الباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبر
................................
وليس الحين حين مناص ولا بدّ من تقدير المحذوف معرفة لأن المراد نفي كون الحين الحاضر حينا ينوصون فيها أي يهربون أو يتأخرون.
[2/ 65] وليس المراد نفي جنس حين المناص ولذلك كان رفع الحين الموجود شاذّا لأنّه محوج إلى تكلّف مقدّر يستقيم به المغنى مثل أن يقال: معناه ليس حين مناص موجودا لهم عند تناويهم ونزول ما نزل بهم إذ قد كان لهم قبل ذلك حين مناص فلا يصحّ نفس جنسه مطلقا بل مقيّدا» انتهى 1.
وقد نبه على شذوذ رفع الحين بقوله: مقتصرا على منصوبها بكثرة وعلى مرفوعها بقلّة.
وأشار بقوله: أو مرادفه إلى قول رجل من طيئ:
819 - قدم البغاة ولات ساعة مندم... والبغي مرتع مبتغيه وخيم 2
وإلى قول الآخر:
820 - طلبوا صلحنا ولات أوان... فأجبنا أن ليس حين بقاء 3
أي ليس الأوان أوان صلح فحذف المضاف إليه أوان ونوى الثبوت وبني كما -
................................ فعل بقبل وبعد إلا أن أوانا لشبهه بنزال وزنا بني على الكسر ونوّن اضطرارا. وأما قول المصنف: وقد يضاف إليها حين لفظا أو تقديرا، فأشار به إلى قول الشاعر: 821 - لعلّ حلومكم تأوي إليكم... إذا شمّرت واضّطرمت شذاتي وذلك حين لات أوان حلم... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي 1 فهذا مثال الإضافة إليها لفظا. ومثال الإضافة إليها تقديرا: قول الآخر: 822 - تذكّر حبّ ليلى لات حينا... وأمسى الشّيب قد قطع القرينا 2 أي حب ليلى حين لات حينا. واعلم أن في عبارة المصنف نظرا: فإن حينا لم يضف إلى لات إذ الحروف لا يضاف إليها وإنما أضيفت حين الملفوظ بها والمقدرة إلى الجملة التي باشرتها لات بأسرها ولا ريب في أن أسماء الزمان تضاف إلى الجمل. وأما قوله: وربّما استغني مع التّقدير عن لا بالتاء فأشار به إلى قول الشاعر: 823 - العاطفون تحين ما من عاطف... والمسبغون يدا إذا ما أنعموا 3
................................
أراد العاطفون حين لات حين ما من عاطف فحذف حين مع لا.
قال المصنف 1: «وهذا أولى من قول من قال: إنه أراد العاطفونه بهاء السكت ثم أثبتها وأبدلها تاء».
قال الشيخ 2: «وتخريج البيت على ما ذكره المصنّف لا يتعقّل لأنه يكون المعنى: هم العاطفون وقت ليس الحين حين ليس ثمّ عاطف».
قال: «وأحسن منه التخريج الثّاني وهو أنّ التّاء هاء السّكت وهو أولى أيضا من زعم من زعم أن التّاء زيدت على حين» انتهى.
ولا يخفى ضعف دعوى الزيادة بالنسبة إلى هذا الحرف في هذا المحل 3.
وأما قوله: وتهمل لات على الأصحّ إن وليها هنّا فأشار به إلى قول الشاعر:
824 - حنّت نوار ولات هنّا حنّت... وبدا الّذي كانت نوار أجنّت 4
[2/ 66] قال في شرح الكافية 5: «للنّحويين في لات يعني في هذا البيت مذهبان:
أحدهما: أن لات مهملة لا اسم لها ولا خبر وهنا في موضع نصب على الظّرفيّة - - به ابن الطراوة على أن لات أصلها لا فقط والتاء زائدة في لفظ الحين.
وأما ابن مالك فيستشهد به هنا على أنه قد تضاف حين إلى لات وتكون حين مقدرة وتكون لات محذوفا منها لا، وتبقى التاء وحدها ورده أبو حيان واختار رأيا آخر ورد الشارح دعوى زيادة التاء سواء على رأي ابن الطراوة أو ما اختاره أبو حيان وتفصيل الكلام في الشرح.
................................
لأنه إشارة إلى زمان.
وحفت مع أن مقدرة قبلها في موضع رفع بالابتداء والتقدير حنّت نوار ولات هنالك حنين وهذا توجيه الفارسيّ 1.
والوجه الثاني: أن يكون هنا اسم لا وحنت خبرها على حذف مضاف والتقدير: وليس ذلك الوقت وقت حنين.
وهذا الوجه ضعيف لأن فيه إخراج هنّا عن الظّرفيّة وهو من الظّروف التي لا تنصرف، وفيه أيضا إعمال لات في معرفة ظاهرة وإنّما تعمل في نكرة وهو اختيار ابن عصفور» 2. انتهى 3.
وقد اعترف الشيخ بأن الذي رد به المصنف على ابن عصفور رد صحيح وقال:
«وقد جاءت لات غير مضاف إليها حين ولا مذكور بعدها حين ولا ما رادفه في قول الأفوه الأودي:
825 - ترك النّاس لنا أكتافهم... وتولّوا لات لم يغن الفرار 4
وهذا يدلّ على أن لات لا تعمل وإنّما هي في هذا البيت حرف نفي مؤكّد بحرف النّفي الذي هو لم ولو كانت عاملة لم يجز حذف الجزأين بعدها كما لا يحذفان بعد ما ولا العاملتين عمل ليس» 5.
[إهمال ليس في لغة تميم]
قال ابن مالك: (ورفع ما بعد إلّا في نحو: «ليس الطّيب إلّا المسك» لغة تميم ولا ضمير في ليس خلافا لأبي عليّ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: «روى أبو عمرو بن العلاء في نحو «ليس الطّيب إلّا المسك» «وليس البرّ إلّا العمل الصّالح» النصب عن الحجازيين والرفع عن بني تميم.
وأما النصب فعلى ما تستحقه ليس من رفع الاسم
ونصب الخبر.
وأما الرفع فعلى إهمال ليس وجعلها حرفا، وقد أشار سيبويه إلى جواز ذلك 2 وأجاز في قول من قال: «ليس خلق الله أشعر منه» كون ليس فعلا متحملا ضمير الشأن اسما وكونها حرفا مهملا 3.
واضطرب قول أبي عليّ في ليس فرجح في بعض تصانيفه حرفيتها مع ظهور عملها والتزم في موضع آخر فعليتها وإلغاء عملها في نحو: ليس الطيب إلّا المسك وذهب إلى أنها متحملة ضمير الشأن اسما وما بعد ذلك خبرها 4.
وما ذهب إليه غير صحيح؛ لأن الجملة المخبر بها عن ضمير الشأن في حكم المفرد هو المخبر عنه في المعنى ولذلك استغنى عن عود ضمير منها إلى صاحب الخبر فإذا قصد إيجابها بإلا لزم تقدمها على جزئيها وامتنع توسطها كما يمتنع توسطها من جزئي خبر مفرد قصد إيجابه فلو كان اسم ليس في «ليس الطّيب إلا المسك» ضمير الشأن؛ لزم أن يقال ليس إلا الطيب المسك، كما يلزم أن يقال في كلامي -
................................
زيد قائم عند قصد حصر الخبر ليس كلامي إلا زيد قائم ولو وسطت إلا، فقيل:
«ليس كلامي زيد إلا قائم» لم يجز فكذا لا يجوز ليس الطيب إلا المسك على تقدير ليس الشأن الطيب إلا المسك بل الواجب إذا قصد الحصر في خبر ضمير الشأن أن يجاء بإلا مقدمة على جزئي [2/ 67] الجملة كما قال الشاعر:
826 - ألا ليس إلّا ما قضى الله كائن... وما يستطيع المرء نفعا ولا ضرّا 1
ويمكن في ليس الطيب إلا المسك إبقاء العمل على وجه لا محذور فيه وهو أن يجعل الطيب اسم ليس والمسك بدل منه، والخبر محذوف، والتقدير: «ليس الطيب في الوجود إلا المسك».
ويكون الاستغناء هنا بالبدل عن الخبر كالاستغناء به في نحو:
827 - لا سيف إلّا ذو الفقا... ر ولا فتى إلّا علي 2
انتهى 3.
«وذكر ابن السيد أن هذه المسألة جرت بين أبي عمر عيسى بن عمر الثقفي وأبي عمرو بن العلاء وكان عيسى ينكر الرفع، وأبو عمرو يجيزه، فاجتمعا فقال له عيسى في ذلك، فقال له أبو عمرو: نمت يا أبا عمرو وأدلج الناس.
ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب ولا تميمي إلا وهو يرفع، ثم وجه أبو عمرو خلف الأحمر وأبا محمد اليزيدي إلى بعض الحجازيين وجهدا أن يلقناه الرفع فلم يفعل وإلى بعض -
................................
التميميين وجهدا أن يلقناه النصب فلم يفعل ثم رجعا وأخبرا بذلك عيسى وأبا عمرو، فأخرج عيسى خاتمه من إصبعه ورمى به إلى أبي عمرو وقال هو لك، بهذا فقت الناس».
انتهى 1.
وكما أن الحجازيين أعملوا ما إعمال ليس إذا لم ينتقض النفي؛ كذلك التميميون أهملوا ليس إذا انتقض النفي حملا على ما.
وإذا ثبت أن هذا لغة لقوم وهم ينو تميم لم يتجه تأويل أبي علي 2.
وقد اعتذر عنه بأنه لم يبلغه - والله أعلم - نقل أبي عمرو أن ذلك لغة تميم.
وقد استشعر أبو علي هذا الإيراد الذي أورد عليه وأنه لو كان في ليس ضمير الشأن لكان يقال: ليس إلّا الطيب المسك فقال: إن إلا دخلت في غير موضعها ونظير ذلك قوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا 3 وقال الشاعر:
828 - أحلّ به الشّيب أثقاله... وما اغترّه الشّيب إلّا اغترارا 4
إذ من المعلوم أنه لا يظن غير الظن ولا يغتر الشيب إلا اغترارا وإذا كان كذلك فالمعنى: إن نحن إلا نظن ظنّا وما اغتره إلا الشيب اغترارا.
-
................................
واعلم أن هذا الاستثناء مفرغ وهم قد نصوا على أن التاريخ يصح بالنسبة إلى جميع المعمولات، إلا المصدر المؤكد فإنه لا يجوز التفريغ بالنسبة إليه إذ لا فائدة في ذلك.
وأجيب عن ذلك: بأننا نجعل المصدر في الآية الشريفة والبيت مبينا وذلك بأن نقدر صفة محذوفة لفهم المعنى،
والتقدير: إن نظنّ إلّا ظنّا ضعيفا وإلّا اغترارا بيّنا.
فبهذا الجواب الذي أجيب به هنا يجاب به عن قول أبي علي: إنّ إلّا وقعت في غير موقعها.
قالوا: وهذا أولى لأنه قد ثبت حذف الصفة لفهم المعنى ولم يثبت وضع إلا في غير موضعها.
والوجه الآخر الذي ذكره المصنف 1 قد ذكره ابن عصفور عن أبي علي أيضا 2.
وذكر عنه وجها ثالثا وهو: أن يكون إلا المسك نعتا للطيب والخبر محذوف كأنه قال: ليس الطيب الذي هو غير المسك طيبا في الوجود حقيقة.
قالوا: وحذف خبر ليس لفهم المعنى قد يجيء قليلا نحو قوله:
829 - لهفي عليك للهفة من خائف... يبغي جوارك حين ليس مجير 3
[2/ 68] يريد ليس في الدنيا مجير 4.
ولا شك أن كون ذلك لغة التميمين يبطل هذه التأويلات.
[حكم النفي بليس وما]
قال ابن مالك: (ولا تلزم حاليّة المنفي بليس و «ما» على الأصحّ).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: زعم قوم من النحويين أن ليس وما مخصوصان بنفي ما في الحال والصحيح أنهما ينفيان ما في الحال وما في المضي وما في الاستقبال وقد تنبه أبو موسى الجزولي إلى ذلك، فقال
في كتابه المسمى بالقانون 2: «وليس لانتفاء الصّفة عن الموصوف مطلقا».
قال أبو علي الشلوبين: «قال أبو موسى ذلك، وإن كان الأشهر عند النّحويين أن ليس إنّما هي لانقضاء الصّفة عن الموصوف في الحال لأن سيبويه حكى:
ليس خلق الله مثله وأجاز 3 ما زيد ضربته على أن تكون ما حجازيّة».
ثم بين الشلوبين أن مراد القائلين إن ليس لانتفاء الصفة في الحال إذا لم يكن مخصوصا بزمان دون زمان ونفي بليس فإنه يحمل نفيها على الحال كما يحمل الإيجاب عليه أيضا، فإن اقترن الخبر بالزمان أو ما يدل عليه فهو بحسب المقترن به موجودا كان أو منفيّا بليس 4.
ثم قال المصنف: «وقد ورد استقبال المنفي بليس في القرآن العزيز وأشعار العرب كثيرا وكذا ورد استقبال المنفي بما.
فمن استقبال المنفي بليس: قوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ 5.
وقوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ 6 وقوله تعالى: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ 7 ومنه قول حسان: -
................................ 830 - وما مثله فيهم ولا كان قبله... وليس يكون الدّهر مادام يذبل 1 وقول زهير: 831 - بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى... ولا سابقا شيئا إذا كان جائيا 2 وقول الآخر: 832 - إنّي على العهد لست أنقضه... ما اخضرّ في رأس نخلة سعف 3 ومثله: 833 - ولست بمستبق أخا لا تلمّه... على شعث أيّ الرّجال المهذّب 4
................................ ومثله أيضا: 834 - هوّن عليك فإن الأمور... بكفّ الإله مقاديرها فليس يآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها 1 [2/ 69] ومثله قول الآخر: 835 - ولست لما لم يقضه الله واجدا... ولا واجدا ما الله حمّ وقدّرا 2 ومن استقبال المنفي بما: قول الله تعالى: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ 3. وقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ 4. وقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها 5. وقوله تعالى: لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ 6، وقوله: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (15) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ 7. ومن ورود ذلك في غير القرآن العزيز قول الشّاعر: 836 - وما الدّنيا بباقية لحيّ... ولا أحد على الدّنيا بباق 8
[زيادة الباء في الخبر المنفي]
قال ابن مالك: (وتزاد الباء كثيرا في الخبر المنفي بليس وما أختها، وقد تزاد بعد نفي فعل ناسخ للابتداء، وبعد «أو لم يروا أنّ» وشبهه وبعد لا التّبرئة وهل وما المكفوفة بإن والتّميمية خلافا لأبي علي والزّمخشري، وربّما زيدت في الحال المنفية وخبر إنّ ولكنّ).
وقول امرئ القيس:
837 - وما المرء ما دامت حشاشة نفسه... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل 1
وشواهد ذلك شائعة ذائعة».
انتهى 2.
وقد تقدم ما نقله عن الشلوبين من أن مراد القائلين: «أنّ ليس لانتفاء الصّفة في الحال» إذا لم تكن مخصوصة بزمان دون زمان ونفي بليس فإنه يحمل نفيها على الحال وإذا كان كذلك فلا مخالفة بين المصنف وغيره من النحويين القائلين بذلك لأنهم يجيبون عما استدل به المصنف بأن القرائن صرفت ليس وما عن أن يراد بنفيهما الحال وهم إنما يريدون الحالية إذا لم تكن قرينة تصرف إلى غير الحال.
قال ناظر الجيش: ذكر أن الباء تزاد في الأخبار المنفية لفظا أو معنى في مواضع وفي الحال المنفية:
فأما زيادتها في الأخبار المنفية: فقد يكون كثيرا وقد يكون قليلا وقد يكون نادرا، -
................................ وأما زيادتها في الحال المنفية فنادر. فأما الكثير من الأخبار: فخبر ليس وما فمثال ذلك في ليس قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ 1. ومثاله في قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 2. قال المصنف: «وقلت في الخبر المنفي ولم أقل في خبر ليس ليعلم أن الخبر [2/ 70] الموجب بعد ليس وغيرها لا تدخله الباء». انتهى 3. وأما القليل ففي مواضع، منها: خبر فعل ناسخ منفي، كقول الشاعر: 838 - وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل 4 ومثله قول الآخر: 839 - دعاني أخي والخيل بيني وبينه... فلمّا دعاني لم يجدني بقعدد 5
................................ ومنها: خبر إن المسبوقة بأو لم يروا: كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ 1. وهذا من إجراء الشيء في معناه لأن معنى: أو لم يروا الله أو ليس الله. ومنها: خبر لا التبرئة، ومنه قول العرب: لا خير بخير بعده النّار، إذا لم تجعل الباء بمعنى في. ومنها: خبر المبتدأ الواقع بعد هل، كقول الشاعر: 840 - يقول إذا اقللول عليها وأقردت... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم 2 والخبر هنا معنى لا لفظا. ومنها: خبر المبتدأ الواقع بعد ما المكفوفة بإن، كقول الشاعر: 841 - لعمرك ما إن أبو مالك... بواه ولا بضعيف قواه 3 ومنها خبر المبتدأ الواقع بعد ما التميمية: كقول الفرزدق: 842 - لعمرك ما معن بتارك حقّه... ولا منسئ معن ولا متيسّر 4
................................
وزعم أبو علي أن دخول الباء على الخبر بعدها مخصوص بلغة أهل الحجاز 1.
وتبعه في ذلك الزمخشري 2، قال المصنف: «والأمر بخلاف ما زعماه لوجوه 3.
أحدها: أن أشعار بني تميم تتضمن الباء كثيرا بعد ما كقول الفرزدق المتقدم.
الثاني: أن الباء إنما دخلت على الخبر بعد ما لكونه منفيّا لا لكونه خبرا منصوبا، ولذلك دخلت على خبر لم أكن، وامتنع دخولها على خبر كنت وإذا ثبت كون المسوغ لدخولها النفي فلا فرق بين منفي منصوب المحل ومنفي مرفوع المحل.
الثالث: أن الباء المذكورة قد ثبت دخولها بعد بطلان العمل بإن وبعد هل كقوله: بواه ولا بضعيف قواه وقوله: «ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم».
وإنما دخلت على الخبر بعد هل لشبه هل بحرف نفي فلأن تدخل بعد ما التميمية أحق وأولى لأن شبه ما بها 4 أكمل من شبه هل بما.
[2/ 71] وقد حكى الفراء 5 أن أهل نجد كثيرا ما يجرون الخبر بعد ما بالباء فإذا أسقطوا الباء رفعوا، فهذا دليل واضح على أن وجود الباء جارة للخبر بعد ما لا يلزم - - المعنى: يهجو الشاعر معنا بأنه رجل شديد لا يترك حقه ولا يتساهل مع الذين يتعاملون معه ولا يمهل صاحب الدين وقتا في سداد دينه حتى يتيسر.
الشاهد فيه: زيادة الباء في خبر ما التميمية، وإنما كانت ما تميمية هنا لأن الشعر للفرزدق وهو تميمي، وفي البيت شاهد آخر سيأتي.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 383)، وفي التذييل والتكميل (4/ 322)، وفي معجم الشواهد (ص 153).
................................
منه كون الخبر منصوب المحل بل جائز أن يقال هو منصوب المحل وأن يقال هو مرفوع المحل وإن كان المتكلم حجازيّا فإن الحجازي قد يتكلم بلغة غيره وغيره قد يتكلم بلغته إلا أن الظاهر أن محل المجرور نصب إن كان المتكلم حجازيّا ورفع إن كان المتكلم تميميّا أو نجديّا.
فمن دخول اللغة الحجازية في التميمية كسر هاء الغائب بعد كسره أو ياء ساكنة وإدغام نحو: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ 1 ورفع الله من قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ 2 لأن اللغة الحجازية: به وفيه بالضم 3 ولا يضار بالفلك وإلا الله بالنصب لأن الاستثناء منقطع، وإذا جاز للحجازي أن يتكلم باللغة التميمية جاز للتميمي أن يتكلم باللغة الحجازية بل التميمي أولى بذلك لوجهين 4:
أحدهما: أن الحجازية أفصح وانقياد غير الأفصح 5 لموافقة الأفصح أكثر وقوعا من العكس.
الثاني: أن معظم القرآن العزيز حجازي والتميمون متعبدون بتلاوته كما أنزل ولذلك لا يقرأ منهم: ما هذا بشر 6 بالرفع إلا من جهل كونه منزلا بالنصب.
وأما النادر ففي مكانين: خبر إن، كقول امرئ القيس:
843 - فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها... فإنّك ممّا أحدثت بالمجرّب 7
وخبر لكن كقول الشاعر: -
................................
844 - ولكنّ أجرا لو فعلت بهيّن... وهل ينكر المعروف في النّاس والأجر 1
وأما زيادتها في الحال المنفية: فكقول الشاعر:
845 - فما رجعت بخائبة ركاب... حكيم بن المسيّب منتهاها 2
وكقول الآخر:
846 - كائن دعيت إلى بأساء داهمة... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل 3
انتهى.
وأما قول المصنف: وشبهه، فمراده به شبه أو لم يروا، ولم يمثل له المصنف - - والبيت في شرح التسهيل (1/ 385)، وفي التذييل والتكميل (3/ 178)، (4/ 314) وقد استشهد به أبو حيان أولا على تقدم معمول صلة الموصول بالألف واللام وليس الموصول مجرورا بفي ومن هنا وجب تقدير متعلق محذوف أي فإنك مجرب مما أحدثت بالمجرب.
والبيت في معجم الشواهد (ص 53).
[العطف على توهم زيادة الباء]
قال ابن مالك: (وقد يجرّ المعطوف على الخبر الصّالح للباء مع سقوطها ويندر ذلك بعد غير ليس وما، وقد يفعل ذلك في العطف على منصوب اسم الفاعل المتّصل).
بشيء ولا الشيخ أيضا وكأنه لم يحقق له مثالا.
وللكوفيين تفصيل في الخبر المنفي من كونه ظرفا أو مجرورا أو غيرهما بالنسبة إلى دخول الباء وعدم دخولها لا يجدي طائلا فتركت ذكره خوف الإطالة 1 [2/ 72].
وقال الشيخ: «أطلق المصنّف في خبر ليس وكان ينبغي أن يقيّد فيقول: إلّا الواقع في الاستثناء نحو قام القوم ليس زيدا فلا يجوز ليس بزيد».
انتهى 2.
والحق أن ليس في الاستثناء قائمة مقام إلا فالمخرج بعدها كالمخرج بعد إلا والمخرج بعد إلا لا يقال فيه منفي بالاصطلاح النحوي، بل هو مخرج مما قبله، فكذلك المخرج بليس، لا يقال إنه منفي اصطلاحا، وإذا لم يكن منفيّا اصطلاحا لا يرد على المصنف لأنه إنما حكم بجواز زيادة الباء في الخبر المنفي بليس، والغرض أن هذا ليس بمنفي كما ذكرنا 3.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «لما كثر دخول الباء على خبر ليس وخبر ما جاز للمتكلم أن يجر المعطوف بعدهما على الخبر المنصوب كقول الشاعر:
847 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... وغلا ناعب إلّا ببين غرابها 4
-
- والبيت ليس في معجم الشواهد.
................................
وقال آخر في جر المعطوف على المنصوب بما.
848 - ما الحازم الشّهم مقداما ولا بطل... إن لم يكن للهوى بالفعل غلّابا 1
فكأنه قال: ما الحازم بمقدام ولا بطل.
وقد عومل بهذه المعاملة المعطوف على منصوب كان المنفية كقول الشاعر:
849 - وما كنت ذا نيرب فيهمو... ولا منمش فيهمو منمل 2
وإلى ذلك أشرت بقولي: ويندر ذلك بعد خبر غير ليس وما.
فجر منمشا على منصوب كان المنفية لشبهه بمنصوب ليس في صلاحيته للباء حتى كأنه قيل: وما كنت بذي نيرب ولا منمش.
والنّيرب: النميمة: والمنمش: المفسد ذات البين والمنمل: الكثير النميمة.
ونبّهت بقولي: الصّالح للباء على أن المعطوف على خبر لا يصلح للبناء لا يجوز جره نحو: لست تفعل ولا مقاربا.
وقد يجر المعطوف على منصوب اسم الفاعل كقول امرئ القيس:
850 - فظلّ طهاة اللّحم من بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجّل 3
-
- بينهما خلافات إلا نعب غراب هذه العشيرة بالفراق والبين.
والشاهد في قوله: ولا ناعب حيث جاء مجرورا عطفا على مصلحين على توهم زيادة الباء فيه لأنه خبر ليس، وهو تزاد فيه الباء كثيرا كما استشهد به ابن جني في الخصائص (2/ 354) على أن مراجعة الأصل وهو جر خبر ليس أولى وأجدر.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 385)، والتذييل والتكميل (4/ 315)، ومعجم الشواهد (ص 43).
- بينهما خلافات إلا نعب غراب هذه العشيرة بالفراق والبين.
................................
لأن المنصوب باسم الفاعل يجر كثيرا بإضافته إليه فكأنه إذا انتصب مجرور.
وجواز جر المعطوف على منصوب اسم الفاعل مشروط بالاتصال كاتّصال منضج بالمنصوب؛ فلو كان منفصلا لم يجز الجر نحو: أن يقال من بين منضج بالنار صفيف شواء لأن الانفصال يزيل تصور الإضافة المقتضية للجر، كذلك لا يجوز جر المعطوف مع انفصال اسم الفاعل من معموله.
انتهى.
ثم ها هنا أمور:
الأول: قال الشيخ 1: «يظهر من المصنف أن ما ذكره يطرد، وفي ذلك خلاف: ذهب عامة النّحويين إلى أنه لا يجوز ذلك وما ورد منه فهو محمول على التّوهّم، والعطف على التوهم عندهم لا ينقاس.
قال: ووجدت بخط أستاذنا أبي جعفر بن الزبير 2 ما نصه:
إذا عطفت على الخبر وكان حرف العطف غير موجب والخبر منصوب نصبت - - (ص 22).
المفردات: الطّهاة: جمع طاه وهو الطباخ.
منضج: اسم فاعل من أنضج اللحم إذا أحكم شيه.
صفيف: الصفيف من اللحم: ما صفّ على الجمر ليشوى.
الشّواء: اللحم المشوي على الجمر.
القدير: ما طبخ من اللحم في القدر.
المعجّل: السريع.
والشاعر يصف مأدبة طعام للحم صيد وأن الطهاة صنفوا اللحم صنفين: مشوي ومطبوخ.
والشاهد فيه قوله: أو قدير حيث عطف بالجر على صفيف والمعطوف عليه وإن كان منصوبا إلا أنه توهم فيه الجر لأنه معمول اسم الفاعل، وذلك المعمول كثيرا ما يضاف إليه العامل.
وسيأتي كلام لأبي حيان في البيت وردّ عليه من الشارح.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 386)، والتذييل والتكميل (4/ 318)، ومعجم الشواهد (ص 305).
................................ وحكى سيبويه الخفض على التّوهّم وجعله الفرّاء قياسا» انتهى 1. ولا أعلم من أين ظهر للشيخ الاطراد من كلام المصنف بل ظاهر كلام المصنف أنه لا يطرد لأنه أتى فيه بقد المشعر بالتقليل حيث قال [2/ 73]: وقد يجرّ المعطوف. الثاني: لا شك أن جر المعطوف على الخبر المنصوب فيما ذكر من باب العطف على التوهم 2. وجعل الشيخ من العطف على التوهم قول الشاعر: 851 - أجدّك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا ولا متدارك واللّيل طفل... ببعض نواشغ الوادي حمولا 3 وقال الآخر: 852 - تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة... بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد 4
................................
قال: توهم أنه قال: مكان لن ترى لست براء ومكان لم يكثّر: ليس بمكثّر 1.
وقبل الوقوف على كلام الشيخ كان في ظني أن الذي في هذه الأبيات من العطف على المعنى وأن العطف على المعنى غير العطف على التوهم وذلك أن العطف على التوهم ليس فيه إلا أن يتوهم أن المعطوف عليه على حالة يصح اتصافه بها دون تأويل في الكلام كما ترى في عطف (ولا ناعب) على مصلحين فإنه إنما جر لتوهم أن الشاعر قال: بمصلحين من حيث أن المحل صالح للباء.
وأما العطف على المعنى فلا بد فيه من تأويل الكلام المعطوف على بعضه بكلام آخر يصح معه العطف كما رأيت من تأويل: لم تر بلست براء وتأويل: لم يكثر بليس بمكثر.
هكذا كنت أظن والشيخ قد جعل ما في الأبيات المذكورة من العطف على التوهم ولا يمتنع أن يقال: توهّم قائل لم تر أنّه قال: لست براء وقائل: لم يكثّر أنه قال: ليس بمكثّر 2.
لكن قد وقع في عبارات النحويين أن ما وقع في نحو هذه الأبيات عطف على المعنى أي على الكلام لا على لفظه ولم يقولوا في نحو ولا ناعب بعد ليسوا مصلحين أنه عطف على المعنى بل قالوا: عطف على التّوهّم 3، على أنه لا يتحقق فيه أنه عطف على المعنى إنما هو عطف على المعنى إنما هو عطف على اللفظ باعتبار صفة يصح تلبسه بها.
الأمر الثالث: العطف بالجر على منصوب اسم الفاعل المتصل من العطف على التوهم أيضا لا من العطف على المحل لأن هذا المحل بحق الفرعية لا بحق الأصالة - - المعنى: أن هرما رجل عظيم متخلق بالأخلاق الحسنة لم يظلم قريبا ولم يسئ إلى أحد.
والشاهد فيه قوله: ولا بحقلّد: حيث جاء بالجر عطفا على قوله: لم يكثر على توهم أنه قال: ليس بمكثر.
والبيت في التذييل والتكميل (4/ 317) وفي معجم الشواهد (ص 111).
................................
كما ستعرفه في مكانه إن شاء الله تعالى.
ويدل على أنه على التوهم قول المصنف:
لأنّ المنصوب باسم الفاعل يجرّ كثيرا بإضافته إليه فكأنّه إذا انتصب مجرور، وإنما ذكر هذه المسالة في هذا الباب استطرادا لأنه ذكر ما شأنه شأنها.
والمغاربة لا يجيزون العطف بالجر على منصوب اسم الفاعل 1 ولهذا قال 2 الشيخ: «وأصحابنا لا يجيزون: هذا ضارب زيدا وعمرو» ثم قال: «وأما البيت الذي أنشده المصنف فلا شاهد فيه وإذا جعل معطوفا على مراعاة جر صفيف فسد المعنى لأنه يصير التقدير: من بين منضج صفيف أو قدير فكأنه قال: من بين منضج أحد هذين فيكون قد قسم الطهاة وهم الطباخون إلى قسمين: أحدهما منضج صفيف أو قدير والآخر لم يذكره لأن بين تقتضي وقوعها بين شيئين أو أشياء ولا تدخل على شيء واحد.
وإنما تأوله شيوخنا رحمهم الله تعالى [2/ 74] على أن يكون أو قدير معطوفا على قوله منضج لا على محل صفيف ويكون على حذف مضاف وأو بمعنى الواو، والتقدير: من بين منضج صفيف شواء أو طابخ قدير معجل».
انتهى 3.
وما ذكره من الفساد على تخريج المصنف غير ظاهر: لأنا نقول: أو قدير معطوف على صفيف عطف توهم والمعنى على التعدد لأن أو بمعنى الواو فليس المعنى ما بين منضج أحد هذين بل المعنى ما بين منضج صفيف وقدير أي منضج قدير، والشيخ قد اعترف بأن أو ها هنا بمعنى الواو فيتم كلام المصنف دون فساد، ولا يحتاج إلى تقدير مضاف وهو طابخ كما قدره الجماعة الذين نقل عنهم الشيخ ذلك 4. -
[العطف على خبر ليس الرافع السببي أو الأجنبي]
قال ابن مالك: (وإن ولي العاطف بعد خبر ليس أو ما وصف يتلوه سببيّ: أعطي الوصف ما له مفردا ورفع به السّببيّ أو جعلا مبتدأ وخبرا.
وإن تلاه أجنبيّ عطف بعد ليس على اسمها والوصف على خبرها وإن جرّ بالباء جاز على الأصحّ جرّ الوصف المذكور ويتعيّن رفعه بعد «ما»).
والدليل على أن أو تقع موقع الواو قول الشاعر:
853 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم... من بين ملجم مهره أو سافع 1
قال ناظر الجيش: إذا وقع 2 بعد معمولي ليس أو ما عاطف يليه وصف بعده سببي نحو: ليس زيدا قائما ولا ذاهبا أبوه وما عمرو مقيما ولا ظاعنا أخوه، فلك أن تعطي الوصف من النصب والجر ما كنت تعطيه دون مذكوره بعده ويرفع به السببي، ولك أن ترفعهما مبتدأ وخبرا فتقول: ليس زيدا قائما ولا ذاهب أبوه وما عمرو مقيما ولا ظاعن أخوه.
وإن تلا الوصف أجنبي والعامل ليس - جاز رفعه عطفا على الاسم ونصب الوصف عطفا على الخبر وجاز جعلهما مبتدأ وخبرا نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا عمرو، وليس قائما ولا ذاهب عمرو.
- - توهم أن الصفيف مجرور بالإضافة كما قال (من الطويل).
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
................................ وإن كان خبر ليس مجرورا بالباء جاز جر الوصف المذكور بباء مقدرة مدلول عليها بالمتقدمة وهو كثير في الكلام ومنه قول الشاعر: 854 - وليس بمدن حتفه ذو تقدّم... لحرب ولا مستنسئ العمر محجم 1 وقال الآخر: 855 - فليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها 2 ومنه قول الآخر: 856 - وليس بمعروف لنا أن نردّها... صحاحا ولا مستنكر أن تعقّرا 3
................................
وليس هذا من العطف على عاملين بل من حذف عامل لدلالة مثله عليه.
وحذف حرف الجر المعطوف لدلالة مثله عليه كثير ومنه قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ... 1 الآية.
فحذفت في الجارة لاختلاف الليل والنهار لدلالة الجارة لخلقكم عليها.
ومثله قول الشاعر:
857 - أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا 2
وإذا استسهل بقاء الجر بمضاف حذف لدلالة مثله عليه كان بقاء الجر بحرف الجر المحذوف لدلالة مثله عليه أحق وأولى لأن حرف الجر في عمل الجر أمكن من الاسم المضاف 3.
ومن حذف المضاف وبقاء جر المضاف إليه: قول الشاعر [2/ 75]:
858 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد باللّيل نارا 4
-
- والبيت في شرح التسهيل (1/ 387)، وفي التذييل والتكميل (4/ 321)، وفي معجم الشواهد (ص 141).
................................
ومثله قراءة بعض القراء: (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) 1 على تقدير عرض الآخرة.
ويستقصى الكلام على نظائر هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وليس بعد ما في الوصف التالية أجنبي بعد عاطف إلا الرفع كقولك: «ما زيد قائما ولا ذاهب عمرو» لأن المعطوف عليه مع قربه من العامل لو قدم فيه الخبر لبطل العمل فبطلان بالتقديم في المعطوف لبعده من العامل: أحق وأولى ومثال ذلك قول الشاعر:
859 - لعمرك ما معن بتارك حقّه... ولا منسئ عمرو ولا متيسّر 2
هذا كلام المصنف.
ثم ها هنا أمور ننبه عليها:
الأول: أن المصنف أجاز في نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا أبوه الوجهين - - أكل امرئ.
وإذا جاز حذف المضاف (الجار) لدلالة مثله عليه فمن باب أولى يجوز حذف حرف الجر لذلك لأنه أصل في هذا العمل.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 388). وفي معجم الشواهد (ص 147).
................................
المتقدمي الذكر 1 وهما ظاهران.
قال الشيخ 3: «ويجوز فيه وجه آخر وهو أن تعرب الوصف مبتدأ والسّييّ فاعل به أغنى عن الخبر لأنه قد اعتمد الوصف على حرف النّفي».
وما قاله الشيخ غير ظاهر فإن شرط الفاعل الذي يغني عن الخبر أن يكون مغنيا أي مستقلا بنفسه يحسن السكوت عليه نحو: أقائم الزيدان؟.
وما قائم العمران.
وقد تقدم في باب المبتدأ أن نحو: (أقام أبواه زيد) لا يجوز فيه أن يكون الوصف مبتدأ وأبواه فاعل به سد مسد الخبر للعلة التي ذكرت ولا شك أن (ولا ذاهب أبوه) إذا أعرب ذاهب مبتدأ وأبوه فاعل به سد مسد الخبر نظير (أقائم أبواه زيد) فتكون ممتنعة 5.
الأمر الثاني: من قدماء النحويين من لا يجيز النصب في نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا عمرو بعطف عمرو على الاسم وذاهبا على الخبر قال:
لان ليس لا تتقدر بعد لا فهو يوجب الرفع في مثل ذلك.
وقد رد سيبويه هذا المذهب بقول العرب: ليس زيد ولا أخواه قاعدين 6.
الأمر الثالث: ما ذكره المصنف من تعين الرفع في الوصف التاليه أجنبي بعد العاطف الواقع بعد خبر ما هو مذهب البصريين وهو الذي تقتضيه القواعد 7. -24
................................
والمنقول: أن الكسائي والفراء أجازا النصب 1 محتجين بما حكي من قول العرب: ما زيد قائما فمتخلّفا أحد.
أي إذا قام لم يتخلف أحد وكذا أجاز الكوفيون الجر في الوصف المعطوف من نحو: ما زيد بمنطلق ولا خارج عمرو وقد عرفت أن ذلك ممتنع عند البصريين وهو الحق.
الأمر الرابع: ذكر ابن عصفور في باب ما النافية تقسيما بالنسبة إلى كون المعطوف عليه الاسم أو الخبر أو كلاهما وذكر الشيخ أيضا وأدرج ليس مع ما بالنسبة إلى هذا التقسيم واستوفيا الكلام على ذلك 2.
وأنت إذا نظرته وتأملت كلام المصنف وجدته قد وفى بالمقصود في البابين وذكر -
................................
ما يحتاج إليه وترك ما لا يحتاج إليه مما هو بين ظاهر، فرحمه الله تعالى وحشره وإيّاي مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمنه وكرمه إنه ذو الفضل العميم.
وقد ختم الشيخ الكلام في هذا الفصل بمسائل:
منها 1: أن أكثرهم أجاز اليوم ما زيد إياه منطلقا ومنعها بعضهم.
ومنها: أنه يجوز حذف خبر ما المكفوفة بإن داخلا على المبتدأ النكرة من نحو:
قول الشاعر:
860 - حلفت لها بالله حلفة فاجر... لناموا فما إن من حديث ولا صال 2
التقدير: فما حديث ولا صال فتنبه.
وهو على حذف مضاف أي فما إن من ذي حديث ولا صال.
ومنها: أنه لا يجوز حذف اسم ما لشبهه بما لا يحذف، وهو اسم ليس فلا يقال: زيد منطلقا أي ما هو منطلقا.
ومنها: ما هو طعامك زيد يأكل هو ضمير الشأن فإن كانت ما حجازية لم تجز هذه المسألة.
وإن كانت تميمية جازت.
ومنها: أنه يجوز دخول همزة الاستفهام على ما الحجازية فتعمل.
تقول: أمّا زيد منطلقا كما تقول: ألست قائما 3.