................................ 616 - [ولكن ديافيّ أبوه وأمّه... بحوران] يعصرن السّليط أقاربه 1» الأمر الخامس: قد عرفت أن مذهب البصريين وجوب إبراز الضمير المرفوع بالصفة الجارية على غير صاحب معناها سواء ألبس الأمر أم لم يلبس؛ لكنهم استثنوا من ذلك مسألة واحدة وهي قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين. فجميلين صفة جارية على رجل وليست له، بل للأبوين، ولم يبرز الضمير فيها فيقال: جميل هما، فأجروا الضمير الرابط هنا مجراه في الصفة الجارية على الموصوف فاستتر، وساغ ذلك وإن لم يعد على الموصوف من حيث كان عائدا على الأبوين المضافين إلى ضميره، فصار لذلك كأنه من جهة المعنى قد قال: مررت برجل حسن أبواه جميل أبواه 2. الأمر السادس: استدل الكوفيون ومن وافقهم على جواز استتار الضمير عند أمن اللبس بأمور منها: ما تقدم ذكره في كلام المصنف وهو: 617 - قومي ذرا المجد بانوها......... و: 618 - إنّ الّذي لهواك آسف......... البيت و: 619 - ترى أرباقهم متقلّديها......
................................
وقوله تعالى في قراءة من قرأ: (إلى طعام غير ناظرين إناه) 1 بالجر.
ومنه قول الشاعر أيضا:
620 - وإنّ امرءا أسرى إليك ودونه... سهوب وموماة وبيداء سملق
لمحقوقة أن تستجيبي لصوته... وأن تعلمي أنّ المعان موفّق 2
ومنها: ما حكى الفراء عن العرب: كلّ ذي عين ناظرة إليك 3 ومنها قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 4.
فلم يبرز الضمير في شيء من ذلك، فيقال: قومي ذرا المجد بانوها 5 هم، وإنّ الذي لهواك آسف رهطه لجديرة
أنت [1/ 350] وترى أرباقهم متقلديها هم و:
(إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ)، و: لمحقوقة أنت، و: كل عين ناظرة هي إليك، -
................................
و: فظلت أعناقهم لها خاضعين هم.
وقد تأول البصريين ذلك كله بما فيه تكلف:
فقالوا في الثلاثة الأولى ما تقدم ذكره في كلام المصنف.
وقالوا في لمحقوقة: إنه ليس فيه ضمير وإن المرفوع فيه قوله: أن تستجيبي، وأنث على المعنى؛ التقدير: لمحقوقة استجابتك 1. وكذا ذكروا ذلك في لجديرة أيضا.
ولا شك أن تقديره: لأنت محقوقة ولأنت جديرة أسهل من هذا.
وقالوا في كل ذي عين ناظرة إليك: إن التقدير ألحاظ كل عين ناظرة إليك.
وأما قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 2 فقالوا: ليس خاضعين حالا من الهاء فتكون الصفة جارية على غير من هي له، وإنما هو حال من الفاعل المستتر في المجرور.
قيل على هذا فينبغي أن تكون خاضعة؟ فأجيب أن هذا محمول على المعنى، وعلى ما يصلح أن يقع في هذا الموضع مما معناه كمعناه.
وكان الذي حمل عليه هذا كونه بمعنى: فظلوا لها خاضعين كما جاء:
621 - [فإمّا تري لمّتي بدّلت]... فإنّ الحوادث أودى بها 3
لأنه في معنى الحدثان، وقالوا: إن ذلك على إقحام الأعناق؛ لأنه يجوز: فظلوا لها خاضعين في معنى: فظلت أعناقهم لها خاضعين، وقالوا: يجوز أن يراد بالأعناق الجماعات، ولا يخفى وجه التكلف في هذه التأويلات، فالظاهر أن الصواب هو ما اختاره المصنف من قول الكوفيين.
[أنواع الخبر الجملة، وحكم بعض الجمل في وقوعها أخبارا]
قال ابن مالك: (والجملة اسميّة وفعلية، ولا يمتنع كونها طلبيّة خلافا لابن الأنباريّ وبعض الكوفيين، ولا قسميّة خلافا لثعلب، ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطلبيّة خلافا لابن السّرّاج).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن الخبر المفرد شرع في الكلام على الخبر الواقع، جملة وتقسيمه الجملة إلى قسمين هو التقسيم الصحيح 1، ومثال الجملة الاسمية؛ الله فضله عظيم، ومثال الفعلية: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ 2 ويدخل في الاسمية المصدرة بحرف عامل في المبتدأ، والشرطية، والمصدرة باسم غير معمول للشرط، ويدخل في الفعلية الشرطية المصدرة بحرف أو باسم معمول للشرط.
فمثال الإخبار بجملة مصدرة بحرف عامل في المبتدأ: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ 3 وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ 4.
ومثال الإخبار بشرطية مصدرة باسم غير معمول للشرط: الله من يطعه ينج.
ومثال الإخبار بشرطية مصدرة بحرف: الله إن تسأله يعطك، ومثال الإخبار بشرطية مصدرة باسم معمول للشرط: الله من يهد فلا مضلّ له.
ومنع أبو بكر بن الأنباري وبعض الكوفيين 5: الإخبار بجملة طلبية نظرا إلى أن الخبر حقه أن يكون محتملا للصدق والكذب، والجملة الطلبية ليست كذلك.
قال المصنف 6: وهذا نظر واه لأن خبر المبتدأ لا خلاف أن أصله أن يكون مفردا، والمفرد من حيث هو مفرد لا يحتمل الصدق والكذب [1/ 351] فالجملة الواقعة موقعه حقيقة بألا يشترط احتمالها الصدق والكذب؛ لأنها نائبة عما يحتملهما، وأيضا فإن وقوع الخبر مفردا طلبيّا نحو: كيف أنت - ثابت باتفاق، فلا يمتنع ثبوته جملة طلبية بالقياس لو كان غير مسموع، ومع ذلك فهو مسموع -
................................
شائع في كلام العرب كقول رجل من طيئ:
622 - قلب من عيل صبره كيف يسلو... صاليا نار لوعة وغرام 1
انتهى.
والشّبه التي تمسك بها ابن الأنباري ضعيفة من جهة أخرى، وهي أن الخبر لفظ مشترك فيه، فتارة يطلق ويراد به ما يقابل الإنشاء من الجمل المحتملة للصدق والكذب، ويطلق أيضا على الجزء المسند إلى مبتدأ مفردا كان أو جملة سواء كانت الجملة خبرية أو طلبية 2.
وكان ابن السراج يجنح إلى ما جنح إليه ابن الأنباري من التعليل، لكنه لما رأى ورود ذلك في الكلام جعل الخبر محذوفا، والجملة الطلبية معمولة لذلك المحذوف، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولا يلزم تقدير قول قبل الجملة الطّلبيّة؛ خلافا لابن السّرّاج 3.
فالتقدير في نحو: زيد اضربه عندهم: زيد مقول فيه: اضربه، أو زيد أقول لك: اضربه، ويضعف هذا التقدير أن المعنى يختلف بسببه، وذلك أنك إذا قلت:
زيد اضربه فأنت آمر ومنشئ للاقتضاء، وإذا قلت: زيد مقول فيه: اضربه، أو أقول لك: اضربه فأنت مخبر، وإذا كان كذلك فكيف يقدر ما يؤدي إلى معنى غير المعنى المراد من الكلام أولا.
-
................................
وروي عن ثعلب منع الإخبار بجملة قسمية 1.
قال المصنف 2: «وهو أيضا منع ضعيف؛ إذ لا دليل عليه مع ورود الاستعمال بخلافه كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً 3 وقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا 4 وقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ 5 وقال الشاعر:
623 - جشأت فقلت اللّذ خشيت ليأتين... هو إذ أتاك فلات حين مناص 6
ثم ها هنا أمر ينبه عليه 7: وهو أنه قد علم أن أصل الخبر أن يكون مفردا، وأن الجملة إذا وقعت خبرا فهي واقعة موقع المفرد ومؤولة به، حتى إنهم ذكروا أنك إذا قلت: زيد ضربته أن الجملة ليست مسندة إلى زيد بالأصالة، وإنما وقعت موقع المسند إلى زيد، والأصل: زيد مضروب لي، وإذا قلت: عمرو أكرمته فالأصل عمرو مكرم، ثم وضع ضربته موضع مضروب، وأكرمته موضع مكرم، فلما وقعت الجملة موقع المسند إلى المبتدأ قيل: إنها مسندة إليه، وهذا كلام مقبول؛ لكنهم عللوا ذلك بأن الفعل في نحو: زيد ضربته مسند إلى ضمير المتكلم، وقد استقل بالإسناد إليه الكلام، وحصلت منه الإفادة، ومن شرط المسند والمسند إليه أن يكون كل واحد منهما لا يستقل بالإفادة، وإنما تحصل الإفادة من إسناد أحدهما إلى الآخر، نحو:
زيد قائم وعمرو أخوك، قالوا: فعلى هذا ليس ضربته من زيد ضربته مسندا إلى زيد.
وفيما ذكروه نظر: لأن إسناد ضرب إلى التاء لا يمنع إسناد الجملة إلى ما هي خبر -
................................
[1/ 352] عنه لاختلاف جهتي الإسناد، فالحق أن الجملة برمتها مسندة إلى ما وقعت خبرا عنه إسناد الخبر إلى مبتدأ به، نعم الموضع بالأصالة للمفرد، وهي واقعة موقعه ومؤولة به كما تقدم.
وإذا تقرر أن الجملة إذا أخبر بها عن مبتدأ كانت واقعة موقع المفرد - فاعلم أنهم إنما ذكروا ذلك بالنسبة للجملة الخبرية - وأما الجملة الطلبية كالأمر والنهي وما جرى مجراهما، فقالوا: إنها شبيهة بما وقع موقع المفرد يعني بالجملة الخبرية، وقدروا ذلك بأنك إذا قلت: زيد اضربه وعمرو لا تكرمه، فالفعل إنما هو مسند إلى ضمير المخاطب، والهاء مبنية على الفعل 1 ومعمولته ومتصلة به، قالوا: وليس معك مسند إلى المبتدأ، ولا يقال: الجملة كلها مسندة إلى المبتدأ لما تقدم من أن شرط المسند والمسند إليه ألا يفيد أحدهما إلا بصاحبه، ولا يجد المنشئ كلاما من الإتيان بهما بدّا، وأنت إذا قلت: اضرب من غير أن تأتي بمبتدأ كان كلاما مستقلّا، قالوا: ولا يقال هنا ما قيل في زيد ضربته؛ لأن ضربته في موضع مضروب، وكذلك أنا أضرب في موضع أنا ضارب، وكذلك أنت أكرمتك معناه أنت مكرم، ولا تجد في زيد اضربه لفظا مفردا إذا وضع موضعه أعطى معناه.
لكن قال ابن أبي الربيع: «الّذي يظهر لي في هذه المسألة 2 أنّ زيدا من قولك: زيد اضربه جاء مجيء زيد ضربته؛ لأن الأصل في زيد ضربته: ضربت زيدا؛ لكنّك قدّمت زيدا وأضمرته؛ ليكون في ذلك توكيد بذكر زيد مرتين.
وكذلك زيد اضربه، الأصل: اضرب زيدا، ثم قدموا زيدا، وشغلوا الفعل بضميره؛ ليكون زيد قد ذكر مرتين ظاهرا ومضمرا، فقد صار زيد في زيد اضربه بمنزلة زيد في زيد ضربته في أن كلّا منهما اسم تعرّى 3 عن العوامل اللفظية ضمّ إليه بعده ما يكون الأول به كلاما مؤكدا؛ فلما صار مثله ارتفع ارتفاعه وأعرب إعرابه».
قال: فجاء رفع زيد اضربه على هذا نائبا عن زيد ضربته، ولذلك ضعف الرّفع -
[روابط الخبر الجملة - جمل لا تحتاج إلى رابط]
قال ابن مالك: (وإن اتّحدت بالمبتدأ معنى هي أو بعضها، أو قام بعضها مقام مضاف إلى العائد استغنت عن العائد، وإلّا فلا).
في زيد اضربه، وقوي النصب، عكس زيد ضربته يعني في باب الاشتغال؛ لأن المشبه لا يقوى قوة المشبه به.
قال ناظر الجيش: لما كانت الجملة مفيدة 1 مستقلة بنفسها لزم أن يكون بينها وبين ما وقعت خبرا عنه ارتباط؛ ليعلم أنها خبر عن ذلك المبتدأ؛ إذ لو لم يكن ذلك وقلت:
زيد قام عمرو لكان قام عمرو كلاما مستقلّا، ولم يعلم تعلقه بزيد ولا ارتباطه به.
إذا عرف هذا فنقول: الجملة الواقعة خبرا إما أن تكون نفس المبتدأ فيكون ذلك كافيا في الربط، ولا يحتاج إلى شيء آخر، وإما ألا يكون كذلك فلا بد [1/ 353] لها من رابط يربطها بالمبتدأ، والرابط إما ضمير يعود على المبتدأ، أو ما يقوم مقام الضمير، والذي يقوم مقام الضمير أحد ثلاثة أشياء: إما إعادة المبتدأ بلفظه، وإما إشارة مشار به إلى المبتدأ، وإما عموم في الخبر يدخل تحته المبتدأ.
وقد اشتمل كلام المصنف على الأقسام كلها كما سأبينه، وأنا أذكر كلامه في الشرح أولا ثم أعود إلى البيان.
قال رحمه الله تعالى 2: «الجملة المتحدة بالمبتدأ معنى كلّ جملة مخبر بها عن مفرد يدل على جملة كحديث وكلام، ومنه ضمير الشأن والقصة، كقوله تعالى:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 3، وكقوله تعالى: فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا 4 ومن الإخبار بجملة عن مفرد اتحدت به معنى قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل ما قلته أنا والنّبيون من قبلي (قول) لا إله إلّا الله (محمّد رسول الله) 5» 6. -
................................
والجملة المتحد بعضها بالمبتدأ معنى كل جملة تتضمن ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها كقوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ 1 في قراءة من رفع: ولباس التقوى 2 وكقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ 3 لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، فيحصل به ما كان يحصل بضميره مع تأكيد الاعتناء ومزيد الثناء.
ويكثر الاتحاد لفظا ومعنى تعظيما لأمر المحدث عنه أو المحدث به كقوله تعالى:
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ 4 فإن لم تتحد بالمبتدأ معنى الجملة ولا بعضها لم تستغن عن ضمير، وإلى هذا أشرت بقولي: وإلّا فلا» انتهى 5.
فعنى بقوله: إن اتّحدت بالمبتدأ معنى هي، ما الجملة فيه نفس المبتدأ هي، وبقوله: أو بعضها ثلاثة أشياء التي تقوم مقام الضمير:
وهي إعادة المبتدأ بلفظه، واسم الإشارة، والعموم الذي يدخل تحته المبتدأ.
ويدل على أنه أراد ذلك تمثيله بالثلاثة بعد قوله: والجملة المتّحدة بالمبتدأ معنى كل جملة تتضمن ما يدل على ما يدل عليه المبتدأ بإشارة أو غيرها.
وبقوله: وإلّا فلا يعني وإلا تتحد بالمبتدأ معنى هي ولا بعضها فلا يستغني عن عائد ما يلزم فيه ذكر الضمير، فكان كلامه مع اختصاره مفيدا بمنطوقه جميع الصور إفادة صريحة.
غير أن في قوله في الشرح: لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا -
................................ الصلاة - بحثا وهو أن ظاهر هذا الكلام يقتضي ألا عموم في الخبر، وأن اللام في المصلحين للعهد؛ لأنه حكم بأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة. والظاهر أن هذا منه - رحمه الله تعالى - تجوز في الكلام ويتعين أن يكون مراده ما ذكره غيره من العموم؛ لأننا لو جعلنا اللام في المصلحين للعهد لكان الربط بالمعنى، وسيبويه لا يجيزه، والمصنف تبع له في ذلك. وأما دخول إعادة المبتدأ بلفظه في كلامه فظاهر؛ لأنه يصدق عليه نحو: الْحَاقَّةُ 1 مَا الْحَاقَّةُ (1) أن بعض الجملة متحد بالمبتدأ معنى، وازداد الاتحاد بالموافقة للمبتدأ في اللفظ أيضا. واعلم أن ابن عصفور 2 ذكر في الذي يقوم مقام الضمير أمرا رابعا وهو: أن يقترن بالجملة جملة أخرى متضمنة لضمير عائد على المبتدأ معطوفة عليها بالفاء [1/ 354] كقوله: 624 - وإنسان عيني يحسر الماء تارة... فيبدو وتارات يجمّ فيغرق 3
................................
ومن ثم استدرك الشيخ على المصنف ذلك، والظاهر أن الذي ذكره ابن عصفور مدخول؛ لأن الكلام إنما هو فيما يقوم مقام الضمير.
ولا شك أن الرابط في البيت الذي أنشده ونحوه إنما هو الضمير لا شيء قائم مقامه؛ غاية الأمر أنه اكتفى في الجملتين بضمير واحد لتعاطفهما بالفاء، ثم إن هذا ليس أمرا يرجع إلى الخبر من حيث هو خبر، إنما يرجع إلى الفاء بدليل جريان مثل ذلك في بابي الصلة والصفة.
وقد ذكر المصنف هذه المسألة في موضعها الحقيق بها، فقال في باب المعطوف عطف النسق 1: «وتنفرد الفاء بكذا وبكذا وبتسويغ الاكتفاء بضمير واحد فيما تضمّن جملتين من صلة أو صفة أو خبر».
والذي فعله المصنف هو الحق.
ثم إنه رحمه الله تعالى ذكر مسألة أخرى مع المسائل التي يقوم فيها غير الضمير، وهي التي أشار إليها بقوله: أو قام بعضها مقام بعض مضاف إلى العائد وقد مثل كذلك بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ 2.
فقيل: التقدير يتربص أزواجهم.
فأقيم ضمير الأزواج مقام الأزواج المضافة إلى ضمير الذين، فحصل الربط بهذا المضمر الواقع مكان المظهر الذي هو أزواج، وأزواج متصل بضمير المبتدأ.
وهذا الذي ذكره المصنف في هذه الآية الشريفة هو رأي الأخفش والكسائي 3 قيل: ولكنه خلاف ما عليه الجمهور.
وحاصل الأمر في الآية الشريفة أقوال: أحدها: هذا القول، فاختاره المصنف.
وأما بقية الأقوال 4 فقيل: ثم مضاف محذوف معتدّ به.
التقدير: ونساء الذين يتوفون -
................................
منكم ويذرون أزواجا يتربصن، فيكون كالاعتداد بالمحذوف في قول حسان رضي الله عنه:
625 - يسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل 1
يريد ماء بردى، وقيل: التقدير ومما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم 2 ثم ابتدأ يتربصن لتفسير المتلوّ، وقيل: التقدير يتربصن بعدهم، وقيل: التقدير أزواجهم يتربصن.
وإذ قد تلخص هذا الموضع وتبين معنى كلام المصنف، فأنا أورد ما أوردوه من ذكر الروابط المتفق عليها والمختلف فيها جملة كما أوردوه من غير تفسير، قالوا: الروابط المتفق عليها خمسة أشياء:
ضمير المبتدأ، وتكرار المبتدأ بلفظه، وأكثر ما يكون ذلك في مواضع التهويل والتفخيم وإشارة إلى المبتدأ والعموم نحو: زيد نعم الرجل، وقول القائل: - - أنه ترك الإخبار عن الذين، وأخبر عن الزوجات المتصل ذكرهن بالذين؛ لأن الحديث يعمهن في الاعتداد بالأشهر، فجاء الإخبار عما هو المقصود.
قال: وهو قول الفراء.
................................ 626 - فأمّا القتال لا قتال لديكم... ولكنّ سيرا في عراض المواكب 1 وقول الآخر: 627 - ألا ليت شعري هل إلى أم معمر... سبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا 2
................................
وعطف جملة بالفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية منها هي خبر المبتدأ نحو:
628 - وإنسان عيني......... البيت
ونحو:
629 - إنّ الخليط أجدّ البين فانفرقا... [وعلّق القلب من أسماء ما علقا] 1
في رواية من رفع البين.
والروابط المختلف فيه أربعة وهي تكرار المبتدأ بمعناه لا بلفظه نحو: زيد جاء أبو بكر؛ إذ كان أبو بكر [1/ 355] كنية لزيد، فهذا نص سيبويه على منعه، وأجاز ذلك الأخفش وتبعه ابن خروف 2.
وعطف جملة بالواو مكان الفاء فيها ضمير المبتدأ على جملة عارية من الضمير وقعت خبرا نحو: الخيل جاء زيد وركبها أجاز ذلك هشام ومنعه الجمهور 3 ووقوع المضمر مكان مظهره الذي اتصل به الذكر العائد على المخبر عنه نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ 4. -
................................
وقد تقدم الكلام على هذه الآية الشريفة، وأن هذا القول هو قول الأخفش والكسائي، وأنه ربط بالمعنى والربط بالمعنى لا ينقاس، ولذلك لما قالت العرب:
مررت برجل حسن أبواه جميلين، وربط الصفة التي هي جميلين بالموصوف الذي هو الرجل الضمير المستتر فيها، وهو عائد على الأبوين لا على الموصوف؛ لكون ذلك الضمير يفيد ما يفيده قولك: جميل أبواه - لم يجز النحويون قياسا عليه أن يقال: مررت برجل حسنين جميل أبواه على إعمال الصفة الثانية والإضمار في الصفة الأولى.
وقيل: الضمير العائد على الأبوين من الصفة الأولى رابط للموصوف كما جعل في الصفة الثانية من قولك: مررت برجل حسن أبواه جميلين؛ لأن الربط بالمعنى إنما سمع عن العرب في الصفة الثانية لا في الأولى، فلم يتعد به موضع السماع.
ولذلك أجاز سيبويه 1 أن تقول: مررت برجل عاقلة أمّه لبيبة على أن تجعل اللبيبة مضمر فيها الأم.
ووقوع المضمر عائدا على المبتدأ مبدلا من بعض ما في الجملة الموضوعة موضع خبره مثاله: حسن الجارية أعجبتني هو، فحسن مبتدأ والجملة بعده خبر ولا رابط فيه، لكنه ربط بالبدل الذي هو هو 2 إذ هو بدل من ضمير الجارية، وفي الربط بهذا خلاف مذكور في باب البدل 3.
[حكم الضمير الرابط من جواز حذفه أو بقائه]
قال ابن مالك: (وقد يحذف إن علم ونصب بفعل أو صفة، أو جرّ بحرف تبعيض أو ظرفيّة، أو بمسبوق مماثل لفظا ومعمولا، أو بإضافة اسم فاعل، وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ أو شبهه في العموم والافتقار، ويضعف إن كان المبتدأ غير ذلك، ولا يخصّ جوازه بالشّعر خلافا للكوفيين).
قال ناظر الجيش: حاصل ما تضمنه كلام المصنف أن الضمير العائد على المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا عنه - إما مرفوع أو منصوب أو مجرور.
أما المرفوع: فلا يحذف أصلا، ويدل على ذلك أنه طوى ذكره، فيكون واجب الذكر على الأصل.
أما المنصوب: فلا يجوز حذفه إن كان منصوبا بحرف.
وإن كان منصوبا بفعل أو وصف جاز حذفه لكنه قليل.
وأما المجرور: فإن كان بحرف جار جاز حذفه في ثلاثة مواضع، وإن كان بإضافة جاز إن كانت الإضافة لفظية 1.
واعلم أن النحاة ذكروا أن حذف العائد من جملة الصلة كثير، ومن جملة الصفة قليل، ومن جملة الخبر أقل، وقد تعرض [1/ 356] المصنف لذلك في باب النعت، فقال: «وحكم عائد المنعوت بها أي بالجملة حكم عائد الواقعة صلة
أو خبرا؛ لكنّ الحذف من الخبر قليل، ومن الصّفة كثير، ومن الصّلة أكثر» انتهى 2.
وكأنهم جعلوا الصفة لقربها من الصلة بين المرتبتين، فكان الحذف من الصفة أكثر من الحذف من الخبر.
واعلم أن ظاهر كلام المصنف في هذا الموضع مخالف لكلام غيره من المغاربة؛ فإنهم ذكروا أن المنصوب لا يحذف إلا في الشعر، وأن المجرور بالإضافة لا يحذف مطلقا، وأن المخفوض بحرف يجوز حذفه نحو: السّمن منوان بدرهم أي منوان منه، إلا أن -
................................ يؤدي الحذف إلى تهيئة العامل للعمل والقطع عنه، فلا يجوز نحو زيد مررت 1. وحاصل الأمر: أن الاتفاق بين المصنف وغيره واقع على جواز الحذف في نحو: السمن منوان بدرهم، والبرّ قفيزان بدرهم، وهو ما لم يكن فيه تهيئة العامل للعمل والقطع عنه، فهم قد نصوا على عدم جواز الحذف فيه إلّا في الشعر، والمصنف لم يقصد جواز الحذف على ذلك، بل أجازه في الكلام أيضا، ولكنه حكم بقلته حيث قال: وقد يحذف إن علم ونصب... إلخ. والظاهر أن الحق في ذلك مع المصنف؛ لأن عمدته فيما أورده السماع الذي سنورده. وقد ذكر سيبويه 2 أن الضمير لا يحذف من خبر المبتدأ إلا في الشعر أو في قليل 3 من الكلام. وفسر الناس كلامه بأنه إنما أراد أن ذلك قليل حيث يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه، فظهر بذلك أن الذي ذكره المصنف موافق لما ذكره سيبويه، وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب وتمثيل المسائل. فمثال المنصوب بفعل قولك: زيد ضربت، وشاهده قول الراجز: 630 - ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا... فأخزى الله رابعة تعود 4
................................
أي قتلتهن.
وأما المنصوب بوصف فأنشد المصنف شاهدا عليه قول الراجز:
631 - غنيّ نفس العفاف المغني... والخائف الإملاق لا يستغني 1
التقدير: العفاف المغنيه أي الذي يغنيه هو غنى نفس.
فالعفاف مبتدأ والمغني مبتدأ ثان وخبره غني نفس، وفي المغني ضميران أحدهما عائد على العفاف، وهو الفاعل باسم الفاعل، والآخر ضمير نصب، وهو المحذوف العائد على أل، والمغني وصف جرى على غير من هو له، ولم يبرز الضمير، ولو برز لقال: المغنيه هو، ومعنى هذا الكلام الذي يغنيه العفاف غني نفس.
قال الشيخ 2: «ويحتمل وجها آخر من الإعراب وهو أظهر وأقلّ تكلّفا»:
وهو أن يكون غنيّ نفس مبتدأ، وسوغ الابتداء به وإن كان نكرة كونه متخصّصا بالإضافة، أو كونه نعتا لمنعوت أي إنسان غني نفس، والعفاف مبتدأ ثان، وخبره المغني وهو وصف جار على من هو له؛ إذ هو خبر عن العفاف، والجملة من قوله: العفاف المغني في موضع خبر [1/ 357] المبتدأ الذي هو غني - - ومعنى البيت: يجوز أن يريد ثلاث نسوة تزوجتهن فقتلتهن، وأن مصير الرابعة سيكون مصيرهن، أو يريد أنهن هوينه فقتلهن هواه.
والشاهد فيه قوله: ثلاث كلهن قتلت، حيث حذف الرابط، وهو الضمير المنصوب العائد على المبتدأ، وأصله قتلتهن.
والبيت في: شرح التسهيل (1/ 311) وفي التذييل والتكميل (4/ 37) وفي معجم الشواهد (ص 107).
................................
نفس، والعائد من الجملة محذوف وهو الضّمير المنصوب؛ إذ التقدير: المغنيه، والمعنى غنيّ النّفس العفاف يغنيه».
انتهى.
وإنما حكم في الوجه الأول بأن المغني وصف جرى على غير من هو له؛ لأن أل فيه موصولة ومدلولها الذي يغنيه العفاف، فمدلولها المغني بالعفاف والواقع صلة له وهو مغني هو العفاف نفسه، فاختلفا.
ومثال المجرور بحرف تبعيض قولهم: السّمن منوان بدرهم أي منوان منه، فمنوان مبتدأ ثان، وسوغ الابتداء به هذا الوصف المحذوف وهو منه، وبدرهم خبره، والجملة خبر عن السمن، والعائد هو منه المحذوف، وهو ضمير مجرور بمن وهو حرف تبعيض.
ومثال الظرفية قول الشاعر:
632 - فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسرّ 1
أي: نساء فيه ونسر فيه.
ومثال ما جر بمسبوق مماثل لفظا ومعمولا قول الشاعر:
633 - أصخ فالّذي توصي به أنت مفلح... فلا تك إلّا في الفلاح منافسا 2
أراد: أنت مفلح به، فحذف به لأنه مسبوق بمماثل لفظا ومعمولا، وهو نظير قوله تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ 3. -
................................
أي نسارع لهم به.
ومثال ما جر بإضافة اسم فاعل قول الشاعر:
634 - سبل المعالي بنو الأعلين سالكة... والإرث أجدر من يحظى به الولد 1
أي سالكتها وأنت سالكه، وكان القياس سالكون؛ لأن بني مؤنث نحو قالت بنو عامر.
ثم إن المصنف أشار بقوله: وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ - إلى قراءة ابن عامر وكل وعد الله الحسنى 2 أي وعده 3.
وعلى ذلك قول أبي النجم:
635 - قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع 4
أي لم أصنعه.
-
................................
وأشار بقوله: أو شبهه في العموم والافتقار يعني إلى متمم إلى نحو: أيّهم يسألني على جعل أي موصولة، وإلى نحو آمر بخير ولو كان صبيّا أطيع.
وأشار بقوله: ويضعف إن كان غير ذلك إلى أن المبتدأ إذا كان غير كل وغير ما يشبهه في العموم والافتقار يضعف حذف عائده، فأفاد قوله أولا: وقد يحذف إلى أن الحذف قليل، وأفاد قوله هنا: بإجماع، ويضعف، أن القليل منه ما هو قوي وهو ما كان المبتدأ فيه كلّا، ومنه ما هو ضعيف، وهو ما كان المبتدأ فيه غير كل، فهذا الكلام الثاني تفصيل لما أجمل أوّلا.
ثم قال: ولا يخصّ جوازه بالشّعر خلافا للكوفيّين أي جواز الحذف، بل يجوز في الكلام على مثله كما تقدم.
قال المصنف 1: فلو كان المبتدأ غير كل والضمير مفعول به لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلا في الاضطرار، والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار ويرونه ضعيفا، ومنه قراءة السلمي (أفحكم الجاهلية يبغون) 2 ومثل هذه القراءة قول الشاعر:
636 - وخالد يحمد أصحابه... بالحقّ لا يحمد بالباطل 3
[1/ 358] هكذا رواه ابن الأنباري برفع خالد وأصحابه.
انتهى 4. -
................................
وذكر أن البصريين هم الذين يجيزون الحذف في الاختيار، وأن الكوفيين لا يجيزونه إلا في الاضطرار، وكلام ابن عصفور يقتضي عكس ذلك.
وقد تقدم النقل عن سيبويه أنه يجيز الحذف في الشعر وفي قليل من الكلام.
فالظاهر أن الذي ذكره المصنف من إجازة البصريين ذلك في الكلام هو النقل الصحيح، وفي تقييد المصنف جواز الحذف في قوله: إن علم فالظاهر أنه أراد بذلك أن يكون على حذفه دليل، فعلى هذا لو قيل: زيد ضربت في داره وأريد زيد ضربته في داره لم يجز؛ إذ لا دليل يدل على الضمير لو حذف؛ لأن الربط قد حصل بغيره فجاز ألا يكون هو موجودا في أصل التركيب، وقد ذكر ابن عصفور ذلك في شرح المقرب 1.
ثم قد بقي الكلام في أمور:
الأول:
لما تكلم ابن أبي الربيع على حذف الضمير من جملة الخبر، وأن ذلك قليل إن أدى إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، قال 2: وعلى حسب قوة التهيؤ وضعفه يكون القبح، فإذا كان العامل متقدّما كان التهيؤ قويّا، فلا يجوز في الشعر ولا في غيره.
وإذا كان العامل متأخّرا كان التهيؤ ضعيفا، فهذا يجوز في الشّعر وفي قليل من الكلام وذلك نحو: زيد ضربته، فإنك إذا حذفت الضمير فقلت: زيد ضربت كان الفعل متهيئا للعمل في زيد لعدم اشتغاله بالضمير وجواز عمل العامل فيه مؤخرا، فلم يجز إلّا في الشّعر وفي قليل من الكلام، وجاز لأنه وإن كان العامل ممّا يصح أن يعمل في الاسم، فقد ضعف عن عمله فيه بتأخّره عنه، وإن قلت: ضربته زيد لم يجز حذف الضمير بوجه لا في الشعر ولا في غيره؛ لأن العامل مقدم، فالذي جاز في زيد ضربت على ضعفه معدوم في ضربت زيد، ثم قال: -
................................ فإن قلت: زيد إن أكرمت أكرمتك تريد إن أكرمته أكرمتك كان قبحه دون قبح زيد ضربت؛ لأنّه وإن أشبهه من جهة أن زيدا بعده فعل وفاعل هو متعلقه من جهة المعنى، لكنه لا يصحّ أن يعمل فيه العامل الذي بعد الفعل لأجل حرف الشّرط». الأمر الثاني: قد عرفت قول المصنف: وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولا به والمبتدأ كلّ أو شبهه في العموم والافتقار، وتمثيل ذلك بقراءة ابن عامر: وكل وعد الله الحسنى 1 وبما تقدم ذكره. لكن قال ابن عصفور بعد التمثيل بهذه الآية الشريفة: وحكمه بأنّ ذلك يحفظ ولا يقاس عليه 2. وقوله: فإن جاء شيء منه في الشعر فضرورة، وإنشاده: وخالد يحمد أصحابه - هذا مذهب البصريين. وزعم الفراء ومن أخذ بمذهبه من الكوفيين أن حذفه جائز في الكلام إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو كلا أو كلّا، وإن أدى حذفه إلى التهيئة والقطع، فأجاز أن يقال: أيهم ضربت؟ برفع أي [1/ 359] تريد: أيهم ضربته. ومما جاء من ذلك في كلا قوله: 637 - أرجزا تطلب أم قريضا... أم هكذا بينهما تعريضا كلاهما أجد مستريضا 3
................................
يريد: أجده مستريضا.
قال 1: «وإنما جاز ذلك مع هذه الأسماء خاصة؛ لأن اسم الاستفهام من أسماء الصّدور، ولا يجوز أن يتقدم ما بعده عليه فأشبه بذلك الموصول، ألا ترى أن الموصول لا تتقدم صلته عليه؟».
وكما جاز الحذف من الصلة جاز الحذف من الجملة الواقعة خبرا لاسم استفهام، وكذلك كل وكلا إذا أخبر عنهما يدخل في الكلام معنى ما، وما من أدوات الصدور، فإذا قلت: كل القوم ضربته فالمعنى: ما من القوم إلا من ضربته، وكذا كلا الرجلين ضربته المعنى: ما من الرجلين إلا من ضربته.
واستدل على أن الكلام يدخله معنى ما بقول الشاعر:
638 - وكلّهم حاشاك إلّا وجدته... كعين الكذوب جهدها واحتفاؤها 2
-
- ومناسبتها أن عمر كتب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن يستنشد الشعراء عنده ما قالوه في الإسلام، فلما سأل الأغلب قال له هذا الرجز.
اللغة: القريض: الشعر من غير الرجز.
التعريض: ضد التصريح.
أجد: من الوجود، وروي في مكانه: أجيد من الإجادة وهي الإتقان.
مستريضا: واسعا ممكنا.
ومعناه بعد ذلك واضح.
وشاهده قوله: كلاهما أجد حيث حذف العائد وهو مفعول أجد، والمبتدأ لفظ كلا، وهو جائز عند الفراء والكوفيين كما ذكر في الشرح.
والبيت في التذييل والتكميل (4/ 43) وفي معجم الشواهد (ص 492).
- ومناسبتها أن عمر كتب إلى المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة أن يستنشد الشعراء عنده ما قالوه في الإسلام، فلما سأل الأغلب قال له هذا الرجز.
................................
فإدخالهم إلّا على خبر كل دليل على أن المعنى ما منهم إلا من وجدته، فلما دخل الكلام معنى ما - وهي من الأدوات التي لا يتقدم ما بعدها عليها - أشبهت لذلك الموصول؛ لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، فساغ حذف الضمير لذلك.
ثم قال ابن عصفور: «والأصح مذهب البصريين، وفرق بين الصلة والخبر بأن الحذف منهما لا يؤدي إلى التهيئة
والقطع؛ إذ الصلة لا تعمل في الموصول، وليس كذلك أسماء الاستفهام وكلّ وكلا؛ لأن ما بعد هذه الأسماء يجوز أن يعمل فيها، وأيضا فالصلة والموصول كالشيء الواحد، فطال بذلك الموصول بصلته، والطول موجب للتخفيف بالحذف، وليست هذه الأسماء مع أخبارها كذلك».
انتهى كلام ابن عصفور 1.
وقد انتقد الشيخ على المصنف دعوى الإجماع في هذه المسألة، وقال كما قال ابن عصفور: إن هذا ليس مذهب البصريين 2.
والعجب من الشيخ؛ كيف وافق ابن عصفور على ما ذكر بعد ثبوت هذه القراءة المتواترة التي لا محيص عنها ولا بد من الاعتراف بها 3 وليس بعد الحق إلا الضلال.
ودعوى المصنف الإجماع في هذه المسألة لا ينكر؛ لأن هذه القراءة ثابتة بالإجماع، وليس لها محمل غير ما ذكره المصنف، فلا يمكن أن يدفع ذلك بصري ولا كوفي.
وإذا كان كذلك فقد صدق أن الضمير حذف من الجملة الواقعة خبر كل بإجماع، يعني أن أحدا لا يسعه المخالفة في ذلك.
أما كون ذلك قليلا أو غير قليل فشيء آخر لم يتعرض المصنف إليه، وكيف يجوز أن يقال: هذا مذهب قال به طائفة مع الثبوت الذي لا محيد عنه.
الأمر الثالث:
انتقد الشيخ كلام المصنف في المتن والشرح من وجوه: أحدها: ما تقدمت -
................................
الإشارة إليه، وقد عرفت ما فيه 1.
ومنها: أنه قال: «إن المنصوب قد يحذف، قال 2: وذلك لا يجوز عند البصريين إلّا في الشعر».
قلت: وقد تقدم أن البصريين [1/ 360] يجيزون ذلك في الكلام؛ لكنهم يحكمون بقلته، وتقدم النقل عن سيبويه بأنه يجيزه في قليل
من الكلام 3.
ومنها: «أنه إذا جر العائد بحرف تبعيض فقد يحذف، قال: وليس كما ذكر إذ لا يجوز الحذف في نحو: الرغيف أكلت منه مع أنه حرف تبعيض لما يؤدي إليه الحذف من التهيئة والقطع» 4.
قلت: الحذف عند المصنف في نحو: زيد أكرمت - جائز وإن حكم بقلته، وقد تقدم أن سيبويه يجيزه أيضا، وتقدم قبل ذلك كلام ابن أبي الربيع وهو الصحيح.
ولا شك أن في نحو: زيد أكرمت التهيئة والقطع، فكما جاز ذلك هنا جاز في:
الرغيف أكلت إذا دل دليل على المحذوف.
أما إذا لم يدل دليل فلا يجوز لما يؤدي إليه من اللبس، وذلك لتوهم أن يكون أصل الكلام: الرغيف أكلته، ثم حذفت الهاء المفعولة.
ومنها: أنه إذا كان منجرّا باسم الفاعل فإنه ذكر أنه يحذف، قال: وذلك لا يجوز عند أصحابنا 5. -
[مجيء الخبر ظرفا والآراء في ذلك]
قال ابن مالك: (ويغني عن الخبر باطّراد ظرف أو حرف جرّ تامّ معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء، لا لفعله ولا للمبتدأ ولا للمخالفة؛ خلافا لزاعمي ذلك، وما يعزى للظرف من خبريّة وعمل فالأصحّ كونه لعامله، وربّما اجتمعا لفظا).
قلت: قد استدل ابن مالك على جواز ذلك بما تقدم ذكره، ومن حفظ كلامه حجة على من لم يحفظ 1.
قال ناظر الجيش: قد عرف أن الخبر قسمان 2 وهذا هو المعمول عليه، وهو قول الجمهور؛ فعلى هذا لا يعد الظرف المخبر به قسما ثالثا، بل يحكم بأنه داخل في أحد القسمين: إما المفرد إن قدرت عامله اسما، وإما الجملة إن قدرت عامله فعلا.
ونقل عن ابن السراج أنه يجعله قسما برأسه 3 ليس من قبيل المفرد، ولا من قبيل الجملة.
ولا يعلق الظرف بشيء محذوف، واستدل على ذلك بقول المعرب: إنّ أمامك بكرا وإنّ في الدّار زيدا، قال: فلو كان الظّرف بمنزلة مستقرّا واستقر لم يجز تقديمه على اسم إن، كما لم يجز تقديم مستقر أو استقر عليه.
- - وما تقدم ذكره هو بيت من الشعر أيضا هو قوله: سبل المعالي بنو الأعلين سالكة.
ولم يأت ابن مالك بشيء من النثر يدل على جواز الحذف، ولذا فإن نقد أبي حيان لابن مالك يظل قائما، ويبقى دفاع ناظر الجيش عن صاحبه ناقصا.
والحق أن ذلك جائز، قال السيوطي في الهمع (1/ 97): يجوز حذف المجرور إذا كان أصله النصب بأن كان المضاف اسم فاعل نحو: زيد أنا ضارب أي ضاربه، بخلاف غيره.
................................ وقد رد هذا الاستدلال بأن العامل في الظرف وشبهه لا يقدر متقدما عليهما، بل يقدر بعد الاسم. قالوا: ولذلك لم يجز في الدّار نفسه زيد، ولا فيها أجمعون قومك 1؛ لأن التوكيد لا يقدم على المؤكد 2. وجاز إن في الدار زيدا؛ لأن الظرف ليس هو الخبر في الحقيقة، إنما هو متعلق الخبر، والخبر مقدر في موضعه، ولذلك عدل سيبويه 3 في نحو: 639 - لميّة موحشا طلل... [يلوح كأنّه خلل] 4
................................
إلى أن جعل موحشا حالا من النكرة، ولم يجعلها حالا من الضمير الذي في الخبر؛ لأن الخبر مؤخر في النية وهو العامل في الحال وهو معنوي، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي.
هكذا قرروا هذا البحث في: لمية موحشا طلل، وهو حسن؛ إلا أنه ينخدش بشيء: وهو أن العمل هل ينسب إلى الظرف أو إلى [1/ 361] ما يتعلق به الظرف؟.
إن قلنا: إن العمل لذلك المحذوف تم البحث المذكور، وإن قلنا: إن العمل صار ينسب إلى الظرف نفسه؛ فلا يتم لأن الحال لم يتقدم حينئذ على العامل المعنوي.
واعلم أن النحاة يطلقون الظرف على الجار والمجرور؛ لأنه يجري مجرى الظرف في تعلقه بالاستقرار، وحكم مجروره حكم الظرف إن كان مكانا جاز أن يكون الجار والمجرور خبرا عن الجثة، وإن كان المجرور زمانا لم يقع خبرا إلا عن الحدث إلا ما استثني، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
فلا جرم أننا نستغني بذكر الظرف عن الجار والمجرور.
وإذ قد تقرر هذا فأنا أورد كلام المصنف برمته في شرح هذا الموضع أولا، ثم أتبعه بما يتعلق به من المباحث.
قال رحمه الله تعالى 1: ذهب الكوفيون إلى أن الظرف من نحو: زيد خلفك منصوب بمخالفته، حكاه ابن كيسان والسيرافيّ 2، وهذا القول فاسد من أربعة أوجه: - - الشاهد فيه: نصب موحشا على الحال، وكان أصله أن يكون صفة لطلل، فلما قدم على الموصوف صار حالا، وعلى ذلك استشهد سيبويه بالبيت (الكتاب: 2/ 122، 123) والبيت في معجم الشواهد (ص 296).
................................
أحدها: أن تخالف المتباينين في معنى نسبته إلى كل واحد منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح
من غير مرجح.
الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم يعمل فيها بإجماع نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم، وأنت فطر، وهُمْ دَرَجاتٌ 1 فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف المذكور لعملت في هذه الأخبار ونحوها؛ لتحقق المخالفة فيها.
الثالث: أن المخالفة معنى لا تختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة؛ لأن العامل عملا مجمعا عليه لا يكون غير مختص.
هذا إذا كان العامل لفظا مع أنه أقوى من المعنى؛ فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه.
الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل للزم على مذهب الكوفيين ألا تعمل في الظرف عند تأخره؛ لأن فيه عندهم عائدا هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم؛ فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق، فبان بهذه الأوجه فساد ما ذهب إليه الكوفيون.
وذهب ابن خروف 2 إلى أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، وقال: هو مذهب سيبويه، وحمله على ذلك أن سيبويه قال في باب ما ينتصب من الأماكن والوقت 3: «فانتصبت لأنّها موقوع فيها، ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها كما أنّ العلم إذا قلت: أنت الرّجل علما - عمل فيه ما قبله، وكما عمل في الدّرهم عشرون إذا قلت: عشرون درهما».
ثم قال سيبويه: فالمكان هو خلفك.
ثم أردفه بنظائر، وقال: «فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره، وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل في ما بعده نحو العشرين، وهو خير منك عملا، فصار زيد خلفك بمنزلة ذلك، والعامل في خلف الذي هو في موضعه، والّذي هو في موضع خبره، كما أنّك إذا قلت: عبد الله -
................................
أخوك، فالآخر رفع الأول وعمل فيه، وبه استغنى الكلام وهو منفصل منه».
هذا نصه 1 [1/ 362] وهو يحتمل أربعة أوجه 2:
أحدها: كون الظّرف منصوبا بعامل معنوي، وهو حصول المبتدأ فيه لقوله:
فانتصبت لأنها موقوع فيها، ومكون فيها، ويحتمل قوله: عمل فيها ما قبلها على عمل المبتدأ في المحل، فيكون للظرف على هذا التقدير عامل نصب في لفظه، وهو المعنى المذكور، وعامل رفع في محله وهو المبتدأ، وهذا الوجه باطل إذ لا قائل به.
ولأن الحصول لو عمل في الظرف الصرفي وهو الخلف وشبهه لعمل في الظرف اللغوي 3، كالكيس والكوز، فكان يقال: المال الكيس والماء الكوز بالنصب، بل الحصول المنسوب إلى الكيس والكوز ونحوهما أولى بالعمل؛ لأنه حصول إحاطة وإحراز، وإذا لم يصلح للعمل وهو أقوى فغيره بعدم العمل أولى.
والوجه الثاني: كون الظرف منصوبا بالمخالفة كقول الكوفيين، فإنه يوهمه سيبويه بقوله في الباب المذكور: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ فظاهر هذا القول شبيه بما حكاه ابن كيسان من قول الكوفيين: إن الظرف منصوب بالمخالفة؛ لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فالأخ هو زيد، وإذا قلت: زيد خلفك فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب، وقد تقدم إبطال هذا القول فسيبويه بريء ممن عول عليه وجنح إليه؛ لأنه قال حين مثل بظروف بعد مبتدآت:
وعمل فيها ما قبلها.
وهذه العبارة لا يصلح أن يراد بها إلا شيء متقدم على الظرفية، والمخالفة بخلاف ذلك، فتيقن أن مراده غير مراد الكوفيين.
والوجه الثالث: ما ذهب إليه ابن خروف من أن عامل النصب في الظرف المذكور المبتدأ نفسه، واحتماله أظهر من الوجهين المتقدمين، وهو أيضا مخالف لمراد سيبويه، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى 4. ولو قصد ذلك سيبويه نصّا لم يعول عليه؛ لأنه يبطل من سبعة أوجه 5: -
................................
أحدها: أنه قول مخالف لأقوال البصريين والكوفيين مع عدم دليل فوجب اطّراحه.
الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه.
الثالث: من مبطلات قول ابن خروف أنه يستلزم تركيب كلام تام من لفظين ناصب ومنصوب لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه.
الرابع: أنه قول يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير لذلك، ومن ثم لم يكن كلام نحو: زيد قام عمرو حتى يقال إليه أو نحو ذلك.
الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ كنسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عند تقدير الفاعل، وكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر 1.
السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: زيد خلفك - نظير المصدر نحو: ما أنت إلا سيرا في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك إلحاقا للنظير بالنظير.
السابع: أن عامل [1/ 363] النصب في غير الظرف المذكور بإجماع من ابن خروف ومنّا لا يكون إلا فعلا أو شبهه، أو يشبه شبهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به 2.
الوجه الرابع من محتملات كلام سيبويه، وهو الصحيح: أنه ينتصب الظرف المذكور بمستقر أو استقر أو شبههما، وكلام سيبويه قابل لاستنباط ذلك منه؛ لأنه قال: قاصدا للظروف الواقعة بعد المبتدأ، وعمل فيها ما قبلها، كما أن العلم إذا قلت: أنت الرجل علما عمل فيه ما قبله.
فما قبلها: يحتمل أنه يريد به الذي قبلها في اللفظ وهو المبتدأ، ويحتمل أن يريد به الذي قبلها في التقدير، وهو مستقر أو استقر أو شبههما؛ إلا أن الاحتمال الأول -
................................
يفضي إلى المحذورات المتقدم ذكرها.
والاحتمال الثاني لا يفضي إليها، فكان أولى بمراده، ويؤيد أولويته في إرادته أنه شبه ناصب الظرف بما نصب التمييز في قوله: خير عملا، وناصب التمييز خبر لا مبتدأ فينبغي أن يكون ناصب الظرف خبرا لا مبتدأ؛ فإن ذلك أليق بالنظير وأوفق بالتقدير.
وكذلك قوله: فهذا كلّه انتصب على ما هو فيه وهو غيره؛ ويحتمل أن يريد بما هو فيه المبتدأ، ويحتمل أن يريد به ما حذف من مستقر ونحوه، وهو الأولى لما ذكرت من أن تقديره لا يفضي إلى المحذورات السابقة.
ويؤيد ذلك أيضا قوله: وهو غيره أي ما هو عامل في الظرف غير المبتدأ، واحتاج إلى هذه العبارة لينبه على أن بين المبتدأ والظرف مقدرا وهو خبر المبتدأ وعامل في الظرف، وأنه غير المبتدأ، ولا يصح أن يعاد هو إلى المبتدأ والهاء من غيره إلى الظرف؛ لأن الإعلام بذلك إعلام بما لا يجهل، بخلاف الإعلام بأن ثم مقدرا هو غير المبتدأ وعامل في الظرف؛ فإن الحاجة داعية إليه، ويتأيد ذلك أيضا بقوله: وصار بمنزلة المنوّن الّذي عمل فيما بعده نحو العشرين، ونحو خير منك عملا؛ فإن في صار ضميرا عائدا على ما هو فيه وهو غيره، وقد ثبت أنه ما يقدر من مستقر ونحوه، وجعلت نسبة هذا المقدر من الظرف كنسبة خير من عمل، وفيه أيضا إشعار بأنه لا يريد بما المبتدأ، بل الخبر المقدر؛ لأن خيرا من قوله: خير عملا خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت أو هو خير عملا، وجعل ما هو خبر نظير الخبر أولى من جعله نظير المبتدأ.
ثم قال: فصار زيد خلفك بمنزلة ذاك، أي صار زيد قبل خلفك بمنزلة مستقر؛ لأنه يدل عليه ويجعله في الذهن مشارا إليه 1.
ثم قال 2: والعامل في خلف الّذي هو في موضعه أي الذي خلف في موضعه، والذي خلف في موضعه هو مستقر أو نحوه من أسماء الفاعلين؛ فإنه الخبر في الحقيقة، والظرف في موضعه؛ لأنه عمدة والظرف فضلة.
ثم قال: والّذي هو في موضع خبره يعني استقر ونحوه من الأفعال الدالة على كون مطلق؛ فإن الظرف إذا علق بفعل، فذلك الفعل في موضع الخبر الأصلي وهو -
................................
اسم الفاعل، فأشار سيبويه بهذا إلى جواز تعليق الظرف [1/ 364] باسم فاعل وبفعل.
ونبه على أن تقدير اسم الفاعل أولى بأن أضاف الموضع إلى ضميره، ولو قال: أو الذي هو في موضع خبره لكان أبين، لكن من كلام العرب وقوع الواو موقع أو؛ حيث لا تصلح الجمعية كقوله تعالى: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ 1.
ووقوع أو موقع الواو حيث تتعين الجمعية كقول الشاعر:
640 - [قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم]... ما بين ملجم مهره أو سافع 2
ويدل على أن تقدير اسم الفاعل أولى أربعة أمور 3:
أحدها: أن اجتماع اسم الفاعل والظرف قد ورد كقول الشاعر:
641 - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن... فأنت لدى بحبوحة الهون كائن 4
ولم يرد اجتماع الفعل والظرف في كلام يستشهد به، وإلى هذا البيت ونحوه 5 أشرت بقولي: وربّما اجتمعا لفظا.
-
................................
الثاني: أن الفعل لا يغني تقديره عن تقدير اسم الفاعل ليستدل على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل مغن عن تقدير، وتقدير ما يغني أولى من تقدير ما لا يغني.
الثالث: أن كل موضع يقع فيه الظرف المذكور صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض مواضعه غير صالح للفعل نحو:
أما عندك فزيد، وجئت فإذا عندك زيد؛ لأن أما وإذا المفاجئة لا يليهما فعل.
الرابع: أن الفعل المقدر جملة بإجماع، واسم الفاعل عند المحققين ليس بجملة، والمفرد أصل وقد أمكن، فلا عدول عنه.
فلهذه المرجحات وافقت الأخفش بقولي في الأصل: معمولا في الأجود لاسم فاعل كون مطلق؛ وفاقا للأخفش تصريحا ولسيبويه إيماء.
وخالفت ما ذهب إليه أبو علي والزمخشري من جعل الظرف جملة 1.
ورجح بعضهم تقدير الفعل 2 بأنه متعين في وصل الموصول، وهذا ليس بشيء؛ لأن الظرف الموصول به واقع موقعا لا يغني عنه المفرد؛ بل إذا وقع فيه مفرد تؤول بجملة، والظرف المخبر به واقع موقعا هو للمفرد بالأصالة، وإذا وقعت الجملة فيه تؤولت بمفرد، فلا يصلح أن يعامل أحدهما معاملة الآخر.
ونبهت بقولي: لاسم فاعل كون مطلق على أن اسم فاعل كون مقيد كمعتكف وقارئ لا يغني عنه مجرد ذكر الظرف إذا قصد البيان.
والذي اخترته من تعرية الظرف من الخبرية والعمل هو مذهب أبي الحسن بن كيسان، والظاهر من قول السيرافي 3. وتسميته خبرا في الحقيقة 4 غير صحيح، وكذا إضافة العمل إليه لا تصح إلا على سبيل المجاز، وللكلام في هذا مواضع يأتي -
................................
ذكرها إن شاء الله تعالى معتضدا بعضها من بعض.
والكلام على حرف الجر المستغنى به كالكلام على الظرف.
وقيدته بالتمام تنبيها على أن الناقص لا يغني، وهو ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معمول ما يتعلق به نحو: زيد عنك وعمرو بك، فلا بد نحو هذين من ذكر المتعلق به نحو: زيد عنك معرض، وعمرو بك واثق؛ فإن فهم المراد
بدليل جاز الحذف نحو قولك: أما زيد فبعمرو مأخوذ، وأما بشر فبخاله أي بخاله مأخوذ، فحذف مأخوذ لدلالة الأول عليه.
وحرف الجر التام ما يفهم ما يتعلق به بمجرد ذكره نحو: الْحَمْدُ لِلَّهِ 1، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ 2 [1/ 365] ومَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ 3 انتهى 4 كلام المصنف رحمه الله تعالى.
ويتعلق في هذا الموضع أبحاث:
الأول:
قد عرف أن الظرف الواقع خبرا معمول لشيء، وإن العامل فيه إما المبتدأ نفسه، وإما المخالفة، وإما شيء مقدر هو الخبر في الحقيقة، ثم منهم من يقول: المقدر اسم، ومنهم من يقول: المقدر فعل.
فأما القول الأول 5 فهو لابن خروف وادعى أنه مذهب سيبويه، وقد رد قول ابن خروف في هذه المسألة، وأول الناس كلام سيبويه رحمه الله تعالى.
فأما المصنف فقد عرفت ما ذكره وما أول به كلام سيبويه.
وأما غيره فقال السيرافي: لا أعلم خلافا بين البصريين أنك إذا قلت: زيد خلفك، وكذلك سائر ما يجعل الظرف خبرا له أنه منصوب بتقدير فعل هو استقر أو وقع أو حدث أو كان أو نحو ذلك، فوجب تأويل كلام سيبويه.
قال ابن عمرون: «والذي يدفع عن سيبويه ما توهّمه ابن خروف قول سيبويه في بعض أبواب الكتاب 6: وإنما ينتصب خلفك بالذي فيه، قال: ومعلوم أن الّذي -
................................
فيه هو استقر أو مستقر ثم قال: والعجب منه - يعني من ابن خروف - وهو يرفع الظّاهر بالظرف إذا كان عامل الظرف المبتدأ، فمن أين للظرف أن يرفع ولم ينب عن عامل، وفي هذا خرم للقاعدة، فوجب الكفّ عنه» انتهى.
وأما القول الثاني 1 وهو قول الكوفيين، فقد تقدم ذكر الأوجه الدالة على بطلانه.
وأما القول الثالث بأن العامل شيء مقدر، وأن ذلك المقدر فعل - فقد تقدم أنه رأي أبي علي الفارسي والزمخشري.
وأما القول الرابع بأن العامل مقدر كما تقدم، لكن المقدر اسم - فقد ذكر المصنف أنه مذهب الأخفش، وأن كلام سيبويه يعطي ذلك، ويومئ إليه وتقدم استدلال المصنف على أن تقدير اسم الفاعل أولى.
وقد ذكر ابن عمرون ما ذكره المصنف عن بعضهم من أن تقدير الفعل متعين في صلة الموصول إذا كانت ظرفا، وأجاب بمعنى ما أجاب به المصنف من الفرق بين بابي الصلة والخبر، ثم قال:
«هذا الفرق ملغي بوقوع الظّرف صفة، ويصح أن يوصف بالمفرد والجملة، والمفرد هو الأصل.
وإلا لم يكن للجملة إذا كانت صفة موضع من الإعراب، ومع ذلك قدّرنا الفعل بدليل جواز دخول الفاء إذا كان المبتدأ نكرة موصوفة بالظرف أو شبهه نحو: كل رجل عندك أو في الدّار فله درهم، ولا يصح دخول الفاء إذا كانت الصفة مفردة على الأصح».
ثم أجاب عن ذلك بأن قال: «ما ذكرت وإن دلّ فهو معارض بصحّة وقوع الظّرف وشبهه بين أمّا وفائها نحو: أما في الدار فزيد، ولا يفصل بينهما بجملة، فوجب تقدير المفرد».
البحث الثاني:
قيد المصنف حرف الجر الواقع مع مجروره خبرا بكونه تامّا، فأفهم ذلك أن الناقص لا يغني، والناقص: ما لا يفهم بمجرد ذكره وذكر معمول ما يتعلق به نحو:
زيد عنك وعمرو بك.
والتام: ما يفهم ما يتعلق به بمجرد ذكره كما تقدم، -
................................
والضابط [1/ 366] في ذلك كما ذكره ابن عصفور 1: «وهو أن حرف الجرّ إذا كان له معنى خاصّ يغلب استعماله فيه كان تامّا؛ لأنه بمجرّد ذكره وإدراك معناه يفهم ما تعلق به من الحدث، وإذا كان له معنى عام صالح مع كل شيء على السواء، وليس هو في أحد المعاني أظهر من الآخر كان ناقصا.
فالتّامّ: نحو زيد في الدار، التقدير: زيد مستقر: في الدار؛ لأن في للوعاء، فمعناها موافق للاستقرار، ومن ثم اشترط أن يكون ما تعلّق به حرف الجر المذكور كونا مطلقا كالاستقرار والحصول والكون ونحوها.
فلو كان كونا
خاصّا بأن تريد بقولك: زيد في الدّار، زيد ضاحك، أو جالس في الدّار - لم يجز الحذف بل لا بدّ من ذكره؛ لأنه لا يعلم من في أنّ المحذوف ضاحك مثلا كما يعلم منها الاستقرار، ولذلك جاز أن تقول: زيد لك إذا أردت أنه مملوك لك أو مستحق لك؛ لأن الملك والاستحقاق مفهوم من اللام.
ولو قلت: زيد لك وأردت أنه محب لك لم يجز؛ لأنّ ذلك لا يفهم من اللّام.
ولما كان كل ظرف على تقدير في لزم أن متعلق الظرف أبدا الاستقرار، فلذلك يجوز أن تقول: زيد خلفك إذا أردت أنه يستقر خلفك، ولو أردت أنه ضاحك أو كاتب لم يجز إلا أن تأتي بذلك الحدث».
«وأما الناقص: فنحو زيد بك، وهذا لا يجوز أن يكون خبرا؛ لأنه لا يعلم هل المراد زيد واثق بك، أو مسرور بك أو غير ذلك؛ لأن الباء معناها الإلصاق فهي صالحة مع كلّ محذوف؛ لأنها تلصقه بالمجرور، ومن ثم امتنع الإخبار بالزمان عن العين، فلا يقال: زيد اليوم؛ لأن التقدير مستقر اليوم، وليس في الإخبار بذلك فائدة، فإن كلّ موجود يكون اليوم زمنا له» 2.
البحث الثالث:
قد أفاد المصنف بقوله: ويغني عن الخبر باطّراد ظرف أو حرف جرّ أن الذي تعلق به الظرف أو حرف الجر لا يجوز ذكره، ولهذا يقول المعربون: إذا وقع الخبر ظرفا أو مجرورا تعلق بمحذوف لا يجوز ذكره.
وكأن الموجب لذلك طلب الاختصار -
................................
وسهولة الكلام بحذف ما لا فائدة لذكره مع وجود ما دل عليه وسد مسده؛ إذ من المعلوم ضرورة إذا قلت: زيد خلفك، أو زيد في الدار أن نفس الخلف ونفس في الدار ليس شيء منهما صادقا على المبتدأ، والمبتدأ لا بد له من الخبر، وحرف الجر المذكور والحرف المقدر مع الظرف دالان على الاستقرار والحصول كما عرفت، فكان ذكر الظرف والمجرور اللذين هما متعلقا الخبر دالين على الخبر المحذوف دلالة قطعية مغنيين عنه من حيث أن الذي تعلقا به كون عام، ولهذا إذا كان المتعلق به كونا خاصّا وجب ذكره، قال أبو علي: «إظهار عامل الظّرف شريعة منسوخة» 1. ثم ليس هذا الحكم مختصّا بالظرف والمجرور الواقعين خبرين، بل حكم كل منهما [1/ 367] إذا وقع حالا أو صلة أو صفة فيما ذكر حكمه إذا وقع خبرا.
وأما قول المصنف: وربّما اجتمعا لفظا فأشار به إلى البيت الذي أنشده، وهو:
641 م - لك العزّ إن مولاك عزّ وإن يهن... فأنت لدى بحبوحة الهون كائن 2
وقد جعلوا من هذا الباب وذكره الشيخ قوله تعالى: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ 3، قالوا: فمستقرّا حال، ولو لم يكن لكان عنده حالا والعامل فيها محذوف، قالوا: وقد ظهر العامل في هذا، وهو اسم فاعل لا فعل كما ظهر اسم فاعل في البيت المتقدم الإنشاد.
ونقل ابن يعيش شارح المفصل عن ابن جني جواز إظهاره 4، ثم قال: «والقول -
................................
عندي أنه بعد حذف استقرّ ونقل الضّمير إلى الظّرف لا يجوز إظهار المحذوف؛ لأنه قد صار أصلا مرفوضا؛ فإن ذكرته قبل نقل الضمير لم يمنع منه مانع» 1.
وكأنه يقول: إن الظرف قبل نقل الضمير إليه فضلة محضة؛ لأنه معمول الخبر، وإذا كان كذلك فلا مانع من ذكر الخبر مع معموله، بل ينبغي أن يتعين ذكره، أما بعد نقل الضمير إليه فإنه يقوم مقام الخبر، وإذا قام مقام الخبر سد سده، فيمتنع حينئذ ذكره، وهذا الذي لحظه حسن، لكنهم لم يذكروه.
ولك أن تدعي في مستقرّا من الآية الشريفة أنه كون مقيد لا كون مطلق؛ لأن المراد بالاستقرار هنا الثبوت وعدم
الانتقال لا مجرد الحصول والكون، وعلى هذا يكون ذكره واجبا، فلا يكون مما نحن فيه.
ولابن الدهان في الآية الشريفة إعراب آخر 2:
وهو أن مستقرّا ليس عاملا في الظرف، وإنما عنده ظرف للرؤية، ومستقرّا حال من الهاء، وأما قول الشاعر: لدى بحبوحة الهون كائن، فيمكن أن يقال في كائن: إن المراد به الكون المقيد، وهو الثبوت والديمومة لا الكون المطلق وهو مجرد الحصول، وإذا كان كذلك كان ذكره واجبا.
البحث الرابع 3:
قد عرفت من كلام المصنف أن الأصح عنده أن الخبرية والعمل لا ينسبان إلى الظرف، إنما ينسبان إلى العامل فيه يعني إلى المحذوف الذي تعلق به الظرف، لكنه لم يستدل على ذلك بشيء، واقتضى هذا الكلام منه أن الضمير العائد إلى المبتدأ لم ينقل إلى الظرف، بل الخبرية والعمل وتحمل الضمير إنما يتصف بها ذلك المحذوف.
وقد اختلف في نقل الضمير إلى الظرف: فذهب بعضهم إلى أنه لم ينقل قبل، وهو مذهب السيرافي 4، ونسبه المصنف إلى ابن كيسان أيضا 5. -