الباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبر
................................ قول الراجز: 714 - لا يقنع الجارية الخضاب... ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي الأركاب... ويقعد الأير له لعاب 1 وحكى الكسائي: قعد لا يألو حاجة إلّا قضاها بمعنى صار 2. وجعل الزمخشري من ذلك قوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا 3. ويمكن أن يكون من ذلك قول الشاعر: 715 - ما يقسم الله أقبل غير مبتئس... منه وأقعد كريما ناعم البال 4 ذكر ذلك كله المصنف ثم قال 5: «وألحق قوم منهم الزمخشري وأبو البقاء بأفعال -
................................
هذا الباب: غدا وراح 1، وقد يستشهد على ذلك بقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: «اغد عالما أو متعلّما ولا تكن إمّعة».
ويقول النبي صلّى الله عليه وسلّم «لو توكلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا» 2.
والصحيح أنهما ليسا من الباب وإنما المنصوب بعدهما حال إذ لا يوجد إلا نكرة 3.
وذكر الفراء في كتاب الحدود: أن أسحر وأفجر وأظهر مساوية لأصبح وأمسى وأضحى ولم يذكر على ذلك شاهدا 4. انتهى 5.
وقد ألحق الكوفيون بأفعال هذا الباب ثلاثة أشياء:
أحدها: مررت: إذا لم يرد به المرور الذي هو انتقال الخطا، بل تكون بمنزلة كان وذلك نحو قولك: مررت بهذا الأمر صحيحا أي كان هذا الأمر صحيحا عندي.
الثاني: الفعل المكرر: في قولك لئن ضربته لتضربنه الكريم ولئن أكرمته لتكرمنه العاقل فجعلوا الكريم والعاقل وأمثالهما منتصبة على أنها أفعال للفعل المكرر.
-
[أحوال الخبر في جملة هذه الأفعال من التوسط أو التقديم]
قال ابن مالك: (وتوسيط أخبارها كلّها جائز ما لم يمنع مانع أو موجب، وكذا تقديم خبر صار وما قبلها جوازا ومنعا ووجوبا.
وقد يقدّم خبر زال وما بعدها منفية بغير ما، ولا يطلق المنع خلافا للفرّاء، ولا الجواز خلافا لغيره من الكوفيين.
ولا يتقدّم خبر دام اتّفاقا، ولا خبر ليس على الأصحّ).
الثالث: اسم الإشارة: في نحو هذا زيد قائما وجعلوا هذا تقريبا وزيدا اسم التقريب وقائما خبر التقريب واستدلوا على ذلك بأنك تقول هذا زيد قائما لن يقطع بأنه قد علم أن المشار إليه زيد فلو كان هذا مبتدأ وزيد خبره لم يقل ذاك إلا لمن يجهل أن المشار إليه زيد لأن الخبر إنما يكون مجهولا عند المخاطب وحينئذ يكون مفيدا.
ولم يقبل من الكوفيين ما ذكروه.
أما مررت بهذا الأمر صحيحا فالمرور هنا متجوز فيه كأنه قال: مر خاطري بهذا الأمر صحيحا، ويكون انتصاب صحيحا على أنه حال.
وأما لئن أكرمته لتكرمنه الكريم فالاسم المنصوب بدل من منصوب الفعل.
وأما هذا زيد قائما فاستدلالهم به فاسد لأن هذا اسم فلا بد أن يكون له موضع من الإعراب وعلى مذهبهم لا موضع له.
فإن قيل: فكيف جعلتم اسم الإشارة مبتدأ وما بعده خبر وليس الونى على ذلك؟
فالجواب: إن الكلام إذ ذاك محمول على معناه وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائما، فاللفظ على الإخبار على المشار إليه بزيد.
والكلام محمول على [2/ 18] معنى تنبه ورب كلام صورة لفظه على خلاف معناه نحو: غفر الله لزيد وكذلك: اتقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه اللفظ على الخبر والمعنى في الأول على الدعاء وفي الثاني على الأمر.
وهكذا هذا زيد لفظه لفظ الإخبار عن هذا بزيد ومعناه الأمر بالتنبيه إلى زيد في حال ما ويدل على أن المنصوب حال التزام التنكير.
قال ناظر الجيش: الخبر في هذا الباب إما أن يقدم على الاسم وإما أن يقدم على العامل وقد عبر المصنف عن القسم الأول بالتوسيط وعن القسم الثاني بالتقديم.
فأما توسيطه فينقسم ثلاثة أقسام: -
................................ ممتنع، وجائز، وواجب: قال المصنف 1: توسيط الخبر كقوله تعالى: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا 2 والاستشهاد بهذا أولى من الاستشهاد بقوله تعالى: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ 3 لأن بعض القراء أجاز الوقف على حقّا ناويا في كان ضميرا 4. وأمثلة التوسيط في غير كان من أخواتها سهلة فاستغنى عن ذكرها. والتوسيط أيضا جائز مع ليس ودام وإن كانا لا يتصرفان لأن الأقل محمول على الأكثر. ومثال ذلك مع ليس: قول الشاعر: 716 - سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم... فليس سواء عالم وجهول 5
................................
ومثال ذلك مع دام: قول الآخر:
717 - لا طيب للعيش ما دامت منغّصة... لذّاته بادّكار الموت والهرم 1
ومثله قول الآخر:
718 - ما دام حافظ سرّي من وثقت به... فهو الّذي لست عنه راغبا أبدا 2
وإنما خصصت ليس ودام بالاستشهاد على توسيط خبريهما لأنهما ضعيفان لعدم تصرفهما في أنفسهما فربما اعتقد عدم تصريفهما في العمل مطلقا.
وقد وقع في ذلك ابن معط 3 رحمه الله تعالى فضمن ألفيته منع توسيط خبر ليس ومادام 4 وليس له في ذلك متبوع بل هو مخالف للمقيس والمسموع.
-
................................
أما مخالفته للمقيس: فبينة لأن توسيط خبر ليس جائز بإجماع مع أن فيها ما في دام من عدم التصرف وتفوقها ضعفا لأن منع تصرفها لازم ومنع تصرف دام عارض ولأن ليس تشبه ما النافية معنى وتشبه ليت لفظا ولأن وسطها ياء ساكنة سالمة ومثل ذلك مفقود في الأفعال فثبت بهذا زيادة ضعف ليس على ضعف دام وتوسيط خبر ليس لم يمتنع توسيط خبر دام لنقصان ضعفها أحق وأولى» انتهى 1.
وقد نسب إلى ابن درستويه منع توسط خبر ليس تشبيها لها بما 2 [2/ 19] ولهذا نوقش المصنف في قوله: إنّ توسيط خبر ليس جائز بإجماع.
ولا شك أن المانع لذلك محجوج بالقراءة الثابتة في السبع ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب 3 بنصب البر.
- - ولا تنفصل عنها ما بخلاف أخواتها».
وفيما ذهب إليه ابن معط من منع توسط خبر مادام يقول محقق كتابه السابق (ص 55): «وهذا الذي ذهب إليه ابن معط قد أثار عليه ثائرة جمهور النحاة فيقول ابن إياز: أما امتناع تقدم خبرها عليها فليس فيه خلاف لأنه قد تقدم القول على أن ما فيه مصدرية ولا يجوز أن يتقدم ما في صلة المصدر عليه وأما تقديم خبرها على اسمها فجائز كقولك: لا أكلمك مادام قائما زيد وما وقفت في تصانيف أهل العربية متقدمهم ومتأخرهم على نص يمنع ذلك.
وقال ابن جمعة الموصلي (توفي سنة 672 هـ) شارح ألفية ابن معط عند شرح هذا البيت: وهذا مما انفرد به المصنف ويبطله: وأحسبها مادام للزّيت عاصر ولأنها فعل كسائر أخواتها ولأنها أولى من ليس بالجواز لكون جمودها عرض بالتركيب.
ولهذا إذا زال التركيب عادت إلى الأصل كقوله: ما خير ودّ لا يدوم (مجزوء الكامل).
وقد اعتذر له بأنها لما لزمت طريقة واحدة وهي الماضي جرت مجرى الأمثال، والأمثال لا تغير ولأن ما معها مصدرية وهي وما في حيزها صلتها وكأنه يريد الترتيب في آخر الصلة، ولأنها لما لم تكن مصدرا صريحا كانت فرعا عليه فلم يتصرف فيها بالتقديم كما تصرف في المصدر.
(شرح ألفية بن معط (2/ 861) تحقيق د/ علي موسى الشوملي (نشر مكتبة الخريجي بالرياض).
................................
واعلم أن المنقول عن الكوفيين أنهم لا يجيزون كان قائما زيد كما لا يجيزون قائما كان زيد فيمنعمون توسيط الخبر كما يمنعون تقديمه وستذكر هذه المسألة بعد 1.
ثم قال المصنف 2: ونبهت بقولي: ما لم يعرض مانع على أن توسيط الخبر قد يمتنع وذلك إما لسبب يقتضي وجوب تقديمه نحوكم كان مالك وأين كنت وإما لسبب يقتضي وجوب تأخيره نحو: كان فتاك مولاك وما كان زيد إلا في الدار 3.
ونبهت بقولي: أو موجب على أن توسيط الخبر قد يجيب وذلك إذا كان الاسم مقصود الحصر نحو قوله تعالى: ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا 4 وقد يحمل الموجب على موجب تقديم أو توسيط على سبيل التخيير وذلك إذا اشتمل الاسم على ضمير ما اشتمل عليه الخبر نحو كان شريك هند أخوها ووليها كان أبوها فواجب في هذه المسألة وشبهها تقديم الخبر أو توسيطه وممتنع تأخيره لئلا يتقدم الضمير على مفسر مؤخر رتبة ولفظا، فلو كان في مثل هذه المسألة قبل الفعل ما له صدر الكلام تعين التوسيط نحو هل كان شريك هند أخوها» انتهى 5.
وقد اقتصر المصنف على بعض الصور التي يمتنع فيها التوسيط أو يجب اتكالا منه على ما يذكره في باب النائب عن الفاعل من بيان صور تقديم المفعول على الفاعل منعا ووجوبا لأن الاسم والخبر في هذا الباب شبههما بالفاعل والمفعول غير خفي كما عرفت.
ولكن هنا مسألتين لا بد من التعرض إليهما لعدم انطواء الكلام في باب النائب عن الفاعل عليهما: - - ذهب إلى المنع من ذلك ابن درستويه تشبيها لها بما، أراد الحكم عليها بأنها حرف كما لا يجوز توسيط خبرها وهو محجوج بهذه القراءة المتواترة وبورود ذلك في كلام العرب ومنه قول الشاعر (من الطويل).
سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم... فليس سواء عالم وجهول وانظر القراءتين أيضا في كتاب السبعة في القراءت لابن مجاهد (ص 176).
................................
الأولى: أن الخبر يجب توسيطه إذا كان ظرفا أو مجرورا والاسم نكرة لا مسوغ للإخبار عنها إلا كون الظرف والمجرور متقدمين عليهما نحو كان في الدار رجل.
الثانية: اختلف في الخبر إذا كان فعلا لفاعل مضمر هل يجوز توسيطه نحو: كان يقوم زيد على أن يقوم الخبر 1 منهم من منع ذلك قياسا على المبتدأ والخبر فكما لا يجوز أن يقوم الخبر في نحو زيد يقوم فكذلك هنا لأن أفعال هذا الباب داخلة على المبتدأ والخبر ومنهم من أجازه محتجّا بأن المانع من ذلك في باب المبتدأ والخبر كون الفعل المتقدم عاملا لفظيّا والابتداء عامل معنوي والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي ولا شك أن كان وأخواتها من العوامل اللفظية فإذا تقدم الفعل على الاسم من هذه الأفعال لم يكن إعماله إعمالها فيه لأن العرب إذا قدمت عاملين لفظيين قبل المعمول ربما أعملت الأول وربما أعملت الثاني كما سنبين ذلك [2/ 20] في باب الإعمال 2.
قال ابن عصفور بعد إيراد هذا الكلام 3: «فالصّحيح إذن جواز تقديم الخبر على الاسم».
واعلم أن في إيجاب المصنف توسيط الخبر في مسألة: (هل كان شريك هند أخوها) نظرا ولم يتوجه لي امتناع التقديم في هذه المسألة.
هذا بالنسبة إلى تقديم مفسر الضمير عليه إلا أن يكون التقديم على نفس كان لشيء آخر وهو أن هل إذا كان بعدها اسم وفعل وجب أن يليها الفعل ويتأخر عنه الاسم فيقال هل عرفت زيدا، ولا يقال هل زيدا عرفت 4. هذا آخر الكلام على توسيط الخبر على الاسم.
-
................................
وأما تقديمه على العامل نفسه: فاعلم أن الأفعال المذكورة تنقسم بالنسبة إلى ذلك ثلاثة أقسام: قسم يجوز فيه
التقديم وقسم يمتنع فيه التقديم دون خلاف فيهما.
وقسم اختلف فيه؛ فمنهم من أجاز التقديم ومنهم من منع.
فالقسم الأول: سبعة أفعال: وهي كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل وبات وصار.
والقسم الثاني: دام.
والقسم الثالث: ليس وكذا زال وأخواتها إذا كانت منفية بغير ما، فإن منهم من يمنع التقديم كما أن منهم من أجاز التقديم إذا كانت منفية بما.
ثم إن القسم الأول وهو الذي يجوز فيه التقديم قد يعرض له ما يوجب فيه تقديم الخبر وقد يعرض له ما يوجب فيه تأخيره فيعمل بموجب كل من الأمرين.
وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله: وكذا تقديم خبر صار وما قبلها جوازا ومنعا ووجوبا.
قال رحمه الله تعالى 1: وأشرت بقولي: وكذا تقديم خبر صار وما قبلها جوازا ومنعا ووجوبا إلى أنه يجوز تقديم الأخبار المذكورة إن لم يعرض مانع ولا موجب.
فمن أسباب عروض المانع: خوف اللبس نحو كان فتاك مولاك فمثل هذا لا يتميز فيه الاسم إلا بالتقديم ولا الخبر إلا بالتأخير فالتزم وكان غيره ممنوعا 2 وهكذا نحو: صار عدوي صديقي.
ومن أسباب عروض المانع: حصر الخبر نحو إنما كان زيد في المسجد فتأخير الخبر في مثل هذا ملتزم وغيره ممنوع لأن حصر الخبر مقصود ولا يفهم إلا بالتأخير.
ومن أسباب عروض المانع: اشتمال الخبر على ضمير ما اشتمل عليه الاسم نحو كان بعل هند حبيبها فتأخير الخبر في مثل هذا ملتزم، وغيره ممنوع لأنه لو وسط أو قدم لزم عود الضمير على متأخر لا يتعلق به العامل 3. -
................................
وبعض النحويين لا يلتزم تأخير الخبر في مثل هذا لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد فلو وسط الخبر
فقيل كان حبيبها بعل هند لم يضر لأن الضمير عائد على ما هو كجزء من مرفوع الفعل ومرفوع الفعل مقدر التقديم وما هو كجزئه مقدر التقديم معه إذ لا يتم معناه إلا به.
ويلزم من جواز هذا جواز كان حبيبها الذي خطب هندا؛ لأن ما يتم به المضاف بمنزلة ما يتم به الموصول [2/ 21] وهذا يجوز فكذلك ما أشبهه.
وأما عروض موجب تقديم الخبر: فإذا كان فيه معنى الاستفهام نحو: كم كان مالك، وكيف كان زيد.
ولا حظّ لزال وما بعدها في وجوب تقديم الخبر لأنهن لا يدخلن على مبتدأ مخبر عنه بأداة استفهام ولا مضاف إليها وقد تقدم التنبيه على ذلك 1 انتهى 2.
ولا يخفى أن ما فيه معنى الشرط والمضاف إلى ما تضمن معنى المذكور وكم الخبرية حكم ذلك كله حكم ما فيه معنى الاستفهام؛ لأن لهذه المذكورات صدر الكلام.
ثم إن الأفعال السبعة، أعني التي يجوز تقديم أخبارها عليها في الأصل قد يصحبها أدوات لها صدر الكلام فيمتنع تقديم الخبر على تلك الأدوات وهي أدوات الشرط كلها وأدوات الاستفهام كلها وما النافية ولام التوكيد.
نحو: إن كان زيد قائما قام عمرو، وهل كان زيد قائما، وما كان زيد قائما، وليكونن زيد قائما؛ لا يجوز تقديم الخبر في شيء من هذا وكذا إذا كان الفعل صلة لموصول أو صفة لموصوف فإنه لا يتقدم الخبر على الموصول ولا على الموصوف نحو: يعجبني أن يكون زيد قائما، ويعجبني رجل يكون قائما فحكم الموصول والموصوف في عدم التقديم عليهما حكم الأدوات التي ذكرت لأن الصلة والصفة لا يتقدم منهما شيء على الموصول ولا على الموصوف إلا من الذي ذكر ما يجوز فيه الفصل بينه وبين ما باشره من الأفعال المذكورة، فيجوز تقديم الخبر في مثل ذلك على الفعل نفسه دون الذي باشر الفعل.
وذلك ما النافية وأدوات الاستفهام، فيجوز أن يقال في ما كان -
................................
زيد قائما: ما قائما كان زيد، وفي هل كان زيد قائما: هل قائما كان زيد، ولا فرق في ذلك بين كان وغيرها فيجوز أن يقال ما قائما زال زيد، وبعضهم يمنع ذلك في زال وأخواتها قال: لملازمتها النفي والأصح خلافه.
وبقية ما ذكر لا يجوز فيه الفصل فلا يجوز التقديم وذلك أدوات الشرط ولام التوكيد وكذا إذا كان الموصول حرفا فلا يجوز أن يقال: إن قائما كان زيد قام عمرو ولا لقائما يكونن زيد ولا يعجبني أن قائما يكون زيد لأن هذه
الأحرف لا يليها إلا الفعل.
على إن الذي أشير إليه لا يختص بهذا الباب الذي نحن فيه بل هو أمر محكوم به بالنسبة إلى سائر الأفعال.
وأما القسم الثاني: وهو الذي يمتنع فيه تقديم الخبر إجماعا فهو دام كما تقدم وسبب ذلك أن ما موصولة ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول، وهل يتقدم على دام خاصة دون ما؟
أما على رأي المصنف فلا يجوز لأنه لا يجيز الفصل بين الحرف الموصول وصلته مطلقا.
وابن عصفور يجيز الفصل مع الحرف الذي هو غير عامل نحو ما فيجيز أن تقول: عجبت مما زيدا [2/ 22] يضرب عمرو 1، وعلى هذا فهل يجوز ذلك هنا أعني ما دام فيقال: لا أصحبك ما طالعة دامت الشمس؟ فيه نظر.
والظاهر أن ذلك لا يجوز على رأي من يجيز ذلك لعدم تصرف دام 2، وقد ذكر ابن عصفور مع مادام قعد أيضا 3 وهو صحيح غير أن ذكر ذلك غير محتاج إليه لأن قعد إنما استعملت هذا الاستعمال في مكان واحد وهو جار مجرى المثل ولا شك أن الأمثال -
................................
لا تغير بل تستعمل على حسب ما وردت 1.
وقد أشار المصنف إلى هذا القسم بقوله: ولا يتقدّم خبر دام اتّفاقا.
وأما القسم الثالث: فقد عرفت أنه ليس وزال وأخواتها.
أما ما زال فقال المصنف 2: ويشارك زال وأخواتها إذا نفيت بغير ما صار وأخواتها في جواز تقديم الخبر نحو قائما لم يزل زيد وفي التخيير بين تقديمه وتوسيطه عند امتناع تأخيره نحو: في الدار لم يبرح صاحبها ولا ينفك
مع هند أخوها 3.
فلو كان النفي بما لم يجز لأن ما لها صدر الكلام ولذلك جرت مجرى حرف الاستفهام في تعليق أفعال القلوب.
وقياس إن النافية أن تجري مجراها في غير التعليق كما جرت فيه مجراها 4 كقوله عز وجلّ: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا 5.
وأجاز ابن كيسان التقديم مع النفي بما 6 مع أنه موافق للبصريين في أنّ ما لها صدر الكلام لكنه نظر إلى أن ما زال زيد فاضلا بمنزلة كان زيد فاضلا في المعنى فاستويا في جواز تقديم الخبر.
وهذا الذي اعتبره ضعيف لأن عروض تغيير المعنى لا يغير له الحكم ولذلك استصحب الاستفهام في نحو: علمت أزيد قام 7 أم عمرو ما كان له من التزام التصدير مع أن معنى الاستفهام قد تغير.
وأجاز الكوفيون إلا الفراء ما أجازه ابن كيسان لأن ما عندهم ليس لها تصدير -
................................
مستحق حكى ذلك ابن كيسان 1.
ومنع الفراء 2 مطلقا تقديم خبر زال وأخواتها فلا يجيز عالما لم أزل ولا عالما مازلت وكذا لو نفيت بلن أو أن
ذكر ذلك في كتاب الحدود 3. ودليله على ذلك ضعيف انتهى.
وثبت أن في جواز تقديم خبر زال وأخواتها ثلاثة مذاهب:
الجواز مطلقا 4، المنع مطلقا 5، التفصيل بين أن يكون النافي ما فيمتنع، أو غيرها من أدوات النفي فيجوز وهو الصحيح 6 وعبارة متن الكتاب معطية ما ذكرناه دون إشكال.
فأما ليس: فقال المصنف 7: اختلف في تقديم خبر ليس عليها فأجازه سيبويه على ما زعم من أخذ بظاهر من قول لا يلزم الأخذ به 8 وممن أخذ به السيرافي 9 والفارسي 10 -
................................
وابن برهان 1 والزمخشري 2.
ومنعه الكوفيون 3 وأبو العباس 4 وابن السراج 5 والجرجاني 6. - - وليس فيما نقلته عن أبي علي صراحة كاملة لرأيه في تقديم خبر ليس عليها، ولكنه صرح بذلك في كتاب الإيضاح يقول: «ويستقيم أن تقدم الخبر على الاسم فتقول: كان منطلقا زيد.
ويجوز أيضا: منطلقا كان زيد وشاخصا صار بكر لأن العامل متصرف وهكذا خبر ليس في قول المتقدمين من البصريين وهو عندي القياس فتقول: منطلقا ليس زيد.
انظر الإيضاح مشروحا للإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه المسمى المقتصد في شرح الإيضاح (1/ 407) تحقيق كاظم بحر المرجان (مجلدان - بغداد).
................................
وبه أقول.
لأن «ليس» فعل لا يتصرف في نفسه فلا يتصرف في عمله كما وجب لغيره من الأفعال التي لا تتصرف كعسى ونعم وبئس وفعل التعجب مع أن ليس شبيهة في المعنى بحرف لا يشبه الأفعال وهو ما بخلاف عسى لأنها تشبه حرفا يشبه [2/ 23] الأفعال وهو لعل، والوهن الحاصل بشبه حرف لا يشبه الأفعال أشد من الوهن الحاصل بشبه حرف يشبه الأفعال.
وكان مقتضى شبه ليس بما وعسى بلعل امتناع توسيط خبريهما كما امتنع توسيط خبري شبيههما لكن قصد ترجيح ما له فعلية على ما لا فعلية له، والتوسط في ذلك لم يجز فلم تجز الزيادة عليه تجنبا لكثرة مخالفة الأصل.
قال السيرافي: «بين ليس وفعل التعجب ونعم وبئس فرق لأن ليس تدخل على الأسماء كلها مظهرها ومضمرها ومعرفتها ونكرتها ويتقدم خبرها على اسمها ونعم وبئس لا يتصل بهما ضمير المتكلم ولا العلم، وفعل التعجب يلزم طريقة واحدة ولا يكون فاعله إلا ضمير ما فكانت ليس أقوى منها» 1.
قلت: فعلية نعم وبئس أظهر من فعلية ليس بثلاثة أوجه 2:
أحدها: أن معنى نعم وبئس يستقل باسم واحد لأن معنى نعم الرجل مدح الرجل أو كمل الرجل إلا أن الرجل مبهم والمراد تعيين ممدوح فاحتيج إلى مخصوص بعد الفاعل أو إلى ما يدل عليه قبل نعم.
فالحاصل: أن مطلوب نعم إنما هو الفاعل والمخصوص بالمدح إنما يطلبه الفاعل لأنعم لأنها غير عاملة فيه بإجماع بخلاف الجزء الثاني من مصحوبي ليس فإنه معمول لها فمعنى ليس لا يستقل إلا بجز أين مسند ومسند إليه فكانت أشبه بالحروف وكانت نعم وبئس أشبه بالأفعال.
-
................................
الثاني: أن نعم وبئس يقوم كل واحد منهما مقام فعل صريح ويقوم الفعل الصريح مقامه، فمن كلام العرب الفصيح علم الرجل فلان بمعنى نعم العالم فلان وليس لا تقوم إلا مقام حرف ولا يقوم مقامها إلا حرف.
الثالث: أن ليس ونعم وبئس مشتركة في مفارقة الأصل لأن أصل كل منها فعل ولكن «ليس» فارقت أصلها فراقا لازما على وجه عدم به النظير في الأفعال وثبت به شبه الحرف ونعم وبئس بخلاف ذلك لأنهما لم يفارقا أصلهما فراقا لازما، بل أصلهما مستعمل فلم يعدم بما فعل بهما النظير في الأفعال ولا ثبت به شبه الحرف لأن الذي فعل بهما من كسر الفاء وسكون العين مطرد في كل فعل على فعل ثانيه حرف حلق وفعلية ما روعي أصله وسلك به سبيله مطردة في الأفعال أقوى من فعلية ما لم يعامل بهذه المعاملة.
وأما تفضيل ليس على نعم وبئس بإعمالها في الظاهر والمضمر والمعرفة والنكرة فشيء ثبت على خلاف الأصل لأن شبهها في اللفظ والمعنى بالحرف أقوى من شبهها بالفعل فأن يسلك بها سبيل الأشبه بها أولى ولكن فعل بها ذلك لم يبق ما يدل على فعليتها فرفعت الضمائر المتصلة لذلك وإذا كان هذا التفضيل محوجا إلى اعتذار فلا يجعل سببا لتفضيل آخر فيستباح من أجله تقديم الخبر لأن ذلك تكبير لمخالفة الأصل ومحوج إلى اعتذار ثان ومع هذا فقد شاركها نعم وبئس في رفع الضمير [2/ 24] مستترا وبارزا فإن الكسائي روى عن (بعض) 1 العرب: الزّيدان نعما رجلين والزّيدون نعموا رجالا 2.
وقال الأخفش: ناس من العرب يرفعون النّكرة بنعم مفردة ومضافة 3.
وأما فعل التعجب فيفوق ليس بأربعة أوجه 4: -
................................
أحدها: تمكنه في الفعلية لفظا ومعنى لأنه على وزن أفعل 1 وهمزته مقدمة كأكرم وغيره من الأفعال المعداة بهمزة وهو مع ذلك متضمن لحروف مصدر ودال على معناه و «ليس» بخلاف ذلك.
الثاني: أن فعل التعجب يلزم نون الوقاية مع ياء المتكلم كما يلزم سائر الأفعال المتعدية و «ليس» بخلاف ذلك.
الثالث: أن لفعل التعجب صيغتين:
إحداهما كصيغة الماضي والأخرى كصيغة الأمر وذلك ضرب من التصرف وليس بخلاف ذلك.
الرابع: أن فعل التعجب يعمل في الظرف والحال والتمييز بخلاف ليس فإنها لا تعمل إلا في جزأي الإسناد.
وأما عسى: فتشارك ليس في إعمالها في الأسماء كلها مظهراتها ومضمراتها ومعارفها ونكراتها وتفوقها بأشياء:
منها: أن فعليتها مجمع عليها وفعلية ليس مختلف فيها.
الثاني: أن ليس من الأفعال المعتلة العين وعسى من الأفعال المعتلة اللام وهي جارية على ما يجب لنظائرها من الإعلال بالقلب كرمى وليس جارية على خلاف ما يجب لنظائرها من إعلال بالقلب كهاب وسلامه كسلامة صيد البعير 2.
الثالث: أن عسى وإن لم تتصرف بأن يجعل لها مضارع وأمر واسم فاعل فقد جعل لها حظ من التصرف بأن أجيز في عينها الفتح والكسر فقيل عسيت وعسيت وبنوا منها فعل التعجب فقالوا ما أعساه بكذا وأعسى به أن يكون وقالوا: هو عسي بكذا أي حقيق به وبالعسي أن تفعل وهو مصدر عسيت 3 وهذا كله موجب للمزية على ليس فلو قدم خبر ليس مع كون هذه الأفعال لا يقدم عليها شيء مما -
................................
يتعلق بها لكان ذلك مفضلا للأضعف على الأقوى فوجب الاقتصار عليه.
وعضد قوم 1 جواز تقديم خبر ليس ب أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ 2 قالوا: لأن يوم معمول مصروفا ولا
يقع المعمول إلا حيث يقع العامل.
ولنا أربعة أجوبة 3:
أحدها: أن المعمول قد يقع حيث لا يقع العامل نحو أما زيدا فاضرب وعمرا لا تهن وحقك لن أضيع فكما لم يلزم من تقديم معمول الفعل بعد أما تقديم الفعل ولا من تقديم معمول المجزوم والمنصوب على لا ولن تقديمهما عليهما كذلك لا يلزم من تقديم معمول خبر ليس تقديم الخبر.
الثاني: أن يجعل يوم منصوبا بفعل مضمر لأن قبله ما يَحْبِسُهُ 4 فيوم يأتيهم جواب كأنه قال يعرفون يوم يأتيهم وليس مصروفا جملة حالية مؤكدة أو مستأنفة.
الثالث: أن يكون يوم مبتدأ مبني لإضافته إلى الجملة فذلك شائع مع المضارع كشيوعه مع الماضي.
وللاحتجاج على بناء المضاف إلى المضارع موضع آخر.
الرابع: أن نسلم أن انتصاب يوم بمصروفا لأن الظروف يتوسع فيها بما لا يتوسع في غيرها ولذلك جاز ما غدا زيد ذاهبا ولم يجز ما طعامك زيد آكلا 5.
[2/ 25] وجاز: أغدا تقول: زيدا منطلقا، ولم يجز: أنت تقول: زيدا منطلقا.
هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى 6. -
................................
وقد استنبطت من كلام سيبويه الجواز وهو أنه أجاز في الاشتغال «أزيدا لست مثله» بنصب زيد بفعل يفسره ليس 1 ولا يفسر في الاشتغال إلا ما يصح له العمل.
ثم ها هنا أمران:
الأول 2: قال الشيخ 3: يحتاج جواز تقديم خبر كان إلى صار عليها إلى سماع من العرب ولم نجدهم ذكروا
سماعا في ذلك لا يكاد يوجد قائما كان زيد وقد استدل بعضهم على جواز ذلك بقوله عز وجلّ: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ 4 وبقوله تعالى: وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ 5، وبقوله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ 6 لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل.
الثاني: تقدم الوعد بذكر المسألة المنقول عن الكوفيين منعها وهي مسألة: كان قائما زيد وقائما كان زيد.
قال ابن عصفور 7: «أهل الكوفة لا يجيزون كان قائما زيد ولا قائما كان زيد على أن يكون في قائم ضمير يعود على اسم كان المؤخر ويكون قائما خبرا مقدما لأن ضمير الرفع عندهم لا يتقدم على ما يعود عليه أصلا وأهل البصرة يقولون:
الضمير مرفوع بما النية به التأخير فيكون الضمير النية به التأخير أيضا كرافعه وإذا كان كذلك لم يمتنع تقديمه ولكن الكوفيين أجازوا تقديم قائم على زيد فيقولون:
كان قائما زيد على أن يكون قائما خبر كان وزيد مرفوع به واسم كان ضمير الأمر والشأن ولا يثنى قائم لرفعه الظاهر هذا مذهب الكسائي 8 ومن أخذ بمذهبه وهو -
................................
باطل عندنا لأن ضمير الأمر والشأن لا يفسر إلا بجملة والاسم الرافع للظاهر هنا ليس بجملة وأجازه الفراء على أن يكون قائم خبر كان وزيد مرفوع بكان وقائم ولا يثنى عنده لرفعه الظاهر مع أنه يتقدر بالفعل.
ألا ترى أنك تقول كان يقوم زيد وكان قام زيد ويكون في معنى قائما زيد، وهذا فاسد لأنه لا يجوز إعمال عاملين في
معمول واحد.
وكذلك أجاز الكسائي أن تقول: قائما كان زيد على أن يكون قائم خبرا مقدما قد رفع الظاهر وزيد مرفوع به وفي كان ضمير الأمر والشأن ولا يثنى قائم لرفعه الظاهر كما كان يفعل ذلك مع التوسط.
وأما الفراء فإن حكمه عنده مع التقديم حكمه مع التوسط إلا أنه يثنى قائما ويجمعه لأنه لا يسوغ في محله الفعل فلا يقال قائما كان زيد ولا يقوم كان زيد وهو فاسد لما تقدم؛ فإن جعلت قائما وأشباهه خلفا لموصوف جاز عندهم أن يكون خبرا مقدما ومتوسطا ويكون فيه إذ ذاك ضمير يعود على الموصوف المحذوف وتثنيه إذ ذاك وتجمعه فتقول: قائما [2/ 26] كان زيد وكان قائما زيد والتقدير: رجلا قائما كان زيد وكان رجلا قائما زيد.
وهذا الذي ذهبوا إليه لا يجوز عندنا إلا إذا كانت الصفة خاصة فإن لم تكن خاصة لم يجز إقامتها مقام الموصوف».
انتهى كلام ابن عصفور فيما نقله عن الكوفيين في هذه المسألة 1. - قائم ضمير يعود على اسم كان المؤخر ويكون قائما خبرا مقدما على الاسم لأن ضمير الرفع عندهم لا يتقدم على ما يعود عليه أصلا.
وجاز ذلك عند أهل البصرة لأن الضمير مرفوع بما النية به التأخير والضمير إذا كانت النية به التأخير عن الظاهر جاز تقديمه عليه ثم حكى رأي الكسائي والفراء المذكورين في الشرح.
ثم قال في موضع آخر (4/ 173): وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز قائما كان زيد على أن يكون قائما خبر كان مقدما وزيد اسم كان للعلة التي ذكرت عنهم في منع توسطه ثم حكى رأي الكسائي والفراء كما هنا.
حكم الخبر إذا كان جملة في هذا الباب
قال ابن مالك: (ولا يلزم تأخير الخبر إن كان جملة خلافا لقوم).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: ذكر ابن السراج أن قوما من النحويين لا يجيزون تقديم الخبر ولا توسيطه إذا كان جملة، قال 2: والقياس جوازه وإن لم يسمع فأجاز أن يقال أبوه قائم كان زيد فهذا مثال التقديم وأجاز أيضا أن يقال كان أبوه قائم زيد.
وما ذهب إليه من الجواز هو الصحيح لأنه وإن لم يسمع من كان فقد سمع مع الابتداء كقول الفرزدق:
719 - إلى ملك ما أمّه من محارب... أبوه ولا كانت كليب تصاهره 3
أراد ما أبوه أمه من محارب فأبوه مبتدأ وأمه مبتدأ ثان ومن محارب خبر وهما خبر المبتدأ الأول فقدم الخبر وهو جملة فلو دخلت كان لساغ التقديم أيضا كقولك ما أمه من محارب كان أبوه 4. -
معمول الخبر المرفوع أو المنصوب في هذا الباب
قال ابن مالك: (ويمنع تقديم الخبر الجائز التّقدّم تأخّر مرفوعه ويقبّحه تأخّر منصوبه ما لم يكن ظرفا أو شبهه).
والتوسيط أولى بالجواز كقولك ما كان أمه من محارب أبوه.
ومما يدل على جواز تقديم الخبر وهو جملة قوله تعالى: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ 1، وقوله تعالى: وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ 2 فإياكم وأنفسهم منصوبان بيعبدون ويظلمون وقد قدما وتقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل.
انتهى.
وفهم من كلامه وتقريره وتمثيله لهذه المسألة أنه لم يقصد بقوله: وإن كان جملة أن يكون الخبر فعلا مسندا إلى ضمير اسم كان نحو: كان زيد يقوم لأنه لو قصد ذلك لم يجعل الدليل على جواز التقديم مع كان جوازه في الابتداء حيث قال لأنه وإن لم يسمع مع كان فقد سمع مع الابتداء ولا شك أن الخبر إذا كان فعلا مسندا إلى ضمير الاسم السابق لا يقدم في الابتداء فدل هذا على أن مسألة كان زيد يقوم حيث يجوز فيها التقديم على الصحيح كما تقدم 3 فيقال كان يقوم زيد ليست مرادة هنا وهذا ظاهر.
وكان الشيخ جعل كلامه يدخل فيه ذلك وعندي فيه ما ذكرته 4.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 5: «إذا كان للخبر المقدم معمول مؤخر امتنعت المسألة إن كان مرفوعا مفردا أو مصحوبا بغيره نحو قائما كان زيد أبوه وآكلا كان زيد أبوه طعامك فإن كان المعمول منصوبا لا مرفوع معه جازت المسألة على قبح نحو آكلا كان زيد طعامك، وإن كان المعمول ظرفا أو شبهه حسنت المسألة نحو:
مقيما كان زيد عندك، وراغبا كان عمرو فيك، وسبب ذلك أن حق العامل أن لا يفصل [2/ 27] بينه وبين معموله فإن كان مرفوعا كان فصله أصعب لكونه -
[تعريف الاسم والخبر وجواز تقدم الخبر]
قال ابن مالك: (ولا يمتنع هنا تقديم خبر مشارك في التّعريف وعدمه إن ظهر الإعراب وقد يخبر هنا وفي باب إنّ بمعرفة عن نكرة اختيارا).
كجزء رافعه فلم يجز بوجه وإن كان مفعولا به قبح ولم يمتنع لأنه ليس كجزء ناصبه فإن كان ظرفا أو شبهه حسن فصله لا تساعهم في الظروف وشبهها».
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: «إذا اشترك في هذا الباب الخبر والمخبر عنه في تعريف أو تنكير لم يلزم ما
لزم في باب الابتداء من تأخير الخبر إلا إذا لم يظهر الإعراب نحو كان فتاك مولاك ولم يكن فتى أزكى منك فإن ظهر الإعراب جاز التوسيط والتقديم نحو كان أخاك زيد وأخاك كان زيد ولم يكن خيرا منك أحد وخيرا منك لم يكن أحد، ولما كان المرفوع هنا مشبها بالفاعل والمنصوب مشبها بالمفعول جاز أن يغني هنا تعريف المنصوب عن تعريف المرفوع كما جاز ذلك في باب الفاعل لكن بشرط الإفادة وكون النكرة غير صفة محضة فمن ذلك قول حسان رضي الله عنه:
720 - كأنّ سلافة من بيت رأس... يكون مزاجها عسل وماء 2
-345
................................
فجعل مزاجها وهو معرفة خبر كان وعسلا وهو نكرة اسمها وليس القائل مضطرّا لتمكنه من أن يقول تكون مزاجها عسل وماء فيجعل اسم كان ضمير السلافة ومزاجها عسل وماء مبتدأ وخبر في موضع نصب بكان 1 ومثله قول القطامي:
721 - قفي قبل التفرّق يا ضباعا... ولا يك موقف منك الوداعا 2
فأخبر بالمعرفة عن النكرة مختارا لا مضطرّا لتمكنه من أن يقول ولا يك موقفي منك الوداعا أو لا يك منك موقفنا الوداعا 3.
والمحسن لهذا مع حصول الفائدة شبه المرفوع بالفاعل والمنصوب بالمفعول.
وقد -
................................ حمل هذا الشبه في باب إن على أن جعل فيه الاسم نكرة والخبر معرفة كقول الشاعر: 722 - وإنّ حراما أن أسبّ مجاشعا... بآبائي الشّمّ الكرام الخضارم 1 وأجاز سيبويه: إنّ قريبا منك زيد 2. انتهى 3. والمغاربة كابن عصفور وغيره ذكروا هاهنا تقسيما وجعلوا الإخبار بالمعرفة عن النكرة في البابين أعني بابي كان وإنّ من الضرورات فخالفوا المصنف في ذلك والتقسيم الذي ذكروه هو أن قالوا 4: إذا اجتمع في هذا الباب اسمان فإما أن يكونا معرفتين أو نكرتين أو معرفة ونكرة؛ فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكونا معرفتين: وحينئذ إما أن تكون إحداهما قائمة مقام الأخرى أو مشبهة بها، أو هي نفسها: إن كانت قائمة مقامها أو مشبهة بها كان الخبر ما تريد إثباته نحو: كانت عقوبتك عزلتك، وكان زيد زهيرا، فالعزلة ثابتة -
................................
لا العقوبة والتشبيه بزهير ثابت ولو قلت: عزلتك عقوبتك كان معاقبا لا معزولا ولو قلت: كان زهير زيدا [2/ 28] ثبت التشبيه لزهير بزيد.
وإن كانت المعرفة هي الأخرى نفسها فإما أن يكون المخاطب يعرفهما أو يجهلهما أو يعرف إحداهما ويجهل الأخرى.
وإذا كان يعرفهما فإما أن تكون النسبة بينهما معلومة له أو مجهولة فهذه أربع صور:
منها صورتان لا يحتاج إلى الكلام فيهما وهما ما إذا كانا مجهولين عند المخاطب وما إذا كان معلومين وكانت النسبة بينهما معلومة عنده وذلك لأنه لا يجوز فيهما جعل أحد الاسمين مخبرا عنه والآخر مخبرا به؛ إذ لا فائدة في ذلك.
بقي الكلام في صورتين: وهما ما إذا كانا معلومين عند المخاطب وهو يجهل النسبة بينهما وما إذا كان المخاطب يعرف أحدهما ويجهل الآخر.
أما الصورة الأولى وهي ما علم فيها الاسمان وجهلت النسبة فضربان:
الضرب الأول: أن يستويا في رتبة التعريف وحينئذ قالوا يجوز أن يجعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر نحو كان زيد أخا عمرو وكان أخو عمرو زيدا إذ قدرت أن المخاطب يعلم زيدا بالسماع وأخا عمرو بالعيان لكنه لا يعلم أن ما علمه بالعيان هو الذي علمه بالسماع فلا فرق أن يجعل أحدهما الاسم والآخر الخبر، لأن المجهول إنما هو النسبة وحظ كل منهما في النسبة واحد.
واستثنوا من ذلك مسألة وهي أن يكون أحد الاسمين أن أو أنّ المصدريتين وما اتصل بهما فقالوا: الاختيار جعل الحرف المصدري وصلته الاسم والآخر الخبر ولذلك قرأ أكثر القراء: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ 1 بنصب جواب مع أنهما -
................................
متساويا الرتبة في التعريف لأن جواب قومه مضاف إلى مضاف إلى الضمير، وأن قالوا مقدر بمصدر مضاف إلى الضمير ولكن العرب حكمت لهما بحكم المضمر وإنما حكمت لهما بذلك لشبههما به في أنهما لا ينعتان كما أن المضمر كذلك.
الضرب الثاني: ألا يستويا في رتبة التعريف وحينئذ الاختيار جعل الأعرف منهما الاسم والأقل تعريفا الخبر نحو كان زيد صاحب الدار، ويجوز كان صاحب الدار زيدا إلا إذا كان أحد الاسمين اسم إشارة فإنه يجعل الاسم ويجعل غيره الخبر في هذا الباب وغيره فيقال هذا القائم وهذا زيد وهذا أخوك وكان هذا أخاك وموجب ذلك أن العرب اعتنت به لمكان التنبيه الذي فيه الإشارة فقدمته ولا يجوز أن يجعل اسم الإشارة ضميرا إلا مع المضمر فإن الأفصح أن يقدم فنقول: ها أنذا ولا يجوز هذا أنا وهذا أنت.
قال الشيخ 1: «وفي تقرير الإخبار عن الاسم المضمر باسم الإشارة وعكسه إشكال قال: وأي شبه بينهما يجهلها المخاطب حتى يصحّ هذا الإخبار».
وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان المخاطب يعلم أحدهما ويجهل الآخر، فإن المعلوم يجعل الاسم والمجهول يجعل الخبر فيقال: كان زيد أخا عمرو إذا قدر أن المخاطب [2/ 29] يعلم زيدا ولا يعلم أنه أخو عمرو، فإن قدرته يعلم أخا عمرو ولا يعلم أن اسمه زيد قلت: كان أخو عمرو زيدا.
وزعم ابن الطراوة 2 أن الذي تريد إثباته تجعله الخبر والذي لا تريد إثباته تجعله الاسم وتعلق بقول عبد الملك بن مروان 3 لخالد: وقد جعلت عقوبتك عزلتك قال - - قال أبو حيان عند تفسير الآية الأولى: (البحر المحيط: 3/ 75) «قرأ الجمهور قولهم بالنصب على أنه خبر كان وأن قالوا في موضع الاسم جعلوا ما كان أعرف الاسم لأن أن وصلتها تتنزل منزلة الضمير وقولهم مضاف للضمير يتنزل منزلة العلم وقرأت طائفة منهم حماد بن سلمة عن ابن كثير وأبو بكر عن عاصم برفع قولهم جعلوه اسم كان والخبر أن قالوا والوجهان فصيحان وإن كان الأول أكثر، وقد قرئ: «ثمّ لم تكن فتنتهم» بالوجهين في السبعة».
وفي (7/ 86) قال: «قرأ الجمهور جواب بالنصب والحسن وابن أبي إسحاق بالرفع».
................................
فالعزلة هي الحاصلة لا العقوبة.
قال ومن ذلك قول الشاعر:
723 - فكان مضلّي من هديت برشده... فلله مغو عاد بالرشد آمرا 1
أثبت الهداية لنفسه ولو قال كان هادي من أضللت به لكان قد أثبت الإضلال قال: وقد غلط في هذا جلة من الشعراء ومنهم المتنبي فإنه قال:
724 - ثياب كريم ما يصون حسانها... إذا نشرت كان الهبات صوانها 2
قال 3: «فذمّه وهو يرى أنه مدحه ألا ترى أنّه أثبت الصّوان ونفى عنها الهبات كأنه قال كأن الّذي يقوم لها مقام الهبات أن تصان ولو قال: كان الهبات صوانها لكان يهب ولا يصون كأنه قال: كأن الذي يقوم لها مقام الصّوان أن توهب».
قال ابن عصفور 4: «وهذا الذي قاله لا يتصور إلا حيث يكون الخبر غير المبتدأ - - انتقلت الدواوين إلى العربية وضبطت الحروف بالنقط والحركات نقش على خاتمه: «آمنت بالله مخلصا».
(الأعلام: 4/ 312).
................................
وذلك نحو: كان زيد زهيرا إذا أردت تشبيه زيد بزهير فيما مضى.
فإن أردت عكس هذا قلت: كان زهير زيدا فأما إن كان الثاني هو الأول فإن المعنى على كل حال واحد نحو كان أخو عمرو زيدا.
فأما قوله: فكان مضلي من هديت برشده فإن المعنى واحد جعلت الخبر مضلي أو من هديت.
إذا أردت أن الهداية والإضلال وقعا فيما مضى ألا ترى أنك إذا قلت: كان مضلي فيما مضى من وقعت الهداية منه إليّ، وكان من وقعت الهداية منه إليّ مضلي فيما مضى كان المعنى واحدا وإنما كان يختلف المعنى لو كان زمن الخبر في الحال وزمن المخبر عنه فيما مضى.
ألا ترى أنك إذا قلت كان مضلى فيما مضى من هديت به الآن كان عكس قولك من هديت به فيما مضى الآن.
وأما قوله: كان الهبات صوانها فإنك إذا جعلت الهبات خلاف الصوان بطل المعنى المراد من المدح بجعل الصوان خبرا وإذا جعلت الهبات نفس الصوان كان المعنى واحدا نصبت الصوان وكأنك قلت: كان الهبات صونا لها وكان الصون هبة لها» 1.
وقد أنشد ابن الضائع قول ابن الطراوة واعتراضه على المتنبي وإنما تركت إيراده خوف الإطالة 2. -
................................
القسم الثاني 1 أن يكون الاسمان نكرتين: وحينئذ إما أن يكون لكل منهما مسوغ للإخبار عنه أو لا فإن كان جعلت أيهما شئت الاسم والآخر الخبر نحو:
أكان رجل قائما وأكان قائم رجلا وإن لم يكن المسوغ إلا لأحدهما جعلته المخبر عنه والآخر الخبر نحو كان كل أحد قائما ولا يجوز كان قائم كل أحد.
القسم الثالث: أن يكون أحدهما معرفة والآخر نكرة: وحينئذ يجب جعل [2/ 30] المعرفة الاسم والنكرة الخبر نحو: كان زيد قائما ولا يجوز عكس ذلك إلا في الشعر وحينئذ لا يخلو أن يكون للنكرة مسوغ للإخبار عنها أو لا يكون.
فإن لم يكن لها مسوغ فالمسألة مقلوبة نحو: كان قائم زيدا فزيد وإن كان منصوبا هو المخبر عنه وقائم وإن كان مرفوعا هو الخبر.
وإن كان للنكرة مسوغ للإخبار عنها فإنك إن بنيت الأمر 2 على الإخبار عن المعرفة بالنكرة كان مقلوبا وإن بنيته على الإخبار بالمعرفة عن النكرة كان غير مقلوب وذلك نحو: أكان قائم زيدا إن قدرت أن المعنى أكان زيد قائما كان مقلوبا وإن قدرت أن المعنى أكان قائما من القائمين يسمى زيدا كان غير مقلوب.
والقلب للضرورة جائز باتفاق وإنما الخلاف في جوازه في الكلام ومما جاء من القلب في هذا الباب قوله:
725 - كانت فريضة ما تقول كما... كان الزّناء فريضة الرّجم 3
-
- معناه مؤخرا، وكذلك كان زيد أخاك وكان أخوك زيدا لا فرق بينهما.
انظر ورقة 58، 59 من شرح الصفار لكتاب سيبويه (مخطوط بدار الكتب رقم 900 نحو).
- معناه مؤخرا، وكذلك كان زيد أخاك وكان أخوك زيدا لا فرق بينهما.
................................
أي كان الرجم فريضة الزنا.
قال ابن عصفور بعد إيراد الأقسام 1: وينبغي أن تعلم أن ضمير النكرة يعامل في باب الإخبار معاملة النكرة وذلك أن تعريفه إنما هو لفظي ألا ترى أنك إذا قلت:
لقيت رجلا فضربته على أنك إنما تعني بالضمير الرجل المتقدم الذكر وأن الملقى هو المضروب وأما أن يعلم من هو في نفسه فلا فلما علم من يعني به كان معرفة من هذا الطريق وأيضا فإنه ينوب مناب تكرار الظاهر.
والظاهر إذا كرر كان بالألف واللام فلما ناب مناب معرفة بالألف واللام كان هو معرفة فإذا ثبت أن تعريفه لفظي والإخبار عن النكرة كما تقدم في باب الابتداء إنما امتنع من طريق معناها لا من طريق لفظها 2 جرى ضمير النكرة مجرى النكرة وإن كان معرفة في اللفظ على ما مر آنفا.
فإن جاء شيء من الإخبار بالمعرفة عن ضمير النكرة فبابه الشعر ومن ذلك قول الشاعر:
726 - أسكران كان ابن المراغة إذ هجا... تميما بجوف الشّام أم متساكر 3
فأخبر بابن المراغة عن ضمير السكران وهو من المقلوب.
ألا ترى أن المعنى على الإخبار عن ابن المراغة بالسكران كأنه قال: أكان ابن -456 - وانظر الرواية الثانية وبحثا لطيفا في كتاب الإنصاف (1/ 373). والبيت في التذييل والتكميل (4/ 197) وفي شرح الجمل (1/ 389) وفي معجم الشواهد (ص 372).
................................
المراغة سكران ولم يرد أن يقول: أكان سكران من السكارى يعرف بابن المراغة.
ومثله قول الآخر:
727 - فإنّك لا تبالي بعد حول... أظبي كان أمّك أم حمار 1
فأخبر عن ضمير الظبي وهو نكرة بأمك وهو معرفة ثم قال 2:
«وينبغي أن يعلم أن النكرة المختصة تنزل من النكرة غير المختصة منزلة المعرفة من النكرة فلا يجوز كان رجلا من إخوتك غلام كما لا يجوز كان زيدا غلام وكذلك جعل سيبويه قول الشاعر:
728 - وإنّ شفاء عبرة مهراقة... فهل عند رسم دارس من معوّل 3
ضرورة 4 لأنه أخبر عن شفاء وهو نكرة غير مختصة بعبرة وهي مختصة -
................................
بالوصف 1.
ومن هذا القبيل قول [2/ 31] الآخر:
729 - كأنّ سبيئة من بيت رأس... يكون مزاجها عسل وماء 2
فجعل عسلا وماء اسمين ليكون وهما نكرتان غير مختصتين وجعل مزاجها خبرا وهو مضاف إلى ضمير سبيئة والسبيئة نكرة مختصة وقد تبين أن ضمير النكرة يتنزل منزلة النكرة فمزاجها أخص من عسل وماء وقد جعل خبرا للضرورة».
ثم قال 3: «هذا حكم النكرة مع المعرفة إذا اجتمعا في هذا الباب ما لم يكن للنكرة مسوغ للإخبار عنها وذلك بأن تكون النكرة اسم استفهام فإنه يجوز الإخبار عنها بالمعرفة لأن اسم الاستفهام فيه عموم، ألا ترى أنه يسأل عن الواحد فصاعدا والعموم من مسوغات الإخبار عن النكرة فكذلك الاستفهام ولذلك أجاز سيبويه 4 أن يكون أرضك خبرا لكم من قولهم: كم جريبا أرضك.
ومما جاء من هذا الباب: من كان أخاك وما جاءت حاجتك، حكاهما سيبويه بنصب الأخ والحاجة 5 وهما معرفتان قد أخبر بهما عن ضمير من وما الاستفهاميتين.
واسم الاستفهام نكرة وضمير النكرة كما تقدم في الإخبار بمنزلة النكرة بمنزلة النكرة» انتهى 6 وفي شرح الشيخ بعد أن ذكر البيت المختوم بقوله:
730 -... أظبي كان أمّك أم حمار
«وبهذا ونحوه استدلّ سيبويه على جعل الاسم نكرة والخبر معرفة» انتهى 7 وهذا يحقق ما قرره ابن عصفور.
-
................................
واعلم أنه تعلق بما تقدم بحثان:
الأول:
قولهم: إن الاسمين إذا كانا معلومين للمخاطب وكان النسبة بينهما معلومة عنده فإنه لا يجوز حينئذ جعل أحد الاسمين مخبرا عنه والآخر مخبرا به إذ لا فائدة في ذلك كما تقدم.
والحاصل: أن الخبر تارة يقصد به إفادة المخاطب الحكم وهو إذا كان يجهل النسبة الواقعة بين المنتسبين وتارة يقصد به إفادة المخاطب أن المخبر عالم بالحكم وهو إذا كان المخاطب عالما بالنسبة ويسمى الأول فائدة الخبر ويسمى الثاني لازم فائدة الخبر.
وإذا كان كذلك فلا يقال إن المخاطب إذا كان عالما بالنسبة الواقعة بين المعلومين فلا فائدة في الإخبار.
إذ قد تبين أن الفائدة حاصلة.
الثاني:
قال ابن الضائع 1: «إذا كان الاسمان معرفتين فأنت مخيّر في جعل أيهما شئت الاسم والآخر الخبر.
قال: لأنه إذا كانا معرفتين فالمجهول عن المخاطب أن إحدى المعرفتين مدلولها هو بعينه مدلول الأخرى وهذا المعنى لا يختلف، جعلت زيدا المبتدأ والأخ الخبر أو بالعكس إذا قلت: زيد أخوك وسوّى بين: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ 2 بالنصب وبين قراءة الرفع من حيث المعنى ولم يجعل بينهما فرقا» انتهى.
وكذا يفهم كلام ابن أبي الربيع فإنه قال 3 «لا فرق بين قولك كان زيد هذا وكان هذا زيدا».
قال: «وأما قول العرب: كان زيد صديقي زيدا فاختلف النحويّون فيه فمنهم من قال [2/ 32] المعنى واحد وأجراه مجرى كان زيد هذا وكان هذا زيدا ومنهم -
................................
من جعل المعنيين مختلفين فقال: كان زيد صديقي يعني أنّ زيدا من الأصدقاء وليس في اللفظ تعرّض لنفي هذه الصفة عن غيره ولا إثباتها.
وإذا قلت: كان صديقي زيدا يعطي أن لا صديق لك إلّا زيد بظاهر الكلام، قال: وهذا عندي هو الأظهر» انتهى.
وما ذكراه غير ظاهر لأنهما لم يفصلا بين أن تستوي المعرفتان في الرتبة أو لا يستويا 1 وقد عرفت حكم ذلك 2.
ولا بيّنا ما إذا كان المخاطب يعرف أحدهما ويجهل الآخر، وقد عرفت ما بين ذلك من الفرق 3.
والحق في هذه المسألة هو ما تقدم لنا ذكره وهو الذي ذكره أبو الحسن بن عصفور.
وقد ذكر أصحاب علم البيان ما ينافي ما ذكره ابن الضائع وابن أبي الربيع ويوافق ما قرره ابن عصفور، وهو أنهم قالوا: قد يكون للشيء صفتان من صفات التعريف ويكون السامع عالما باتصافه بإحداهما دون الأخرى؛ فإذا أردت أن تخبر بأنه يتصف بالأخرى فتعمد إلى اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ وتعمد إلى اللفظ الدال
على الثانية وتجعله خبرا فتفيد السامع ما كان يجهله من انصافه بالثانية كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدا هو يعرفه بعينه واسمه ولكن لا يعرف أنه أخوه وأردت أن تعرفه أنه أخوه فتقول له: زيد أخوك سواء عرف له أخا ولم يعرف أن زيدا -
[اقتران خبر هذه الأفعال بإلا وأحكام ذلك]
قال ابن مالك: (فصل - يقترن بإلّا الخبر المنفيّ إن قصد إيجابه وكان قابلا ولا يفعل ذلك بخبر برح وأخواتها؛ لأنّ نفيها إيجاب وما ورد منه بإلا مؤوّل).
أخوه، أو لم يعرف أن له أخا أصلا.
وإن عرف أن له أخا في الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت: أخوك زيد.
وأما إذا لم تعرف أن له أخا أصلا فلا يقال ذلك لامتناع الحكم بالتعيين على من لم يعرفه المخاطب أصلا فظهر الفرق بين قولنا: زيد أخوك، وقولنا: أخوك زيد 1.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: «يتناول الخبر المنفي خبر ليس وما قبلها من أفعال هذا الباب إذا تلت نفيا، ويتناول أيضا ثاني مفعولي ظن وأخواتها إذا تلت نفيا أيضا فإن قصد إمضاء النفي جيء بالخبر مجردا من إلا نحو: ليس زيد قائما وما كان منطلقا وما علمته عاجزا وإن قصد الإيجاب قرن بإلا 3 نحو: ليس زيد إلا قائما -
................................
وما كان إلا منطلقا وما علمته إلا عاجزا فإن كان الخبر مما لا يستعمل إلا في نفي لم يقترن بإلا نحو: ما كان مثلك أحد.
وما كنت تعيج أي تنتفع فلو قرنت أحدا أو تعيج بإلا لم يجز لأن إلا تنقض النفي وأحد ويعيج من الكلم التي لا تستعمل إلا في نفي، فإليهما وإلى أمثالهما أشرت بقولي: إن قصد إيجابه وكان قابلا» انتهى 1.
ومن ثم امتنع أن يقال: ما كان زيد [2/ 33] إلا زائلا ضاحكا وما أصبح عبد الله إلا منفكّا منطلقا وما أضحى زيد إلا بارحا قائما لأن زائلا ومنفكّا وبارحا لا يستعمل في الإيجاب لأن حكم أسماء الفاعلين حكم الأفعال.
نعم لو قلت ما كان زال زيد زائلا ضاحكا جاز لأن ما إذا دخلت على هذه الأفعال نفت أخبارها فكأنك قلت:
ما زال زيد ضاحكا، ولو قلت: ما أضحى زيد رجلا زائلا ضاحكا لم يجز لأن حرف النفي لا ينفي صفة الموصوف إذا دخل عليه ألا ترى أنك لو قلت: ما زيد العاقل قائما لم تكن نافيا للفعل عن زيد، فإذا قلت ما أضحى زيد رجلا زائلا ضاحكا كان معنى زائلا غير منفي وذلك لا يجوز استعماله قاله ابن عصفور 2.
وقد نوقش المصنف في دعواه أن يصبح لا يستعمل إلا في النفي.
قال الشيخ 3: «أنشد أبو عليّ القالي في النّوادر 4 قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي:
731 - ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه... ولا مشربا أروى به فأعيج 5
ثم قال المصنف ردف كلامه السابق 6:
ثم قلت: «ولا يفعل ذلك بجبر برح وأخواتها أي لا يقترن خبر برح وأخواتها بإلا لأنه موجب وإنما يجاء بإلا لإيجاب ما ليس موجبا فكما لا يقال كان زيد إلا -
................................
قائما لا يقال: ما زال زيد إلا قائما لأن مقتضى كان وما زال واحد.
وأما قول ذي الرمة 1:
732 - حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا 2
ففيه أربعة أقوال:
أحدها 3: أن ينفك فعل تام وهو مطاوع فكه إذا خلصه أو فصله فكأنه قال:
ما تتخلص أو ما تنفصل من السير 4 إلا في حال إناختها على الخسف.
الثاني: أن تكون تنفك ناقصة والخبر على الخسف ومناخة حال فكأنه قال:
ما تنفك كائنة على الخسف أي الذل والتعب أو مرميّا بها بلدا قفرا إلا في حال إناختها.
الثالث: أن إلا زائدة قاله ابن جني في المحتسب 5 وحمل عليه قراءة ابن مسعود:
(وإن كل إلا ليوفينهم ربك أعمالهم) 6.
................................
الرابع: أن ذا الرمة أخطأ بإيقاع إلا موقعا لا يصلح إيقاعها فيه وهذا أضعف الأقوال 1 ويساوي برح وأخواتها في منع اقتران الخبر بإلا: أليس وأما المقصود بهما التقرير لأن التقرير إثبات محض فإن قصد بالهمزة مجرد الاستفهام عن النفي جاز الاقتران بإلا كما يجوز عند عدم الهمزة» انتهى.
والمنقول عن الأصمعي أنه لا يحتج بذي الرمة فطالما أكل الزيت من حوانيت البقالين يعني أنه كثرت مخالطته الحاضرة ففسد لسانه 2.
قال الشيخ: وجمهور أهل العلم على الاحتجاج بكلامه، وأما تخريج ابن جني فضعيف لأن إلا لم تثبت زيادتها في هذا الموضع، وأما قراءة ابن مسعود فتخريجها على أن إن نافية وإلا على بابها وليوفينهم جواب قسم محذوف أي وما كل إلا أقسم ليوفينهم 3.
واعلم أن ما امتنع فيه دخول إلا [2/ 34] امتنع فيه دخول الباء فلا يقال ما زال زيد بقائم لأن الباء إنما تدخل تأكيدا للنفي والخبر هنا ثابت وكذا يمتنع أن يكون له - - أما السبعية فقد قرأها حفص وحمزة بتشديد النون من إن وتشديد الميم من لمّا.
وقرأ ابن كثير ونافع بتخفيفهما، وقرأ عاصم بتخفيف إن وتشديد لما، وقرأ الكسائي عكسه (انظر كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد: ص 339). أما الشاذة: فقد قرأ الزهري وسليمان بن أرحم: لما ليوفينهم بتنوين لما وهو مصدر لمّ، أي جمع كقوله تعالى: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا [الفجر: 19] وقرأ ابن مسعود القراءة المذكورة في الشرح وتوجيهها أنّ إن نافية والمعنى ما كل إلا والله ليوفينهم كما يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة وتجعل إلا زائدة وهو الوجه المذكور (المحتسب: 1/ 328).