورجل من قالها؛ قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى شارحا لكلام ابن عصفور: أجمعوا على أن هنا مضافا محذوفا من
أحدهما.
واختلفوا من أيهما حذف.
فمذهب سيبويه كما قاله المصنف وهو أسهل؛ لأنه ليس فيه وضع ظاهر موضع مضمر وليس فيه أكثر من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف 2. قال شيخنا ابن عمرون رحمه الله تعالى: لما شارك الفاصل ما قبله في النسبة إلى المضاف إليه حسن وشجعه كون الدليل يكون مقدما على المدلول عليه ومذهب أبي العباس المبرد أن «رجل» مضافة إلى «من» المذكورة و «يد» مضافة إلى «من قالها» أخرى محذوفة 3، ويلزمه أن يكون قد وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ الأصل: يد من قالها ورجل من قالها، وحسّن ذلك عنده كون الأول معدوما في اللفظ فلم يستكره لذلك.
انتهى.
والظاهر أن المذهبين متعادلان.
فإن أرجحية كل من القولين تعادل مرجوحية الآخر.
ولقائل أن يقول: الدليل على صحة مذهب المبرد ما أنشده المصنف من قول القائل:
2985 - سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها
وقول الآخر:
2986 - بنو وبناتنا كرام
فإن الضمير إنما يتصل بعامله وإذا ثبت في هذين البيتين أن المحذوف هو ما أضيف -
................................
إليه الأول وجب القول بذلك في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها.
ومنها: أن من جملة الكلمات المذكورة «عل» كما ذكرها المصنف في الألفية، وقد ذكرها ابن عصفور 1 وأنشد قول امرئ القيس:
2987 - كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
لكن قال الشيخ بهاء الدين: كلامه - يعني ابن عصفور - يدل على أن ثم مضافا إليه محذوفا.
وكلام النحاة كلهم في البيت يدل على أنه ليس هنا مضاف إليه محذوف؛ بل المحذوف إنما هو موصوف على التقدير من موضع عال، ومعناه: فوق 2.
ويدل على صحة ما قاله الشيخ بهاء الدين أن ابن أبي الربيع ذكر أن هذه الكلمة لا تضاف، وذكروا أن من أحكامها أيضا: أنها لا تستعمل دون «من»، فعلى هذا تكون «عل» مخالفة لأخواتها المذكورة في هذين الحكمين وموافقة لها في بقية الأحكام وهي الإعراب إذا قصد التنكير، والبناء على الضم إذا قصد التعريف.
ثم إن معناها معنى «فوق» 3، وفيها ثماني لغات ذكرها الشيخ بهاء الدين وهي:
علو وعلو وعلو ومن عل ومن علا ومن عال ومن معال، قال: وقال ابن عمرون:
يقال: جئته من عل كـ «شج» وفي معناه من عال كـ «قاض» ومن معال ومن علا كـ «عصا» نكرات فلذا نونت، ولم تبن على الضم، ومن عل؛ مبنية على الضم لا غير معرفة، ويقال: جئته من علو وعلو وعلو فالضم كـ «قبل»، والفتح طلبا للخفة، والكسر على أصل التقاء الساكنين وهربا من ثقل الضمة والواو 4.
ومن جملة الكلمات المذكورة أيضا «غير».
ولا شك أنها ليست ظرفا وإنما هي كلمة يراد بها الدلالة على مغايرة ما بعدها لما قبلها ولهذا اختلف في الضمة من قولهم: ليس غير ولا غير؛ فقيل: إنها حركة إعراب؛ لأنها ليست بظرف فحكمها حكم «أي» و «كل» إذا قطعتا عن الإضافة وهو رأي الأخفش 5، وقيل: إنها حركة بناء؛ لأنها وإن لم تكن ظرفا فهي تشبه «قبلا» و «بعدا» في -
................................
الإبهام، فحملت عليهما وقد تقدم الكلام على «غير» مشبعا في باب المستثنى.
ومن جملة الكلمات أيضا: «حسب» فهي منقطعة عن الإضافة ومبنية على الضم، وذكروا أنها إذا أريد بها هذا المعنى تضمن معنى «لا غير» وتستعمل وصفا وحالا وتكون مبتدأة أيضا فيقال: قبضت عشرة حسب، ورأيت عشرة الرجال حسب، وقبضت ألفا فحسب.
ولا شك أن إضافتها مقدرة، ولهذا بنيت على الضم لقطعها عن الإضافة لفظا وإرادتها معنى قالوا: والتقدير في المثالين الأولين اللّذين «حسب» فيهما صفة وحال: حسبي.
ولم يظهر لي مع هذا التقدير معنى الوصفية ولا الحالية ثم إذا كان حسب مقدر الإضافة كان معرفة، والمعرفة لا يوصف بها النكرة ولا تقع حالا.
يقال: إن الكلمة بمعنى «كاف» واسم الفاعل لا يتعرف بالإضافة؛ لأن الكلمة المذكورة لو لم تقدر معرفة لم تبن على الضم ولو قدر تنكيرها لوجب الإعراب كما في «قبل» و «بعد» وأخواتها.
والذي يظهر أن يقال: إن «حسب» لما قطعت عن الإضافة ونوي معنى المضاف إليه وبنيت الكلمة على الضم قطع النظر بعد هذا عن كونها كانت مضافة وأفردت عن المضاف إليه ثم جعلت في حكم [4/ 87] كلمة مستقلة أتي بها ابتداء دون إضافة وحينئذ يتوجه القول فيها بأنها نكرة فتنعت بها النكرة ويصح وقوعها حالا.
وأما كونها مضمنة معنى «لا غير»؛ فقد ينازع فيه، ويقال: لا يلزم من كونها تفيد من المعنى ما يفيده «لا غير» أن تكون مضمنة معناها، وإنما استفيد هذا المعنى من جهة أخرى.
وبيانه أن الأصل في حسب المضافة لفظا أن معناها معنى «كاف» فحكمها على هذا حكم اسم الفاعل العامل الذي لا يتعرف بالإضافة؛ وعلى هذا ينعت بها النكرة وتقع حالا كقولك: رأيت رجلا حسبك من رجل، أي: كافيا لك عن غيره وقائل: زيد حسبك من رجل، أي: كافيا عن غيره، وتقع معمولة للابتداء ونواسخه.
والحاصل أن: حركات الإعراب تجري عليها رفعا ونصبا وجرّا قال الله تعالى:
حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ 1، وقال تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ 2، وإذا كان كذلك فلا شك أننا نفهم من قول القائل: رأيت رجلا حسبك من رجل، إذا كان معنى -
................................ «حسبك»: كافيا - أن ذلك الرجل الذي هو متعلق الرؤية مقتصرا عليه في الكفاية؛ بمعنى أنه يستغنى به فلا يحتاج معه إلى الغير. وعلى هذا نقول: «حسب» المقطوعة عن الإضافة التي تقدم القول فيها تفسر بالمعنى المذكور أو بما يقرب منه. فمعنى «قبضت عشرة حسب»: قبضت عشرة مقصورا عليها قبض لم يتعدّ إلى غيرها كأنها كفته في المقبوض، وحسب هي التي أفادت ذلك، وكذا «رأيت زيدا حسب» رأيت زيدا مقصورا رؤيتي عليه كأنه لكماله كاف فلا يحتاج مع رؤيته إلى غيره. وكذا إذا قيل: قبضت ألفا فحسب؛ التقدير: فهو حسب، أي: فالألف المقبوض حسب، أي: كاف لي لا أحتاج إلى قبض غيره، وعلى هذا يكون معنى «حسب» في الحالين - أعني مضافة ومقطوعة عن الإضافة - واحدا، ولا يحتاج إلى القول بأن الكلمة ضمت معنى «لا غير». وفي جعل «فحسب» - من: قبضت ألفا فحسب؛ مبتدأ، وأن التقدير: فحسبي ذلك - نظر؛ فإن التقدير إذا كان كذلك لا يكون معنى «حسب» في هذا التركيب معنى «لا غير»؛ لأنه إنما حصل الإخبار بأن الألف تكفيه، أما أنه اقتصر عليه ولم يقبض غيره؛ ففهمه من التركيب المذكور فيه بعد. ثم إن «حسب» عندهم نكرة وإذا كانت نكرة فما المسوغ للابتداء بها. وبعد: فليعلم أن من الشواهد التي ذكروها دالة على بناء ما قطع عن الإضافة من الكلمات المذكورة قول الشاعر: 2988 - أقبّ من تحت عريض من عل 1 وقول الآخر: 2989 - ولقد شددت عليك كلّ ثنيّة... وأتيت نحو بني كليب من عل 2 وقول الآخر: 2990 - إذا أنا لم أو من عليك ولم يكن... لقاؤك إلّا من وراء وراء 3
................................
ومن الأمور التي ينبّه عليها أيضا.
أنهم ذكروا أن من أحكام «قبل» و «بعد» إذا بنيا على الضم لم يجز أن يقعا خبرين للمبتدأ ولا وصفين ولا حالين تقول: القيام قبل قعود زيد، ولا يقال: القيام قبل، وكذا حكم دون، وقدام، وأمام، ووراء، وخلف، وفوق، وتحت، ويمين، وشمال؛ فلا تقع أخبارا ولا صفات، ولا أحوالا، إذا قطعت عن الإضافة لفظا وبنيت على الضم، والحاصل أنها مساوية لـ «قبل» و «بعد» في جميع أحكامها إضافة وقطعا عنها وإعرابا وبناء.
وما ذكروه في «من قبل» و «من بعد» أنهما لا يقعان أحوالا قد يورد عليه قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 1؛ فإن الظاهر أن «من قبل» و «من بعد» حالان من الضمير المستكن في خبر المبتدأ.
ومنها: أن الفراء قال: لا يجوز حذف المضاف إليه في مثل: قطع الله يد ورجل من قالها إلا في المصطحبين كـ «اليد» و «الرجل» و «النصف» و «الربع» و «قبل» و «بعد»، وأما نحو: دار وغلام زيد؛ فلا يجوز 2.
ومنها: أن المصنف لم يتعرض في حذف المضاف إليه إلى ما هو قياس وما هو ليس بقياس.
وأما ابن عصفور؛ فإنه أشار إلى ذلك فقال: ويجوز حذف المضاف إليه بقياس إذا كان مفردا وكان المضاف اسم زمان.
فإن كان المحذوف معرفة بنيت اسم الزمان على الضم قال الله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي: من قبل الغلب ومن بعده، وإن كان نكرة لم تبنه نحو قوله:
2991 - كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
فإن كان المضاف إليه جملة لم يجز حذفه إلا فيما سمع من ذلك نحو قولهم:
يومئذ وحينئذ؛ قال الله تعالى: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ 3، أي: حين إذ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ 4 فحذفت الجملة وعوض منها التنوين، فإن كان المضاف غير ظرف لم يجز حذف المضاف إليه إلا فيما سمع من ذلك نحو: «كل» و «بعض» و «أي» و «غير» ولا بد من التنوين إلا أن يكون المضاف بعد الحذف على هيئته - - والشاهد في «وراء» الأول بني على الضم لقطعه لفظا ومعنى و «وراء» الثاني تأكيد له.
................................
قبل الحذف نحو قولهم: قطع الله يد ورجل من قاله، التقدير: قطع الله يد من قاله ورجله؛ فحذف الضمير وأقحم المعطوف بين المضاف والمضاف إليه وحذف التنوين من «يد» لإضافته إلى «من» وحذف من «رجل»؛ لأنه مضاف إلى «من» في المعنى وبمنزلة المضاف إليه في اللفظ 1. انتهى.
وهو كلام جيد وتفصيل حسن.
ولكن فيه أمران:
أحدهما: أن تقييده المضاف بكونه اسم زمان فيه قصور، ولو أطلق فقال: إن كان - يعني المضاف إليه - مفردا وكان المضاف ظرفا ليشمل الزمان والمكان كان أولى، بل هو المتعين.
ويدل على أن هذا الحكم الذي ذكره شامل للظرفين - استدلاله بقول امرئ القيس:
2992 - كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
ولا شك أن «عل» من ظروف المكان.
وحين وقفت على كلام هذا الرجل حصل لي هذا الاستدراك ثم بعد ذلك رأيت
الشيخ بهاء الدين رحمه الله تعالى لما تكلم على هذا الموضع قال: إلا أن في تمثيله [4/ 88] بـ «عل» هنا وهو أنه: إنما ترجم على أسماء الزمان ومثل بـ «عل» وهو اسم مكان لا زمان.
قال: فكان ينبغي أن يقول:
وكان المضاف اسم زمان أو مكان فإن حكم «فوق» و «تحت» وغيرهما من أسماء الجهات حكم «قبل» و «بعد» في الإعراب والبناء 2.
الثاني: إدراجه كلمة «غير» مع «كل» و «بعض» و «أي» وقوله بعد ذلك:
ولا بدّ من التنوين؛ فإن بناء «غير» في نحو: ليس غير، ولا غير؛ جائز بخلاف الكلم الثلاث المذكورة كما عرفت.
ولا شك أنها إذا بنيت لا تنون، فلم يكن حكم «غير» حكم المذكورات معها.
والظاهر أن هذا جنوح منه إلى مذهب الأخفش.
وهو أن «غيرا» باقية على الإعراب عنده وكأن حذف التنوين منها حينئذ يكون للتخفيف، ولكن المنقول أن نصب «غير» جائز في «ليس غير» مع التنوين ودونه، والحركة حركة إعراب اتفاقا فقد جاز حذف التنوين مع القول بأنها معربة؛ وعلى -
[من أحكام إضافة أسماء الزمان المبهمة]
قال ابن مالك: (فصل: تضاف أسماء الزّمان المبهمة غير المحدودة إلى الجمل فتبنى وجوبا إن لزمت الإضافة وجوازا راجحا إن لم تلزم وصدّرت الجملة بفعل مبنيّ، فإن صدّرت باسم أو فعل معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء خلافا للبصريين.
وإن صدّرت بـ «لا» التبرئة بقي اسمها على ما كان وقد يجرّ ويرفع.
وإن كانت المّحمولة على «ليس»، أو «ما» أختها لم يختلف حكمهما.
ولا يضاف اسم زمان إلى جملة اسمية غير ماضية المعنى إلّا قليلا.
وقد تضاف «آية» بمعنى: علامة إلى الفعل المتصرّف مجردا أو مقرونا بـ «ما» المصدرية أو النّافية ويشاركها في الإضافة إلى المتصرّف المثبت «لدن» و «ريث» وقد تفصل «لدن» و «الحين» بـ «أن» و «ريث» بـ «ما».
وقالوا: اذهب بذي تسلم أي: بذي سلامتك، ولا بذي تسلم ما كان كذا.
ويختلف فاعلا «اذهب» و «تسلم» بحسب المخاطب، وعود ضمير من الجملة إلى اسم الزّمان المضاف إليها نادر؛ ويجوز في رأي الأكثر بناء ما أضيف إلى مبنيّ من اسم ناقص الدّلالة ما لم يشبه تامّ الدّلالة).
هذا يشكل قوله: ولا بد من التنوين.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: أسماء الزمان المبهمة تعم ما لم يختص بوجه ما كـ «حين ومدّة ووقت وزمان»، وما يختص بوجه دون وجه كنهار وصباح ومساء وغداة وعشيّة.
فأخرجت بـ (غير المحدودة) ما يدل على عدد دلالة صريحة كـ: «يومين وأسبوع وشهر».
واحترزت بـ (صريحة) من دلالة النهار على اثنتي عشرة ساعة؛ فإن ذلك لا يستحضر بذكر النهار كاستحضار عدد أيام الأسبوع بذكر أسبوع وكاستحضار عدد أيام الشهر بذكر شهر فلا يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان إلا العاري من دلالة صريحة على عدد فيضاف إليها زمن أو زمان، -
................................ ويوم وأيام، وليلة وليال، وغداة وعشية وعصر وأشباهها، ومن شواهد ذلك: 2993 - زمن العاذلي على الحبّ معذو... لـ عصيت الهوى فكنت مطيعا 1 ومنها: 2994 - أزمان قومي والجماعة كالّذي... لزم الرحالة أن تميل مميلا 2 ومنها: 2995 - أيّام لو تحتلّ وسط مفازة... فاضت معاطشها بشرب سابح 3 ومنها: 2996 - في ليال منهنّ ليلة باتت... ناقتي والها تجرّ الزماما 4 ومنها: 2997 - غداة أحلّت لابن أصرم طعنة... حصين عبيطات السّدائف والخمر 5 ومنها: 2998 - عشيّة سعدى لو تراءت لراهب... بدومة تجر حوله وحجيج قلى دينه واهتاج للشّوق إنّها... على الشّوق إخوان العزاء هيوج 6 ومنها: 2999 - طحابك قلب في الحسان طروب... بعيد الشّباب عصر حان مشيب 7
................................
ولا يضاف إليها «يومان» ولا «ليلتان» ولا «أسبوع» ولا «شهر»؛ لأن أصل المضافات إلى الجمل «إذ» و «إذا» فأجري مجراهما من أسماء الزمان ما ساواهما في الإبهام، أو قاربهما لا ما باينهما من أسماء الزمان كـ «يومين» ولا ما ليس اسم كـ «آية».
وأجاز ابن كيسان إضافة يومين إلى الجملة 1. والصحيح منع ذلك؛ لعدم السماع ولمخالفة «إذ» و «إذا» بالدلالة على العدد صريحا ونبهت بقولي:
(وجوبا) على إضافة «إذ» و «إذا» مع أن الكلام على ذلك قد تقدم في باب الظروف ثم قلت: (وجوازا راجحا إن لم يلزم وصدرت الجملة بفعل مبني) فنبهت على جواز الإعراب وترجيح البناء في نحو قوله:
3000 - على حين عاتبت المشيب على الصّبا... وقلت ألمّا أصح والشّيب وازع 2
وفي نحو قول الآخر:
3001 - لأجتذبن منهنّ قلبي تحلّما... على حين يستصبين كلّ حليم 3
فإن كانت الجملة اسمية أو فعلية مصدرة بمضارع معرب جاز الإعراب باتفاق والبناء عند الكوفيين دون البصريين والصحيح في هذه المسألة قول الكوفيين؛ لصحة الدلالة على ذلك نقلا وعقلا.
فمن الدلائل النقلية قراءة نافع: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم 4 بنصب اليوم 5 مع أن المشار إليه هو اليوم؛ لاتفاق الستة على الرفع فلو جعلت الفتحة فتحة إعراب لا متنع أن يكون المشار إليه اليوم؛ لاستلزام ذلك اتحاد الظرف والمظروف وكان يجب أن يكون التقدير مباينا للتقدير في القراءاة الأخرى مع كون الوقت واحدا والمعنى واحدا؛ لأن المراد حكاية القول في ذلك اليوم فلا بد من كونها كذا مما يقتضي اتحاد المعنى دون تعدده وكفتحة يَوْمُ يَنْفَعُ 6 فتحة يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ 7 في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، ومسمى يوم لا تملك في -
................................
قراءتهما هو «يوم الدّين» فلا يكون غيره في قراءة غيرهما.
فيلزم من ذلك كون الفتحة بنائية وكون ما هي فيه مرفوع المحل ولا يقدر: «أغنى»؛ لأن تقدير «أغنى» لا يصلح إلا بعد ما يدل على المسمى دلالة تعيين و «يوم الدّين» دالّ على مسماه دلالة تعيين فتقدير «أغنى» بعده غير صالح ومن شواهد البناء قبل فعل معرب قول الشاعر [4/ 89]:
3002 - إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني... نسيم الصّبا من حيث يطّلع الفجر 1
ومن شواهد البناء قبل الجملة الاسمية قول أسيد بن عنقاء الفزاري:
3003 - دعاني فأنساني ولو ضنّ لم ألم... على حين لا بدو يرجّى ولا حضر 2
ومثله:
3004 - على حين خلّاني من القوم خلّة... كهول وولّى ربقتي وشبابي 3
ومثله:
3005 - تذكّر ما تذكّر من سليمى... على حين التّراجع غير دان 4
ومثله:
3006 - ألم تعلمي يا عمرك الله أنّني... كريم على حين الكرام قليل
وإنّي لا أخرى إذا قيل مملق... سخيّ وأخزى أن يقال بخيل 5
ومثله:
3007 - أعليّ أحين ما الحرب جاءت... صلت بغيّا وكنت قبل ذليلا 6
-
- راجع البحر المحيط (8/ 437)، وحجة ابن زنجلة (753، 754).
................................ هكذا نقلت هذه الأبيات بالفتح بناء، مع أن الإضافة فيها إلى جمل مصدرة بمعرب إعرابا أصليّا فلأن يثبت بناء ما أضيف إلى جملة مصدرة بمعرب أصله البناء أحق وأولى، وهذه دلالة عقلية تقتضي بناء المضاف إلى الجملة المصدرة بفعل معرب. وأقوى منها أن يقال: سبب بناء المضاف إلى جملة مصدرة بفعل مبني إما قصد المشاكلة وإما غير ذلك. فلا يجوز أن يكون قصد المشاكلة؛ لأمرين: أحدهما: أن البناء قد ثبت مع تصدير الجملة المضاف إليها اسم معرب ولا مشاكلة فامتنع أن يكون البناء لقصدها. الثاني: أن بناء المضاف إلى جملة مصدرة بفعل مبني لو كان سببه قصد المشاكلة لكان بناء ما أضيف إلى اسم مبني أولى؛ لأن إضافة ما أضيف إلى اسم مفرد إضافة في اللفظ والمعنى وإضافة ما أضيف إلى جملة إضافة إليها في اللفظ وإلى مصدر في التقدير، وتأثير ما يخالف لفظه معناه أضعف من تأثير ما لا تخالف فيه أعني إضافة اسم الزمان إلى مفرد من الأسماء مبني، ولا خلاف في انتفاء سببه الأقوى؛ فانتفاء سببه الأضعف أولى. فثبت بهذا كون بناء المضاف إلى الجملة مسببا عن أمر آخر وهو شبه المضاف إليها بحرف الشرط في جعل الجملة التي تليه مفتقرة إليه وإلى غيره. فإن «قمت» من قولك: حين قمت قمت، وإن قمت قمت؛ كان كلاما تامّا قبل دخول «حين» و «إن» عليه وبدخولهما عليه حدث له افتقار إليهما وإلى ما بعدهما فشبه «حين» وأمثاله بـ «أن» وجعل ذلك سببا للبناء المشار إليه على وجه لا يخالف القاعدة العامة وهي ترتيب بناء الأسماء على مناسبة الحرف بوجه. وقد يضاف اسم الزمان إلى جملة مصدرة بـ «لا» التبرئة فيبقى اسمها على ما كان عليه من بناء، أو نصب، وقد يجر، وقد يرفع. فمن ذلك ما حكى أبو الحسن من قول بعض العرب: جئتك يوم لا حرّ ولا برد، ويوم لا حرّ ولا برد، ويوم لا حرّ ولا برد 1، وأنشد: 3008 - تركتني حين لا مال أعيش به... وحين جنّ زمان النّاس أو كلبا 2
................................
وقد تكون «لا» المصدرية العاملة عمل «ليس» فيتعين بقاء عملها، وكذلك حكم «ما» أختها، ومن شواهد ذلك قول سواد بن قارب رضي الله عنه 1:
3009 - وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب 2
ومنها قول الآخر:
3010 - تبدّت لقلبي فانصرفت بودّها... على حين ما هذا بحين تصابي 3
وإذا أضيف اسم زمان إلى جملة اسمية امتنع عند سيبويه أن تكون مستقبلة المعنى والذي حمله على ذلك أن الأصل في ما يضاف إلى الجمل من أسماء الزمان «إذ» في الماضي و «إذا» في المستقبل وغيرهما تبع لهما.
فللجاري مجرى «إذ» أن يضاف إلى جملة اسمية وإلى جملة فعلية؛ لصحة إضافة «إذ» إليهما، وليس لما جرى مجرى «إذ» في قصد الاستقبال أن يضاف إلا إلى جملة فعلية فيقال: آتيك حين يذهب زيد، وحين زيد يذهب؛ كما يقال:
آتيك إذ يذهب زيد، وإذ زيد يذهب، ولا يقال: آتيك حين زيد ذاهب؛ كما لا يقال: آتيك إذا زيد ذاهب 4. هذا مقتضى مذهب سيبويه - رحمه الله تعالى - أعني منع جواز دخول «إذا» على جملة اسمية، ومنع جواز دخول ما جرى مجراها على جملة اسمية، والصحيح جواز الأمرين لكن على قلة.
وقد أشرت إلى جواز ذلك في باب الظروف، وذكرت دلائل صحته نثرا ونظما، فأغنى ذلك عن قول ثان.
وقيدت الفعل الذي يضاف إليه «آية» بكونه متصرفا؛ ليعلم أنها لا تضاف إلى غير متصرف كـ «عسى» و «ليس»، ومن إضافتها إلى الفعل المجرد قول الشاعر: -