تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 223-262

الباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخر

صفحات 223-262

[تعريف الإعراب]

قال ابن مالك: (الإعراب ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة أو حرف أو سكون أو حذف).
قال ناظر الجيش: لما فرغ من شرح الكلمة وذكر أقسامها، وشرح الكلام وما يتعلق بذلك، وكان المقصود من علم النحو تصحيح الكلام، وكان ذلك لا يتم إلا بالإعراب شرع في ذكره، ويلزم من ذلك التعرض لذكر المعرب والمبني من الكلمات الثلاث.
ولما كان المعرب مفردا وغير مفرد وهو المثنى والمجموع على حده، والمفرد منه ما آخره صحيح ومنه ما آخره معتل، أفرد المصنف لكلّ بابا.
فبدأ بذكر المفرد الصحيح الآخر، وثنى بذكر المعتل الآخر، وثلث بذكر المثنى والمجموع.
والمراد بالصحيح الآخر: ما ليس آخره حرف علة وحروف العلة في باب الأعراب ثلاثة: الواو المضموم ما قبلها والياء المكسور ما قبلها والألف.
فما آخره واو ليس قبلها ضمة كدلو، وياء ليس قبلها كسرة كظبي، حكمه حكم الصحيح لقبوله للحركات.
وقد ذكر الأئمة أن الإعراب في اللغة يطلق لمعان ثلاثة: الإبانة عن الشيء: أعرب الإنسان عن حاجته إذا أبان عنها، ومنه: والثيب تعرب عن نفسها 1 أي تبين.
والتحسين 2: أعربت الشيء حسنته، قال الله تعالى: عُرُباً أَتْراباً 3 أي -

................................  حسانا.
والتغيير: عربت معدة الرّجل إذا تغيّرت، وأعربها الله: غيّرها.
وأما الإعراب في الاصطلاح: فذهب جماعة إلى أنه معنوي: [1/ 50] وهو التغيير العارض للكلم أي الانتقال عن الحالة التي وضعت عليها إلى الحالة التي أحدثها العامل.
وهو رأي أكثر المتأخرين من المغاربة 1. قيل: وهو ظاهر قول سيبويه 2. وذهب جماعة منهم ابن خروف 3، وأبو علي 4 إلى أنه لفظي، وهو اختيار صاحب المفصل 5 والمصنف أيضا؛ وكذا قال في حده 6: -

................................  «ما جيء به لبيان مقتضى العامل، أي لبيان ما يقتضيه العامل من فاعليّة أو مفعوليّة أو إضافة في الاسم، ومن طلب أو استئناف أو تعليل في الفعل» 1. وأفاد بقوله: من حركة أو حرف أو سكون أو حذف أمرين 2: أحدهما: إيضاح الإجمال الذي في لفظ ما.
الثاني: الإعلام بأن الإعراب منحصر فيما ذكره.
وقال في الشرح 3: «هو أي الإعراب عند المحققين من النحويين عبارة عن المجعول آخر الكلمة مبينا للمعنى الحادث فيها بالتركيب من حركة أو سكون أو ما يقوم مقامهما».
ثم قال: «وذلك المجعول قد يتغير لتغير مدلوله وهو الأكثر كالضمة والفتحة والكسرة في نحو: ضرب زيد غلام عمرو، وقد يلزم للزوم مدلوله كرفع لا نولك أن تفعل ولعمرك، وكنصب سبحان ورويدك وكجر الكلاع وعريط من ذي الكلاع وأم عريط» 4. ثم قال: «وبهذا الإعراب اللازم يعلم فساد قول من جعل الإعراب تغيرا».
ثم قال: «وقد اعتذر عن ذلك بوجهين: أحدهما: أنّ ما لزم وجها واحدا من وجوه الإعراب فهو صالح للتغيير، فيصدق عليه متغير وعلى الوجه الذي لازمه تغير.
الثاني: أن الإعراب تجدد حالة التركيب فهو تغير باعتبار كونه منتقلا إليه من السكون الذي قبل التركيب».
انتهى 5 وهو اعتذار جيد صحيح.
-

................................  وقد طعن المصنف في الوجهين المذكورين: أما الأول: فبأن الصالح لمعنى لم يوجد بعد لا ينسب إليه ذلك المعنى حقيقة حتى يصير قائما بذاته.
ألا ترى أن رجلا صالح للبناء إذا ركب مع لا، وخمسة عشر صالح للإعراب إذا فك تركيبه؟ ومع ذلك لا ينسب إليهما إلا ما هو صالح في الحال من إعراب رجل وبناء خمسة عشر؛ فكذا لا ينسب تغيير إلى ما لا تغير له في الحال.
وأما الثاني: فلأن المبني على حركة مسبوق بأصالة السكون فهو متغير أيضا وحاله تغير، فلا يصلح أن يحد بالتغيير الإعراب؛ لكونه غير مانع من مشاركة البناء.
انتهى 1. والجواب عن الأول: أن يقال: إنما يصدق البناء على رجل مع صلاحيته له إذا ركب مع لا والإعراب على خمسة عشر مع الصلاحية له عند الفك؛ لأن شرط البناء وهو التركيب مفقود في الأول، وشرط الإعراب وهو الفك مفقود في الثاني؛ ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط.
وأما الكلمات التي لزمت رفعا أو نصبا أو جرّا فكل منها صالح للتغير دون شرط؛ فلا يلزم أن يصدق عليه 2 ما لا يصدق على ما انتفى شرط ذلك الحكم فيه.
وعن الثاني [1/ 51]: بأن المبني على حركة وإن كان مسبوقا بأصالة السكون، فليست حركته مجتلبة بعامل؛ فالتغير الحاصل له ليس كالتغير الذي حصل للمعرب؛ فإن تغيره إنما هو بعامل؛ فلا يرد على حد الإعراب بأنه تغير أنه غير مانع لدخول البناء؛ لأن التغير الحاصل للمبني إنما هو تغير دون عامل بخلاف تغير المعرب.
قال المصنف: وقال بعضهم: لو كانت الحركات وما يجري مجراها إعرابا لم تضف إلى الإعراب؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، وهذا قول صادر عمن لا تأمل له؛ لأن إضافة أحد الاسمين إلى الآخر مع توافقهما معنى أو تقاربهما واقعة في كلامهم بإجماع.
وأكثر ذلك فيما يقدر أولهما بعضا أو نوعا والثاني كلّا أو جنسا وكلا التقديرين في حركات الإعراب صالح؛ فلم يلزم من استعماله خلاف ما ذكرنا.
انتهى 3. -

[الإعراب أصل في الأسماء فرع في الأفعال]

قال ابن مالك: (وهو في الاسم أصل لوجوب قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة والفعل والحرف ليسا كذلك فبنيا إلّا المضارع فإنه شابه الاسم بجواز شبه ما وجب له فأعرب).
ونازعه الشيخ في دعوى الإجماع على صحة إضافة أحد الاسمين إلى الآخر مع توافقهما معنى، وقال: «إنّ البصريّين لا يجوّزون ذلك» انتهى 1. قال ناظر الجيش: اعلم أن المعاني التي تعرض للكلم على ضربين: أحدهما: ما يعرض قبل التركيب: كالتصغير والجمع والمبالغة والمفاعلة والمطاوعة والطلب، وهذا الضرب بإزاء كل معنى من معانيه صيغة تدل عليه؛ فلا حاجة إلى الإعراب بالنسبة إليه.
والثاني من الضربين: ما يعرض مع التركيب: كالفاعلية والمفعولية والإضافة، وكون الفعل المضارع مأمورا به أو علة أو معطوفا أو مستأنفا.
وهذا الضرب تتعاقب معانيه على صيغة واحدة فيفتقر إلى إعراب يميز بعض معانيه من بعض.
والاسم والفعل المضارع شريكان في قبول ذلك مع التركيب، فاشتركا في الإعراب؛ لكن الاسم عند التباس بعض ما يعرض له ببعض ليس له ما يغنيه عن الإعراب، كما في: ما أحسن زيدا إذا أريد [1/ 52] به أحد معانيه الثلاثة التي هي التعجب والنفي والاستفهام 2 وذلك لأن معانيه مقصورة عليه فجعل قبوله لها واجبا؛ لأن الواجب لا محيص عنه.
والفعل المضارع وإن كان قابلا بالتركيب لمعان يخاف التباس بعضها ببعض، فقد يغنيه عن الإعراب تقدير اسم مكانه نحو: لا تعن بالجفاء وتمدح عمرا؛ فإنه يحتمل أن يكون نهيا عن الفعلين مطلقا وعن الجمع بينهما وعن الجفاء وحده مع استئناف الثاني، فالجزم دليل على الأول، والنصب دليل على الثاني، والرفع دليل على الثالث.
ويغني عن ذلك وضع اسم موضع كل واحد من المجزوم والمنصوب -

................................  والمرفوع نحو أن تقول: لا تعن بالجفاء ومدح عمرو 1، ولا تعن بالجفاء مادحا عمرا، ولا تعن بالجفاء ولك مدح عمرو.
فقد ظهر بهذا تفاوت ما بين سببي إعراب الاسم وإعراب الفعل في القوة والضعف؛ فلذا جعل الاسم أصلا والفعل المضارع فرعا فهذا كلام المصنف.
وهو جيد 2. وإذا تقرر ذلك فقوله: وهو أي الإعراب أصل في الاسم لوجوب قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة وهي الفاعلية والمفعولية والإضافة.
وقوله: والفعل والحرف ليسا كذلك أي.
ليس الإعراب فيهما أصلا؛ بمعنى أنهما لا يستحقانه؛ لأنهما لا يجب أن يقبلا بصيغة واحدة معاني مختلفة.
ونفي وجوب قبولهما لذلك تحته أمران: أحدهما: نفي القبول من أصله كما في الحرف والفعل الماضي وفعل الأمر؛ فهذه 3 لا مدخل للإعراب فيها البتة؛ إذ لا مقتضى له في شيء منها.
الثاني: نفي الوجوب بخصوصه؛ فلا ينتفي أصل القبول كما في الفعل المضارع؛ فإنه يقبل بصيغته الواحدة عدة معان كما تقدم؛ لكن قبوله لذلك ليس واجبا بل جائزا؛ لأنه قد يقع اسم مكانه ويفيد إفادته فيستغنى عن الفعل بخلاف الاسم؛ إذ لا يتأتى ذلك فيه؛ ومن حيث كان ذلك القبول واجبا في الاسم جائزا في الفعل المضارع، جعل الإعراب في الاسم أصلا وفي الفعل فرعا 4. ولما كان قوله: والفعل والحرف ليسا كذلك محتملا لنفي القبول من أصله قال: فبنيا.
أي كما أن الاسم استحق الإعراب للقبول استحق الفعل والحرف البناء لعدم القبول.
-

................................  ثم استثنى المضارع لكونه يقبل كالاسم، لكنه بين أن الإعراب ليس أصلا فيه، بل فرع؛ لكون القبول ليس على سبيل الوجوب؛ فقال: فإنه شابه الاسم بجواز شبه ما وجب له أي أعرب الفعل المضارع لمشابهة الاسم في جواز قبول ما أوجب الإعراب فيه.
وظاهر عبارته تقتضي أن الفعل أعرب لمشابهته الاسم في القبول؛ فتكون العلة في الإعراب المشابهة.
والذي علمناه من تقريره في الشرح 1: أن العلة في إعراب المضارع إنما هي القبول نفسه كما في الاسم لا المشابهة.
وكان الأولى أن يقول إلا المضارع فإنه جاز فيه ما وجب في الاسم من القبول فأعرب، ولا شك أن هذا مراده.
ويمكن الرجوع بعبارته إليه ولكن بتكلف.
ولا أعلم لم قال بجواز شبه ما وجب، ولم يقل بجواز ما وجب؟ وقال [1/ 53] الشيخ: «إنّما قال بجواز شبه؛ لأن المعاني التي أوجبت للاسم الإعراب ليست المعاني التي جوزت الإعراب للفعل بل هذه شبه لتلك؛ لأن الفاعلية والمفعولية والإضافة لا تكون للفعل؛ فلذلك قال: بجواز شبه ولم يقل بجواز ما وجب له» انتهى 2. وما قاله غير ظاهر؛ لأن الذي أوجب الإعراب في الاسم وجوزه في الفعل إنما هو القبول بلفظ واحد لمعان تعتور عليهما؛ وهذا أمر واحد مشترك بينهما، وإن كانت المعاني المعتورة على الاسم غير المعاني المعتورة على الفعل؛ لكن المقتضي للإعراب لما هو الأمر المشترك وهو القبول.
وعلى هذا لا يتم كلام الشيخ.
وكان الأولى أن يقول المصنف: بجواز ما وجب له، وأن يسقط لفظ شبه؛ إذ لا فائدة به.
ثم ها هنا أبحاث: الأول: اعترض الشيخ على المصنف في قوله: إن الحرف لا يقبل بصيغة واحدة معاني -

................................  مختلفة بأنا نجد كثيرا من الحروف تكون لمعان كثيرة يفهم من كل معنى منها حالة التركيب، وذلك نحو من؛ فإنها تكون لابتداء الغاية وللتبعيض وللتبيين ولم يعرب شيء منها.
انتهى 1. والجواب: أن المعاني المعتورة على الاسم أمور زائدة على مدلوله؛ فمدلول الاسم واحد، وتعتور عليه معان ثلاثة مختلفة تحتاج إلى أمر يدل عليها ويفصل بعضها من بعض، وذلك الأمر هو الإعراب.
وأما الحرف إذا دل على معان متعددة فكل معنى منها هو مدلول الحرف حال دلالته عليه؛ فالمعاني التي له هي مدلولاته، وليس ثم أمر زائد يحتاج بسببه إلى الإعراب، ولا يفتقر الدال في دلالته على معناه إلى الإعراب؛ بل ولا إلى التركيب أيضا.
فظهر أن اعتراض الشيخ ساقط 2. البحث الثاني: قد تقرر أن الإعراب أصل في الاسم فرع في الفعل.
وهذا هو مذهب البصريين؛ إلا أنهم لم يجعلوا علة إعراب الفعل ما ذكره المصنف 3. بل العلة عندهم ما سنذكره بعد.
ومذهب الكوفيين أن الإعراب أصل في الفعل كما هو أصل في الاسم؛ واحتجوا بأن موجب الإعراب في الاسم هو كونه يفتقر إليه لتبيين المعاني المعتورة عليه في بعض المواضع هو بعينه موجود في الأفعال في بعض المواضع نحو: لا تأكل السّمك وتشرب اللبن؛ فإنما يفهم من الجزم النهي عن الفعلين مجتمعين ومفترقين.
ومن النصب النهي عن الجمع بينهما.
ومن الرفع النهي عن الأول وإباحة -

................................  الثاني.
وبهذا علل المصنف إعراب الفعل فوافق الكوفيين؛ إلا أنه لم يوافقهم في كون إعرابه أصلا كما هو في الاسم وقد تقدم ذلك.
ونقل الشارح مذهبا ثالثا وهو عكس مذهب البصريين، قال: «وحكى بعض المتأخرين أن الفعل أحقّ بالإعراب من الاسم؛ لأنه وجد فيه بغير سبب؛ فهو له بذاته؛ بخلاف الاسم فهو له لا بذاته فهو فرع» انتهى 1. ومثل هذا ينبغي ألا يتشاغل به.
البحث الثالث: الذي تمسك به البصريون في كون الإعراب أصلا في الاسم هو ما تقدم من أنه يقبل بصيغة واحدة معاني مختلفة، وتقريره في نحو: ما أحسن زيدا إذا تعجبت منه، وما أحسن زيد إذا نفيت عنه الإحسان، وما أحسن زيد؟ إذا استفهمت.
قالوا: فلولا الإعراب [1/ 54] لالتبست هذه المعاني، ثم حمل ما لا لبس فيه من الأسماء على ما فيه لبس نحو: شرب زيد الماء كما حملت أخوات يعد في الحذف عليه 2 قالوا: ولا كذلك الأفعال؛ لأنه لو زال الإعراب منها ما التبست معانيها.
وأجابوا عما ذكره الكوفيون في نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، بأن النصب على إضمار أن والجزم على إرادة لا والرفع على القطع.
قالوا: فلو ظهرت العوامل المضمرة لكانت دالة على المعاني ولم يحتج إلى الإعراب؛ فالإعراب إنما دل على المعاني لما حذفت العوامل وجعل هو دليلا عليها؛ وذلك فرع والأصل ما ذكرنا 3 انتهى.
وضعف هذا الوجه غير خفي.
البحث الرابع: جعل البصريون العلة في إعراب المضارع مشابهة الاسم في الإبهام والتخصيص -

................................  ودخول لام الابتداء ومجاراته اسم الفاعل في الحركة والسكون 1. قال المصنف: وهذه المشابهة التي اعتبروها بمعزل عن ما جيء بالإعراب لأجله، ثم نقض بالفعل الماضي، فقال: إن فيه من مشابهة الاسم ما يقاوم المشابهة المعزوة للمضارع ولعلها أكمل.
فمن ذلك أن الماضي إذا ورد مجردا من قد، كان مبهما في بعد المضي وقربه، وإذا اقترن بقد تخلص للقرب؛ فهذا شبيه بإبهام المضارع عند تجرده من القرائن وتخلصه للاستقبال بحرف التنفيس.
وأما لام الابتداء وإن كان للمضارع بها مزيد شبه بالاسم لكونها لا تدخل إلا عليهما فتقاومها اللام الواقعة بعد لو؛ فإنها تصحب الاسم والفعل الماضي خاصة، كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ 2، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا 3. وليس اعتبار تلك أحق من اعتبار هذه، ولو لم يظفر بهذه لقاوم تلك تاء التأنيث؛ فإنها تتصل بآخر الفعل الماضي كما تتصل بآخر الاسم؛ فحصل للفعل الماضي بذلك من مشابهة الاسم مثل ما حصل للمضارع بلام الابتداء.
ويقاوم لام الابتداء أيضا مباشرة مذ ومنذ؛ فإن الماضي يشارك الاسم فيها دون المضارع.
وأما مجاراة المضارع اسم الفاعل في الحركة والسكون؛ فالماضي غير الثلاثي شريكه فيها 4؛ وإنما يختص بها المضارع إذا كان الماضي على فعل مطلقا أو فعل متعديا 5. وللماضي ما يقاوم الفائت من اتحاد وزنه ووزن الصفة والمصدر وتقاربهما.
فالاتحاد نحو: طلب طلبا، وجلب جلبا، وغلب غلبا، وفرح وأشر وبطر، وهو فرح وأشر وبطر، والمقاربة نحو: تعب تعبا وحسب حسبا وكذب -

................................  كذبا.
ولا ريب في أن التوازن في هذا الضرب أكمل منه في يضرب فهو ضارب؛ فبان بما ذكرناه تفضيل ما اعتبرناه.
انتهى كلام المصنف وهو كلام جيد 1. وما ذكره من إبهام الماضي وتخصيصه أقرب شبه من إبهام المضارع وتخصيصه.
وذلك أن دلالته على الزمانين أعني القريب والبعيد بالتواطؤ، كما أن دلالة الاسم على مسماه كذلك.
وأما المضارع إنما يدل على الحال والاستقبال بطريق الاشتراك.
وليس في كلامه شيء غير أن اللام التي استشهد بدخولها في جواب لو - قد [1/ 55] ينازع فيها، فيقال: إن الجملة الاسمية وهي: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ 2 ليست جوابا؛ بل هي مستأنفة والجواب محذوف فتكون اللام لام الابتداء.
على أن للمعربين فيها قولين: أحدهما: أنها لام الابتداء.
الثاني: أنها اللام الداخلة في جواب لو.
فعلى القول الثاني يتم كلام المصنف جميعه 3. البحث الخامس: قد تبين مما تقدم أن المصنف وافق البصريين في أن الإعراب أصل في الاسم فرع في الفعل، وخالفهم في التعليل فلم يجعل فرعيته من جهة المشابهة للاسم، وأنه جنح إلى تعليل الكوفيين، ولم يوافقهم في الحكم الذي ادعوه من أصالة الإعراب في الفعل.
ووافق البصريين في الحكم والكوفيين في التعليل؛ فكان اختياره مركبا من المذهبين ولا يبعد ما اختاره من الصواب.
وقال الشيخ: الذي يظهر أن المعاني التي تعتور على الاسم والفعل مشتركة بينهما، فكما دخل الإعراب الاسم كذلك دخل الفعل 4.

[متى يعرب المضارع ومتى يبنى؟]

قال ابن مالك: (ما لم يتّصل به نون توكيد أو إناث).
قال ناظر الجيش: شرط إعراب المضارع ألا يتصل به إحدى النونين وهما نون التوكيد ثقيلة كانت أو خفيفة ونون الإناث؛ خلافا لمن لم يشترط ذلك، فحكم بإعرابه مطلقا اتصل به ذلك أو لم يتصل.
وأشعر قوله: ما لم يتّصل به: أن المضارع لا يحكم ببنائه لتوكيده بالنون مطلقا.
كما هو رأي الأخفش 1؛ بل لا يحكم ببناء ما اتصلت به، فالمضارع المسند إلى ضمير اثنين أو جمع أو مخاطب نحو: هل يفعلان وهل يفعلون وهل تفعلين معرب.
وما عدا ذلك مبني.
قال المصنف: «وإنما كان كذلك لأن المؤكد بالنون إنما بني لتركبه معها وتنزله معها منزلة صدر المركب من عجزه، وذلك منتف من يفعلان وأخويه».
هذا مذهب المحققين، قال: «ويدل على صحته أن البناء المشار إليه إما للتركيب وإما لكون النون من خصائص الفعل فضعف بلحاقها شبه الاسم؛ إذ لا قائل بغير ذلك والثاني باطل؛ لأنه مرتب على كون النون من خصائص الفعل، ولو كان ذلك مؤثرا 2 لبني المجزوم والمقرون بحرف التنفيس والمسند إلى ياء المخاطبة؛ لأنهن مساوية للمؤكد في الاتصال بما يخص الفعل، بل ضعف شبه هذه الثلاثة بالاسم أشد من ضعف شبه المؤكد بالنون؛ لأن النون وإن لم يلق لفظها بالاسم فمعناها به لائق بخلاف لم وحرف التنفيس وياء المخاطبة؛ فإنها غير لائقة بالاسم لفظا ومعنى».
«ولو كان موجب البناء المؤكد بالنون كونها مختصة بالفعل، لكان ما اتصل به أحد الثلاثة مبنيّا لأنها أمكن في الاختصاص، وفي عدم بناء ما اتصلت به دلالته على أن موجب البناء التركيب؛ إذ لا ثالث لهما.
وإذا ثبت أن موجب البناء التركيب لم يكن فيه ليفعلان وأخويه نصيب؛ لأن - - في الفعل.
ومنها ما يدخل عليهما بعد التركيب: كالفاعلية والمفعولية في الاسم وكالأمر والنهي والشرط في الفعل (انظر التذييل والتكميل 1/ 126).

................................  الفاعل البارز حاجز وثلاثة أشياء لا تركب» 1. «وأيضا فإن الوقف على نحو هل يفعلن بحذف نون التوكيد وثبوت نون الرفع؛ فلو كان قبل الوقف [1/ 56] مبنيّا لبقي بناؤه؛ لأن الوقف عارض، فلا اعتداد بزوال ما زال لأجله كما لا اعتداد بزوال ما زال لالتقاء الساكنين نحو: هل تذكر الله والأصل تذكرن، فحذفت النون الخفيفة لالتقاء الساكنين وبقيت فتحة الراء الناشئة عن النون مع كونها زائلة؛ لأن زوالها عارض فلم يعتد به، ولا فرق بين العروضين فلو كان ليفعلن ونحوه قبل الوقف بناء لاستصحب عند عروض الوقف كما استصحب بناء هل تذكر الله، عند عروض التقاء الساكنين»، انتهى 2. وتقرر أن المذاهب في المؤكد بالنون ثلاثة: البناء مطلقا والإعراب مطلقا والتفصيل بين أن تتصل به فيبنى أو لا تتصل به فيعرب وهو الصحيح.
وأما نون الإناث: فالمتصل بها مبني، وبناؤه على السكون.
وذهب بعضهم إلى أنه معرب، وهو ابن درستويه 3 ومتابعوه 4. قال المصنف: والأصح من أسباب بنائه ما ذهب إليه سيبويه 5: من أنه يبنى حملا على الماضي المتصل بها؛ لأن أصل كل واحد منهما البناء على السكون، فأخرج عنه المضارع إلى الإعراب للمناسبة التي تقدم ذكرها، وأخرج عنه الماضي إلى الفتح؛ تفضيلا له على الأمر لشبهه بالمضارع في وقوعه صفة وصلة وحالا وشرطا ومسندا بعد كان وإن وظن وأخواتها بخلاف الأمر؛ فاشتركا في العود إلى الأصل بالنون كما اشتركا في الخروج عنه بالمناسبتين المذكورتين 6. وقيل: إنما بني المتصل بنون الإناث لتركبه معها؛ لأن الفعل والفاعل كشيء -

[وجوه الشبه بين الاسم والحرف]

قال ابن مالك: (ويمنع إعراب الاسم مشابهة الحرف بلا معارض والسّلامة منها تمكّن).
واحد معنى وحكما؛ فإذا انضم إلى ذلك أن يكون مستحقّا للاتصال لكونه على حرف واحد، تأكد امتزاجه وجعل مع ما اتصل به شيئا واحدا.
ومقتضى هذا أن يبنى المتصل بألف الضمير وواوه ويائه؛ لكن منع من ذلك شبهه بالاسم المثنى والمجموع على حده، كما منع من بناء أي مع ما فيها من تضمن معنى الحرف شبهها ببعض وكل معنى واستعمالا 1. وقيل 2: إنما بني المتصل بنون الإناث لنقصان شبهه بالاسم؛ لأنها لا تلحق الأسماء وما لحقته من الأفعال إن باين الاسم ازدادت به مباينته، وإن شابهه نقصت به مشابهته 3. قال ناظر الجيش: لما تقرر أن الإعراب في الاسم أصل تعين التعرض لذكر موجب البناء فيما بني من الأسماء.
أما ذكر المبنيات أنفسها فهو في تفاصيل أبواب الكتاب 4. وقد عدد غير المصنف لبناء الاسم أسبابا، ومنها: ما إذا حقق لم يكن له تأثير في البناء، وخلطوا أيضا أسباب المبني جوازا كغير وحين إذا أضيف إلى غير متمكن بأسباب المبني وجوبا.
وأما المصنف فلم يجعل سبب البناء إلا أمرا واحدا: وهو شبه الحرف، ولم يشرك البناء الجائز مع البناء الواجب؛ بل أفرده وخصه بعلة تناسبه كما سيأتي في أماكنه إن -

................................  شاء الله تعالى.
ولا تبعد طريقته في ذلك عن الصواب 1. على أنه قرر تقريرا حسنا يتضمن الرد على من جعل علة البناء في أسماء الأفعال وقوعها موقع [1/ 57] الأفعال بأن قال: «الحرف أمكن في عدم الإعراب من الفعل؛ لأنّ من الأفعال ما يعرب وليس من الحروف ما يعرب، وما لا يعرب من الأفعال شبيه بما يعرب.
وأما الماضي: فلمشاركته المضارع في وقوعه مواقعه المذكورة آنفا 2 وفي كونهما مخرجين عن الأصل 3 مردودين إليه بنون الإناث، ولشبهه بالمعرب لم يجز أن تلحقه هاء السكت وقفا؛ إذ لا تلحق متحركا بحركة إعرابية ولا شبيهة بإعرابية كاسم لا التبرئة والمنادى المضموم.
وأما الأمر: فشبهه بالمجزوم بين؛ لأنه يجري مجراه في تسكين آخره إن كان صحيحا، وفي حذفه إن كان معتلّا.
ولا يعامل هذه المعاملة غيره من المبنيات المعتلة؛ بل يكتفى بسكون آخره كالذي والتي.
إذا ثبت أن المبني من الأفعال شبيه بالمعرب ضعف جعل مناسبته سببا لبناء بعض الأسماء المبنية، فهذا يبين ضعف القول بأن أسماء الأفعال بنيت لمناسبة الأفعال التي هي واقعة موقعها كنزال وهيهات فإنهما بمعنى انزل وبعد، وواقعان موقعهما.
ويزيده ضعفا أيضا: أن مثل هذه المناسبة موجودة في المصادر الواقعة دعاء، كسقيا له؛ فإنه بمعنى سقاه الله، وفي الواقعة أمرا كقوله تعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ 4 فإنه بمعنى اضربوا الرقاب وهما معربان بإجماع.
وأيضا فمن أسماء الأفعال: ما هو بمعنى المضارع وواقع موقعه كأف وأوه بمعنى -

................................  أتضجر وأتوجع 1 فلو كان بناء نزال وهيهات لوقوعهما موقع مبنيين لكان أف وأوه معربين لوقوعهما موقع مضارعين؛ فثبت أن بناء أسماء الأفعال ليس لمناسبة الأفعال، بل لمناسبة الحروف»، انتهى 2. ثم مشابهة الحرف على خمسة أنواع: شبه في الوضع، وشبه في المعنى، وشبه في النيابة عن الفعل وعدم التأثر بالمنوب عنه، وشبه في الافتقار إلى الجمل، وشبه في الإهمال.
أما الشبه في الوضع: فالمراد به أن يكون الاسم على حرف واحد أو حرفين كغالب ألفاظ الضمائر مثلا، وإنما كان ذلك موجبا للبناء؛ لأن الموضوع على حرف واحد أو حرفين حقه ألا يكون إلا حرفا؛ لأن الحرف يجاء به لمعنى في غيره، فهو كجزء لما دل على معنى فيه، فإذا وضع على حرف أو حرفين ناسب ذلك معناه بخلاف الاسم والفعل؛ فأي اسم وضع على حرف أو حرفين فقد أشبه الحرف في وضعه.
ولا يدخل في هذا ما عرض له النقص كيد ودم؛ فإن وضعه إنما هو على ثلاثة أحرف، ولهذا يعود ثالث هاتين الكلمتين في التصغير والتكسير وغيرهما.
وأما الشبه في المعنى: فالمراد به أن يكون الاسم متضمنا معنى من معاني الحروف كمتى؛ فإنها تتضمن معنى 3 الهمزة إن كانت استفهاما، ومعنى إن إن كانت شرطا، وكأين أيضا فإنها مثلها، وكأسماء الإشارة فإنها تضمنت معنى الإشارة، ولا شك أنه معنى من معاني الحروف وإن لم يوضع له لفظ يدل عليه، ولكنه كالخطاب [1/ 58] والغيبة.
وإنما كان الشبه المعنوي موجبا للبناء؛ لأن حق الاسم أن يدل على معنى في نفسه؛ فإذا وجد مع ذلك (أنه) 4 قد دل على معنى في غيره كان مشبها للحرف في ذلك؛ إذ الدلالة على معنى في الغير إنما هي من شأن الحروف.
-

................................  أما الشبه في النيابة وعدم التأثر: فالمراد به أن يكون ذلك الاسم نائبا عن فعل وهو مؤثر غير متأثر كأسماء الأفعال؛ فإنها نابت عن أفعالها وهي مسندة أبدا؛ فهي عاملة في المسند إليه ولا شيء يعمل فيها؛ فأشبهت إن وأخواتها في أنها تعمل عمل الفعل ولا يعمل فيها عامل لا لفظا ولا تقديرا.
وبهذا امتاز اسم الفعل من المصدر النائب عن فعل الأمر، فإن قوله تعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ 1 واقع موقع اضربوا الرقاب، كما أن دراك زيدا واقع موقع أدرك زيدا؛ إلا أن ضرب الرقاب متأثر بعامل مقدر صار هو بدلا من اللفظ به، ولم يمنع من تقديره، ودراك نائب عن أدرك ومنع من تقديره.
فهو مؤثر غير متأثر.
وأما الشبه في الافتقار إلى الجمل: فالمراد به أن يكون ذلك الاسم لا تتم دلالته المقصودة منه حال الاستعمال حتى تذكر معه جملة كإذ وإذا وحيث، وكالأسماء الموصولة؛ فإن الحرف مفتقر حال الاستعمال إلى جملة يتم بها إفادة معناه، فأي اسم كان شأنه ذلك فهو مشبه له ومعطى حكمه فى البناء.
وأما الشبه في الإهمال: فالمراد به أن يكون الاسم غير عامل ولا معمول، وذلك كالأسماء الواردة دون تركيب كأسماء حروف الهجاء المفتتح بها السور، وكأسماء العدد مثلا، إذا سردت دون تركيب: كواحد اثنان ثلاثة أربعة؛ فإنها أشبهت الحروف المبهمة في أنها لا عاملة ولا معمولة 2. واعلم أن في الأسماء المذكورة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها مبنية والعلة في بنائها ما ذكر من شبه الحرف، وقد ضعف القول ببنائها بسبب تسكين أواخرها وصلا بعد ساكن، وليس في المبنيات ما هو كذلك.
-

................................  وأجيب عن هذا: بأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما بني لقيام المانع 1 كأين وكيف فحركوه وصلا وبين ما بني لعدم المقتضى كسين وقاف وصاد فسكنوه وصلا؛ لأن ما بني لعدم المقتضى أضعف مما بني لقيام المانع فناسبه استمرار السكون حال الوصل.
والثاني: أنها معربة وهو رأي الزمخشري 2 وجنح المصنف إليه، وعلل بأنه لم يكن ثم موجب للبناء، فوجب الحكم بأنها معربة لقبولها الإعراب.
قالوا: ولا يلزم من عدم الإعراب لفظا عدمه حكما.
ولو لزم ذلك لم يعل في الإفراد فتى ونحوه؛ لأن سبب الإعلال في مثله فتح ما قبل آخره مع تحركه أو تقدير تحركه 3، ولكان الموقوف عليه مبنيّا، وكذا المحكي والمتبع 4. ولك أن تقول: إن عنى بكونها معربة أنه لا مانع يمنع من إعرابها حال التركيب [1/ 59] فصحيح، وإن عنى بها أنها الآن معربة فغير ظاهر؛ إذ الإعراب دون تركيب ممتنع.
والجواب عما ألزموا به من إعلال فتى ونحوه أن يقال: إنه ركب فأعل ثم استمر له حال إفراده ما له حال تركيبه.
أو يقال: إنه قدر بحركة حال الإفراد، فجعل للمقدر حكم الموجود فأعل.
وأما الموقوف عليه والمحكي والمتبع فالعوامل التي معها توجب الحكم عليها بالإعراب، بخلاف الأسماء المبهمة؛ إذ لا عامل معها يوجب ذلك.
القول الثالث: أنها ليست معربة ولا مبنية.
أما عدم إعرابها: فلأنها لم تركب مع عامل، وشرط الإعراب التركيب.
أما عدم بنائها: فلسكون آخرها وصلا بعد ساكن، وليس في المبنيات ما هو كذلك.
-

................................  وقد تقدم الجواب عن هذا التعليل.
والذي يظهر أن هذه الأسماء لا يحكم عليها بإعراب ولا بناء.
أما عدم الحكم بالإعراب فلعدم مقتضيه وهو التركيب.
وأما عدم الحكم بالبناء فلأن الحكم به إنما يكون لوجود مانع يمنع تأثير المقتضي للإعراب.
ولو وجد المقتضي للإعراب فيها لم يكن له مانع، فلا يتصور الحكم به مع عدم موجبه.
وأشار المصنف بقوله: بلا معارض إلى نحو أي فإنها في جميع أحوالها تشابه الحرف استفهامية أو شرطية أو موصولة، إلا أن المشابهة تعارضها مخالفة أي لسائر الموصولات، ولأدوات الاستفهام والشرط لإضافتها، وكونها بمعنى بعض إن أضيفت إلى معرفة، وبمعنى كل إن أضيفت إلى نكرة؛ فعارضت مناسبتها للمعرب مناسبتها للحرف فغلبت مناسبة المعرب؛ لأنها داعية إلى ما هو مستحق بالأصالة، ولأن حمل أي على كل وبعض من باب حمل الشيء على ما هو من نوعه للاشتراك في الاسمية؛ فهو أولى من حمل أي على الحرف لتخالفهما في النوعية.
وقوله: والسّلامة منها تمكّن: أي سلامة الاسم من مناسبة الحرف المؤثرة تمكن أي تثبت في مقام الأصالة.
فالاسم ضربان: متمكن وهو المعرب.
وغير متمكن وهو المبني.
والتمكن ضربان: أمكن وهو المنصرف، وغير أمكن وهو ما لا ينصرف.
ثم ها هنا أبحاث: الأول: قد يقال إذا كان موجب البناء عند المصنف منحصرا في شبه الحرف، لم يكن للمنادى المبني علة توجب بناءه، وكذا لأي الموصولة إذا كانت مضافة وصدر صلتها محذوف؟.
والجواب: أن المصنف إنما تكلم في سبب البناء اللازم في سائر أحوال الكلمة، وأما البناء الجائز كما في غير وحين، فقد تقدم أنه لم يقصده وأنه سيذكر ذلك في أماكنه ويعلله، وأما البناء اللازم في بعض الأحوال كبناء المنادى وأي مثلا، فلم يقصده أيضا.
وسيذكر كلّا في مكانه ويعلل البناء فيه بما يناسبه.
-

................................  البحث الثاني: ناقش الشيخ كلام المصنف في الشرح في شيئين: أحدهما: قوله في الماضي 1 ولهذا لم يجز أن تلحقه هاء السكت وقفا فقال 2: «في إلحاق هاء السكت الماضي حال الوقف عليه ثلاثة مذاهب: يفرق في الثالث بين أن يكون متعديا فلا تلحق، وبين أن يكون لازما فتلحق».
ثانيهما: قوله في أسماء الأفعال: إنها عاملة غير معمولة [1/ 60] فقال: «كأن المصنف لم يعرف في ذلك خلافا ومذهب سيبويه والمازنيّ 3، وأبي علي الدّينوريّ 4 والفارسيّ في تذكرته: أنّ أسماء الأفعال منصوبة بأفعال مضمرة.
-

................................  وقيل: هي في موضع رفع بالابتداء، والضّمير الذي فيها يسدّ مسدّ الخبر، نحو: أقائم الزيدان.
ومذهب الأخفش، والفارسي في حلبياته: أنها لا موضع لها من الإعراب».
انتهى 1. والأمر في المناقشتين قريب 2. البحث الثالث: ناقض الشيخ أيّا بلدن، قال: «لأنها ملازمة للإضافة؛ بل هي أقوى لأنّها لا تنفكّ عنها لفظا وهي بمعنى عند، وعند معربة ولدن مبنية فكان ينبغي أن تعرب لدن كما أعربت أيّ؛ إذ قد اشتركا في المعنى الّذي أوجب الإعراب لأي» 3. -

[أنواع الإعراب]

قال ابن مالك: (وأنواع الإعراب: رفع ونصب وجرّ وجزم وخصّ الجرّ بالاسم؛ لأنّ عامله لا يستقلّ فيحمل غيره عليه، بخلاف الرّفع والنّصب وخصّ الجزم بالفعل لكونه فيه كالعوض من الجرّ).
والجواب: أنه لا يلزم من اعتبار لزوم الإضافة في أي، اعتباره في لدن؛ لجواز أن يمنع منه مانع 1، وبتقدير التسليم فليس شبه لدن بعند كشبه أي بكل وبعض.
ولو سلم فليس لدن بمعنى عند.
وقد قال المصنف في باب الظروف 2: «وليست لدى بمعناها بل بمعنى عند على الأصحّ»، فدل على أن معنى لدن ومعنى عند غيران 3. قال ناظر الجيش: إنما قال: وأنواع الإعراب لما علم من أن الإعراب عنده لفظي.
ومن الإعراب عنده معنوي 4، يقول: ألقاب الإعراب وعلامات الإعراب.
«ولما كان المضارع شريك الاسم في الإعراب، وكان الكلام في الإعراب عموما لم يستغن عن ذكر الأنواع الأربعة.
وقدم الرفع لأن الكلام قد يستغني به عن غيره، وقدم الجر لأنه خاص بما هو أصل وأخر الجزم لأنه خاص بما هو فرع 5. -

................................  ولما كان الاسم في الإعراب أصلا للفعل كانت عوامله أصلا لعوامله، فقيل: رافع الاسم وناصبه أن يفرع عليهما لاستقلالهما بالعمل وعدم تعلقهما بعامل آخر.
بخلاف عامل الجر فإنه غير مستقل لافتقاره إلى ما يتعلق به من فعل أو ما يقوم مقامه، فموضع المجرور نصب بما يتعلق به الجار.
ولذلك إذا حذف الجار نصب معموله وإذا عطف على المجرور جاز نصب المعطوف وربما اختير النصب.
فشارك المضارع الاسم في الرفع والنصب لقوة عامليهما بالاستقلال وإمكان التفريع عليهما، وضعف عامل الجر لعدم استقلاله عن تفريع غيره عليه، فانفرد به الاسم وجعل جزم الفعل عوضا عما فاته من المشاركة في الجر، وانفرد به ليكون لكل واحد من صنفي المعرب ثلاثة أوجه من الإعراب بتعادل، وذلك أن الجزم راجح باستغناء عامله عن تعلق غيره والجر راجح بكونه ثبوتيّا؛ بخلاف الجزم فإنه حذف حركة أو حرف فتعادلا».
هذا كلام المصنف وهو جيد 1. ولما كانت العوضية في الفعل غير متحققة، قال: كالعوض من الجر، ولم يقل عوضا من الجر، وفي جعل الجزم في الفعل كالعوض من الجر [1/ 61] استغناء عن ذكر علة عدم دخوله في الاسم.
وقد ذكر لعدم دخول الجر في الفعل تعليل حسن وهو: أن الرفع في الأسماء وجد أصلا في بعضها وفرعا في بعضها وكذلك النصب بخلاف الجر فإنه أصل في المجرور جميعه 2؛ فلما وجدت فرعية كل من الرفع والنصب فيما هو مستحق للإعراب بطريق الأصالة، وكان إعراب الفعل فرعا أمكن دخولهما في الفعل.
ولما لم توجد في الجر فرعية في الاسم لم يجز أن يفرع الفعل على الاسم.
ثم أتى -

[علامات الإعراب الأصلية]

قال ابن مالك: (والإعراب بالحركة والسّكون أصل وينوب عنهما الحرف والحذف.
فارفع بضمّة وانصب بفتحة وجرّ بكسرة واجزم بسكون إلّا في مواضع النّيابة).
بالجزم في الفعل عوضا عن الجر 1. قال ناظر الجيش: مراده: أن الإعراب بالحركة أصل في غير المجزوم وينوب عنها الحرف، والسكون أصل في المجزوم وينوب عنه الحذف.
وإنما كانت أصالة الإعراب في غير الجزم للحركة لأنها أخف من الحرف وأبين: أما أخفيتها فظاهر، وأما كونها أبين فلأنها لا تخفى زيادتها على بنية الكلمة لإدراك مفهوم الكلمة بدونها.
بخلاف الحرف فإن مفهوم الكلمة لا يدرك بدونه في الغالب.
وإنما كان السكون في الجزم أصلا لأن بنية الفعل لا تنقص به بخلاف حذف آخره - ولذلك قد يستغنى عن حذف آخره بتقدير ظاهر الحركة قبل الجزم 2. وإذا كان الإعراب بالحركة والسكون هو الأصل، فالرفع بالضمة والنصب بالفتحة والجر بالكسرة والجزم بالسكون إلا في مواضع النيابة كما سيأتي.
قال الشيخ: «كان القياس على مذهب البصريّين أن يقال بدل ضمّة رفعة وبدل فتحة نصبة وبدل كسرة جرّة؛ لأنّ تلك للمبنيّ وهذه للمعرب» انتهى 3. وما قاله غير ظاهر؛ لأن المصنف لم يطلق على الرفع ضمّا ولا على النصب فتحا ولا على الجر كسرا، بل قال: فارفع بضمة، فجعل الحكم هو الرفع وبيّن أن هيئة الرفع ضمة أي صورة المرفوع أن يكون مضموما، وكذا صور المنصوب أن يكون مفتوحا، والمجرور أن يكون مكسورا.
ولا يلزم من ذلك إطلاق الضم على الرفع ولا الفتح على النصب ولا الكسر على الجر.

[ما ينوب عن الفتحة]

قال ابن مالك: (وتنوب الفتحة عن الكسرة في جرّ ما لا ينصرف؛ إلّا أن يضاف أو يصحب الألف والّلام أو بدلها، والكسرة عن الفتحة في نصب أولات والجمع بزيادة ألف وتاء، وإن سمّي به فكذلك، والأعرف حينئذ بقاء تنوينه، وقد يجعل كأرطاة علما).
قال ناظر الجيش: شرع في ذكر مواضع النيابة: واعلم أنه إما أن تنوب الحروف عن الحركات، والحذف عن السكون، وإما أن تنوب بعض الحركات عن بعض.
ويمكن الرجوع بقول المصنف فيما تقدم: إلّا في مواضع النّيابة، إلى نيابة الحركات عن الحركات فقط، لا إلى المجموع من نيابة الحركات ونيابة الحروف.
لأن نيابة الحروف قد تقدم ذكرها في قوله: وينوب عنهما الحرف والحذف، وهذا أولى حتى لا يكون في كلامه تكرير، ولا شك أن نيابة حركة عن حركة أقرب إلى الأصل من نيابة حرف عن حركة؛ فلذلك قدم المصنف ذكر نيابة الحركات عن بعضها.
وهذه النيابة جاءت في موضعين [1/ 62]: الموضع الأول: الاسم الذي لا ينصرف: فإنه إذا جر نابت فيه الفتحة عن الكسرة، فقيل: لأنه لما أشبه الفعل وامتنع تنوينه امتنع فيه ما يمتنع في الفعل أيضا وهو الكسر.
وهذا باطل لأنه يجر بالكسرة حال وجود الألف واللام معه أو الإضافة وشبه الفعل باق 1. والعلة الصحيحة لجره بالفتحة: أنه لو جر بالكسرة مع عدم التنوين لتوهم أنه مضاف إلى ياء المتكلم وقد حذفت لدلالة الكسرة عليها، أو بني على الكسر لأن الكسرة لا تكون إعرابية إلا مع تنوين أو مع ما يعاقبه من الإضافة والألف واللام.
ولذلك إذا أضيف الاسم المذكور ودخل عليه الألف واللام، جر بالكسرة لزوال الموهم، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: إلا أن يضاف، إلى آخره.
وأطلق الألف واللام لتشمل المعرفة والزائدة والموصولة فإنهن متساوية في إيجاب -

................................  جر ما لا ينصرف بالكسرة. فالمعرفة: كقوله تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ 1. والزائدة: كقول الشاعر: 51 - رأيت الوليد بن اليزيد مباركا... شديدا بأعباء الخلافة كاهله 2 والموصولة: كقول الآخر: 52 - وما أنت باليقظان ناظره إذا... رضيت بما ينسيك ذكر العواقب 3 والضمير في قوله: أو بدلها عائد إلى اللام، وأشار بذلك إلى لغة من يبدلها ميما، كقول بعضهم: 53 - أأن شمت من نجد بريقا تألّقا... تكابد ليل ام أرمد اعتاد أولقا 4

................................  أراد ليل الأرمد فجر أرمد بكسرة مع الميم كما يجر بها مع اللام.
الموضع الثاني: ما جمع بألف وتاء كمسلمات: فإنه إذا نصب نابت فيه الكسرة عن الفتحة؛ والعلة في ذلك حمله على جمع المذكر وتشبيهه به في حمل نصبه على جره؛ هكذا ذكروا.
ولا يتجه ذلك إذا قلنا بمذهب سيبويه، وهو أن جمع المذكر معرب بالحركات كما سيأتي 1. وقدم المصنف على الجمع المذكور أولات لمشاركتها له في الحكم مع أنها ليست بجمع إنما هي اسم جمع.
وقال المصنف: «أولو وأولات بمعنى ذوي وذوات إلّا أن هذين جمعان؛ لأن مفرديهما من لفظيهما بخلاف أولو وأولات؛ فلذلك لم يغن عن ذكرهما ذكر جمعي التّصحيح».
وإنما قال المصنف: بزيادة ألف وتاء؛ فقيدهما بالزيادة احترازا من قضاة وأبيات؛ فإن كلّا منهما يصدق عليه أنه جمع بألف وتاء؛ لكن ألف قضاة منقلبة عن أصل لا زائدة، وتاء أبيات أصل.
لكن قد ورد على كلامه في الألفية ما احترز عنه هنا؛ لأنه قال فيها: وما بتا وألف قد جمعا 2... ولم يقيد بالزيادة.
ويجاب عنه: بأن التاء في قوله: بتاء متعلقة بقوله: جمع.
أي حصلت جمعيته - - الأولق: ما يشبه الجنون ووزنه أفعل وقيل فوعل.
معنى البيت: يقول لصاحبه (أو لنفسه): هل تبيت مسهد الجفن قريح العين مستطار القلب كمن به خبل أو جنون؛ لأنك أبصرت السحاب قادما من جهة نجد التي فيها أحباؤك؟.
أأن شمت: يروى بفتح همز أن على أنها مصدرية حذفت قبلها لام التعليل.
وهو علة لما بعده ومتعلق به، ويروى بكسرها على أنها شرطية وجوابها تبيت؛ ورفع لأن فعل الشرط ماض وهو جائز.
والشاهد فيه: جر الاسم الممنوع من الصرف بالكسرة لدخول أم المعرفة عليه التي هي بدل من أل على لغة حمير وذلك في قوله: أم أرمد.
والبيت في شرح التسهيل لابن مالك: (1/ 42) ولأبي حيان: (1/ 148) وفي معجم الشواهد (ص 242).

................................  بالألف والتاء، ولا شك أن قضاة وأبيات إنما جمعيتهما بالصيغة؛ لأنهما جمعا تكسير وليست بالألف والتاء، بخلاف مسلمات؛ فإن الجمعية فيه إنما هي بالألف والتاء.
نعم لو علقنا الباء بمحذوف على معنى: وما جمع مصحوبا بألف وتاء لورد نحو قضاة وأبيات [1/ 63]. وكأن المصنف في التسهيل خشي من هذا فدفع الوهم بذكر قيد الزيادة، ولو قال: والجمع بألف وتاء، وقصد تعليق الباء بلفظ الجمع لاستغنى عن ذلك؛ فكلامه في المصنفين صحيح، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ولم يتعرض المصنف لتأنيث واحد هذا الجمع ولا لسلامة نظمه؛ لأن هذا الجمع قد يكون لمذكر كحسامات ودريهمات وأَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ 1، وقد لا يسلم فيه نظم الواحد: كتمرات وغرفات وكسرات 2. وأشار المصنف بقوله: وإن سمّي به فكذلك إلى أنه إذا سمي بهذا النوع الذي تنوب فيه الكسرة عن الفتحة، فله بعد التسمية به ثلاثة أحوال 3: الأول: ثبوت تنوينه ونصبه بالكسرة، كما كان قبل التسمية.
وإليها أشار بقوله: فكذلك.
قال المصنف: «لأنه سلك بمسلمات ونحوه سبيل مسلمين ونحوه، فقوبل بالتنوين النون، ولولا قصد هذه المقابلة لساوى عرفات عرفة في منع التنوين والكسرة؛ لتساويهما في التعريف والتأنيث، مع زيادة ثقل عرفات بعلامة الجمعية».
الحالة الثانية: حذف تنوينه مع بقاء الإعراب على حاله اكتفاء بتقابل الكسرة والياء، فيقال: هذه عرفات ورأيت عرفات ومررت بعرفات.
وفهمت هذه الحالة من قوله: والأعرف حينئذ بقاء تنوينه.
وأفهم كلامه: أن حذف التنوين قليل.
الحالة الثالثة: معاملته معاملة الاسم الذي لا ينصرف، فيحذف تنوينه وينصب ويجر بالفتحة، وإليه أشار بقوله: كأرطاة علما أي كواحد زيد في آخره ألف وتاء -

................................  كأرطاة وسعلاة وبهماة.
ونقل المصنف أن هذه الأحوال الثلاثة لغات للعرب 1. ثم ها هنا تنبيهات: الأول: ذهب الأخفش والمبرد إلى أن الفتحة في الاسم الذي لا ينصرف حال الجر، والكسرة في المجموع بالألف والتاء حال النصب، حركتا بناء وأن هذين الاسمين لهما حالتان: حالة إعراب وحالة بناء، وهو مذهب مرغوب عنه والجمهور على خلافه 2. الثاني: نقل الشيخ أن الكوفيين يجيزون نصب ما جمع بألف وتاء بالفتحة، فقيل: سواء أكان تامّا نحو: استأصل الله عرقاتهم 3 أم ناقصا نحو: سمعت لغاتهم، وقيل: إنما يجوز في الناقص فقط.
الثالث: ناقض الشيخ المصنف في شيئين 4: أحدهما: «أنّه جعل مسلمات بعد التسمية كأرطاة علما 5 ليس مذهب البصريين، وأن الكوفيين إنما أجازوا ذلك في الشعر، قال: وناهيك من مذهب البصريين وقد جهله».
-

[ما ينوب عن الضمة]

قال ابن مالك: (وتنوب الواو عن الضّمّة، والألف عن الفتحة، والياء عن الكسرة، فيما أضيف إلى غير ياء المتكلّم من أب وأخ وحم غير مماثل قروا وقرءا وخطأ وفم بلا ميم، وفي ذي بمعنى صاحب، والتزام نقص هن أعرف من إلحاقه بهنّ).
الثاني: «أن البصريين إنما أجازوا حذف التنوين وبقاء الكسرة في الشّعر 1 وهو قد ذكر أن ذلك لغة للعرب» انتهى.
وعجبا من الشيخ! كيف يصدر منه مثل هذا؟! ولكن الموجب له التحامل، وكيف تتوجه هاتان المناقشتان على المصنف وهو إنما ذكر ما للعرب من اللغات في الاسم المذكور بعد التسمية، وهو رجل مطلع ثبت فيما ينقله، فكيف يرد النقل أو يبطل اللغات بالمذاهب إن كانت المذاهب المنقولة هي الصحيحة؟!.
وأعجب من هذا أنه نقل في كتابه عن صاحب البسيط 2 أن للعرب فيه عند التسمية مذهبين: أحدهما: أن يعامل معاملة فاطمة، فيحذف التنوين ويفتح نصبا [1/ 64] وجرّا فرد على نفسه، وعضد نقل المصنف بنقل هذا الرجل الكبير وهو لا يدري 3. قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن نيابة بعض الحركات عن بعض، شرع في ذكر نيابة الحروف عن الحركات، وذلك في أربعة أشياء: الأسماء الستة والأمثلة الخمسة، وذكرهما في هذا الباب.
والمثنى والمجموع على حدّه، وسيأتيان في باب.
-

................................  وليس الإعراب بالحروف مما أجمع عليه، بل في كل من الأربعة خلاف كما ستعرفه.
ومذهب سيبويه: أن ليس معربا منها بالحروف إلا الأمثلة الخمسة 1، وأن الأسماء الستة والمثنى والمجموع معربات بحركات مقدرة كما سيأتي.
أما الأسماء الستة: فذكر المصنف فيما هي معربة به، خمسة مذاهب: منها المذهبان المذكوران في متن الكتاب، وثلاثة في الشرح.
وذكر الشيخ فيها تسعة أقوال، وقال: إن إحداها وهو قول الأخفش فسر بتفسيرين، فآلت الأقوال فيها إلى عشرة، وضبطها أن يقال: اختلف فيها فقيل: معربة ولا إعراب فيها لا ظاهر ولا مقدر 2، وهذا أحد مفهومي قول الأخفش: إنّ الإعراب فيها دلائل الإعراب.
وقيل: فيها إعراب 3، فقيل: معنوي: وهو التغير والانقلاب حالة النصب والجر وعدم ذلك حالة الرفع، وهذا مذهب الجرمي 4، وهشام 5 في أحد قوليه.
-

................................  وقيل: لفظي، فقيل: بالحروف 1 وهذا مذهب قطرب 2، والزيادي 3، والزجاجي 4 من البصريين، وهشام من الكوفيين في قوله الآخر.
وقيل: بالحركات والحروف 5 معا، وهذا مذهب الكسائي 6 والفراء 7 وهو -

................................  الذي يعنون به أنها معربة من مكانين.
وقيل: بالحركات فقط ثم اختلفوا: فقيل: بحركات مقدرة 1 في الحروف التي قبل حروف العلة.
وهذا المفهوم الثاني من قول الأخفش المتقدم.
[1/ 65] وقيل: بالحركات 2 التي قبل الحروف، والحروف إشباع.
وهذا مذهب المازني وأصحابه وهو اختيار الزجاج.
وقيل: بالحركات 3 المذكورة لكنها منقولة من الحروف.
وهذا مذهب الربعي 4 ومن وافقه.
وقيل: بالحركات 5 المذكورة لكنها الحركات التي كانت لها قبل أن تضاف.
- - إمام الكوفيين بعد الكسائي وقد أخذ عنه وعن يونس البصري، كان ينام وتحت رأسه كتاب سيبويه، تفلسف في النحو وغاص فيه وهو القائل: أموت وفي نفسي شيء من حتّى.
طمع في نوال الخلفاء فاتصل بالمأمون وأدب ولديه وأقام ببغداد والكوفة وتوفي بمكة سنة 207 عن سبعة وستين عاما.
مصنفاته: اشتهر بمعاني القرآن له، وله كتاب الحدود وفي هذا الشرح نقل عنه وله المصادر في القرآن، وله الجمع والتثنية فيه، وله المقصور والممدود، وعملت فيه رسائل وكتب.
اقرأ ترجمته في نزهة الألباء (ص 98)، بغية الوعاة (2/ 333)، نشأة النحو (ص 101).

................................  وهذا مذهب جماعة من المتأخرين منهم الأعلم 1 وابن أبي العافية 2. وقيل: بالتفصيل 3 فيها: ففوك وذو مال معربان بحركات 4 مقدرة في الحروف والأربعة الباقية معربة بالحروف، وهذا مذهب السهيلي وتلميذه أبي علي الرندي 5. وقيل: إنها جميعها معربة بحركات مقدرة في الحروف 6 واتبع فيها ما قبل الآخر للآخر.
وهذا مذهب سيبويه والفارسي وجمهور البصريين، وهو الصحيح وإليه أشار المصنف آخرا: ونحوهما فوك وأخواته على الأصحّ.
وسيأتي الاستدلال لهذا القول عند ذكر المصنف له.
-

................................  وقد ضعف غيره من الأقوال: أما القول بأن الحركات منقولة من حروف المد، فسلمت الواو في الرفع لوجود التجانس وانقلبت في غيره بمقتضى الإعلال 1 - فبأن فيه مخالفة النظائر من ثلاثة أوجه: أحدها: النقل في غير وقف إلى متحرك.
والثاني: جعل حرف الإعراب غير آخر، والثالث: التباس فتحة الإعراب بالفتحة التي تستحقها البنية.
وأما القول بأنها معربة بالحركات والحروف معا 2 فبالوجه الثالث الذي رد به القول بالنقل مع ما فيه من نسبة دلالة واحدة إلى شيئين.
وأما القول بأن حروف المد إشباع بعد حركات الإعراب 3، فبأنه يلزم منه وجوب ما لا يجوز إلا في ضرورة أو ندور.
وأما القول بأنها معربة بالحركات التي قبل حروف المد وأنها ليست بمنقولة من حروف المد، وإنما هي الحركات التي كانت لها قبل أن تضاف، فثبتت الواو في الرفع لأجل الضمة وانقلبت ياء لأجل الكسرة وألفا لأجل الفتحة 4 - فبأنه إما أن تكون الحروف لا مات الكلمة ردت إليها حالة الإضافة، أو تكون إشباعا فإن كان الثاني فقد تقدم رده وإن كان الأول فيلزم من ذلك جعل الإعراب في عينات الكلمة أو فاءاتها مع وجود اللامات التي هي حروف الإعراب أو العينات التي هي محل الإعراب عند فقد اللامات؛ وذلك لا يجوز؛ لأن الإعراب إنما يكون في آخر الكلمة 5. وأما القول بأنها معربة بالتغير والانقلاب حالة النصب والجر وبعدم ذلك حالة الرفع 6، فبأنه يلزم منه عدم النظير؛ إذ لم يوجد في الأسماء المفردة معتلة الآخر كانت أو صحيحة ما إعرابه كذلك.
-

................................  وأما القول بأن فاك وذا مال معربان بحركات مقدرة في الحروف، وأن بقيتها معربة بالحروف 1 فيرد كون البقية معربة بالحروف بما يرد به قول من قال: إنها جميعها معربة بالحروف.
وأما القول بأنها معربة بحركات مقدرة في الحروف التي قبل حروف العلة، وهو أحد مفهومي قول الأخفش 2، فمردود بما رد به قول من قال بأنها معربة بالحركات التي قبل حروف المد، وأنها ليست منقولة من حروف المد.
وأما القول بأنه لا إعراب فيها لا ظاهر ولا مقدر وهو المفهوم الآخر من قول الأخفش 3، فظاهر الفساد؛ إذ لا يكون شيء معرب ولا إعراب فيه.
وأما القول بأنها معربة بالحروف وهو الذي ذكره المصنف في المتن أولا 4، فقد قال المصنف فيه: «إنه أسهل المذاهب وأبعدها عن التكلف؛ لأن الإعراب إنما جيء به لبيان مقتضى العامل، ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلا وإلغاء ظاهر واف بالدلالة المطلوبة، ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف؛ لأن الحرف المختلف الهيئات صالح للدلالة أصلا كان أو زائدا، مع أن في جعل الحروف المشار إليها نفس الإعراب، مزيد فائدة، وهو كون ذلك توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حده؛ لأنهما فرعان على الواحد وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه.
فإذا سبق مثله في الآحاد أمن من الاستبعاد [1/ 66] ولم يحد عن المعتاد» انتهى 5. وقوله 6: ولا فائدة في جعل مقدر إلى آخره، إشارة إلى مذهب سيبويه الذي سيأتي 7. وأما قوله: ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف، فقد يمنع؛ والظاهر أن الأصالة مانعة.
وأما قوله في المثنى والمجموع: إنه لا مندوحة فيهما عن الإعراب بالحروف، -

................................  فممنوع 1 أيضا، وسيأتي أن مذهب سيبويه فيهما أنهما معربان بالحركات المقدرة، وسيأتي من كلام المصنف عند استدلاله لمذهب سيبويه ما يدل على ضعف القول بأنها معربة بالحروف.
ومما ضعف به هذا القول: أن الواو توجد في هذه الأسماء قبل دخول العامل عليها؛ فلو كانت إعرابا لم توجد إلا بعد دخول العامل، وأن الإعراب 2 زائد على الكلمة، فيؤدي ذلك إلى بقاء فيك وذي مال على حرف واحد وهما معربان وصلا وابتداء؛ وذلك لا يوجد إلا في شذوذ حكي: شربت ما يا فتى أي ماء.
وإنما قالوا: وصلا وابتداء؛ لأنه قد يبقى المعرب على حرف واحد في الوصل دون الابتداء، نحو أن يقال: من اب لك في لغة من ينقل.
ولنرجع إلى لفظ المتن: قوله: فيما أضيف إلى غير ياء المتكلّم من أب وأخ وحم - إشارة إلى أن لإعراب الأسماء المذكورة هذا الإعراب شرطا وهو أن تكون مضافة إلى غير الياء فإما إلى الظاهر وإما إلى المضمر غير الياء.
واكتفى المصنف بلفظ أب وما معه، عن ذكر شرطين آخرين ذكرهما غيره وهما: ألا تكون مصغرة وألا تكون مثناة ولا مجموعة؛ لأنه علق الحكم على ما لفظ به، فلا يتجاوز غيره.
أما إذا لم تضف أصلا فإعرابها بالحركات الظاهرة، وأما إذا أضيفت إلى الياء فحكمها في الإعراب حكم المضاف إلى الياء؛ وسيأتي مكانه إن شاء الله تعالى 3. -

................................  وأشار بقوله: وحم غير مماثل قروا - إلى ثلاث لغات يكون فيها معربا بالحركات مفردا كان أو مضافا، يقال: هذا حمو وحموك وحمؤ وحمؤك وحمأ وحمؤك، فيعامل معاملة قرو وقرء وخطأ 1. ويلزم المصنف أن يقول في أخ أيضا: غير مماثل قرو؛ لأنه يقال فيه: أخو كما سيذكره بعد، فيعرب إذ ذاك بالحركات.
وقوله: وفم بلا ميم، يعم صور الاستعمال كلها 2؛ بخلاف أن يقال فوك ونحوه.
ولما كان ذو لا تضاف إلى ياء المتكلم بخلاف ما ذكر قبله لم يعطفه المصنف على المجرور بمن، بل عطفه على المجرور بفي وهو ما 3 ولذلك أعاد في فقال: وفي ذي حرصا على البيان.
واعلم أن في إضافة ذي إلى الضمير خلافا: سيبويه يمنعها والمبرد يجيزها.
قال المصنف: وقيد لفظ ذي بمعنى صاحب؛ لئلا يذهب الوهم إلى ذي المشار به إلى مؤنث 4. قال الشيخ: ويرد عليه ذو الطائية في بعض لغات طيئ؛ فإنها تعرب، انتهى 5. ولا أعرف كيف يرد عليه ذلك؛ لأنه ذكر حكم ذي بمعنى صاحب، فلا يلزمه أن يذكر حكم ذو الموصولة، ولو لم يقل المصنف ما قال لكان أولى، فإن قوله: وفي ذي بمعنى صاحب، لا مفهوم له؛ لأنه تفسير لدى وتبيين لمعناها.
وقوله: والتزام نقص هن أعرف من إلحاقه بهنّ - أي من إلحاقه بهذه الأسماء - - من الأسماء لا معربا ولا مبنيّا ولا يخفى ضعف هذا الرأي وأنه لا ينبغي التشاغل بمثله.
ثم بين كيفية إضافة هذه الأسماء إلى ياء المتكلم فقال: واللغة الجيدة أن يقال في إضافة أب وأخ مضافين إلى الياء: أبي وأخي من غير رد اللام كما جاء في القرآن العزيز، ويجوز عند أبي العباس: أبي وأخي برد اللام وإدغامها في ياء المتكلم.
وإذا أضيف الفم إلى ظاهر أو ضمير جاز أن يضاف بالميم ثابتة وجاز أن يضاف عاريا من الميم.

................................  الخمسة المذكورة. وذهب الفراء [1/ 67] إلى أنه ليس من هذه الأسماء. قال الفراء: «وأمّا ما لم يتمّ في حال وجاء منقوصا، فقولهم دم ومثله هن وهنة، قال: فهذا لم نجد له في الواحد تماما» 1. وذهب سيبويه إلى أنه من هذه الأسماء، قال سيبويه 2: «ومن العرب من يقول: هنوك وهناك وهنيك. ويقولون. هنوان فيجرونه مجرى الأب» انتهى. قال الشيخ 3: «ومن حفظ حجة على من لم يحفظ». قال المصنف 4: «جرت عادة أكثر النحويين أن يذكروا الهن من هذه الأسماء؛ فيوهم ذلك مساواته لهن في الاستعمال، والمشهور إجراؤه مجرى يد من ملازمة النقص إفرادا وإضافة في إعرابه بالحركات، كما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من تعزّى بعزاء الجاهليّة فأعضّوه بهن أبيه ولا تكنوا» 5. وقال علي رضي الله عنه: «من يطل هن أبيه ينتطق به» 6. ومن ذلك قول الشاعر: 54 - رحت وفي رجليك ما فيهما... وقد بدا هنك من المئزر 7

[اللغات في الأسماء الستة]

قال ابن مالك: (وقد تشدّد نونه وخاء أخ وباء أب، وقد يقال أخو، وقد يقصر حم، وهما أو يلزمها النّقص كيد ودم، وربّما قصرا أو ضعّف دم).
أراد هنك فشبهه بعضد فسكن النون كما تسكن الضاد.
ومن العرب من يقول: هذا هنوك ورأيت هناك ومررت بهنيك، وهو قليل، فمن لم ينبه على قلته فليس بمصيب.
قال ناظر الجيش: قصد المصنف أن ينبه على لغات في هذه الأسماء، فذكر أن هنا قد تشدد نونه، وأنشد عليه قول سحيم عبد بني الحسحاس 1. 55 - ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة... وهنّي جاذ بين لهزمتي هنّ 2

    • وأكثر مراجعه تنسبه للأقيشر الأسدي وهو المغيرة بن عبد الله، ويروى في مناسبته أن الأقيشر قد سكر، فبدت عورته، فضحكت منه امرأته فقال: تقول يا شيخ أما تستحي... من شربك الخمر على المكبر فقلت لو باكرت مشمولة... صفرا كلون الفرس الأشقر رحت وفي رجليك... إلخ...... وشاهده: تسكين نون هن في الإضافة تشبيها له بعضد وأنكره المبرد قائلا: الرواية وقد بدا ذلك.
      والبيت في شرح التسهيل (1/ 44)، وفي التذييل والتكميل (1/ 164). وفي معجم الشواهد (ص 191). وستأتي ترجمة الفرزدق.
جارٍ التحميل