تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2393-2398

الباب التاسع والعشرون باب التّمييز

صفحات 2393-2398

................................  الخامس: أنّ منع تقديم التمييز المذكور عند من منعه مرتب على كونه فاعلا في الأصل، وذلك إنّما هو في بعض الصور، وفي غيرها هو بخلاف ذلك، نحو: «امتلأ الكوز ماء» وفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً 1 وفي هذا دلالة على ضعف علة المنع لقصورها عن عموم جميع الصور.
السادس: أن اعتبار أصالة الفاعلية في منع التقديم على العامل متروك في نحو: «أعطيت زيدا درهما» فإنّ (زيدا) في الأصل فاعل، وبعد جعله مفعولا لم يعتبر ما كان له من منع التقديم، بل أجيز فيه ما يجوز في ما لا فاعلية له في الأصل فكذا ينبغي أن يفعل بالتمييز المذكور.
فثبت بما بينته أن تقديم التمييز على عامله إذا كان فعلا متصرفا جائز وإن كان سيبويه لم يجزه.
وحكى ابن كيسان أنّ الكسائي أجاز «نفسه طاب زيد» وأنّ الفراء منع ذلك 2. فإن كان عامل التمييز غير فعل، أو فعلا غير متصرف لم يجز التقديم بإجماع، فإن استجيز في ضرورة عدّ نادرا كقول الراجز: 1917 - ونارنا لم ير نارا مثلها... قد علمت ذاك معدّ كلّها 3 أراد: لم ير مثلها نارا، فنصب نارا بعد «مثل» بمثل، كما نصبوا «زبدا» في قولهم: «على التمرة مثلها زبدا» ثم قدّم «نارا» على «مثل» مع كونه عاملا لا يتصرف، ولولا الضرورة لم يستبح.
انتهى كلام المصنف 4. وقد تقدم في أول الفصل عن ابن عصفور: أن مذهب المحققين أنّ العامل في [3/ 101] المميز الذي ينتصب عن تمام الكلام هو الجملة التي انتصب عن تمامها، وأنّه مختاره، وتقدّم ذكر استدلاله ومنازعة الشيخ له في الدليل الذي أورده، وعلى -

................................  هذا بنى ابن عصفور منع تقديم المميز على الجملة. وأما المصنف: فالعامل عنده في المميز المذكور إنّما هو الفعل، وإنما لم يعد من العوامل ما حمل على الفعل في العمل من مصدر أو صفة أو اسم فعل؛ لأنّ مميز الجملة عنده منحصر في ما كان بعد جملة فعلية كما علمت، وقد تبيّن أنّ الأمر بخلاف ذلك، وأنّ المصدر والوصف واسم الفعل كالفعل في العمل في التمييز، وإذا كان كذلك وكان العامل في التمييز وصفا مشاركا للفعل المتصرف في الاشتقاق من المصدر، فالذي يجيز التقديم على العامل إذا كان فعلا متصرفا يلزمه أن يجيز التقديم على الوصف، وذلك نحو: «زيد نفسا طيّب، وعمرو غضبا ممتلئ». نعم إذا كان الوصف أفعل التفضيل لا يجوز التقديم عليه، فلا يقال: «زيد وجها أحسن منك»؛ لأنّ أفعل التفضيل ليس كامل الشبه بالفعل المتصرف فانحطت رتبته عن اسم الفاعل، وأمّا المنصوب في نحو: «زيد حسن وجها» فينبغي أن يقال فيه: إن كان نصب «وجها» على التشبيه بالمفعول به امتنع تقديمه على العامل؛ لأنّ معمول الصفة المشبهة لا يتقدّم عليها، وإن كان نصبه على التمييز جاز تقديمه عليه، لأنّه مميز نسبة والصفة العاملة فيه متصرفة، وليست مشبهة الآن فلا يمتنع التقديم عليها، وعبارة المصنف تقتضي منع التقديم على الوصف مطلقا لقوله: ويمتنع إن لم يكنه بإجماع يعني إن لم يكن العامل فعلا متصرفا. ثم اعلم أنّ في عبارة المصنف حيث قال: ولا يمتنع تقديم التّمييز على عامله إشعارا بأنّ الخلاف في جواز التقديم إنما هو حيث يتقدم على العامل، فعلى هذا إذا توسط بين العامل والمعمول ينبغي ألّا يجيء هذا الخلاف نحو: «طاب نفسا زيد، وكرم أصلا عمرو، وحسن وجها عمر». قال الشيخ 1: ولا نعلم خلافا في جواز ذلك، قال زفر بن الحارث 2: 1918 - فلو نبش المقابر عن عمير... فيخبر عن بلاء أبي هذيل نطاعن عنهم الأقران حتّى... جرى منهم دما مرج الكحيل 3

................................  وقال ابن الضائع: تقول: «تفقّأ شحما زيد، وحسن وجها عبد الله» وهو متفق عليه.
وكذا يكون ما حكى المصنف، أعني أنه إذا توسط التمييز بينه وبين معموله كان جائزا بلا خلاف، نحو: «أطيّب نفسا زيد، وما حسن وجها عمرو» 1. وإذ قد عرف هذا فاعلم أنّ الشيخ وافق المصنف في اختيار جواز تقديم المميز على عامله المنصرف، فقال: وهو الصحيح لكثرة ما ورد من الشواهد على ذلك، وقياسا على سائر الفضلات.
قال: وسيبويه لم ينقل المنع عن العرب، إنّما ذلك من رأيه، ولو اطلع على ما قالته العرب لاتبعه، لكنه لم يطلع، وقد جاء منه جملة تبنى القواعد الكلية على مثلها، والحقّ أحقّ أن يتبع.
ثم إنه ناقش المصنف في أمور 2: أحدها: أنّ كلامه يقتضي جواز تقديم التمييز على عامله مطلقا إذا كان الفعل متصرفا، وليس كذلك؛ لأنّ التمييز غير المنقول لا يجوز تقديمه على العامل بإجماع، وإن كان فعلا متصرفا، نحو: «كفى بزيد ناصرا» والمصنف قد عدّه في مميّز الجملة.
ثانيها: ما ذكره عن ابن كيسان أنه حكى عن الكسائي إجازة «نفسه طاب زيد» وكونه جعل هذا النقل دليلا على إجازة تقديم التمييز على عامله، فقال: ليس مذهب الكسائي في «طاب زيد نفسه ووجع زيد بطنه، وألم بكر ظهره» أنه تمييز، بل مذهبه في ذلك أنه مشبه بالمفعول به، ولذلك خالفه الفراء في ذلك، فالفراء يعتقد أنه تمييز، ولذا منع من تقديمه على الفعل، والكسائي أجازه لاعتقاده أنه مشبّه بالمفعول، وحكى عن العرب: «من المسفوه رأيه، ومن الموجوع بطنه، وخذه - - ولما أن نعى الناعي عميرا... حسبت سماءهم دهيت بليل والمعنى: يقول الشاعر إنه لو بعث عمير بن الحباب وسئل عن بطولتي لأخبر بذلك حيث قتلته شر قتلة.
وشاهده: توسط التمييز بين عامله الفعل ومميزه وهو جائز.
والشاهد في المقرب (1/ 165)، والتذييل والتكميل (1/ 112).

................................  مطيوبة به نفس.
قال: وقد بيّنّا وهم المصنف على الكسائي في أنه يجيز بناء الفعل الذي لم يسم فاعله للتمييز في باب النائب عن الفاعل في قوله: ولا مميّز خلافا للكسائي.
قال: ووافق البصريون الكسائي في جواز التقديم في «رأسه وجع زيد، ورأيه سفه عمرو» وذلك لاعتقادهم أنه غير تمييز.
ثالثها: في قوله: إن أصالة فاعلية التمييز كأصالة فاعلية الحال؛ فقال: لا أعلم أحدا ذهب إلى أنّ الحال أصلها أن تكون فاعلة ولا أنها منقولة من الفاعل غير هذا الرجل.
والجواب عن هذه المناقشة: أنّ المصنف لم يدّع أنّ الحال أصلها أن تكون فاعلة على الإطلاق، بل في نحو: «جاء راكبا رجل» وقد قرر المصنف فاعليته بالطريق التي ذكرها، وهي لطيفة.
رابعها: في قوله: إن اعتبار أصالة الفاعلية في منع التقديم على العامل متروك في نحو: «أعطيت زيدا درهما»... إلى آخره، فقال: ليس فاعلية (زيد) في «أعطيت زيدا درهما» لـ (أعطيت) إنّما كانت لـ (عطا، يعطو) بمعنى: تناول، وفاعلية (نفس) في «طاب زيد نفسا» كانت لـ (طاب نفسه) وفرق بين ما يصحّ إسناده إلى الفعل من غير تغيير للفعل، وبين ما لا يصح إسناده إليه، وحاصله أنّ فاعلية (زيد) في «أعطيت زيدا» قد أميتت، وجيء بصيغة لا تقبل الفاعلية التي كانت، وأما فاعلية التمييز فإنّ الفعل يقبلها، فلا يشبه «طاب زيد نفسا» [3/ 102] «أعطيت زيدا درهما».
خامسها: في قوله: ويمنع إن لم يكنه بإجماع وفي قوله في الشرح: أجمع النحويون على منع تقديم المميّز على عامله إذا لم يكن فعلا متصرفا.
فقال: في بعض صور التمييز عن تمام الاسم خلاف بين النحويين وذلك إذا انتصب التمييز بعد اسم شبّه به الأول، نحو: «زيد القمر حسنا، وثوبك السّلق خضرة» فيجوز عند الفراء «زيد حسنا القمر، وثوبك خضرة السّلق» وذلك على أن يكون (زيد)، و (ثوبك) هما المبتدآن، و (القمر) و (السّلق) هما الخبران، -

................................  فإن عكست لم يجز التقديم؛ لأنّ صلة الاسم لا تتقدم عليه، والخبر مبني على التصرف، فلو قلت: «مررت بعبد الله القمر حسنا» لم يجز تقديم (حسنا) على (القمر)؛ لأن (القمر) ليس بخبر، قال: فهذا نوع من التمييز المنتصب عن تمام الاسم ووقع فيه الخلاف؛ إذ العامل فيه هو القمر والسّلق لقيامهما قيام (مثل) المحذوفة التي ينتصب عنها التمييز في قولنا: «زيد مثل زهير شعرا» وقد ارتكب مذهب الفراء في هذه المسألة الخالديان 1 في أبيات يمدحان بها سيف الدولة 2 وكان قد أهدى إليهما هدية فيها وصيف ووصيفة، فقال: 1919 - رشأ أتانا وهو حسنا يوسف... وغزالة هي بهجة بلقيس 3 ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن المصنف يرى أن (شعرا) في نحو: «زيد زهير شعرا» منصوب على الحال، لا على التمييز وقد تقدم ذلك في باب الحال، لكن النصب على التمييز أظهر.
واعلم أنهم قد أخرجوا هذا البيت أعني قوله: 1920 - ونارنا لم ير نارا مثلها عن أن يكون ضرورة، بأن جعلوا (لم ير) فيه علمية، و (مثلها) المفعول الأول، و (نارا) المفعول الثاني، أي: لم يعلم مثلها نارا، وقد توهم ابن عصفور وابن الضائع أنّ هذا من توسط التمييز بين الفاعل العامل فيه ومعموله، نحو: طاب نفسا زيد» وليس الأمر كما توهماه؛ لأن التمييز المذكور ليس منتصبا عن تمام الكلام، إنما هو منتصب عن تمام الاسم بالإضافة والمميّز هو (مثل) نفسه وليس نسبة مجهولة تحتاج -

................................  إلى تمييز وقد ختم الشيخ الباب بمسألة وهي أنّ التمييز يجوز حذفه إذا قصد إبقاء الإبهام، أو كان في الكلام ما يدل عليه ويجوز أن يبدل كقوله تعالى: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ 1، واثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً 2. [قيل: ويكون في المعطوف عليه نحو: «ثلاثة وعشرون درهما» ونحوه، الأصل: ثلاثة دراهم، لكنهم تركوه تشبيها بخمسة عشر، لدلالة ما بعده عليه.
ولا يجوز حذف المميّز؛ لأنه يزيل دلالة الإبهام، إلّا أن يوضع غيره موضعه، كقولهم: «ما رأيت كاليوم رجلا» وقد يحذف من غير بدل كقولهم: «تالله] رجلا» أي: تالله ما رأيت كاليوم رجلا.

جارٍ التحميل