تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 1811-1850

الباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراه

صفحات 1811-1850

[تعريف المصدر - وأسماؤه وأصالته]

قال ابن مالك: (المصدر اسم دالّ بالأصالة على معنى قائم بفاعل، أو صادر عنه، حقيقة أو مجازا، أو واقع على مفعول، وقد يسمّى فعلا وحدثا وحدثانا، وهو أصل الفعل لا فرعه خلافا للكوفيّين، وكذا الصّفة خلافا لبعض أصحابنا).
قال ناظر الجيش: لم يذكر المصنف حد المفعول المطلق، مع أن هذا الباب إنما هو معقود له، بل عدل إلى ذكر حد المصدر الذي إذا نصب بما سنذكره كان مفعولا مطلقا، ولا شك أن المفعول المطلق أخص من المصدر، ولا يلزم من تعريف الأعم تعريف الأخص 1. وأصح حدود المفعول المطلق ما ذكره ابن الحاجب رحمه الله تعالى، فقال: «هو اسم ما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه» 2 فاحترز بقوله: اسم ما فعله فاعل، عن اسم ما لم يفعله فاعل، وهو ظاهر، وبقوله: مذكور من نحو: أعجبني القيام، فإن القيام اسم ما فعله فاعل، ولكنه ليس فاعلا لفعل مذكور، وبقوله: بمعناه من نحو: كرهت قيامي، فإنه اسم ما فعله فعل مذكور؛ لأن القيام [2/ 358] اسم لما فعله المتكلم وهو فاعل الفعل المذكور، فلما قيل بمعناه وجعل وصفا للفعل خرج: كرهت قيامي؛ لأن كرهت ليس بمعنى قيامي، قال: وقلت ها هنا: اسم ولم أذكر لفظ اسم في غيره من الحدود؛ لأنني لو لم أذكره لورد على الحد ضربت؛ فإنه شيء فعله فاعل فعل مذكور غدا، وقد أورد على هذا ضرب ضرب شديد؛ فإنه اسم لما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه ولفظه، فيجب أن يدخل في الحد، وإذا دخل في الحد فيجب أن ينصب؛ لأنه إنما حدّ ليعرف فينصب، كما أن الفاعل إنما حدّ ليعرف فيرفع، وهو غير وارد؛ لأنه عندنا داخل في الحد.
ولا شك أن ذكرنا تعريفه هنا لينتصب، ولكن بعد أن عرفنا أنّ منه قسما يجب -

................................  رفعه، وهو إذا قصد إقامته مقام الفاعل وجعله أحد الجزأين، فإذا حصل الإعلام بذلك ثم حد المفعول المطلق باعتبار ما هو مفعول مطلق، فيجب دخول المرفوع في الحد وإن كان الغرض من حدّه تعريف نصبه؛ لأن ما تقدم يفيد تخصيصه؛ لأنه خاص، وقد ذكر أن حكمه الرفع فكأنه قيل هاهنا: ينصب هذا المحدود في غير المحل الخاص الذي عرفنا أن رفعه واجب فيما تقدم، واستغني عن ذكره ها هنا؛ لأنّ ذكره راجع إلى تكرير محض لا فائدة فيه زائدة؛ لأنا لو ذكرناه ذكرنا عين ما تقدم، فتبين أنه لا حاجة إلى الاحتراز منه، ولزم وجوب أنه لو ذكر كان خطأ، ألا ترى أنه يكون مخرجا من حد المفعول المطلق، وقد قلنا: إن المفعول المطلق نفسه يرتفع إذا أقيم مقام الفاعل، فيصير حاصل الأمرين هو مفعول مطلق، وليس بمفعول مطلق من جهة واحدة، وهذا ظاهر الفساد غير خاف بالنظر المستقيم 1. وهو كلام يشهد لصاحبه بأنه في الرتبة العليا من التحقيق.
ثم ليعلم أن المفعول المطلق هو المفعول حقيقة؛ لأنه هو الذي يحدثه الفاعل 2، أما المفعول به فهو محل الفعل خاصة، والزمان وقت يقع فيه الفعل، والمكان محل الفاعل والمفعول، ويلزم من ذلك أن يكون محلّا للفعل والمفعول لأجله علة لوجود الفعل، والمفعول معه مصاحب للفاعل أو للمفعول 3؛ وإذا قد عرفت هذا فلنرجع إلى مقصود الكتاب، فنقول: أفادت ترجمة الباب أن الذي ينصب مفعولا مطلقا هو المصدر، وما ينوب منابه، وإلى ذلك أشار بقوله: (وما يجري مجراه)، وقد ذكر في الباب ما يقوم مقام المصدر كما ستعرفه، وقد حد المصدر بقوله: (المصدر اسم دال) إلى آخره، فتقييد الدلالة بالأصالة مخرج لأسماء المصادر، وهي عبارة عن كل اسم يساوي المصدر في الدلالة، ويخالفه بعلميّة كجماد حماد 4، أو بتجرده لفظا وتقديرا دون عوض من زيادة في فعله كاغتسل غسلا، وتوضأ وضوءا، -

................................  فهذه وأمثالها إذا عبر عنها بمصادر، فإنما ذلك مجاز، والحقيقة أن يعبر [2/ 359] عنها بأسماء المصادر 1، واحترز بقوله: دون عوض من نحو: عدة وتعليم، فإنهما مصدران مع خلو «عدة» من واو «وعد» وخلو «تعليم» من تضعيف العين، فهاء «عدة» عوض من الواو، وياء «تعليم» عوض من التضعيف، وأشار بقوله: لفظا وتقديرا إلى أن بعض ما في الفعل قد يخلو لفظ المصدر منه، ويكون مقدرا، فلا يضرّ زواله من اللفظ، كقتال مصدر قاتل 2، فإن أصله: قيتال كما سيأتي الكلام على ذلك في باب إعمال المصدر - إن شاء الله تعالى - والدال على معنى قائم بفاعل كحسن وفهم، والدال على معنى صادر عن فاعل كخط وخياطة، وقيام الحسن والفهم بالفاعل حقيقة، وكذا صدور الخط والخياطة من فاعلهما بخلاف نسبة العدم للمعدوم، والموت إلى الميت؛ فإنهما مجاز، والواقع على مفعول مصدر، وما لم يسم فاعله نحو: ضرب زيد ضربا، والمراد بالفاعل هنا الاصطلاحي، وكذا المفعول.
فبهذا يعم الحد مصدر كل فعل، وإطلاق المصدر على ما تناوله الحد إطلاق متفق عليه، وقد يعبر عنه بالفاعل الحدث والحدثان 3، وهو من التعبير عن الشيء بلفظ مدلوله 4. هذا كلام المصنف 5، والظاهر أن قوله: (حقيقة أو مجازا) تقسيم لما هو صادر عن الفاعل خاصة، لا إلى المعنى القائم بالفاعل.
ثم هاهنا بحثان: الأول: قد تبين من تقرير المصنف أن اسم المصدر موافق للمصدر في الدلالة على شيء واحد لا فرق بينهما بالنسبة إلى ما دلّا عليه من المعنى إلا في أمرين: أحدهما: أن دلالة المصدر بالأصالة بخلاف دلالة اسم المصدر، وكأنه يريد بالأصالة أن الكلمة موضوعة لذلك المعنى، وهذا بخلاف دلالة اسم المصدر؛ فكأن -

................................  دلالة على ذلك نائبة عن دلالة المصدر 1، ويحتاج تحقيق ذلك إلى نظر.
ثانيهما: أن اسم المصدر يخالف المصدر إما بعلمية، وإما بالتجرد الذي ذكره 2، وقد فرق بين المصدر واسم المصدر بغير ما ذكره المصنف، فقيل: إن المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان وغيره، كقولنا: إن ضربا مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمرا، فيكون مدلوله معنى، وسموا ما يعبر عنه مصدرا مجازا نحو ضرب في قولنا: إن ضربا مصدر منصوب إذا قلنا: ضربت ضربا، فيكون مسماه لفظا واسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان وغيره كسبحان المسمى بالتسبيح الذي هو صادر عن المسبح، لا لفظ (ت س ب ي ح) بل المعنى المعبر عنه بهذه الأحرف، ومعناه: البراءة والتنزيه 3، واستؤنس لهذا القول بقول الزمخشري: وقد أجروا المعاني في ذلك مجرى الأعيان، فسموا التسبيح بسبحان 4. فنص على أن المسمى هنا معنى لا لفظ، وقال ابن يعيش: اسم المصدر مسماه لفظ نحو: سبحان، عبارة عن التسبيح، وقيل: إن المصدر يدل بالوضع، واسم المصدر وهو الذي لا يكون بصيغ المصدر [2/ 360] المستعملة، يوضع موضع المصدر في بعض المواضع، فيستفاد منه ما يستفاد من المصدر، لكن لا بالوضع بل بالاستعمال كما يوضع المصدر في موضع اسم الفاعل واسم المفعول 5. انتهى.
قلت: وبهذا يشعر كلام المصنف حيث قال إنه احترز بقوله: دال بالأصالة عن اسم المصدر.
البحث الثاني: إن قول المصنف: أو واقع على مفعول؛ غير محتاج إليه؛ لأنه إذا قيل: ضرب -

................................  زيد ضربا صدق على «ضربا» أنه دال على معنى صادر عن فاعل، وكذا إذا قيل: فهمت المسألة فهما، صدق أن «فهما» دال على معنى قائم بفاعل، إلا أن تريد أن ذلك الفاعل يكون مذكورا، وأن المفعول يكون مذكورا أيضا كما يشعر بذلك قوله: والمراد بالفاعل هنا الاصطلاحي، وكذلك المفعول، فربما يحتاج إلى ذكر ذلك.
ثم قال المصنف 1: واتفق البصريون والكوفيون على أن الفعل والمصدر مشتق أحدهما من الآخر، لكن البصريين جعلوا الأصالة للمصدر، وجعلها الكوفيون للفعل، والصحيح مذهب البصريين 2، ويدل على صحته ستة أمور: أحدها: أن المصدر يكثر كونه واحدا لأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر، فلو اشتق المصدر من الفعل لم يخل من أن يشتق من الثلاثة أو من بعضها؛ فاشتقاقه من الثلاثة محال، واشتقاقه من واحد منها يستلزم ترجيحا دون مرجح، فتعين اطّراح ما أفضى إلى ذلك.
الثاني: أن المصدر معناه مفرد، ومعنى الفعل مركب من حدث وزمان، والمفرد سابق المركب، فالدال عليه أولى بالأصالة.
الثالث: أن مفهوم المصدر عام ومفهوم الفعل خاص، والدال على عام أولى بالأصالة من الدال على خاص.
الرابع: أن كل ما سوى الفعل والمصدر من شيئين: أحدهما أصل والآخر فرع؛ فإن في الفرع منهما معنى الأصل وزيادة كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الواحد، وكالعدد المعدول بالنسبة إلى المعدول عنه، والفعل فيه معنى المصدر وزيادة تعين الزمان، فكان فرعا والمصدر أصل.
الخامس: أن من المصادر ما لا فعل له لفظا ولا تقديرا، وذلك نحو: ويح وويل، وويش وويب.
فلو كان الفعل أصلا لكانت هذه المصادر فروعا لا أصول لها، وذلك محال، وإنما قلنا: إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديرا؛ لأنها لو صيغ من بعضها فعل لاستحق فاؤه في المضارع من الحذف ما يستحق فاء «يعد» -

................................  ولاستحق عينه من السكون ما استحق عين «تبيع» فيتوالى إعلال الفاء والعين، وذلك مرفوض في كلامهم، فوجب إهمال ما يؤدي إليه، وليس في الأفعال ما لا مصدر له مستعمل إلا وتقديره ممكن كتبارك وفعل التعجب، إذ لا مانع في اللفظ، ويقابل تلك الأفعال مصادر كثيرة تزيد على الأفعال كالأبوة [2/ 361] والبنوة والخؤولة والعمومة والعبودية واللصوصية وقعدك الله، وبله زيد وبهله، فبطلت المعارضة بتبارك ونحوه، وخلص الاستدلال بويح وأخواته، ولا حجة للكوفيين في أن المصدر يتبع الفعل في صحته وإعلاله نحو: لاوذ لواذا، ولاذ لياذا؛ لأن الشيئين قد يحمل أحدهما على الآخر وليس أحدهما أصلا للآخر كحمل يرضيان على رضيا، وأعطيا على يعطيان.
والأصل: يرضوان وأعطوا؛ لأنّ حكم الواو بين فتحة وألف التصحيح؛ لكن حمل ذو الفتحة على ذي الكسرة ليجريا على سنن واحد، فكذلك فعل بالمصدرين من لاوذ ولاذ، ولا حجة أيضا في توكيد الفعل بالمصدر؛ لأن الشيء قد يؤكد بنفسه نحو: زيد قام قام.
فلو دل التوكيد على فرعية المؤكّد لزم كون الشيء فرع نفسه، وذلك محال، ولا حجة أيضا في إعمال الفعل في المصدر؛ لأن الحرف يعمل في الاسم والفعل ولا حظ له في الأصالة، وببعض ما استدللنا على فرعية الفعل بالنسبة إلى المصدر يستدل على فرعية الصفة بالنسبة إليه، لأن كل صفة تضمنت حروف الفعل فيها ما في المصدر من الدلالة على الحدث، وتزيد بالدلالة على ما هي له كما زاد الفعل بالدلالة على الزمان المعين؛ فيجب كون الصفة مشتقة من المصدر لا من الفعل، إذ ليس فيها ما في الفعل من الدلالة على الزمان المعين 1. انتهى كلام المصنف 2. وذكر الشيخ أن ابن طلحة ذهب إلى أن المصدر والفعل كل منهما أصل، وليس أحدهما مشتقّا من الآخر، وكأن ابن طلحة 3 نزع في هذه المسألة إلى مذهب من -

[المفعول المطلق: ناصبه - أنواعه - ما ينوب عنه]

قال ابن مالك: (وينصب بمثله أو بفرعه أو بقائم مقام أحدهما، فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرّد التوكيد، ويسمّى مبهما، ولا يثنّى ولا يجمع، وإن زاد عليه فهو لبيان النّوع أو العدد، ويسمّى مختصّا ومؤقّتا، ويثنّى ويجمع، ويقوم مقام المؤكّد مصدر مرادف واسم مصدر غير علم، ومقام المبيّن نوع أو وصف أو هيئة أو آلة أو كلّ أو بعض أو ضمير أو اسم إشارة، أو وقت، أو «ما» الاستفهاميّة أو الشّرطيّة).
ينفي الاشتقاق أصلا؛ فإن الشيخ ذكر في ذلك مذاهب ثلاثة: أحدها: مذهب الجمهور، وهو أن من الكلمات ما هو مشتق، ومنها ما ليس بمشتق.
ثانيها: أن كل لفظ مشتق، قال: وعزاه جماعة إلى الزجاج 1. ثالثها: أن شيئا ليس مشتقّا من شيء، بل كل أصل بنفسه 2. انتهى.
وليس هذا مما يتشاغل به، ولا يضيع الزمان في ذكره.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 3: وينصب المصدر بمثله، كقولك: عجبت [2/ 362] من قيامك قياما ونصبه بفرعه، كقولك: طلبتك طلبا، وأنا طالبك طلبا، وأنت مطلوب طلبا، ونصبه بقائم مقام أحدهما كقولك: عجبت من إيمانك تصديقا، وأنا مؤمن تصديقا، ولقاء الله مؤمن به تصديقا، والمصدر المنصوب في جميع هذه الأمثلة قد ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى الواقع هكذا مبهما ولا يثنى ولا يجمع؛ لأنه بمنزلة تكرير الفعل فعومل معاملته في عدم التثنية والجمع، إذ هو صالح للقليل والكثير 4، وإن زاد معناه على معنى عامله فهو لبيان النوع نحو: سرت خببا وعدوا، ورجعت القهقرى 5، وقعدت القرفصاء 6، -

................................  أو لعدد المرات نحو: قمت قومتين، وضربته ضربات.
وقد يكون المبين للنوع بلفظ المؤكد، فيستفاد التنويع بوصفه أو إضافته أو إدخال حرف التعريف عليه أو بتثنيته أو بجمعه 1، ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف نحو: جلست قعودا، أو اسم مصدر غير علم نحو: اغتسلت غسلا وتوضأت وضوءا، ولا يستعمل اسم المصدر العلم مؤكدا ولا مبيّنا فلا يقال: حمدت حماد ونحو ذلك؛ لأن العلم زائد معناه على معنى العامل، فلا ينزل منزلة تكرار الفعل، ولأنه كاسم الفعل، فلا يجمع بينه وبين الفعل، ولا ما يقوم مقامه 2. ومن قيام أحد المترادفين مقام الآخر قول امرئ القيس: 1400 - ويوما على ظهر الكثيب تعذّرت... عليّ وآلت حلفة لم تحلّل 3 وقول رؤبة: 1401 - لوّحها من بعد بدن وسنق... تضميرك السّابق يطوى للسّبق 4 لوحها ضمرها، والبدن السّمن، والسنق البشم، والسبق الخطر، والخطر هو الذي يوضع بين أهل السابق، ويقوم مقام المبين للنوع اسم نوع كالقهقرى -

................................  والقرفصاء، وكقوله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً 1، أو وصف نحو: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً 2، أو هيئة نحو: يموت الكافرون ميتة سوء، ويعيش المؤمنون عيشة مرضية، أو آلة نحو: ضرب المؤدب الصبيّ قضيبا أو سوطا، أو كل نحو قوله تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ 3، أو بعض كقوله تعالى: وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً 4، أو ضمير كقوله تعالى: فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ 5، أو اسم إشارة نحو: لأجدّنّ ذلك الجدّ، ولا بد من جعل المصدر تابعا لاسم الإشارة المقصود به المصدرية؛ ولذلك خطئ من حمل قول المتنبي: 1402 - هذي برزت لنا فهجت رسيسا 6 على أنه أراد هذه البرزة برزت؛ لأن مثل ذلك لا تستعمله العرب. وقد يقام مقام المصدر المبين زمان [2/ 363] مضاف إليه المصدر تقديرا كقول الشاعر: 1403 - ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا 7

................................  أراد: ألم تغتمض عيناك اغتماض ليلة أرمد، فحذف المصدر وأقام الزمان مقامه كما عكس من قال: كان ذلك طلوع الشمس، إلا أن ذلك قليل وهذا كثير، أو 1 «ما» الاستفهامية نحو: ما تضرب زيدا، المعنى: أي ضرب تضرب زيدا، قال الشاعر 2: 1404 - ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما... لا ترقدان ولا بؤس لمن رقدا 3 أو «ما» الشرطية نحو قولك: ما شئت فقم، كأنك قلت: أي قيام شئت فقم، قال الشاعر وهو جرير: 1405 - نعب الغراب فقلت بين عاجل... ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب 4 ومن قيام النوع مقام المصدر قول الشاعر: 1406 - على كلّ موّار أفانين سيره... شؤوّا لأبواع الجمال الرّواتك 5 ومن قيام الصفة قول ليلى الأخيلية: 1407 - نظرت ودوني من عماية منكب... وبطن الرّكاء أيّ نظرة ناظر 6

................................  ومثله قول الآخر: 1408 - وضابع أن جرى أيّا أردت به... لا الشّدّ شدّ ولا التّقريب تقريب 1 أي لا الشد شد معتاد ولا التقريب تقريب معتاد، بل هما خارقا العادة، والصحيح في المصدر الموافق معنى لا لفظا كونه معمولا لموافقة معنى، فحلفة من قوله: 1409 - وآلت حلفة لم تحلّل 2 منصوب «بآلت» لا بحلفت مقدرا 3، لعدم الحاجة إلى ذلك؛ لأنه لو كان المخالف لفظا لا ينتصب إلا بفعل من لفظه لم يجز أن يقع موقعه ما لا فعل له من لفظه نحو: حلفت يمينا وفَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ 4 وفَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً 5، وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً 6؛ فهذه وأمثالها لا يمكن أن يقدر لها عامل من لفظها، بل لا بد من كون العامل فيما وقع منها ما قبله مما هو موافق معنى لا لفظا، ووجب اطراد هذا الحكم في ما له فعل من لفظه، ليجري الباب على سنن واحد، وهذا الذي اخترته هو اختيار المبرد 7 والسيرافي 8، ومن شواهد ذلك قراءة محمد بن السميفع 9: (فتبسّم ضحكا مّن قولها) 10 ذكرها ابن جني في - - اللغة: عماية: موضع.
الركاء: واد بنجد.
والشاهد فيه: أن قوله: «أي نظرة ناظر» وصف نائب عن المصدر المحذوف.

................................  المحتسب 1، انتهى كلامه 2 رحمه الله تعالى.
ولكن لا بد من التنبيه على أمور: 1 - منها: أن المصنف جعل ما ينتصب في هذا الباب وهو غير مصدر من الأشياء التي ذكرها قائما مقام المصدر، ومقتضى كلام ابن عصفور أنه يطلق عليها المصدر؛ فإنه قال: فأما المصدر هو اسم الفعل أو عدده أي ما قام مقامه 3، وعبارة المصنف أولى، غير أن المصنف لم يذكر اسم العدد في ما يقوم مقام المصدر، ولا شك أنك إذا قلت: ضربته عشرين ضربة، فقد أقمت اسم العدد [2/ 364] مقام المصدر المبين، فكان ذكره متعينا.
2 - ومنها: أن المصنف جعل الآلة قائمة مقام المصدر في نحو: ضربته سوطا.
وقرر الشيخ بهاء الدين بن النحاس بأن الأصل: ضربته ضربة بسوط، فحذف الموصوف الذي هو ضربة، وأقيمت الصفة التي هي بسوط مقامه، فصار: ضربته بسوط، ثم أسقط حرف الجر، ووصل الفعل إليه فنصبه فقيل: ضربته سوطا 4. وأما ابن عصفور فإنه جعل ذلك من قيام المضاف إليه مقام المضاف، فقال: الأصل: ضربته ضربة سوط، فحذف المصدر وأقيم الاسم الذي كان مضافا إليه مقامه، فأعرب بإعرابه 5. ثم قال: ولا يجوز حذف المصدر وإقامة ما كان مضافا إليه مقامه بقياس إلا أن يكون ذلك 6 له نحو: ضربته سيفا ورشقته سهما وطعنته رمحا، الأصل: ضربة سيف ورشقة سهم وطعنة رمح، ولو قلت: ضربته خشبة أو رميته آجرّة 7 لم يجز، لأنه الخشبة ليست آلة للضرب، ولا الآجرة آلة للرمي 8، فإن جاء شيء في غير أسماء -

................................  الآلات التي يوقع بها الفعل الناصب للمصدر حفظ ولم يقس عليه نحو قوله: 1410 - حتّى إذا اصطفّوا لنا جدارا 1 وقول الآخر: 1411 - ولم يضع ما بيننا لحم وضم 2 الأصل: اصطفاف جدار وإضاعة لحم وضم، والجدار ليس آلة للاصطفاف، ولحم وضم ليس آلة للإضاعة.
3 - ومنها: أن المصنف ذكر أن ما يقوم مقام المصدر وصفه، وأطلق ولم يقيد ومثل لذلك بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً 3. وأما ابن عصفور فإنه ذكر الوصف أيضا ومثل له بقوله: سرت قليلا أي سرت سيرا قليلا 4 إلا أنه قال: ولا يجوز إقامة صفة المصدر مقامه إلا إذا كانت من قبيل الصفات التي تستعمل استعمال الأسماء كقليل 5، ألا ترى أن العوامل تباشره كما تباشر الأسماء التي ليست بصفات، فيقال: جئت قبل فلان بقليل، قال الله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 6 ومن ثم قال الشيخ بعد أن ذكر استشهاد المصنف بقوله تعالى: وَاذْكُرْ -

................................  رَبَّكَ كَثِيراً 1 وبما أنشده من قول ليلى الأخيلية: 1412 - نظرت ودوني من عماية منكب......... البيت (2) وقول الآخر: 1413 - وضائع أيّ جري ما أردت به 2 مذهب سيبويه أن نصب هذا الوصف على الحال 3، لأنه صفة غير خاصة بالموصوف، وإذا حذف الموصوف خرج الوصف عن أن يكون وصفا لعدم التبعية فكان حالا؛ إذ شأنها عدم الإتباع 4. انتهى.
وفي كل من الكلامين بحث، أما قول ابن عصفور: إنه لا يجوز إقامة الصفة إلا إذا كانت من قبيل الصفات التي تستعمل استعمال الأسماء فقد يمنع؛ لأن النحاة إنما اشترطوا في حذف المنعوت وإقامة النعت مقامه أن يكون النعت صالحا لمباشرة العامل 5 وأما ما ذكره الشيخ فإنه يقتضي أن الموصوف لا يحذف ويقام الوصف مقامه إلا إذا كانت الصفة خاصة بالموصوف، وليس [2/ 365] الأمر كذلك، بل الشرط أن يعلم جنس المحذوف، والعلم بذلك ليس منحصرا في الاختصاص، بل قد يكون بسبب اختصاص الوصف به كقولك: مررت بمهندس ولقيت كاتبا، وقد يكون بسبب مصاحبة ما يعيّنه كقوله تعالى: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ 6 أي دروعا سابغات، وسابغات ليس وصفا مختصّا بالدروع، وإنما علم أن الموصوف المحذوف هو الدروع بسبب مقارنة ما ذكر قبله وهو الحديد، والحاصل أن المقصود حصول الدلالة على المحذوف من حيث الجملة، ولا شك أن بمقارنة «اذكر» في قوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً علم الموصوف المحذوف، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى دعوى الحالية، إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك 7. 4 - ومنها: أن قول المصنف: (أو هيئة) قد يقال فيه: إنه غير محتاج إليه؛ -

................................  لأن الهيئة نفسها مصدر، وهو ذكرها على أنها قائمة مقام المصدر، وواقعة موقعه.
5 - ومنها: أن ابن عصفور لم يذكر «كلّا وبعضا»، بل قال: أو ما أضيف إليه يعني إلى المصدر، بشرط أن يكون ذلك المضاف هو المضاف إليه في المعنى، أو بعضه، فالأول نحو: سرت كل السير، لأن كل السير هو السير، والثاني نحو: سرت أشد السير 1، فإن أشد السير سير، فقد يقال: شملت عبارة ابن عصفور: سرت بعض السير 2، ولم تشمل عبارة المصنف سرت أشد السير، فترجّح عبارة ابن عصفور، وليس كذلك؛ لأن المصنف لم يرد لفظ (بعض)، بل ما كان بعضا؛ ولذا مثّل بقوله تعالى: وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً 3. 6 - ومنها: أنه قد فهم من كلام المصنف في المتن والشرح أن الناصب للمصدر ولما يقوم مقامه هو العامل المذكور معه سواء أوافق لفظه أم لم يوافق، وقد نبّه على أن في ذلك خلافا بقوله: وهذا الذي اخترته هو اختيار المبرد 4 والسيرافي 5. وقد تعرض ابن عصفور إلى ذكر ذلك مفصلا، فقال: وإذا كان المصدر منصوبا بعد فعل من لفظه، فإن كان جاريا على الفعل كان منصوبا به، وإن لم يكن جاريا -

................................  عليه نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً 1 وقول القطامي: 1414 - وخير الأمر ما استقبلت منه... وليس بأن تتبّعه اتّباعا 2 ففي الناصب له خلاف، منهم من نصبه بفعل مضمر يجري عليه المصدر، ويدل عليه الفعل الظاهر، وهو مذهب المبرد وابن خروف 3، وزعم أنه مذهب سيبويه 4، ومنهم من ذهب إلى أنه منصوب بالفعل الظاهر، وإن لم يكن جاريا عليه 5، ومنهم من فصّل فجعل ما كان معناه مغايرا لمعنى مصدر ذلك الفعل الظاهر منصوبا بفعل مضمر يدل عليه الظاهر كقوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً فنباتا منصوب بنبت مضمرا، أي فنبتّم نباتا، ودل نبت عليه، لأنهم إذا أنبتوا فقد نبتوا، وما [2/ 366] كان معناه غير مغاير لمعنى مصدر الفعل الظاهر جعله منصوبا بالفعل الظاهر؛ إذ لا موجب لتكلف الإضمار، وذلك نحو قول القائل: 1415 - وقد تطوّيت انطواء الخصب 6

................................  فانطواء منصوب بتطويت؛ لأن الانطواء والتطوي بمعنى واحد، وقول الآخر: 1416 - يلوح بجانب الجبلين منه... رباب يحفر التّرب احتفارا 1 فاحتفار منصوب بتحفر؛ لأن الاحتفار والحفر بمعنى واحد، ومنه بيت القطامي المتقدم؛ لأن الاتباع والتتبع بمعنى واحد، قال ابن عصفور: والصحيح في المغاير أنه يجوز أن يكون منصوبا بالفعل، وأن يكون منصوبا بالفعل المضمر المدلول عليه بالظاهر، وهو الذي يعطيه كلام سيبويه، فإن عمل الظاهر راجح من حيث إنه لم يتكلف الإضمار، مرجوح من حيث المغايرة، وعمل المضمر راجح من حيث الموافقة لمعنى المصدر، مرجوح لتكلف الإضمار 2، وإذا كان المصدر منصوبا بعد فعل من معناه، فإن لم يكن له فعل من لفظه كان منصوبا بذلك الفعل الذي هو من معناه نحو شيء من قول الهذلي 3: 1417 - فعدّيت شيئا والدّريس كأنّه... يزعزعه ورد من الموم مردم 4 فإنه مصدر منصوب بعاديت؛ لأنه واقع موقع معاداة، وكأنه قال: فعاديت -5 - والتذييل (3/ 181)، والبحر المحيط (6/ 496)، والكافي شرح الهادي (ص 363)، والهمع (1/ 187)، وديوانه (ص 16)، واللسان «خصب - طوي».
اللغة: الخصب: الذكر الضخم من الحيات، أو حية دقيقة.
والشاهد في البيت: وقوع الانطواء بعد تطويت وإن كان غير جار عليه؛ لأن المعنى واحد.

................................  معاداة، قال: ومن هذا القبيل تعدي الفعل إلى الضمير العائد على المصدر المفهوم منه نحو قولك: ظننته زيدا قائما، تريد ظننت ظنّا زيدا قائما، وإن كان له فعل من لفظه نحو: حلفة من قول امرئ القيس: 1418 - وآلت حلفة لم تحلّل 1 ففيه خلاف: منهم من ذهب إلى أنه منصوب بالفعل الظاهر، وهو رأي المبرد والسيرافي، قال ابن عصفور: وإلى هذا المذهب عندي ذهب سيبويه بدليل جعله القهقرى من رجع زيد القهقرى منصوبا برجع لما كان ضربا من المرجوع وإن لم يكن من لفظ رجع، وذهب الفارسي وابن جني إلى أنه منصوب بفعل مضمر من لفظه 2، وقد نص ابن جني في الخاطريات 3 له على امتناع انتصاب جلوس بقعد من قولك: قعد زيد جلوسا، وذكر ابن عصفور استدلاله على ذلك، واستدلال الفارسي أيضا، ثم أبطله، ثم قال: وقد نسب جماعة هذا المذهب إلى سيبويه، قالوا: ولذلك جعل المصادر التي هي «دأب بكار» من قول القائل: 1419 - إذا رأتني سقطت أبصارها... دأب بكار شايحت بكارها 4 و «طي المحمل» من قول أبي كبير الهذلي: 1420 - ما إن يمسّ الأرض إلّا منكب... منه وحرف السّاق طيّ المحمل 5

    • اللغة: الدريس: الثوب الخلق.
      المردم: الملازم.
      وعديت: صرفت عنهم.
      والشاهد فيه: نصب «شيئا» بعاديت؛ لأنه واقع موقع معاداة.

................................  وتضميرك من قول رؤبة: 1421 - لوّحها من بعد بدن وسنق... تضميرك السّابق يطوى للسّبق 1 منصوبة بأفعال مضمرة لما لم يكن من الأفعال التي قبلها.
قال: والصحيح عندي أن مذهبه [2/ 367] ما ذكرته قبل من أن المصدر إذا جاء بعد فعل من معناه انتصب به، وإن لم يكن من لفظه، بدليل ما ذكرته من أنه جعل القهقرى من رجع زيد القهقرى منصوبا برجع لما كان ضربا من الرجوع، وأما دأب بكار، وطي المحمل، وتضميرك السابق، فلم يجئ شيء منها بعد فعل من معناه، إذ ليس الدأب سقوط البصر، ولا ضربا منه، والطي ليس المس ولا ضربا منه، والتضمير ليس التلويح ولا ضربا منه، وإنما هو شيء يلزم عنه التلويح، والتلويح هو التغيير، يقال: لوّحته الشمس إذا غيرته، والتضمير هو رد القوس إلى القوت بعد السمن، وذلك شيء يلزم منه التغيير، فلذلك جعلها سيبويه منصوبة بأفعال مضمرة يفسرها الكلام الذي قبلها، ومن هذا القبيل قولهم: تبسّمت وميض البرق؛ لأن التبسم ليس الوميض في المعنى، وإنما هو مشبه به، قال: وقد يجوز عندي أن يكون (دأب بكار) منصوبا (بسقطت) وتضميرك منصوبا (بلوّحها) ووميض البرق منصوبا بتبسمت على أن يكون التقدير: سقطت أبصارها سقوطا مثل دأب بكار، ولوحها تلويحا مثل تضميرك السابق، وتبسمت تبسّما مثل وميض البرق، فحذف المصدر وأقيمت صفته مقامه 2. انتهى.
وقد تقدم من كلام المصنف أن معنى (لوحها) ضمرها، وهذا مخالف لما قاله ابن عصفور، ثم قال: والصحيح عندي في المصدر المنصوب بعد فعل ليس من لفظه، بل من معناه أنه يجوز أن يكون منصوبا بذلك الفعل الظاهر، بالدليل الذي - - والخصائص (2/ 309)، والإنصاف (1/ 230)، والارتشاف (ص 549)، والتذييل (3/ 246)، والعيني (3/ 54)، والتصريح (1/ 334)، وديوان الحماسة (1/ 21)، وشرح الحماسة للمرزوقي (90)، والأشموني (2/ 121)، وديوان الهذليين (2/ 93). والشاهد في البيت: نصب (طي المحمل) بإضمار فعل دل عليه قوله: (ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق) لأن هذا يدل على أنه طوى طيّا.

................................  تقدم ذكره، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر من لفظه يدل عليه الظاهر 1، وعلل ذلك بنظير ما تقدم. قلت: وقد عرفت من كلام ابن عصفور أن الذي اختاره المصنف من أن المصدر الموافق معنى لا لفظا معمول لموافقه معنى، وأن الواجب اطراد هذا الحكم في ما له فعل من لفظه؛ ليجري الباب على سنن واحد هو الصّواب، فرحمه الله تعالى. 7 - ومنها: أنه قد تقدم من كلام المصنف أن تنويع المصدر قد يستفاد بوصفه أو إضافته أو إدخال حرف التعريف عليه أو تثنيته أو بجمعه، فالوصف نحو: سار زيد سيرا عنيفا، والإضافة نحو: سار سير البريد أو سار سير الأثقال، وإدخال حرف التعريف نحو: ضربت الضرب تريد ضربا معهودا بينك وبين مخاطبك، كأنك قلت: ضربت الضرب الذي تعلم زمنه، قول الشاعر: 1422 - لعمري لقد أحببتك الحبّ كلّه... وزدتك حبّا لم يكن قطّ يعرف 2 وقول الآخر [2/ 368]: 1423 - فدع عنك ليلى إنّ ليلى وشأنها... وإن وعدتك الوعد لا يتيسّر 3 وقول الآخر 4: 1424 - فلو تعلمين العلم أيقنت أنّني... وربّ الهدايا المشعرات صدوق 5

................................  قال الشيخ - بعد إنشاد هذه الأبيات -: ولا يتصور أن تكون (أل) فيها جنسية، لأن الجنس لا يمكن وقوعه، قال: وإنما أريد بالحب أصناف الحب المعهودة من الناس وبالوعد، والوعد الذي كان يرجوه منها، بالعلم، العلم الذي يتوصل به إلى صدقه 1. انتهى.
وفيما قاله نظر؛ لأن الذي لا يمكن وقوعه الجنس من حيث هو جنس، أما وقوع فرد يتضمن الجنس فلا يتصور منع وقوعه، وأي مانع من أن يكون مراد من قال: 1425 - وإن وعدتك الوعد (2) وإن وعدتك وعدا، وكذا من قال: 1426 - فلو تعلمين العلم (3) يمكن أن يريد: فلو تعلمين علما، وأما إرادة أفراد الجنس في قول من قال: 1427 - لقد أحببتك الحبّ كلّه 2 فظاهرة، ويدل على ذلك التوكيد بكل، وأما تثنيته وجمعه فسنذكرهما.
8 - ومنها: أن بعض النحاة أجاز أن يقال: ضربته أن أضربه.
قال ابن عصفور: والذي عليه الجمهور أن ذلك لا يجوز، قالوا: وقول الناس: لعنه الله أن لعنه - لحن، قال الزجاج: وإنما امتنع في مثل هذا أن يؤكد به الفعل، لأن أن تخلص الفعل للاستقبال، والتأكيد إنما يكون بالمصدر المبهم، وقد حكيت إجازة ذلك عن الأخفش، والذي ذكره في كتابه الكبير إنما هو منعه 3، انتهى.
والتعليل الذي ذكر عن الزجاج غير ظاهر؛ لأن الاستقبال لا يخرج عن الإبهام؛ ولأن المؤكد إنما هو المصدر المنسبك من (أن) والفعل، والمصدر لا دلالة له على الاستقبال ولا غيره، ولو قيل في تعليل ذلك: إنّ (أن) والفعل بمنزلة اسم معرفة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر، والتعريف يخرج الكلمة من الإبهام إلى التخصيص - لكان أقرب.
-

................................  9 - ومنها: أن الشيخ لما مثل المصدر المختص بالإضافة بـ (قمت قيام زيد)، وقال: أصله قياما مثل قيام زيد حذف المصدر ثم صفته، وقام مقامها المضاف إليه فأعرب إعرابه - بحث فقال: فإن قلت: يلزم أن يكون انتصاب قيام زيد على الحال لا على المصدر؛ لأنه قائم مقام مثل، ومثل المحذوفة حال من جهة أن المصدر إذا حذف وأبقيت صفته انتصب على الحال لا على المصدر، فالجواب أنه لا ينتصب على الحال إلا إذا لم تكن خاصة بجنس الموصوف نحو: ساروا شديدا، وليس كذلك مثل قيام زيد، لأنه صفة خاصة بجنس الموصوف المحذوف، وهو قيامها 1، انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والسؤال من أصله مدفوع؛ لأن دعوى التزام نصب صفة المصدر على الحال إذا لم [2/ 369] تكن خاصة بجنس الموصوف ممنوعة، وقد تقدم تقريره، وقد نقض الشيخ كلامه بعد ذلك بورقات، فقال: إذا قلت ضربت ضربا مثل ضرب الأمير، فضرب مصدر منصوب لضربت؛ فإذا قلت: مثل ضرب الأمير فمذهب سيبويه أنه حال 2، وينبغي في القياس أن لا يحذف (مثل)؛ لأنك إذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه أعرب إعرابه، والمعرفة لا تكون حالا 3، انتهى.
وهذه مناقضة ظاهرة.
10 - ومنها: أن المصنف نص على جواز تثنية المصدر المختص وجمعه، وكذا نص ابن الحاجب 4. فأما الذي يقصد به الدلالة على العدد فواضح أنه لا يتصور فيه خلاف، لأن المقصود به الدلالة على ذلك، وأما الذي لا يقصد به ذلك ففي تثنيته وجمعه عند اختلاف أنواعه خلاف، منهم من أجاز ذلك قياسا على ما سمع منه، ومنهم من قال: لا يثنى ولا يجمع.
وإلى ذلك ذهب الشلوبين 5، وهو ظاهر مذهب سيبويه، قال: واعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع كالأشغال والعقول والألباب والحلوم، ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والفطن والعلم 6. انتهى، وقد قال الشاعر: -

................................  1428 - ثلاثة أحباب فحبّ علاقة... وحب تملّاق وحبّ هو القتل 1 وقال آخر: 1429 - هل من حلوم لأقوام فتنذرهم... ما جرّب الدّهر من غضّي وتضريسي 2 ويقال: فلان ينظر في علوم كثيرة.
11 - ومنها: أن الفعل إذا كان له مصدران مؤكد ومبين، فمذهب الأكثرين ومنهم الأخفش والمبرد وابن السراج أن الفعل لا ينصبهما معا، وأجاز السيرافي وابن طاهر نصب المصدرين، بل قالا: إن الفعل يجوز أن ينصب ثلاثة مصادر إذا اختلف معناها 3. قال الشيخ: وفي البديع إذا قلت: ضربت زيدا ضربا شديدا ضربتين، كان ضربتين بدلا من الأول، ولا يكونان مصدرين؛ لأن الفعل الواحد لا ينصب مصدرين، فأما قول الشاعر: 1430 - ووطئتنا وطأ على حنق... وطأ المقيّد ثابت الهرم 4 فلا يكون الثاني بدلا، لأنه غيره، ولكنه بمعنى: مثل وطء القيد.
أو على إضمار فعل 5. انتهى.
والظاهر في هذه المسألة مذهب الأخفش ومن وافقه وهم الأكثرون: أن الفعل لا ينصب مصدرين على ما تقتضيه قواعد الصناعة النحوية؛ -

[حذف عامل المفعول المطلق - جوازا ووجوبا - ومواضع ذلك]

قال ابن مالك: (ويحذف عامل المصدر جوازا لقرينة لفظيّة أو معنويّة، ووجوبا لكونه بدلا من اللّفظ بفعل مهمل، أو لكونه بدلا من اللّفظ بفعل مستعمل في طلب، أو خبر إنشائيّ، أو غير إنشائيّ، أو في توبيخ مع استفهام، ودونه للنفس، أو لمخاطب [2/ 370] أو غائب في حكم حاضر، أو لكونه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، أو نائبا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر، أو مؤكّد جملة ناصّة على معناه، وهو مؤكّد نفسه، أو صائرة به نصّا وهو مؤكّد غيره، والأصحّ منع تقديمهما. ومن الملتزم إضمار ناصبه المشبّه به مشعرا بحدوث بعد جملة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ، ولا صلاحية للعمل فيه، وإتباعه جائز، وإن وقعت صفته موقعه فإتباعها أولى من نصبها، وكذا التّالي جملة خالية ممّا هو له. وقد يرفع مبتدأ المفيد طلبا وخبرا المكرّر والمحصور والمؤكّد نفسه، والمفيد خبرا إنشائيّا، وغير إنشائيّ).  لأن المصدر المنصوب إنما ينتصب على أنه مفعول مطلق، والصناعة أن لا يتعدى فعل إلى معمولين من نوع واحد دون عطف. قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: حذف عامل المصدر جواز لقرينة لفظية كقولك لمن قال: أيّ سير سرت؟ سيرا حثيثا، ولمن قال: ما قمت؟ بلى قياما طويلا، وحذفه لقرينة معنوية كقولك لمن تأهب لسفر: تأهبا مباركا ميمونا، وسفرا مأمونا، ولمن قدم من حج: حجّا مبرورا وسعيا مشكورا، والمحذوف العامل وجوبا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل: إما مفرد كقولهم: أفّة له، وتفّة، وذفرا، بمعنى نتنا، وبهرا بمعنى تبّا كقول الشاعر: 1431 - تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي... بجارية بهرا لهم بعدها بهرا 2

................................  وبمعنى عجبا كقول عمر بن أبي ربيعة: 1432 - ثمّ قالوا تحبّها قلت بهرا... عدد الرّمل والحصا والتّراب 1 وإما مضاف: كقول الشاعر: 1433 - تذر الجماجم ضاحيا هاماتها... بله الأكفّ كأنّها لم تخلق 2 أي تترك الأكف تركا كأنها لم تخلق، وروي (بله الأكفّ) بالنصب على أنها اسم فعل بمعنى اترك.
ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة: قولهم في القسم الاستعطافي: قعدك الله إلا فعلت، أي تثبيتك الله، ومثله: عمرك الله في لزوم الإضافة والاستعطاف إلا أن هذا مختصر من التعمير مصدر عمرتك الله 3، ومنه قول الشاعر 4: 1434 - عمرتك الله إلّا ما ذكرت لنا... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم 5

    • والشاهد قوله: «بهرا لهم بعدها بهرا»؛ حيث حذف عامل المصدر وجوبا؛ لأنه بدل من الفعل المهمل.

................................  وأصله من العمر وهو البقاء، فالمتكلم به متوسل باعتقاد البقاء لله.
ومن المهمل الفعل ما يضاف ويفرد كقولهم للمصاب: المرحوم ويحه، وويح فلان، وويح له، وفي الحديث: «ويح عمّار تقتله الفئة الباغية» 1 وللمتعجّب منه: ويبا له، وويبك، وويب غيرك، قال الشاعر: 1435 - فلا تجبهيه ويب غيرك إنّه... فتى عن دنيّات الخلائق نازح 2 وكذا يقال: ويح غيرك وويبه مثله أو قريب منه، ويقال للمضاف المغضوب عليه: [2/ 371] ويله وويل له ويل طويل، وويل له ويلا طويلا، وويل له ويلا كبيلا، وويل له وعول، وويلك وعولك، ولا يفرد عول، وقد يفرد ويل 3 منصوبا كقول الشاعر: 1436 - كسا اللّؤم تيما خضرة في جلودها... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر 4 ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة: سبحان الله، أي براءة له من السوء، وليس بمصدر يسبح، بل سبح مشتق منه كاشتقاق حاشيت من حاش إذا نطق بلفظها، وكاشتقاق لوليت وصهصهت وأفّفت وسوّفت وبأبأت ولبّب من: لولا وصه وأف - - والارتشاف (626)، والتذييل (3/ 199، 621)، والخزانة (1/ 231)، والهمع (2/ 45)، والدرر (2/ 53)، واللسان «عمر» والمسائل الشيرازيات (ص 65).
والشاهد فيه: أن «عمرتك الله» منصوب بفعل مهمل على رأي ابن مالك، واعترض على ذلك أبو حيان؛ لأنه يرى أن «عمرتك» إذا كان مختصرا من التعمير على ما ذكر ابن مالك له فعل مستعمل.

................................  وسوف بأبأ ولبيك، وقالوا أيضا: سبحل إذا قال: سبحان الله، وقد يفرد في الشعر سبحان منونة إن لم تنو الإضافة 1 كقول الشاعر: 1437 - سبحانه ثمّ سبحانا نعوذ به... وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد 2 وغير منونة إن نويت الإضافة كقول الآخر 3: 1438 - أقول لمّا جاءني فخره... سبحان من علقمة الفاخر 4 أراد سبحان الله، فحذف المضاف إليه وترك المضاف بهيئته التي كان عليها قبل الحذف كما قال الراجز: 1439 - خالط من سلمى خياشيم وفا 5

    • والشاهد فيه: «فويلا لتيم»؛ حيث أفرد (ويل) منصوبا.

................................  تريد وفاها، وهذا التوجيه أولى من جعل سبحان علما، ومثل سبحانك في المعنى وإهمال الفعل سلامك في قول الشاعر: 1440 - سلامك ربّنا في كلّ فجر... بريئا ما تغنّثك الذّموم 1 أي براءتك ربنا من كل سوء، وبريئا حال مؤكدة، وما تغنثك أي ما تعلق بك، والذموم جمع ذم.
ومن المهمل اللازم للإضافة: قولهم في إجابة الداعي: لبيك.
ومعناه لزوما لطاعتك بعد لزوم، قال سيبويه: أراد بقوله: لبيك وسعديك، إجابة بعد إجابة كأنه قال: كلما أجبتك في أمر فأنا في الآخر مجيب، وهو مثنى اللفظ، وزعم يونس أنه مفرد اللفظ وأن ياءه منقلبة عن ألف إجراء له مجرى (على).
ورد عليه سيبويه بقول الشاعر 2: 1441 - دعوت لما نابني مسورا... فلبّى فلبّي يدي مسور 3

    • والارتشاف (265)، والتذييل (3/ 205)، والخزانة (2/ 62، 261)، والعيني (1/ 152)، وحاشية يس (1/ 125)، وحاشية الصبان (1/ 135)، واللسان «خرطم - فوه - نهى»، والهمع (1/ 40) والدرر (1/ 41). والشاهد في قوله: «وفا»؛ حيث حذف المضاف إليه وترك المضاف بهيئته، فلم يبدل حرف العلة ميما، فيقال «فما».

................................  فأثبتت الياء في إضافته إلى الظاهر، ولو كان جاريا مجرى (على) لم يفعل به ذلك كما لا يفعل بعلى 1، وفي قول الشاعر إضافة لبي إلى ظاهر، والمعروف إضافته إلى ضمير المخاطب، فشذّت إضافته لبّي إلى ظاهر كما شذت إضافته إلى ضمير الغائب في قول الراجز: 1442 - إنّك لو دعوتني ودوني... زوراء ذات مترع بيون لقلت لبّيه لمن يدعوني 2 وقد يغني عن لبيك لب مفردا مكسورا جعلوه اسم فعل بمعنى أجيب 3، والمحذوف العامل وجوبا، لكونه بدلا من اللفظ بفعل مستعمل في طلب منه مضاف نحو: غفرانك وفَضَرْبَ الرِّقابِ 4، ومنه مفرد وهو أكثر من المضاف وليس مقيسا عند سيبويه مع كثرته 5، وهو عند الفراء والأخفش مقيس 6 بشرط إفراده وتنكيره نحو: [2/ 372] سقيا له ورعيا وجدعا لعدوك وتعسا. ومنه قول الشاعر: 1443 - سقيا لقوم لدنياهم وإن بعدوا... وخيبة للألى وجدانهم عدم 7

................................  ومثله في الأمر: 1444 - فصبرا في مجال الموت صبرا... فما نيل الخلود بمستطاع 1 ومثله في النهي: 1445 - قد زاد حزنك لمّا قيل لا حزنا... حتّى كأنّ الّذي ينهاك يغريكا 2 والوارد منه في خبر إنشائي نحو: حمدا وشكرا لا كفرا وعجبا، وقسما لأفعلن. قال سيبويه: ومما ينتصب فيه المصدر على إضمار الفعل المتروك إظهاره، ولكنه في معنى التعجب، قولك: كرما وصلفا 3 كأنه يقول: أكرمك الله، ثم قال: لأنه صار بدلا من قولك: أكرم به وأصلف 4، قلت: وهذا أيضا مما يتناوله الخبر الإنشائي، وأما الخبر غير الإنشائي فكقولك في وعد من يعز عليك: افعل وكرامة ومسرة 5، وكقولك للمغضوب عليه: لا أفعل ولا كيدا ولا غمّا، ولأفعلن ما يسوءك ورغما وهوانا 6. وأما الوارد في التوبيخ مع استفهام: فكقول الشاعر: 1446 - أذلّا إذا شبّ العدى نار حربهم... وزهوا إذا ما يجنحون إلى السّلم 7

................................  وفي توبيخ دون استفهام: كقول الشاعر: 1447 - خمولا وإهمالا وغيرك مولع... بتثبيت أسباب السّيادة والمجد 1 وقد يفعل هذا من يخاطب نفسه كقول عامر بن الطفيل - لعنه الله -: «أغدّة كغدّة البعير، وموتا في بيت سلوليّة» 2. وقد يقصد بمثل هذا غائب في حكم حاضر كقولك وقد بلغك أن شيخا يكثر اللهو واللعب: ألعبا وقد علاه الشيب.
ومثال الكائن في تفصيل عاقبة طلب: قوله تعالى 3: فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 4. ومثال المفصل به عاقبة خبر: قول الشاعر: 1448 - لأجهدنّ فإمّا درء واقعة... تخشى وإمّا بلوغ السّؤل والأمل 5 ومثال النائب عن خبر اسم عين بتكرير: قول الشاعر: - - والشاهد في قوله: «أذلّا - وزهوا»؛ حيث حذف عامل المصدر وجوبا في الاستفهام التوبيخي، والتقدير: أتذلون ذلّا، وتزهون زهوا؟

................................  1449 - أنا جدّا جدّا ولهوك يزدا... د إذا ما إلى اتّفاق سبيل 1 ومثال النائب بحصر قول الشاعر: 1450 - ألا إنّما المستوجبون تفضّلا... بدارا إلى نيل التّقدم والفضل 2 واشترط كون هذا بتكرير، ليكون أحد اللفظين عوضا من ظهور الفعل، فيثبت بذلك سبب التزام إضمار الفعل، وقام الحصر مقام التكرير؛ لأنه لا يخلو من لفظ يدل عليه، وهو إنما أو إلّا بعد نفي، فجعل ذلك عوضا أيضا، ولأن في الحصر من تقوية المعنى ما يقوم مقام التكرير، واشترط كون المخبر عنه اسم عين؛ لأنه لو كان اسم معنى لكان المصدر خبرا، فيرفع كقولك: جدّك جدّ عظيم، وإنما بدارة بدار حريص، وإذا كان اسم عين لم يصلح جعل المصدر خبرا له إلا على سبيل المجاز، وإذا لم يصلح جعله خبرا تعيّن نصبه بفعل هو الخبر.
فتقدير [2/ 373] أنا جدّا جدّا: أنا أجد جدّا.
وتقدير: إنّما المستوجبون تفضّلا بدارا: إنما المستوجبون تفضلا يبادرون بدارا، ولو عدم الحصر والتكرير لم يلزم الإضمار بل يكون جائزا هو والإظهار 3. ومن المضمر عامله وجوبا: المصدر المؤكد مضمون جملة، فإن كان لا يتطرق إليه احتمال يزول بالمصدر سمي مؤكدا لنفسه؛ لأنه بمنزلة تكرير الجملة، فكأنه نفس الجملة، وكأن الجملة نفسه، وهو كقولك: له عليّ دينار اعترافا، فإن كان مضمون الجملة تطرق إليه احتمال يزول بالمصدر فتصير الجملة به نصّا سمّي مؤكدا لغيره؛ لأنه ليس بمنزلة تكرير الجملة، فهو غيرها لفظا ومعنى، وذلك كقولك: هو -

................................  ابني حقّا، ولا يجوز تقدمهما على الجملة؛ لأن مضمونها يدل على العامل فيها، ولا يتأتى ذلك إلا بعد تمام الجملة 1، وأما قولهم: أجدّك لا تفعل فأجاز فيه أبو علي الفارسي تقديرين: أحدهما: أن يكون لا تفعل في موضع الحال.
والثاني: أن يكون أصله أجدك أن لا تفعل، ثم حذفت أن، وبطل عملها 2. وزعم أبو علي الشلوبين أن فيه معنى القسم، ولذلك قدم 3. ومن الملتزم إضمار ناصبه: المصدر المشبه به بعد جملة مشتملة على معناه، وعلى ما هو فاعل في المعنى، ولا بد من دلالته على الحديث، فمن ذلك قولهم: له دق دقّك بالمنحاز حب المقلقل، وله صوت صوت حمار، ومنه قول الشاعر يصف طعنة: 1451 - لها بعد إسناد الكليم وهدئه... ورنّة من يبكي إذا كان باكيا هدير هدير الثّور ينفض رأسه... يذبّ بروقيه الكلاب الضّواريا 4 فلو لم يكن بعد جملة لم يجز النصب كقولك: دقه دقك بالمنحاز، وصوته صوت حمار، وهديرها هدير الثور، فلو كان بعد جملة تضمنت معنى الحديث دون معنى الفاعل لم يجز النصب إلا على ضعف كقولك فيها صوت صوت حمار، فيجعل صوت حمار بدلا ويضعف النصب؛ لأنه إنما استجيز في: له صوت صوت حمار؛ لأن (له صوت) بمنزلة هو يصوّت، لاشتماله على صاحب الصوت والصوت، فجاز أن يجعل بدلا من اللفظ بصوت مسندا إلى ضمير بخلاف فيها صوت، فإنه لم -

................................  يتضمن إلا الصوت، فلم يحسن أن يجعل بدلا من اللفظ بصوت، ومع ذلك فالنصب جائز على ضعف؛ لأن الكلام الذي قبله وإن لم يتضمن اسم ما هو فاعل في المعنى؛ فكونه جملة متضمنة الصوت كاف، فإنك إذا قلت: فيها صوت، علم أن فيها مصوتا، لاستحالة صوت بلا مصوت، ولو كان المصدر غير دال على حدوث لم يجز النصب كقولك: له ذكاء ذكاء الحكماء؛ لأن نصب صوت وشبهه لم يثبت إلا لكون ما قبله بمنزلة [2/ 374] يفعل مسند إلى الفاعل، فقولك: مررت بزيد وله صوت بمنزلة قولك: مررت به وهو يصوت، فاستقام نصب ما بعده لاستقامة تقدير الفعل في موضعه، وإذا قلت: مررت بزيد، وله ذكاء - فلست تريد أنك مررت به وهو يفعل، لكنك أخبرت عنه بأنه ذو ذكاء، فنزل ذلك منزلة مررت به، وله يد يد أسد، فكما لا ينصب يد أسد، لا ينصب ما هو بمنزلته، فإن عبرت بالذكاء عن عمل دال على الذكاء جاز النصب 1. وإن وقع موقع المصدر المشار إليه صفته ضعف النصب ورجح الإتباع كقولك: له صوت أي صوت، ولو نصب لجاز على تقدير: يصوت أي تصويت، ومنه قول رؤبة بن العجاج: 1452 - قولك أقوالا مع التّحلاف... فيه ازدهاف أيّما ازدهاف 2 ولم يضمن المصدر الذي تضمنته الجملة من إضمار فعل لعدم صلاحية العمل، فإن شرط عمل المصدر إذا لم يكن بدلا من اللفظ بالفعل صلاحية تقديره بحرف مصدري وفعل، والمصدر المشار إليه بخلاف ذلك. فلو تضمنت الجملة ما فيه معنى الفعل والصلاحية للعمل، لكان هو العامل نحو: هو مصوّت تصويت حمار، ومن هذا ونحوه احترزت بقولي: (دون لفظ ولا صلاحية للعمل فيه)، ويلحق بـ «له صوت صوت حمار» قول أبي كبير الهذلي: 1453 - ما إن يمسّ الأرض إلا منكب... منه وحرف السّاق طيّ المحمل 3

................................  ولذلك قال سيبويه بعد إنشاد هذا البيت: صار ما إن يمس بمنزلة له طي، ويجوز في نحو: إنما أنت سيرا، الرفع على أن يجعل المعنى خبرا عن اسم العين مبالغة، ومنه قول الخنساء: 1454 - ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت... فإنّما هي إقبال وإدبار 1 وكذلك يجوز في: له عليّ دينار اعترافا، رفع اعتراف على تقدير: هذا الكلام اعتراف، فإذا استوفيت شروط نصب المشبه به فرفعه على الإتباع جائز، وكذا نصبه على الحال والعامل يبديه أو نحوه.
ومثال رفع المفيد طلبا: قول حسان رضي الله تعالى عنه: 1455 - أهاجيتم حسّان عند ذكائه... فغيّ لأولاد الحماس طويل 2 ومثله: 1456 - يشكو إليّ جملي طول السّرى... صبر جميل فكلانا مبتلى 3 قال سيبويه بعد إنشاد هذا: والنصب أجود وأكثر؛ لأنه يأمره 4. -

................................  ومثال رفع المفيد إنشاء قول الشاعر 1: 1457 - عجب لتلك قضيّة وإقامتي... فيكم على تلك القضيّة أعجب 2 ومثال رفع المفيد خبرا غير إنشائي قول الشاعر يصف أسدا: 1458 - أقام وأقوى ذات يوم وخيبة... لأوّل من يلقى وشرّ ميسّر 3 هذا آخر كلام المصنف 4، وهو كما قال القائل: 1459 - وهو المشيّع بالمسامع إن مضى... وهو المضاعف حسنه إن كرّرا 5 ولنردفه بمباحث: الأول: إن المصنف أطلق القول في جواز حذف عامل المصدر [2/ 375] لقرينة، وقيد -

................................  ذلك في الألفية بأن يكون المصدر غير مؤكد حيث قال: «وحذف عامل المؤكد امتنع» معللا ذلك بأن المؤكد إنما جيء به لتقوية عامله وتقرير معناه 1، والحذف ينافي هذين الأمرين، وهو تعليل ظاهر، وقد رد ابنه الإمام بدر الدين ذلك ردّا فظيعا وقال: قد حذف عامل المؤكد جوازا في نحو: أنت سيرا، ووجوبا في: أنت سيرا سيرا، وفي نحو: سقيا ورعيا.
انتهى 2. وفيما رد به نظر، أما نحو سقيا ورعيا فلا يرد؛ لأن المصدر في مثله جعل بدلا من اللفظ بالعامل، فذكر العامل معه مناف للمقصود به، ثم لا نسلم أنه حينئذ مؤكد لعامله، والدليل على أنه غير مؤكد أنه إذا وقع بعده معمول نحو: ضربا زيدا، كان معمولا له لا للعامل المحذوف على المذهب الصحيح، وإذا كان عاملا انتفى كونه مؤكدا؛ لأن النحاة نصوا على أن المؤكد لا يعمل 3، وأما نحو: أنت سيرا سيرا، فلاشك أن التكرير فيه قائم مقام العامل، وإذا كان كذلك فالعامل في حكم الموجود لفظا، فكأنه لم يحذف 4. وأما نحو: أنت سيرا فهو صورة مخصصة لعموم قوله: عامل المؤكد لا يحذف، ثم لك أن تفرق بين الصورتين، وهما ضربت ضربا، وأنت سيرا؛ حيث امتنع في الأولى، وجاز في الثانية بأن تقول: تقدير الفعل في نحو: أنت سيرا متعين متحتم لازم لا محيد عنه من أجل أن اسم العين الذي هو المبتدأ لا بد له من خبر، واسم المعنى لا يخبر به عن اسم العين، فجعل تحتم التقدير لصحة المعنى في قوة الموجود المنطوق به.
الثاني: استفيد من كلام المصنف أن المصدر المنصوب بفعل مهمل بالنسبة إلى استعماله مضافا وغير مضاف أربعة أقسام: ما هو مفرد: أي لا يستعمل مضافا وذلك كأفّة وتفّة وذفرا وبهرا، والأفة في الأصل ريح الأذن، والتفة وسخ الأظفار، وما هو مضاف: أي لا يقطع عن الإضافة وهذا قسمان: مفرد ومثنى.
-

................................  فالمفرد: بله نحو: بله الأكف، وقعدك الله في القسم، وسبحانك وسلامك، إلا أن سبحان قد يقطع عن الإضافة قليلا كما ذكر.
والمثنى نحو: لبيك 1. وما يستعمل مضافا وغير مضاف: نحو: ويح وويب وويس وويل وعول 2، وأن المصدر المنصوب بفعل مستعمل منه مضاف كغفرانك، وفَضَرْبَ الرِّقابِ 3. وغير مضاف وهو أكثر من المضاف كسقيا ورعيا.
هذا في الطلب، وكذلك في الخبر كما ستأتي أمثلته، والويل الفضيحة، والحيرة والويب في معناه، وانتصاب ويح وويل مع الإضافة لا شك فيه، أما إذا أفردا [2/ 376] عن الإضافة، فالذي فهم من كلام المصنف المتقدم أن كلمة ويل ترفع؛ لأنه لما مثل بها غير مضافة قال: ويح له، وأن كلمة ويل يجوز فيها النصب، لكنه أقل من الرفع؛ لأنه مثل بقوله: ويل له، ثم قال: وقد يفرد (ويل) منصوبا كقول القائل: 1460 - فويلا لتيم من سرابيلها الخضر 4 وكذا يقتضيه كلام غيره، وقال ابن أبي الربيع: تبّا لك التزم نصبه، وويح لك التزم رفعه، وويل لك فيه الوجهان، وقال: ولو قسنا لساوياه، لكن لا يتعدى السماع 5، ثم قال: وإن عطفت ويحا على تب نصبته ولا يجوز رفعه؛ لأنه لا خبر له.
وإن عطفت تبّا على ويح فكحاله قبل العطف، وتكون قد عطفت جملة فعلية على جملة اسمية لتساويهما في المعنى، وتقول: تبّا له وويح له؛ فلا يكون في ويح إلا الرفع كحاله قبل العطف 6. انتهى.
وحاصله: أن ويحا إذا أفرد عن الإضافة يرفع أبدا إلا إذا عطفته على قولك: تبّا له فقلت: تبّا له وويحا، فإنك تنصبه، إلا إذا ذكر خبره، فإنك ترفعه، نحو: تبّا له وويح، وهو كلام محرر، لكن في شرح الشيخ وربما نقله عن ابن عصفور: أنك -

................................  إذا عطفت (تبّا) على قولك: ويح له، جاز رفعه فتقول: ويح له وتب 1، وهذا مخالف لما قاله ابن أبي الربيع وغيره، وذكر عن المازني أنه يمنع هذا العطف، ويقول: كيف يتصور أن يكون مدعوّا له وعليه في خبر واحد، وذلك أن معنى «تبّا له» خسران له، ومعنى «ويح له»: رحمة له، وخرج الناس هذا على وجهين: أحدهما: أن قولك: ويح له ليس بدعاء كما في: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ 2. فمعنى تبّا له وويح له خسران له، وهو لكونه ذا خسران يجب أن يقال فيه: رحمة له. الثاني: أن يكون تبّا له دعاء له على حد: قاتله الله ما أشعره! ويذكر عن الجرمي منع هذا الباب جملة، قال: لأنه يؤدي إلى أن يرفع ما شأنه النصب، وينصب ما شأنه الرفع 3. وبعد؛ فلم يتحرر لي الكلام في صور هذا الفصل وأطلت النظر في شرح الشيخ، فلم ينضبط لي ما قاله؛ لعدم تطابق منقولاته عن النحاة. المبحث الثالث: هذه المصادر إذا عرفت باللام فالنصب فيها جائز كما كان، لكن الرفع حينئذ أحسن من النصب؛ ولهذا كان الجمهور على قراءة الحمد لله رب العالمين 4 بالرفع 5. قال سيبويه: وإنما استحبّوا الرفع؛ لأنه صار معرفة، وهو خبر، فقوي في الابتداء بمنزلة عبد الله والرجل، وهو في رفعه بمنزلة رفع العمدة من معنى الفعل، وما بعده خبر 6. انتهى. والحكم في المصدر المفرد من اللام بالعكس، فالنصب فيه الوجه، ولا يقال الرفع إلا سماعا كقول الشاعر: 1461 - عجب لتلك قضيّة وإقامتي... فيكم على تلك القضيّة أعجب 7

................................  [2/ 377] ثم إن إدخال (أل) ليس مطردا في جميع المصادر، وإنما هو سماع 1، قال سيبويه: ليس كل حرف يدخل فيه (أل) من هذا الباب، لو قلت: السّقي لك والرعي 2 لم يجز. انتهى. ولكن الفراء والجرمي أجازا ذلك قياسا 3. المبحث الرابع: جعل المصنف غفرانك بدلا من اللفظ بفعله المستعمل، لكنه لم يذكر الفعل الناصب ما هو، وقد اختلف فيه: فقيل: إنه (اغفر) والتقدير: اغفر غفرانك 4، فعلى هذا الجملة طلبية، وقال الزمخشري: يقال: غفرانك لا كفرانك أي: نستغفرك ولا نكفرك 5، وعلى هذا الجملة خبرية، وأجاز بعضهم أن ينتصب على المفعول به 6 أي نسأل غفرانك وهو غير ظاهر؛ لأنه لو كان مفعولا به، لم يكن حذف عامله واجبا، ولكن قد اضطرب كلام ابن عصفور، فتارة أوجب إضمار عامله 7 وتارة أجاز إظهاره 8، فيمكن أن يقال: إنه إنما أجاز الأمرين باعتبارين، فحيث جعله مصدرا، أوجب حذف العامل، وحيث جعله مفعولا به أجاز إظهاره، ثم قد علمت أن المصنف لما ذكر المحذوف عامله وجوبا في الأمر، ومثله بقول القائل: 1462 - فصبرا في مجال الموت صبرا (9) قال: ومثله في النهي: 1463 - قد زاد حزنك لمّا قيل لا حزنا 9

جارٍ التحميل