تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 1047-1059

الباب الثاني عشر باب المبتدأ

صفحات 1047-1059

................................  ومثله ما جاء في معنى بعض الأذكار المأثورة عن بعض السلف وهو: «باسم الله ما شاء الله، كلّ نعمة فمن الله، لا قوّة إلّا بالله، الخير كلّه بيد الله، ما شاء الله لا يصرف السّوء إلّا الله، ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله».
والظاهر أن الوصف مقدر يرشد إليه المعنى؛ فإن المعنى كل نعمة في الوجود فمن الله، وكذا يقدر في البيت، وكل قرينة تقرن بقرينها.
الثانية: أن الفاء قد تدخل أيضا على خبر كل مضافا إلى موصوف بغير ما ذكر، أي بغير الظرف وشبهه والجملة، ومثاله قول الشاعر: 661 - كلّ أمر مباعد أو مدان... فمنوط بحكمة المتعالي 1 الثالثة: أن الفاء قد تدخل أيضا على خبر موصول غير واقع موقع من الشرطية ولا ما أختها، وذلك كما في قوله: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ 2 وكذا - - والشاهد في البيت قوله: وكل قرينة فإلى افتراق؛ حيث اقترن خبر كل المضافة إلى النكرة غير الموصوفة بالفاء.
والبيت في: التذييل والتكميل (4/ 105) وليس في معجم الشواهد.

................................  قوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ 1 ولا شك أن هذا ماض لفظا ومعنى مقطوع بوقوعه صلة وخبرا.
وقد تأولوا هذا على معنى التبين كأنه قيل: وما يتبين إصابته إياكم [1/ 387] وما يتبين إفاءة الله على رسوله منهم، ونظير ذلك قوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ 2 أي إن يتبين كون قميصه قد من قبل.
الرابعة: أن الفاء لا تدخل على خبر شيء غير الذي ذكر في هذا الفصل، وقد خالف الأخفش في ذلك، وأجاز دخول الفاء على خبر المبتدأ الذي لا يشبه أداة الشرط نحو: زيد فمنطلق، وزعم أنهم يقولون: أخوك فوجد 3. ومثل ما زعم قول الشاعر: 662 - [يموت أناس أو يشيب فتاهم]... ويحدث ناس والصّغير فيكبر 4 قال المصنف 5: ورأيه في ذلك ضعيف 6؛ لأنه لم يرد به سماع ولا حجة له - - قال: والذي نذهب إليه أنه يجوز دخول الفاء في الخبر والصلة ماضية من جهة المعنى؛ لورود هذه الآية، ولقوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [الحشر: 6] ومعلوم أن هذا ماض مقطوع بوقوعه صلة وخبرا، ويكون ذلك على تأويل وما يتبين إصابته إياكم كما تأولوا: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ [يوسف: 26] أي إن تبيّن كون قميصه قدّ... إلخ، ثم ذكر عدة آيات أخرى.

................................  في قول الشاعر: 663 - وقائلة خولان فانكح فتاتهم... وأكرومة الحيّين خلو كما هيا 1 ولا في قول الآخر: 664 - أرواح مودّع أم بكور... أنت فانظر لأيّ ذاك تصير 2

    • هذا أنّ دخول الفاء لا معنى له ها هنا، فإذا كان اسم موصول بفعل ما ولم تقصد به إلى شخص بعينه وكان الفعل مستقبلا أو في معنى الاستقبال وإن كان ماضيا جاز أن تدخل الفاء في خبره، وتذهب بالاسم الأول مع صلته مذهب المجازاة، وذلك قولك: الّذي يأتيني فله درهم إذا لم تكن قاصدا إلى واحد بعينه».

................................  لأن معنى الأول: هذه خولان، فخولان خبر مبتدأ محذوف، ومعنى الثاني: انظر أنت؛ فأنت فاعل فعل محذوف على أن زيادة الفاء في مثل هذا قد سهلها كون الخبر أمرا كما سهلها كون العامل أمرا مفرغا في نحو: زيد فاضرب، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ 1؛ لأن الأمر يتطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة، فالقائل زيدا فاضرب، أو زيدا فاضربه كأنه قال: مهما يكن من شيء فزيدا اضرب، ومهما يكن من شيء فزيدا اضربه، فلا يلزم من جواز هذا جواز: زيد فمنطلق؛ إذ ليس الخبر أمرا فيتطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة.
انتهى 2. قال ابن عصفور 3: وأجاز أبو الحسن دخول الفاء في الخبر وإن لم توجد الشروط، وأجاز أن تقول: زيد فمنطلق، والصّحيح أن ذلك لا يجوز؛ لأن الفاء - - قال السيرافي: أوله سيبويه على أوجه ثلاث وعندي فيه رابع.
أما أوجه سيبويه فهي: الأول: ترفع أنت بفعل مستتر يفسره الظاهر.
الثاني: ترفع أنت على الابتداء، ويضمر له خبر، والفاء جواب الجملة.
الثالث: أن تجعل أنت خبر المبتدأ أي: الراحل أنت.
قال السيرافي: والوجه الرابع الذي عندي أن ترفع أنت ببكور؛ لأن المصادر تعمل عمل الأفعال كأنك قلت: أنت تروح أنت.
انتهى بتلخيص.
(انظر شرح كتاب سيبويه للسيرافي: 2/ 710). والبيت في معجم الشواهد (ص 171) وهو في: التذييل والتكميل (4/ 106) وفي شرح التسهيل لابن مالك (1/ 331). ترجمة عدي بن زيد: هو عدي بن زيد ويكنى أبا عمير نصراني عبادي ينتمي إلى بيت من البيوتات القديمة في الحيرة، وقد سكن فيها، فلان لسانه وسهل منطقه، وكان عدي كاتبا لكسرى، وكان كسرى مكرما له محبّا، ولو أراد عدي أن يملكه كسرى على الحيرة لملّكه، ولكنه كان يحب الصيد واللهو ولم يكن راغبا في ملك العرب، كان وصيّا على النعمان بن المنذر وهو صغير، ولما كبر النعمان وملك الحيرة غدر بعدي، فحبسه ثم قتله، وقد اقتص ابن عدي لأبيه من النعمان.
وعدي هو القائل يعاتب النعمان: لو بغير الماء حلقي شرق... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري انظر ترجمة عدي بن زيد في معجم الشعراء للمرزباني (ص 80 - 82). وكذلك في تاريخ الأدب العربي لبروكلمان: (1/ 124) وما بعدها.

................................  إما عاطفة أو رابطة، ولا يصح كونها في: زيد فمنطلق عاطفة؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المبتدأ بغير خبر ولا رابطة؛ لأن الخبر مرتبط بالمبتدأ من غير دخول الفاء، ولا تجوز دعوى الزيادة؛ لأن زيادة الحروف خارجة عن القياس، فلا يقال به إلا أن يرد بذلك سماع قياس مطرد، كما فصل بالباء في خبر ما وليس، ولم يجئ في الفاء إلا قولهم: أخوك فوجد، وقولهم: ويحدث ناس والصّغير فيكبر.
وأجاز بعض الكوفيين دخول الفاء في الخبر إذا كان أمرا أو نهيا نحو قولك: زيد فاضربه، وعمرو فلا تشتمه، ومنعوا دخولها في نحو قولك: زيد فقائم، وإنما أجازوا ذلك حملا للرفع على النصب، وذلك أن العرب تقول: زيدا فاضرب وبزيد فامرر، فيتقدم معمول ما بعد الفاء عليها، ووجه ذلك أن الأصل: تنبه فاضرب زيدا، أو تنبه فامرر بزيد، فحذفت الجملة الأولى لدلالة المعنى عليها، فبقيت الفاء أول الكلام، وهي موضوعة على ألا تكون كذلك، فقدم ما بعدها عليها إصلاحا للفظ.
فأجازوا على ذلك أن يقال: زيد فاضربه على أن يكون الأصل: تنبه فزيدا اضربه، ثم حذف تنبّه، فبقيت الفاء أولا فتقدم المبتدأ عليها إصلاحا للفظ.
قال 1: والصحيح أن ذلك لا يقال به إذا وجد في كلامهم: زيد فاضربه؛ إذ لم تدع ضرورة [1/ 388] إلى تقدير حذف جملة، وتقديم ما بعد الفاء عليها، إذ قد يمكن جعل زيد خبرا لمبتدأ محذوف، ويكون التقدير: هذا زيد فاضربه، وتكون الفاء رابطة لجملة الأمر بالجملة التي قبلها أو عاطفة لها عليها، وإذا نصبت أو جررت والفعل بعد الفاء مفرغ لم يكن بد من ادعاء التقديم، إذ لا عامل له إلا الفعل الذي بعدها، فتبين إذن أن قول العرب: زيد فاضربه لا ينبغي أن يحمل على زيادة الفاء في الخبر كما ذهب إليه أبو الحسن؛ لأن زيادتها لا تنقاس للعلة التي تقدم ذكرها، ولا على ما ذهب إليه الكوفيون، وهو أن الأصل: تنبه فزيد اضربه لما في ذلك من تقدير حذف جملة، وتقديم ما بعد الفاء عليها، ولم تدع إلى ذلك ضرورة؛ إذ قد يمكن الحمل على ما ذكرناه» انتهى 2. -

................................  وقال ابن أبي الربيع: «اختلف النحويون في دخول الفاء في خبر المبتدأ على ثلاثة مذاهب 1: فسيبويه وأكثر النحاة من البصريين: على أنها لا تدخل في الخبر إلا بالشروط 2 التي قد عرفت.
وأبو الحسن الأخفش: يرى دخولها على الذي يراه سيبويه ومن تبعه، وعلى وجه آخر وهو الزيادة نحو: زيد فمنطلق.
والثالث: ما ذهب إليه بعض الكوفيين، وهو أنها تدخل على الوجه الذي يراه البصريون، وعلى وجه آخر: وهو أن تدخل على تقدير جواب شرط محذوف، فتقول: زيد فمنطلق على تقدير: مهما يكن شيء فزيد منطلق كما يقال: زيدا فاضرب على معنى 3 مهما يكن من شيء فاضرب زيدا.
وكما يقال: فامرر على معنى مهما يكن من شيء فامرر بزيد.
فقد اتفق النحويون على ما ذهب إليه سيبويه، فلا كلام في ذلك.
وأما ما ذهب إليه أبو الحسن من الزيادة فيقال فيه: إن الزيادة في الحرف لا بد لها من دليل، ولا يكون الدليل إلا غير محتمل، ولم يأت بشيء إلا محتمل التأويل، فمنه قول الشاعر: 665 - وقائلة خولان فانكح فتاتهم...... البيت فقال المعنى: خولان انكح فتاتهم، وليس هذا بصحيح؛ لأنه لو كان كذلك لكان النصب أحسن، والمروي في البيت الرفع، وإنما خولان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه خولان فانكح فتاتهم كما تقول: هذا زيد فاضربه، ومما يستدل به لأبي الحسن قول الشاعر: 666 - أرواح مودّع أم بكور... أنت... فانظر البيت.
-

................................  وقد تأول سيبويه البيت على ثلاثة أوجه 1: أحدها: أن يكون أنت فاعلا بفعل مضمر تقديره انظر، وتكون الفاء قد دخلت دخولها في قولك: زيدا فاضربه كأنه قال: مهما يكن من شيء فانظر لأي ذاك تصير أي: لا يصدنك شيء في النظر؛ لأنه أمر لازم ولا بد منه.
الثاني: أن يكون مبتدأ والخبر محذوف تقديره: أنت مرادي.
الثالث: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: المراد أنت؛ فلم يكن لأبي الحسن دليل قاطع على الزيادة.
وأما ما ذهب إليه بعض الكوفيين من أنها تدخل لما في الكلام من الشرط المقدر، وجعلوه بمنزلة: زيدا فاضرب [1/ 389] فلا يثبت، وأنا أبين ذلك فأقول 2: اعلم أن العرب إذا حذفت الشرط، جعلت مكانه ما يتضمن حذف الشرط فتقول: أما زيد فمنطلق، وأما زيدا فاضرب، وأما بزيد فامرر.
الأصل: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، أو فاضرب زيدا، أو فامرر بزيد، ثم حذفت العرب الشرط وجعلت مكان الجملة كلها (أمّا) فصار: أما فزيد منطلق، فجاءت الفاء تلي الحرف الذي يدل على الشرط، فقبح اللفظ؛ لأن حرف الشرط لا تليه الفاء التي تلقى بها الشرط، فقدموا شيئا من جملة الجواب على الفاء، ليزول قبح اللفظ، فقالوا: أما زيد فمنطلق، وأما منطلق فزيد.
وكذلك أما زيدا فاضرب، وأما بزيد فامرر، ولم يسمع حذف الشرط، ولم يجعل مكانه أمّا، واكتفي بالفاء إلا بشرطين: أحدهما: أن تكون الجملة فعلية.
والثاني: أن تكون اقتضائية نحو: زيدا فاضرب، وبزيد فامرر.
قال الله سبحانه وتعالى: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ 3 وقال تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ 4. انتهى، وهو أكثر تنقيحا من كلام ابن عصفور في هذا الموضع.
-

................................  المسألة الخامسة: أن المبتدأ الذي يجوز دخول الفاء في خبره إذا دخل عليه ناسخ من نواسخ الابتداء غير أن وإن، ولكن منع دخول الفاء بالاتفاق، وذلك لزوال شبه المبتدأ حينئذ باسم الشرط.
ولأن بعض النواسخ كليت ولعل تخرج الكلام من كونه خبرا والشرط خبر بدليل وقوعه صفة للنكرة؛ فلو دخلت الفاء لكان الكلام خبرا غير خبر، وذلك محال.
أما إذا كان الناسخ إن أو أن أو لكن فإن الفاء لا يمتنع دخولها.
قال المصنف 1: فإنها ضعيفة العمل؛ إذ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع المبتدأ 2. ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء 3 ولم تعمل في الحال 4؛ بخلاف كأن وليت ولعل؛ فإنها قوية العمل مغيرة بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، وصالحة للعمل في الحال تقوي شبهها بالأفعال، وساوتها في المنع من الفاء المذكورة.
ومن بقاء الفاء مع دخول إن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ 5. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 6. ومن شواهد بقائها مع أن المفتوحة قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ 7. -

................................  ومنه قول الشاعر: 667 - علمت يقينا أنّ ما حمّ كونه... فسعي امرئ في صرفه غير نافع 1 ومن شواهد بقائها بعد دخول لكن قول الشاعر: 668 - بكلّ داهية ألقى العداة وقد... يظنّ أنّي في مكري بهم فزع كلّا ولكنّ ما أبديه من فرق... فكي يغرّوا فيغريهم بي الطّمع 2 ومثله قول الآخر: 669 - فو الله ما فارقتكم قاليا لكم... ولكنّ ما يقضى فسوف يكون 3

................................  [1/ 390] وقال في شرح الكافية 1: إذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء أزال الفاء إن لم يكن إنّ أو أنّ أو لكنّ بإجماع المحققين؛ فإن كان واحدا منهن جاز بقاء الفاء نص على ذلك في إن وأنّ سيبويه 2، وهو الصحيح الذي ورد القرآن به كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ 3. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً 4. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ 5، 6. وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ 7. ثم ذكر شواهد لكن 8 ثم قال: «وروي عن الأخفش أنه منع من دخول الفاء بعد إن 9. وهذا عجيب؛ لأن زيادة الفاء على رأيه جائزة وإن لم يكن المبتدأ يشبه أداة الشرط نحو: زيد فقائم؛ فلو دخلت إن على اسم يشبه أداة الشرط فوجود الفاء في الخبر أسهل وأحسن من وجودها في خبر زيد وشبهه.
وثبوت هذا عن الأخفش مستبعد، وقد ظفرت له في كتابه معاني القرآن العزيز أنه موافق لسيبويه في بقاء الفاء بعد دخول إن، وذلك أنه قال 10: وأما وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما 11 فقد يجوز أن يكون هذا خبر المبتدأ؛ لأن الذي إذا كان صلته فعلا جاز أن يكون خبره بالفاء نحو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ -

................................  الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ 1 ثم قال: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ (2)».
انتهى 2. ونقل ابن عمرون عن عبد القاهر أنه قال 3: مذهب أبي الحسن أنّ الفاء لا تمنع يعني مع أن، قال: وأظنّ الزّمخشري عوّل على كلام عبد القاهر.
فقال في الحواشي: «يجوز دخول الفاء في خبر الاسم المتضمّن لمعنى الشّرط إذا دخل عليه أن على مذهب الأخفش، ولا يجوز على مذهب سيبويه 4. لكن قال المبرد في المسائل المشروحة من الكتاب 5: «كان الأخفش يضعّف (إن الّذي يأتيني فله درهم) لدخول إنّ على الّذي.
ولا أدري ما قال إلّا غلطا».
وكذا نقل السيرافي عن الأخفش أنه يضعف ذلك.
قال ابن عمرون: والّذي يظهر أنّ الأخفش هو الّذي يمنع؛ لأنّه يجوّز زيادة الفاء، فيمكن إذا ورد عليه شيء من ذلك أن يخرّجه على زيادة الفاء، وسيبويه لا يعتقد ذلك» انتهى 6. -

................................  وفي عبارة المصنف أمران: أحدهما: قوله في المتن: وتزيلها نواسخ الابتداء.
وفي الشرح: إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء في خبره أزال شبهه بأداة الشرط، فامتنع دخول الفاء على الخبر.
قال الشيخ: «هذا يقتضي أن الناسخ يدخل على مبتدأ دخلت الفاء في خبره، وليس كذلك؛ بل إذا دخل النّاسخ فلا يدخل إلّا على مبتدأ لا يكون الفاء في خبره، وليس المعنى أنّه إذا دخل الناسخ أزال الفاء» انتهى 1. وما قاله الشيخ ظاهر، لكن يمكن حمل كلام المصنف على أن ثم مضافا محذوفا، التقدير ويزيل دخولها أي: ويمنع دخولها نواسخ الابتداء.
الثاني: الظاهر من قوله [1/ 391]: على الأصحّ أنه راجع إلى الثلاثة.
أما إنّ فقد عرف الخلاف الذي ذكر فيها بين الإمامين الكبيرين 2. وأما أنّ ولكنّ فالظاهر أن من منع دخول الفاء مع إن المكسورةيمنع مع أن ولكن؛ بل ربما يكون منعه منهما أولى.
على أن ابن عصفور صرح بالمنع؛ فإنه قال 3: «الموصول الّذي يجوز دخول الفاء في خبره إن دخلت عليه ليت أو لعلّ أو ما أشبههما من نواسخ الابتداء لم يجز دخول الفاء في خبره؛ لأن الموصول إذ ذاك لا يشبه اسم الشرط ما لم يكن الناسخ إن؛ فإن كان إن جاز دخول الفاء في الخبر، وجاز ذلك معها وحدها من بين سائر أخواتها؛ لأن العرب تعامل إن زيدا قائم معاملة زيد قائم لما كانا في معنى واحد بدليل قولهم: إن زيدا قائم وعمرو، ولا كذلك النواسخ» انتهى 4. واقتضى كلامه أن دخول الفاء مخصوص بأن وحدها.
-

................................  وقد ختم الشيخ هذا الفصل بمسألتين 1. الأولى: «إن أعملت هذه العوامل في اسم آخر جاز دخول الفاء نحو: إن الّذي يأتيني فله درهم، وإن زيدا كل رجل يأتيه فله درهم».
وهي واضحة 2. الثانية: «إذا جئت بالفاء في خبر ما فيه معنى الجزاء لم يجز العطف عليه قبلها عند الكوفيين، وأجازه ابن السّراج» 3. والله أعلم 4.

شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»

تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ

دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)

[المجلد الثالث]

جارٍ التحميل