الباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبر
................................
كان زيد يأكل طعامك فإنه يجوز على كل مذهب 1.
الثانية: «إذا قلت: كان كائنا زيد قائما فالكسائي يجعل في كان ضمير الشأن وكائنا خبر كان، وزيد اسم كائن، وقائما خبر كائن.
والفراء يجعل كائنا خبر كان وزيد مرفوع بكان وكائن على أنه اسمها وقائما خبر كائن ويكون حكمه في التقديم والتأخير كحكم ما تقدم إلا أنه لا يجوز عندهما أن تقول: كائنا كان زيد قائما، فتفصل بين كائنا وخبرها وهو قائم بأجنبي ولا يجوز حمله على فعل مضمر يدل عليه كائن كما كان ذلك في آكلا كان زيد طعامك لأن كائنا ناقص لا يتم إلا بخبره وإنما يتصور قطع الاسم عن العامل الأول إذا كان مما يتم دونه».
وهذه ذكرها ابن عصفور أيضا 2.
الثالثة: «لا يجوز عند أهل الكوفة كان يقوم زيد على أن يكون يقوم خبرا مقدما لأنه لا يتصور أن يكون خلفا لأن الفصل لا يخلف الموصوف فيلزم إذا جعل خبرا أن يكون فيه ضمير يعود على الاسم والضمير المرفوع لا يتقدم عندهم على ما يعود عليه فلا يجوز عندهم إلا على أن يكون في كان ضمير الشأن [2/ 51] ويقوم في موضع الخبر على مذهب الفراء وزيد مرفوع بيقوم، ولا يجوز عندهم تقديم يقوم على الفعل فتقول: يقوم كان زيد على وجه من الوجوه لأن هذه الأفعال لا يدخل عليها الفعل.
والظرف والمجرور جاريان مجرى الفعل لكونهما لا يخلفان الموصوف وإن كان الخبر اسما لا يتحمل ضميرا جاز تقديمه وتوسيطه عندهم نحو: كان أخاك زيد، وأخاك كان زيد إذا أردت أخوة النسب لا أخوة الصداقة» انتهى 3.
وقد لخص الناس من كلام أبي بكر بن شقير 4 في كان واسمها وخبرها ومعموله وما يتصور فيه من التراكيب 5: -
................................
كان زيد آكلا طعامك، كان آكلا طعامك زيد.
آكلا طعامك كان زيد 1، كان زيد طعامك آكلا.
طعامك كان زيد آكلا، طعامك كان آكلا زيد.
كان آكلا زيد طعامك، زيد كان آكلا طعامك.
زيد آكلا طعامك كان، آكلا طعامك زيد كان.
زيد كان طعامك آكلا، طعامك زيد كان آكلا.
زيد طعامك كان آكلا 2.
قال ابن شقير: كل هذا جائز من كل قول:
- كان طعامك آكلا زيد، كان طعامك زيد آكلا، جائزتان من قول الكوفيين، وخطأ من قول البصريين 3.
- آكلا كان زيد طعامك، زيد آكلا كان طعامك، وآكلا زيد كان طعامك، الثلاثة جائزة من قول البصريين وخطأ من قول الكوفيين 4، إلا على كلامين من قول الكسائي.
- طعامك آكلا كان زيد، زيد طعامك آكلا كان، طعامك آكلا زيد كان 5، هذه الثلاثة جائزة من قول البصريين والكسائي وخطأ من قول الفراء لأنه لا يقدم معمول خبر كان عليه إذا كان خبر كان مقدما من قبل أنه لو أراد رده إلى فعل ويفعل لم يجز عنده، والكسائي يجيز تقديمه كما يجيز تقديم الحال.
- طعامك زيد آكلا كان، جائزة من قول البصريين وخطأ من قول الكوفيين 6. -
[الحروف العاملة عمل ليس: ما الحجازية وشروط عملها]
قال ابن مالك: (فصل: ألحق الحجازيّون بليس ما النّافية بشرط تأخّر الخبر وبقاء نفيه وفقد إن وعدم تقدّم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر.
وإن المشار إليها زائدة كافّة نافية خلافا للكوفيّين، وقد تزاد قبل صلة ما الاسمية والحرفية وبعد ألا الاستفتاحية وقبل مدّة الإنكار.
وليس النّصب بعد ما لسقوط باء الجرّ خلافا للكوفيّين، ولا يغني عن اسمها بدل موجب خلافا للأخفش وقد تعمل متوسّطا خبرها وموجبا بإلّا وفاقا لسيبويه في الأوّل وليونس في الثّاني).
آكلا كان طعامك زيد، خطأ من كل قول 1.
قال ناظر الجيش: قد ذكر النحاة ها هنا ما ملخصه: أن أصل العمل للأفعال 2، لأن كل فعل لا بد له من مرفوع إلا ما قام مقام الحرف نحو قلّما 3، أو ما كان زائدا غير كان على القول الأصح 4 أو ما تركب مع غيره على قول [2/ 52] نحو - - معموله عليه.
................................
حبّذا 1، وما عمل من الأسماء إنما يعمل لشبهه بالفعل 2.
وأما الحروف فالمستحق منها للعمل ما كان مختصا بشرط ألا يكون كالجزء مما باشره، فما اختص بالأسماء استحق العمل فيها، وما اختص بالأفعال استحق العمل فيها أيضا 3. وخرج بقولهم: ألا يكون كالجزء: اللام وقد والسين وسوف فاللام مختصة بالاسم والثلاث مختصة بالفعل ولا يعمل شيء منها كأنها صارت كالجزء مما باشرته.
وأما ما لا يختص كهل والهمزة فلا عمل له.
قالوا: وما النافية من الحروف التي لا تختص فلا تستحق عملا ولذا أهملها التميميون، وأما الحجازيون فإنما أعملوها لشبهها بليس في إفادة النفي ومباشرة المبتدأ والخبر وتخليص الفعل المحتمل للحال وهو كلام حسن 4 غير أنه لا يفيد في هذا الموضع ما قصدوه وذلك أنا نقول:
على تقدير أن تكون ما مختصة بالأسماء إنما تستحق العمل في المفرد كسائر الحروف المختصة بها وما إنما عملت في جزأي الجملة، وقد تقدم لنا في أول الباب المفروغ منه: «أن شأن العوامل أن تحدث العمل في المفردات وأنه ليس - - وقد ذكر هناك أن كان تزاد بلفظ الماضي وسطا بين مسند ومسند إليه وبين الموصوف والصفة وبين الجار والمجرور وبين المتعاطفين ولا خلاف في زيادتها بعد ما التعجبية كما أجاز بعضهم زيادتها آخرا.
وجاء زيادتها بلفظ المضارع شذوذا.
وقوله على الأصح إشارة إلى بعضهم وهو السيرافي أجاز أن تكون كان الزائدة مسندة إلى ضمير مصدر منوي، قال أبو حيان: ووافقه الصيمري وغيره (سبق من التحقيق).
................................
للعوامل تأثير في الجملة لأنها ليست محلّا لتأثير العوامل فيها» 1. فالحق الذي قرروه غير محتاج إليه في إثبات عمل ما وأن يقال ابتداء: إن ما إنما عملت حملا على ليس للشبه الذي بينهما، وليس إنما عملت لما عملت له كان وأخواتها وقد تقدم ذلك 2.
ولا شك أن حمل الشيء على الشيء ليس بواجب فمن ثم لم يحمل بنو تميم فأهملوا وحمل الحجازيون فأعملوا.
قال المصنف 3: «للعرب في ما النافية الداخلة على المبتدأ والخبر مذهبان:
أحدهما: مذهب أهل الحجاز وهو إلحاقها في العمل بليس وعلى مذهبهم نزل قوله تعالى: ما هذا بَشَراً 4، وقوله تعالى: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ 5.
والثاني: مذهب غير أهل الحجاز وهو إهمالها، وهو مقتضى القياس لأنها غير مختصة فلا تستحق عملا كما لا تستحقه هل وغيرها من الحروف التي ليست مختصة 6. -
................................
وذكر الفراء أن أهل نجد يجرون بعدها الخبر بالباء كثيرا ويدعون الباء فيرفعونه فجعل بعض النحويين هذا مذهبا ثالثا في ما 1.
وضعف هذا الرأي بيّن؛ لأن دخول الباء على الخبر بعد ما في لغة بني تميم معروف لكنه أقل منه في لغة أهل نجد فمذهبهما واحد.
ولما كان عمل ما استحسانيّا لا قياسيّا اشترط فيه تأخر الخبر وتأخر معموله وبقاء النفي وخلو ما من مقارنة إن، لأن كل واحد من هذه الأربعة حال أصلي فالبقاء عليها تقوية والتخلي عنها أو عن بعضها توهين».
وأحق الأربعة بلزوم الوهن عند عدمه الخلو من مقارنة إن؛ لأن مقارنة إن لما يزيل شبهها بليس لأن ليس لا يليها
إن [2/ 53] فإذا وليت ما تباينا في الاستعمال وبطل الإعمال دون خلاف.
ولا تلزم هذه المباينة بنقض النفي ولا بتوسط الخبر لأن ليس - - قال: وتقول ما زيد إلا منطلق تستوي فيه اللغتان ومثله قوله عز وجلّ: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا لم تقو ما حيث نقضت معنى ليس كما لم تقو حين قدمت الخبر».
(الكتاب: 1/ 59). وقال المبرد (المقتضب: 4/ 188) هذا باب ما جرى في بعض اللّغات مجرى الفعل لوقوعه في معناه وهو حرف جاء لمعنى ويجري في غير تلك اللغة مجرى الحروف غير العوامل وهو ما.
وقال: إنها تعمل عمل ليس عند أهل الحجاز لأنها تشبهها في النفي، وأما بنو تميم فيرفعون الاسم والخبر بعدها ويدعونها حرفا بمنزلة إنما إذا قلت إنما زيد منطلق.
ثم ذكر شروط عملها عند أهل الحجاز من وجوب تأخير الخبر لأنها حرف عامل مثل إن فهي ضعيفة «بخلاف ليس، وإن من شروطها أيضا: عدم نقض نفي الخبر في نحو ما زيد إلّا منطلق (المقتضب: 4/ 190).
................................ قد ينتقض نفيها ويتوسط خبرها ولذلك لم ينعقد الإجماع على إبطال العمل بنقض نفي ما ولا بتوسط الخبر كما سيأتي ذلك مبينا إن شاء الله تعالى. ومثال إبطال العمل لنقض النفي: قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ 1. ومثال إبطاله لتوسط الخبر: قول الشاعر: 786 - وما خذّل قومي فأخضع للعدى... ولكن إذا أدعوهمو فهمو همو 2 ومثال إبطاله لتوسط معمول الخبر: قول الشاعر: 787 - وقالوا تعرّفها المنازل من منى... وما كلّ من وافى منى أنا عارف 3
................................ على رواية من روى «كل من» بالنصب وأما على رواية الرفع فكل اسم ما وأنا عارف خبرها وكان ينبغي أن يقول: أنا عارفه لكنه حذف الضمير ونواه كما فعل من قال: 788 - [قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي... عليّ ذنبا] كلّه لم أصنع 1 فلو كان معمول الخبر ظرفا أو جارّا ومجرورا لم يبطل عمل ما كقولك: ما عندك زيد مقيما. وكقول الشاعر: 789 - بأهبة حرب كن وإن كنت آمنا... فما كلّ حين من توالي مواليا 2 ومثال إبطال العمل لاقتران ما بإن: قول الشاعر: 790 - بني غدانة ما إن أنتمو ذهب... ولا صريف ولكن أنتمو خزف 3
................................ ومثله قول الآخر: 791 - فما إن طبّنا جبن ولكن... منايانا ودولة آخرينا 1 فإن هذه زائدة كافة لما كما أن ما كافة لإن وأخواتها في نحو: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ 2. وزعم الكوفيون أن إن المقرونة بما هي النافية جيء بها بعدها توكيدا 3. والذي زعموه مردود بوجهين: أحدهما: أنها لو كانت نافية مؤكدة لم تغير العمل كما لا يتغير بتكرير ما إذا قيل: ما ما زيد قائما كما قال الراجز: 792 - لا ينسك الأسى تأسّيا فما... ما من حمام أحد معتصما 4
................................
فكرر ما النافية توكيدا وأبقى عملها.
الثاني: أن العرب قد استعملت إن زائدة بعد ما التي بمعنى الذي وبعد ما المصدرية التوقيتية لشبههما في اللفظ بما
النافية، فلو لم تكن زائدة المقترنة بما النافية لم يكن لزيادتها بعد الموصولتين مسوغ.
ومثال زيادتها بعد الموصولتين قول الشاعر:
793 - يرجّي المرء ما إن لا يراه... وتعرض دون أدناه الخطوب 1
أراد يرجي المرء الذي لا يراه.
ومثله قول الآخر:
794 - ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته... على السّنّ خيرا لا يزال يزيد 2
فما في هذا البيت مصدرية توقيتية، فزادوا إن بعدها لشبهها في اللفظ بما النافية فتعين الحكم بالزيادة على التي بعد النافية».
انتهى كلام المصنف 3. - - والشاهد فيه: تكرير ما النافية ومع ذلك عملت عمل ليس، وهذا يدل على أن التكرير لا يلغي العمل وهو مذهب ابن مالك مستدلا على أن إن إذا جاءت بعد ما ليست نافية وإنما هي زائدة مبطلة لعمل ما ولو كانت نافية لبقي عملها.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 371) وفي التذييل والتكميل (4/ 261) وفي معجم الشواهد (ص 533).
................................
ومن الوارد على لغة الحجازيين قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 1.
قالوا: ولم يحفظ ذلك في كلامهم إلّا في بيت من الشّعر، قال [2/ 54]:
795 - وأنا النّذير بحرّة مسودّة... تصل الجيوش إليكمو أقوادها
أبناؤها متكنّفون أباهمو... حنقو الصّدور وما همو أولادها 2
وقد عرفت أن الشروط التي ذكرها المصنف لعمل ما أربعة 3.
قال الشيخ 4: «ونقص المصنف من الشّروط شرطين:
أحدهما: ألّا تؤكد ما بما فإن أكدت بطل العمل تقول: ما ما زيد ذاهب ولا يجوز ذاهبا على مذهب عامة النحويين.
الثاني: ألا يبدل من الخبر بدل مصحوب بإلا نحو: ما زيد شيء أو بشيء إلّا شيء لا يعبأ به قال: فهنا تستوي اللغتان الحجازية والتميمية ذكر ذلك سيبويه 5. وعلة ذلك: أن البدل موجب بإلا فلا يكون منصوبا فهو إذ ذاك واجب الرفع، وحكم البدل والمبدل منه في الإعراب واحد» انتهى 6.
أما عدم تأكيد ما يمثلها: فقد عرفت أن المصنف لا يرى ذلك 7 وأنه أنشد البيت -
................................
المتقدم المستدل به على أن تكريرها لا يبطل العمل، ولم يتعرض ابن عصفور ولا ابن أبي الربيع لاشتراط ذلك، ولكن الشيخ نقله والنقول لا تدفع.
وأما عدم الإبدال من الخبر على الوجه الذي ذكره: فلم يتجه لي أن يكون ذلك شرطا: لأن البدل المقترن بإلا لا يكون إلا مرفوعا لكونه موجبا والمرفوع إنما يبدل من مرفوع فإبدال اسم مقترن بإلا بعد ما النافية إنما يتصور من اسم مرفوع وعلى هذا فالإبدال المذكور متوقف على رفع ما أبدل منه وهو خير الاسم الواقع بعد ما فمتى لم يكن مرفوعا لا يبدل منه وإذا كان كذلك كان هذا الإبدال أعني المقترن بإلا متوقفا على رفع المبدل منه الذي هو الخبر فإذا رفعنا أبدلنا وإن نصبنا لا يجوز الإبدال المذكور.
والحاصل: أن النصب مع البدل المقترن بإلا لا يجتمعان لكن النصب لم يمتنع لأجل الإبدال بل الإبدال هو الممتنع لأجل النصب إذ لا يبدل مرفوع من منصوب.
وإذا كان كذلك كان شرط هذا الإبدال ألا يكون الاسم المبدل منه منصوبا لأن شرط نصب الخبر ألا يبدل منه البدل الخاص 1.
وقد عرفت أيضا من كلام المصنف أن إن إذا وليت ما بطل العمل دون خلاف لكن ذكر الشيخ أن الكوفيين يجيزون النصب.
قال: وروي:
796 - بني غدانة ما إن أنتم ذهبا... ولا صريفا ولكن أنتم خزف 2
-
- لا ينسك الأسى تأسّيا فما... ما من حمام أحد معتصما والعجب أن أبا حيان رد على نفسه بنفسه فقد قال في كتابه: «وحكى أبو علي الفارسيّ عن بعض الكوفيين إجازة النصب، وفي الغرة: كفّوا ما بما.
فقالوا: ما ما زيد قائم وأجاز النصب جماعة من الكوفيين، والبصري يأبى ذلك».
- لا ينسك الأسى تأسّيا فما... ما من حمام أحد معتصما والعجب أن أبا حيان رد على نفسه بنفسه فقد قال في كتابه: «وحكى أبو علي الفارسيّ عن بعض الكوفيين إجازة النصب، وفي الغرة: كفّوا ما بما.
................................
بنصب ذهب وصريف: قال: «وخرّج هذا على أن إن نافية وأنّها العاملة وأتي بها لتأكيد النّفي بما» انتهى 1.
والظاهر أن هذا النقل عن بعض الكوفيين وكأنه قول لا يعتد به فلهذا لم يجعله المصنف خارقا لإجماعهم.
ثم إن المصنف ذكر أربع مسائل 2:
الأولى: أنّ إن قد تزاد أيضا في أربعة أماكن: قبل صلة ما الاسمية، وقبل صلة ما الحرفية، وبعد ألا الاستفتاحية، وقبل مدة الإنكار.
أما زيادتها قبل الصلتين المشار إليهما: فقد تقدم الاستشهاد عليه 3.
وأما زيادتها بعد ألا الاستفتاحية: فكقول الشاعر:
797 - ألا إن سرى ليلي فبتّ كئيبا... أحاذر أن تنأى النّوى بغضوبا 4
وأما زيادتها قبل مدة الإنكار: فكقول رجل من العرب قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية فقال: «أأنا إنيه» منكرا أن يكون رأيه على خلاف ذلك 5 [2/ 55]. -
................................
الثانية: أن الكوفيين يزعمون أن ما لا عمل لها وأن نصب ما بعدها ينصب لسقوط الباء 1.
قال المصنف رحمه الله 2: «وما قالوه لا يصحّ لأن الباء قد تدخل بعد هل وبعد ما المكفوفة بإن وإذا سقطت الباء تعين الرفع بإجماعهم فلو كان سقوط الباء ناصبا لنصب في هذين الموضعين، ومثل تعين الرفع في هذين الموضعين عند سقوط الباء تعينه عند سقوطها في نحو: كفى بزيد رجلا وبحسب عمرو درهم وتعينه عند سقوط من في نحو: ما فيها من أحد.
الثالثة: أجاز الأخفش في نحو: ما أحد قائما إلّا زيد بحذف اسم ما والاستغناء عنه ببدله لموجب بإلا 3. - - (4/ 262). وقال أبو حيان بعد ذكر هذه المواضع: «وذكر زيادة إن في هذه المواضع وليس من مسائل ما النّافية وذلك على عادة المصنف».
................................
قال المصنف 1: «لو سمع من العرب لكان جديرا بالرد لأن المراد منه مجهول لاحتمال أن يكون أصله ما أحد قائما إلا زيد وأن يكون أصله ما كان قائما إلا زيد وما كان هكذا فالحكم بمنعه أولى من الحكم بجوازه لأن شرط جواز الحذف أن يكون المحذوف متعينا لا محتملا ولذلك لا يجوز لمن قال:
798 - تمرّون الدّيار [ولم تعوجوا... كلامكمو عليّ إذن حرام] 2
أن يقول: رغبت زيدا لأن المراد مجهول لاحتمال أن يكون أراد: رغبت في زيد وأن يكون أراد رغبت عن زيد».
انتهى.
وقد قال بعضهم في نحو: ما قائما إلّا زيد: إن الواقع بعد إلا هو الاسم نفسه وإن الأخفش يجيزها.
وفيه بعد، لأنه يلزم منه توسط الخبر وهو غير جائز، وحمل هذا التركيب على ما ساقه المصنف له أولى بل واجب وقد عرفت ما رده به مع أنه غير مسموع كما أشار إليه المصنف.
الرابعة: أن ما قد تعمل مع توسط الخبر ومع نقض النفي.
أما العمل مع توسط الخبر فقال المصنف: «من العرب من ينصب خبرها متوسطا بينها وبين اسمها، أشار إلى ذلك سيبويه 3، وسوّى بينه وبين قول من قال ملحفة -
................................
جديدة بالتاء، وبين قول من قال: (ولات حين مناص) 1 بالرفع فإن المشهور ملحفة جديد بلا تاء وَلاتَ حِينَ مَناصٍ «بالنصب».
وأنشد سيبويه مستشهدا على نصب الخبر متوسطا قول الفرزدق:
799 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 2
واستشهد أبو علي في التذكرة 3 على نصب خبر ما مقدمة على اسمها بقول الشاعر:
800 - أما والله عالم كلّ غيب... وربّ الحجر والبيت العتيق
لو انّك يا حسين خلقت حرّا... وما بالحرّ أنت ولا الخليق 4
-
- فإذا قلت: ليس زيد إلا ذاهبا أدخلت ما يوجب كما أدخلت ما ينفي فلم تقو ما في باب قلب المعنى كما لم تقو في تقديم الخبر وزعموا أن بعضهم قال وهو الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر وهذا لا يكاد يعرف كما أن لات حين مناص كذلك (بالرفع) ورب شيء هكذا وهو كقول بعضهم: هذه ملحفة جديدة في القلة (الكتاب: 1/ 60) وقد أشار إليه ناظر الجيش وانظر ما يأتي من الشرح.
................................
بناء على أن الباء لا تدخل على الخبر إلا وهو مستحق للنصب.
وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
ورد على سيبويه الاستدلال لأنه سمع من لغتهم منع نصب الخبر مطلقا ولكنه رفع بشر بالابتداء وحذف الخبر ونصب مثلهم على الحال 1.
أو يكون تكلم الفرزدق بهذا معتقدا جوازه عند الحجازيين فلم يصب 2.
والجواب عن الأول [2/ 56]: أن الحال فضلة فحق الكلام أن يتم بدونها ومعلوم أن الكلام لا يتم بدون مثلهم فلا يكون حالا وإذا انتفت الحالية تعينت الخبرية.
والجواب عن الثاني: أن الفرزدق كان له أضداد من الحجازيين والتميميين ومن مناهم أن يظفروا منه بذلة يشنعون بها عليه مبادرين إلى تخطئته ولو جرى شيء من ذلك لنقل لتوفر الدواعي على التحدي بمثل ذلك إذا
اتفق، ففي عدم نقل ذلك دليل على إجماع أضداده من الحجازيين والتميميين على تصويب قوله، فثبت بهذا صحة استشهاد سيبويه بما أنشده والله أعلم» انتهى كلام المصنف 3.
وفي نسبة جواز نصب الخبر مع توسطه بين ما والاسم إلى سيبويه نظر؛ لأن سيبويه قال: «وإذا قلت: ما منطلق عبد الله وما مسيء من أعتب رفعت ولا يجوز أن يكون مقدما مثله مؤخرا كما أنه لا يجوز أن تقول: إنّ أخوك عبد الله على حدّ - - الحرام في مكة.
الخليق: الجدير، وروي في مكانه الطليق.
وجواب لو محذوف والتقدير: لو أنك يا حسين كذا وكذا.
والشاهد فيه قوله: «وما بالحر أنت» حيث يستدل به أبو علي الفارسي على جواز نصب خبر ما إذا كان مقدما ووجه الاستدلال أن الباء لا تزاد على الخبر إلا وهو مستحق للنصب وقد رده ابن مالك.
وسيأتي ذلك بالتفصيل في هذا التحقيق.
والبيتان في شرح التسهيل (1/ 373) وفي التذييل والتكميل (4/ 257، 264) وفي معجم الشواهد (ص 252).
................................
قولك إنّ عبد الله أخوك لأنها ليست بفعل».
فهذا نص صريح منه على أن النصب لا يكون في الخبر مقدما على الاسم.
وأما: وإذ ما مثلهم بشر فإنّ سيبويه لم يورده مستشهدا به بل قال:
«وزعموا أن بعضهم قال وهو الفرزدق:
801 - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر 1
وهذا لا يكاد يعرف».
وأما بيت الفرزدق ففيه أقوال للنحاة: ذكر ابن عصفور أنها سبعة 2:
قال: «منهم من جعله شاذّا وهو سيبويه» 3.
قلت 4: ويعضد كونه شاذّا تسوية سيبويه بينه وبين قول من قال:
ملحفة جديدة بالتاء وبين قول من قال: «ولات حين مناص» بالرفع 5.
ومنهم من قال 6: البيت للفرزدق فاستعمل لغة غيره فغلط لأنه قاس النصب مع التقديم على النصب مع التأخير وهو باطل لأن العربي إذا جاز له القياس على لغة غيره جاز له القياس في لغته فيؤدي ذلك إلى فساد لغته».
................................
ومنهم من قال 1: «إنما نصب ضرورة لئلا يختلط المدح بالذم لأنك إذا قلت ما مثلك أحد فنفيت عنه الأحدية احتمل أن يكون مدحا وذمّا، فإذا نصبت مثلك ورفعت أحدا كان الكلام مدحا، فلذلك نصب مثلهم في البيت وهذا باطل لأن ما قبله وما بعده يدل على أنه قصد المدح».
ومنهم من قال 2: «هو منصوب على الحال والخبر محذوف وهو العامل في الحال تقديره وإذ ما مثلهم بشر في الوجود وهو باطل لأن معاني الأفعال لا تعمل مضمرة».
ومنهم من جعله ظرفا بمنزلة بدل 3 وهم أهل الكوفة واستدلوا على صحة مذهبهم بقول المهلب بن أبي صفرة: «ما يسرّني أن يكون لي ألف فارس مثل بيهس» 4.
فقالوا: «محال ألا يسره أن يكون له ألف فارس كل واحد منهم مثل بيهس وإنما المعنى أنه لا يسره أن يكون له ألف فارس بدل بيهس لشجاعته وإقدامه على الحروب».
وهذا الذي قالوه لا حجة فيه لأن العرب إذا قالت: مررت برجال مثلك، كان لهم في ذلك وجهان [2/ 57]:
أحدهما: أن يكون المعنى مررت برجال كل واحد منهم مثلك.
والآخر: أن يكون المعنى مررت برجال كلهم إذا اجتمعوا مثلك.
فعلى هذا يكون: ما يسرني أن يكون لي ألف فارس مثل بيهس وحده لأن -
................................
شجاعة ألف فارس إذا كانت مجتمعة في فارس كان أولى من افتراقها في أشخاص كثيرة لأنه متى حضر كان بمنزلة ألف فارس وألف فارس إذا تفرقوا قد يكون ذلك سببا لضعفهم.
ومنهم من قال 1: «مثل منصوب على الظرفية فكأنه في الأصل صفة لظرف تقديره قبل الحذف: وإذ ما مكانا مثل مكانهم بشر ثم حذف الموصوف وقامت الصفة مقامه فأعربت بإعرابه فصار إذ ما مثل مكانهم بشر في الوجود وهذا باطل لأن الموصوف لا يحذف إلا إذا كانت الصفة خاصة، ومثل ليس من الصفات الخاصة.
وأن يتقدم ما يدل على المحذوف، ولم يتقدم هنا ما يدل على المحذوف» 2.
ومنهم من قال 3: «إن ما هنا لم تعمل شيئا ولا شذوذ في البيت وذلك أن مثلا أضيفت إلى مبني (فبنيت على الفتح) 4 فصارت بمنزلة قولك: يومئذ وحينئذ وهو الصحيح».
هذا آخر كلام ابن عصفور 5.
وعلم منه أنه لم يوافق المصنف في جواز تقديم خبرها على اسمها لكنه إنما يمنع ذلك حيث يكون الخبر اسما صريحا ويجيز التقديم إذا كان ظرفا أو مجرورا 6. -
................................
وقد نقل المصنف عنه هذه المسألة في شرح الكافية 1.
وقد ذكر هو 2 أن في التقديم إذا كان الخبر ظرفا أو مجرورا خلافا:
قال: «منهم من أجاز، ومنهم من منع، والذين أجازوا هم البصريون قياسا على أن التي يقدم خبرها على اسمها إذا كان ظرفا أو مجرورا.
والذي منع هو أبو الحسن الأخفش ومنع القياس على إنّ لأنها أقوى من ما وذلك لأنها اختصت بما دخلت عليه وما ليست كذلك 3.
والصحيح أن ذلك يجوز بدليل قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 4 فحاجزين خبر ما وهو منصوب فثبت
أنها حجازية وقد فصل بينهما وبين اسمها بالمجرور الذي هو منكم.
فإذا فصل بين ما واسمها بمجرور ليس في موضع خبرها الذي لا يجوز في إن إلا قليلا كقول الشاعر:
802 - فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها... أخاك مصاب القلب جمّ بلابله 5
فبالأحرى أن يجوز بالمجرور الذي هو في موضع الخبر الجائز في إن في فصيح العرب -
................................
نحو إن في الدار زيدا» انتهى 1.
وأما العمل مع نقض النفي يعني إذا أوجب الخبر بإلا فقال المصنف: «روي عن يونس من غير طريق سيبويه إعمال ما في الخبر الموجب بإلا 2 واستشهد على ذلك بعض النحويين بقول الشاعر:
803 - وما الدّهر إلّا منجنونا بأهله... وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا 3
[2/ 58] وتكلف في توجيه هذا البيت بأن قيل:
منجنونا منصوب نصب المصدر الذي يستغنى به الدهر عن الخبر المبتدأ المقصود حصر خبره فكأنه قال: وما
الدهر إلا يدور دوران منجنون أي دولاب ثم حذف الفعل على حد حذف تسير إذا قيل: ما أنت إلا سير البريد ثم حذف المصدر وهو دوران وأقيم المضاف إليه مقامه وهو منجنون.
وأما إلا معذبا فمثل إلا تعذيبا مفعل من فعل بمنزلة تفعيل ومنه قوله تعالى:
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ 4، وهذا عندي 5 تكلف؛ فالأولى أن تجعل منجنونا -
................................
ومعذبا خبرين لما منصوبين بها إلحاقا لها بليس في نقض النفي كما ألحقت بها في عدم النقض.
وأقوى من الاستشهاد بهذا البيت الاستشهاد بقول مغلس 1:
804 - وما حقّ الّذي يعثو نهارا... ويسرف ليله إلّا نكالا 2
وما اخترت من حمل منجنونا وإلا نكالا على ظاهرهما من النصب بما هو مذهب الشلوبين 3 ذكر ذلك في تنكيته
على المفصل» انتهى 4.
وأقول: أما كون مذهب يونس إعمال ما في الخبر الموجب بإلا فمسلم لكن يلزم القائل به إقامة الدليل على مذهبه ولا دليل في هذين البيتين:
أما البيت الأول فقد ذكر تخريجه، وأما البيت الثاني فيوجه بما وجه به الأول من أن نكالا منصوب نصب المصدر بفعل مقدر هو الخبر، والتقدير: إلا ينكل نكالا والتوجيه في البيتين توجيه سهل لا تكلف فيه مقبول لجريانه على القواعد، ومع الاحتمال المذكور يسقط الاستدلال.
وأما قول المصنف «إنّ ذلك يكون في ما إلحاقا لها بليس في نقض النّفي كما ألحقت بها في عدم النقض» فليس بمرضي منه لأن ما إنما ألحقت بليس لشبهها بها في إفادة النفي فلم يكن عملها لذاتها بل لحملها على ليس من أجل الشبه المذكور، ولا شك أنه إذا انتقض النفي زال الشبه فيزول ما كان من أجله وهو العمل.
-
[حكم المعطوف على خبر ما]
قال ابن مالك: (والمعطوف على خبرها ببل ولكن موجب فيتعيّن رفعه).
فإن قيل: كما أن عمل ليس لا يبطل بإيجاب الخبر فينبغي ألا يبطل عمل ما بالإيجاب أيضا حملا لها على ليس.
أجيب بأن عمل ليس لذاتها لكونها فعلا فهي تستحق العمل من أصل الفعلية استمر معنى النفي أو انتقض.
وأما عمل ما فبالحمل على ليس لمشاركتها في إفادة النفي فإذا زال ما به المشاركة زال ما كان من أجلها.
وقد علم من هذا الذي ذكر أولا وآخرا أن ما لم يثبت لها عمل مع توسط الخبر بينها وبين اسمها ولا مع إيجاب الخبر بإلا.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «إذا عطف على خبر ما المنصوب ببل أو لكن لم يجز في المعطوف إلا الرفع كقولك: ما زيد قائما بل قاعد وما خالد مقيما لكن ظاعن، وإنما لم يجز في المعطوف إلا الرفع لأنه بمنزلة الموجب بإلا، وقياس مذهب يونس 1 ألا يمتنع نصب المعطوف ببل ولكن» انتهى 2 [2/ 59].
وستعرف في باب العطف إن شاء الله تعالى: «أن بل إذا تقدّمها نفي أو نهي فهي لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضدّه لما بعدها» 3 وعلى هذا وجب أن يرفع الواقع بعدها في نحو ما زيد قائما بل قاعد لأنه موجب لا منفي لكن المبرد مع اعترافه بذلك أجاز كون بل ناقلة حكم النفي والنهي إلى ما بعدها وتقرير قوله 4:
إن بل يكون بعد النفي على حسبها بعد الإيجاب وهي بعد الإيجاب لزوال -
................................
الغلط والنسيان لأنك إذا قلت قام زيد بن عمرو أي عمرو هو الذي قام.
قالوا: «ويجري هذا مجرى بدل الغلط؛ فلذلك تقول: ما قام زيد بل عمرو كأنك أردت أن تقول: ما قام عمرو فغلطت فعلقت النفي بزيد ثم أضربت فقلت:
بل عمرو أي عمرو هو الذي قام».
قالوا: ويجري هذا مجرى قولك: ما قام زيد عمرو.
وعلى هذا يجوز أن يقال: ما زيد قائما بل قاعدا كأنه أراد أن يقول: ما زيد قاعدا، فغلط أو نسي؛ فقال: ما زيد قائما ثم أضرب فقال: بل قاعدا أي ما هو قاعدا فالقعود منفي غير موجب فلا يمتنع نصبه.
لكن أكثر النحاة على خلاف قول المبرد في هذه المسألة 1.
واعلم أنهم نصّوا على أن لكن وبل لا يعطف بهما إلا المفردات ولا يعطف بهما الجمل وإذا كان كذلك فالمرفوع الواقع بعدهما في نحو ما زيد قائما بل قاعد أو لكن قاعد لم يعطف على ما قبله لأن ما قبله منصوب فهو حينئذ خبر مبتدأ محذوف التقدير لكن هو قاعد وبل هو قاعد، وإذا كان كذلك فلا عطف والحالة هذه وإنما لكن لمجرد الاستدراك وبل لمجرد الإضراب، ومن ثم ناقش الشيخ المصنف في قوله:
«والمعطوف على خبرها، بيل ولكن».
قال 2: «لأنّه لا يسمّى ما بعدهما معطوفا على خبر ما إذ ليسا حينئذ حرفي عطف بل هما حرفا ابتداء لمجيء الجملة بعدهما».
[بقية الحروف العاملة عمل ليس]
قال ابن مالك: (وتلحق بها «إن» النّافية قليلا و «لا» كثيرا ورفعها معرفة نادر وتكسع بالتاء فتختصّ بالحين أو مرادفه مقتصرا على منصوبها بكثرة وعلى مرفوعها بقلّة وقد يضاف إليها حين لفظا أو تقديرا وربما استغني مع التّقدير عن لا بالتّاء وتهمل لات على الأصحّ إن وليها هنّا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: «مقتضي النظر أن يكون إلحاق إن النافية بليس راجحا على إلحاق لا لمشابهتها لها في الدخول على المعرفة وعلى الظرف والجار والمجرور وعلى المخبر عنه بمحصور فيقال إن زيد فيها، وإن زيد إلّا فيها، إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ 2، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ 3، كما يقال بما، ولو استعملت [2/ 60] لا هذا الاستعمال لم يجز ومقتضى الدليل أن يكون إلحاق لات بليس راجحا على إلحاق ما وإن ولا لأن اتصال التاء بها جعلها مختصة بالاسم وشبيهة بليس في اللفظ إذ صارت بها على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كليس إلا أن الاستعمال اقتضى تقليل الإلحاق في إن وكثرته في لا مجردة وقصره في لات مكسوعة بالتاء على الحين أو مرادفه.
وذكر السيرافي أن المرفوع بعد لات في مذهب الأخفش مرفوع بالابتداء، والمنصوب بعدها منصوب بإضمار فعل 4. وكلام الأخفش في كتابه المترجم بمعاني القرآن موافق لكلام سيبويه في أن لات تعمل عمل ليس على الوجه -
................................
المذكور 1 وخفي ذلك على السيرافي وأبي علي الشلوبين فإنه ذكر في تنكيته على المفصل مثل ما قال السيرافي 2.
وأكثر النحويين يزعمون أن مذهب سيبويه في إن النافية الإهمال 3، وكلامه مشعر بأن مذهبه فيها الإعمال وذلك أنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم 4:
«وأمّا إن مع ما في لغة أهل الحجاز فهي بمنزلة ما مع إنّ الثقيلة تجعلها من حروف الابتداء وتمنعها أن تكون من
حروف ليس».
فعلم بهذه العبارة أن في الكلام حروفا مناسبة لليس من جملتها ما ولا شيء من الحروف يصلح لمشاركة ما في هذه المناسبة إلا إن ولا فتعين كونهما مقصودين 5.
وصرح أبو العباس المبرد بإعمال إن عمل ليس 6 وتابعه أبو علي وأبو الفتح ابن جني 7، ومن شواهد ذلك ما أنشده الكسائي من قول الشاعر: -
................................
805 - إن هو مستوليا على أحد... إلّا على أضعف المجانين 1
وقال آخر:
806 - إن المرء ميتا بانقضاء حياته... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا 2
وذكر ابن جني في المحتسب 3: أنّ سعيد بن جبير رضي الله عنه 4 قرأ:
إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم 5 على أنّ إن نافية والذين اسمها وعبادا خبرها وأمثالكم صفته.
وقال: «معناه ما الذين تدعون من دون الله أمثالكم في الإنسانيّة وإنما هم حجارة ونحوها ممن لا حياة لها ولا عقل فضلا لكم بعبادتهم أشدّ من ضلالكم لو عبدتم أمثالكم» 6. -
................................ ومن عمل لا مجردة من التاء عمل ليس: قول الشاعر: 807 - تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا... ولا وزر ممّا قضى الله واقيا 1 ومثله قول الآخر: 808 - نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل... فبوّئت حصنا بالكماة حصينا 2 ومثله قول الآخر وهو سواد بن قارب رضي الله عنه 3: 809 - وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة... بمغن فتيلا عن سواد بن قارب 4 ومثله [2/ 61] قول الآخر: - - نصب الخبر لشبهها بها قال: إن هو مستوليا على أحد... إلّا على أضعف المجانين ولا يجوز ذلك في الكلام لأنّها مختصة.
................................
810 - من صدّ عن نيرانها... فأنا ابن قيس لا براح 1
فحذف الخبر ومثله قول الآخر:
811 - والله لولا أن يحشّ الطّبّخ... بي الجحيم حين لا مستصرخ 2
فهذا وأمثاله مشهور، أعني إعمال لا في نكرة عمل ليس».
انتهى 3. -
................................ وقد أفهم كلام المصنف الخلاف بين النحاة في إعمال إن عمل ليس وأن الأكثرين يزعمون أن مذهب سيبويه فيها الإهمال وأكثر المغاربة على أن إن لا تعمل 1. قال ابن عصفور: «ويعطيه كلام سيبويه لأنه لم يذكرها في نواسخ الابتداء والخبر». قال الشيخ 2: «والصّحيح الإعمال، والدليل على ذلك القياس والسّماع»: أما القياس: فإنها شاركت ما في النّفي وفي دخولها على المعرفة والنّكرة، وفي نفي الحال. وأما السماع: فقول العرب في نثرها وسعة كلامها: «إن ذلك نافعك ولا ضارّك» «وإن أحد خيرا من أحد إلّا بالعافية» حكى ذلك الكسائي بنصب نافعك وضارك وخيرا 3. ومن كلامهم: إنّ قائما أي إن أنا قائما، فتركت الهمزة وأدغمت النون في النون 4 وأنشد البيتين المتقدمي الذكر 5 وذكر قراءة سعيد بن جبير إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم 6 لكنه قال: لا يتعين تخريجها على أن إن نافية بل يحتمل أن تكون إن هي المخفّفة وتكون قد أعملت ونصب الخبر بها على حد قول من قال: 812 - [إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن... خطاك حثاثا] إنّ حرّاسنا أسدا 7
................................
قال 1: «وهذا التخريج أحسن بل يتعيّن لتوافق القراءتين، وأما تخريج أبي الفتح ففيه تنافي القراءتين ولا يناسب هذا التنافي في القرآن العزيز بل يستحيل ذلك إذ قراءة التشديد تقتضي أن يكونوا عبادا أمثالهم وقراءة التخفيف تقتضي ألّا يكونوا عبادا أمثالهم وهو محال في كلام الله تعالى».
وقد ارتكب الشيخ تعسفا كبيرا في التخريج الذي ذكره لأن إن الثقيلة لم يثبت لها نصب الجزأين فكيف يثبت للمخففة، والحق أن إن في هذه القراءة نافية كما قال ابن جني ولا تنافي بينها وبين القراءة المشهورة، لأن المعنى على قراءة التشديد أنهم عباد أمثالهم في العبودية فكيف يعبد العبد عبدا آخر؟ والمعنى على القراءة الشاذة ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم أي في الإنسانية بل هم عباد دونكم لأنهم حجارة فكيف يعبد الإنسان من
هو دونه.
فالمنفي كونهم أمثالهم لا كونهم عبادا لأن نفي المقيد بقيد إنما ينصب النفي فيه على القيد، وهذا أمر ظاهر لا منازعة فيه.
وقرئ هذا الموضع يوما على الشيخ - رحمه الله تعالى - وأنا حاضر فذكرت له هذا الجواب فقبله.
وقال الشيخ في الشرح 2: «وإذا كان ذلك يعني عمل إن عمل ما لغة لبعض العرب فلا يصح قول المصنف: إنّ إن تلحق بما قليلا».
قال: «وقول المصنّف: ولا كثيرا يريد به أنّ عمل إن قليل وعمل لا كثير».
قال 3: والعكس هو الصواب لأن إن قد عملت نثرا ونظما، ولا إعمالها قليل جدّا حتى إن أبا الحسن زعم أنها ترفع ما بعدها بالابتداء ومنع النصب وتبعه أبو العباس فهي عندهما لا تعمل عمل ليس 4 ولا براح [2/ 62] ولا مستصرخ -
................................
مبتدأ والخبر مضمر ولم يشترطوا تكريرا».
انتهى 1.
والحق أن عمل لا عمل ليس ثابت وقد تقدم الاستشهاد عليه 2.
وقال سيبويه 3: وإن شئت قلت: لا أحد أفضل منك في قوله من جعلها كليس.
وهذا نصّ صريح منه على الإعمال.
وقال سيبويه أيضا 4: وزعموا أنّ بعضهم قرأ ولات حين مناص 5 - بالرّفع وهي قليلة كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك:
813 - من صدّ عن نيرانها... فأنا ابن قيس لا براح 6
فجعلها بمنزلة ليس» انتهى 7.
قال الشيخ 8: «ليس في كتاب سيبويه ما يدلّ على أن إعمال لا عمل ليس مسموع من العرب لا قليلا ولا كثيرا وأما البيت الذي آخره لا براح فظاهر كلام سيبويه أنّ جعلها فيه بمنزلة ليس تأويل من ذلك البعض الذي قال عنه سيبويه: كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك.
قال: ولو كان التأويل لسيبويه لم يكن مثل هذا البيت تبنى عليه قاعدة، ألا ترى أن سيبويه شبّه رفع الحين بعد لات برفع براح بعد لا ولا ترفع لات غير الحين فكذلك لا يرفع لا غير براح» انتهى 9.
وحاصل الأمر: أن عمل لا عمل ليس قليل وليس بكثير وأن عمل إن عمل (ما) - - ولا تفصل بينها وبين ما تعمل فيه لأنها تجري رافعة مجراها ناصبة (المقتضب: 4/ 382).
................................
أكثر من عمل لا عملها كما تقدمت إشارة الشيخ إلى ذلك.
واعلم أن «إن» يبطل عملها بانتقاض النفي بإلا قال تعالى: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ 1 ويتوسط الخبر نحو: إن منطلق زيد 2.
وإن المنقول عن بني تميم أنهم لا يعملون لا كما لا يعملون ما 3.
وأما قول المصنف: ورفعها معرفة نادر فقد استفيد منه أن لا إنما تعمل في النكرات 4.
ولا شك أن من أجاز إعمال لا إعمال ليس اشترط تنكير ما عملت فيه، وهذا بخلاف إن فإنها تعمل في المعرفة والنكرة 5.
واشترط أيضا ألا يتقدم خبرها على اسمها وألا ينتقض النفي، فلو قلت: لا قائم -
................................
رجل ولا رجل إلا زيد أفضل منك بطل عملها 1.
وكذا لا يجوز الفصل بمعمول الخبر بينها وبين ما عملت فيه 2.
وأما عملها في المعرفة فشاذ 3.
قال المصنف: «وشذّ [2/ 63] إعمالها في معرفة في قول النّابغة.
814 - بدت فعل ذي ودّ فلمّا تبعتها... تولّت وخلّت حاجتي في فؤاديا
وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا... سواها ولا عن حبّها متراخيا 4
وقد حذا المتنبي حذو النابغة فقال 5: -
................................ 815 - إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا 1 والقياس على هذا سائغ عندي، وقد أجاز ابن جنّي إعمال لا في المعرفة وذكر ذلك في كتاب التام 2». انتهى 3. ومثال بيت المتنبي قول الشاعر: 816 - أنكرتها بعد أعوام مضين لها... لا الدّار دارا ولا الجيران جيرانا 4 وقد قال المصنف - في شرح الكافية عند الكلام على لا 5 -: -
................................
وذكر الشّجري 1 أنّها عملت في معرفة وأنشد بيت النّابغة 2 ثم قال 3:
ويمكن عندي أن يجعل أنا مرفوع فعل مضمر ناصب باغيا على الحال تقديره لا أرى باغيا فلما أضمر الفعل برز الضّمير وانفصل.
ويجوز أن يجعل أنا مبتدأ والفعل المقدر بعده خبرا ناصبا باغيا على الحال 4.
ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه كقولهم 5:
حكمك مسمّطا 6 أي حكمك لك مسمّطا أي مثبتا فجعل مسمّطا وهو حال مغنيا عن عامله مع كونه غير فعل فأن يعامل باغيا بذلك وعامله فعل أحقّ وأولى».
انتهى 7.
وأما قول المصنف: وتكسع بالتّاء إلى آخره؛ فإنه شروع منه في الكلام على لات والكسع: ضرب الرجل مؤخر الرجل بظهر قدمه، والمراد أن التاء أتى بها في دبر لا.
ويستفاد من هذا: أن لات مركبة من لا والتاء وهو مذهب سيبويه فيها 8، - - ولا أنا باغيا آت عن ثقه... وفيه بحث بارع من حقّقه
................................ وعلى هذا لو سميت بها حكيت كما لو سميت بإنما. ومذهب الأخفش قيل والجمهور أن لا تركيب وإنما هي لا زيدت عليها التاء كما زيدت على ثم فقيل ثمت 1 فكأن لا لها استعمالان: أحدهما بغير تاء والثاني بالتاء [2/ 64] كثمّ. ولا يخفى بعد هذا القول 2. وذهب ابن أبي الربيع إلى أن الأصل في لات ليس. قال: «فأبدل السّين تاء كما فعل ذلك في ستّ 3 ثم قلبت الياء ألفا لأنه كان الأصل في ليس لاس لأنها فعل إلا أنهم كرهوا أن يقولوا ليت فيصير لفظها لفظ التّمنّي، ولم يفعلوا هذا إلا مع الحين كما أن لدن لم تشبّه نونها بالتّنوين إلّا مع غدوة 4 انتهى 5. ولا يخفى ما فيه من التعسف 6. وأما قول ابن الطراوة: «إنّ التّاء ليست للتّأنيث وإنّما هي زائدة على لفظ الحين بدليل قول القائل: 817 - العاطفون تحين ما من عاطف... [والمسبغون يدا إذا ما أرملوا] 7
................................
فهو قول لا ينبغي التشاغل به 1.
إذا عرفت هذا فاعلم أنهم ذكروا أن في عملها خلافا وأن مذهب الأخفش أنها لا تعمل، وما بعدها إن كان مرفوعا فهو مبتدأ محذوف الخبر أو خبر محذوف الابتداء وإن كان منصوبا فبفعل مضمر 2.
والجمهور على أنها تعمل وهو مذهب سيبويه لكنها إنما تعمل في شيء مخصوص وهو الحين أو ما رادفه.
قال سيبويه - وقد تكلم على عمل لا عمل ليس 3 -:
«كما شبّهوا بليس لات في بعض المواضع وذلك مع الحين خاصّة لا تكون لات إلّا مع الحين تضمر فيها مرفوعا وتنصب الحين لأنه مفعول به ولم تتمكّن تمكّنها، ولم تستعمل إلا مضمرا فيها».
انتهى.
وقوله: وتضمر فيها أراد بذلك الحذف لأن الحرف لا يضمر فيه.
وقوله: لأنّه مفعول به أي مشبه بالمفعول به، وظاهر كلامه أن عمل لات مختص بلفظ الحين فلهذا قصره بعضهم عليه وبعضهم عدى العمل إلى ما يرادف الحين من أسماء الزمان ومنهم المصنف كما صرح بذلك في متن الكتاب.
- - تحين: هي حين بمعنى الوقت زيدت التاء في أولها أو هي بقية لات بعد حذف لا منها.
وهو موضع الشاهد.
المسبغون يدا: المنعمون بكثرة على الناس.
والمعنى: مدح بالكرم حين يعز الكريم ويبخل الناس بالعطاء وهو كرم لا نهاية له حيث يكون في الغنى والفقر.
وفي البيت كلام كثير في شاهده، فابن الطراوة يحتجّ به على أنّ (لات حين) أصلها لا النافية والتاء زائدة على لفظ حين الظرفي.
ورأى ابن مالك في البيت رأيا آخر رده عليه أبو حيان سيأتي في هذا التحقيق.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 378)، وفي التذييل والتكميل (4/ 288)، ومعجم الشواهد (ص 354).
................................ وقال في الشرح 1: ولم يستعمل لات غالبا إلّا في الحين أو مرادفه مقتصرا على الخبر، كقوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ 2. ومنه قول الشاعر: 818 - غافلا تعرض المنيّة للمر... ء فيدعى ولات حين إباء 3 وقال في شرح الكافية 4: «وأما لات فإنهم رفعوا بها الحين اسما ولا يكادون يلفظون به بآخر منصوب خبرا كقوله تعالى: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ 5 أي -