[أغراض حذف الفاعل - ما ينوب عنه]
قال ابن مالك: (قد يترك الفاعل لغرض لفظيّ أو معنويّ جوازا أو وجوبا، فينوب عنه جاريا مجراه في كلّ ما له
مفعول به أو جارّ ومجرور، أو مصدر لغير مجرّد التّوكيد، ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل، أو ظرف مختصّ متصرّف وفي نيابته غير متصرّف أو غير ملفوظ به خلاف).
قال ناظر الجيش: اعلم أن ابن عصفور صدر الكلام في هذا الباب بأن قال:
يحتاج في هذا الباب إلى معرفة خمسة أشياء: الأفعال التي يجوز بناؤها للمفعول، وكيفية بنائها له، والسبب الذي لأجله حذف الفاعل، والمفعولات التي تقام مقام الفاعل، والأولى منها بالإقامة إذا اجتمعت، فأما الأفعال فثلاثة أقسام:
قسم لا يجوز بناؤه للمفعول باتفاق: وهو الأفعال التي لا تنصرف [2/ 244] نحو: نعم وبئس.
وقسم فيه خلاف: وهو كان وأخواتها المتصرفة، والصحيح أنها تبنى للمفعول بشرط أن تكون قد عملت في ظرف أو مجرور فيحذف اسمها كما يحذف الفاعل، ويحذف الخبر؛ إذ لا يتصور بقاء الخبر دون مخبر عنه ويقام الظرف أو المجرور مقام المحذوف فيقال: كان في الدار، وكين يوم الجمعة.
وقسم لا خلاف في جواز بنائه للمفعول: وهو ما بقي من الأفعال المتصرفة 1. انتهى.
أما الأمر الأول؛ فلم يتعرض المصنف إلى ذكره؛ لوضوحه، ولأنه ذكر في الباب عن الكسائي والفراء: بناء كان، وجعل 2. وأما الأربعة الباقية؛ فقد تكلم عليها وبدأ بالكلام على السبب المقتضي لحذف الفاعل، وقد ذكروا أنه يحذف لعشرة أسباب فاختصر المصنف عدّها مكتفيا بقوله: (قد يترك الفاعل لغرض لفظي أو معنوي) 3، -
................................ فأشار باللفظي إلى قصد الإيجاز كقوله تعالى: وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ 1، وإلى موافقة المسبوق السابق كقول بعض الفصحاء: من طابت سريرته حمدت سيرته، وإلى إصلاح النظم كقول الأعشى: 1255 - علّقتها عرضا وعلّقت رجلا... غيري وعلّق أخرى ذلك الرّجل 2 وكقول عنترة: 1256 - وإذا شربت فإنّني مستهلك... مالي وعرضي وافر لم يكلم 3 وأشار بالمعنوي إلى كون الفاعل معلوما كقوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً 4، وكقوله تعالى: ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ 5 ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نصرت بالرّعب مسيرة شهر» 6، «ونصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور» 7، وإلى كونه مجهولا كقول الرجل: نبئت بكذا إذا لم يعرف من نبأه، ومنه ما يرد من قول بعض الرواة: روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كيت وكيت» وإلى كونه لا يتعلق، ويتعقبه مراد المتكلم كقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ 8، وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها 9، إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا 10، ومنه قول الشاعر: - - وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 534).
................................
1257 - وإن مدّت الأيدي إلى الزّاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل 1
وإلى كون تعظيم الفاعل مقصودا فيصان اسمه عن مقارنة اسم المفعول كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من بلي منكم بهذه القاذورات فليستتر» 2، وإلى كون تعظيم المفعول مقصودا فيصان اسمه عن مقارنة اسم الفاعل كقولك: أوذي فلان إذا عظمته واحتقرت من أذاه، وإلى كون الستر على الفاعل مقصودا خوفا منه أو خوفا عليه، هذا ما ذكره المصنف 3.
وقد تضمن كلامه ذكر أسباب عشرة، وأفاد بقوله: (جوازا أو وجوبا) أن الفاعل قد يجب حذفه كما في نحو: من طابت سريرته حمدت سيرته 4، وكما في:
1258 - علّقتها عرضا.......... البيت 5
وفي
1259 - وعرضي وافر لم يكلم 6
[2/ 245] واعلم أن ابن الضائع قال: قولهم: يحذف الفاعل لكذا ولكذا هذيان من القول وما ارتكبه المتأخرين في ذلك نازع عن الحق جملة، ولا فرق بين طلب العلة لذلك وطلب العلة في لم بني الفعل للفاعل، ولا فرق بين السؤال لم لم يذكر الفاعل؟ وبين السؤال لم لم يذكر الظرف؟ أو لم لم يذكر الزمان؟ أو شبه ذلك.
انتهى 7. وما قاله غير ظاهر وكأنه بنى الأمر على أن كلّا من التركيبين - -
................................
أعني ضرب زيد، وضرب زيد - أصل بنفسه، ولا شك أن ذكر الفاعل هو الأصل وأن ضرب زيد ثان عن ضرب زيد، وإذا كان كذلك اتجه التعرض إلى ذكر العلة المقتضية حذف الفاعل.
ثم ثنى المصنف بذكر ما يقوم مقام الفاعل من المعمول، وأشار إلى ذلك بقوله:
(فينوب عنه جاريا مجراه في كل ما له مفعول به) إلى آخره فذكر أربعة وهي:
المفعول به، والجار والمجرور، والمصدر، والظرف.
وأفاد بقوله: (جاريا مجراه في كل ما له) أن النائب عن الفاعل يخلفه في الرفع ووجوب التأخير عن الفاعل والتنزل منزلة الجزء منه وعدم الاستغناء 1 عنه.
قال الشيخ: إلا أنه لا يجري مجراه في العامل؛ لأن الفاعل يرتفع باسم الفعل، وبالظرف، والمجرور، والأمثلة، والجامد الجاري مجرى المشتق، ولا يرتفع المفعول الذي لم يسم فاعله إلا بالفعل واسم المفعول، وفي ارتفاعه بالمصدر الذي يتصل بحرف مصدري والفعل خلاف، قال: فإذا لم يجر مجراه في كل ما له 2. انتهى.
وهذا الذي ذكره لا يتوجه على المصنف، لأن النائب عن الفاعل إنما يجري مجراه في كل ما له إذا تبين أنه نائب عنه ولا يتبين ذلك إلا بدليل، والدليل هو التغيير الذي يحدث في العامل، فما لم يحدث تغيير لا يجوز الحكم عليه بأنه نائب 3. فعلى هذا: المرفوع باسم الفعل والظرف والمجرور وما ذكره معها محكوم بفاعليته قطعا؛ إذ لا دليل إذ ذاك على حذف الفاعل لو حكمنا على المرفوع بها بأنه نائب عنه، وإذا كان الحكم على شيء بالنيابة عن الفاعل متوقفا على أمر ولم يوجد ذلك الأمر؛ لزم انتفاء الحكم عن ذلك الشيء قطعا، وعلى هذا: لا يحتاج إلى أن يستثني ويقول: إلا أنه لا يجري مجراه في العامل.
قال المصنف 4: ثم نبهت على أن النائب عن الفاعل إما المفعول به نحو: -
................................ ضرب زيد، وإما جار ومجرور نحو: غضب عليه ولم يلزم من نيابة [2/ 246] الجار والمجرور مخالفته؛ لأن الفاعل قد يكون مجرورا نحو: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 1، وقيدت المصدر الذي ينوب بكونه (لغير مجرد التوكيد) تنبيها على أن المصدر المسوق لمجرد التوكيد لا يقام مقام الفاعل، فلا يقال في مثل ضلّ زيد ضلالا: ضلّ ضلالا؛ لعدم الفائدة، بخلاف قام في الدار قياما طويلا أو قومة أو قومتين، فإن المصدر فيه مسوق لغير مجرد التوكيد، فلا يخلو الإسناد إليه من فائدة 2. ونبهت بقولي: ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل، على أن المنوي مدلول عليه بالعامل لا يجوز، وقد أجاز ذلك قوم من المتأخرين 3، ولا يصل إليه؛ لأن الفعل لا يدل على المصدر المختص ولا المحدود، وإنما يدل على الذي لمجرد التوكيد، والذي لمجرد التوكيد لا فائدة في الإسناد إليه، وهو ملفوظ به، فكيف إذا نوى ولم يلفظ به؟ 4. فإن كان المصدر المنوي مدلولا عليه بغير الفعل جاز الإسناد إليه كقولك: بلى سير، لمن قال: سير سير شديد؟ ولو جاز الإسناد إلى المصدر المنوي مطلقا لم يمتنع أن يقال ابتداء: ضرب أو نحو ذلك وفي كلام الزجاجي: إشعار بأن سيبويه يجيز ذلك؛ لأنه قال: وقد أجاز بعضهم على إضمار المصدر وهو مذهب سيبويه 5. قال ابن خروف: لا يجيز أحد من النحويين ردّ الفعل إلى ما لم يسم فاعله على إضمار المصدر المؤكد، ولا يجيز أحد: قعد، وضحك، من غير شيء يكون بعد هذا الفعل، ثم ادعاؤه أنه مذهب سيبويه فاسد؛ لأن سيبويه لا يجيز إضمار المصدر المؤكد في هذا الباب، والذي أجازه سيبويه لا يمنعه بشر، وهو إضمار المصدر المقصود، مثل أن يقال لمتوقع القعود: قد قعد، ولمتوقع السفر: قد سوفر، أي: قد قعد القعود، وسوفر السفر الذي ينتظر وقوعه، والفعل لا يدل على هذا النوع من -
................................
المصادر والدال عليه أمر آخر، هكذا قال ابن خروف 1 وهو الصحيح، وقيدت الظرف الصالح للنيابة بكونه مختصّا على أن غير المختص لا يصلح للنيابة كوقت وزمن ومدّة، فلا يقال في سرت وقتا: سير وقت؛ لعدم الفائدة 2، بخلاف: سرت وقتا صعبا، أو زمنا طويلا، أو مدة من النهار، فإن الظرف فيه مختص والإسناد إليه مفيد، وقيدته بالتصرف تنبيها على أن ما لا يتصرف لا يصلح للنيابة، كسحر معينا، وثمّ؛ فلا يقال في أتيت سحر وجلست ثمّ: أتي سحر، وجلس ثمّ؛ لأن الظرفية لا تفارقها، ولا يسند إليهما منصوبين محكوما لمحلهما بالرفع؛ لأن الفاعل لم يحكم له بمثل 3 ذلك، وليس كذلك الحكم على [2/ 247] المجرور بالرفع، فإنه ثابت للفاعل كما سبق، فلم يلزم من معاملة النائب به محذور، وأجاز ابن السراج نيابة الظرف المنوي 4، وأجاز الأخفش نيابة الظرف الذي لا يتصرف نحو أن تقول:
جلس عندك 5، ومذهبه في هذه المسألة ضعيف.
انتهى كلام المصنف 6.
لكن يتعلق بهذا الموضع الإشارة إلى أمور:
الأول: أن المصنف لم يتعرض إلى اشتراط التصرف في المصدر النائب، ولا بد من كونه متصرفا مع كونه مختصّا، كما أن الظرف النائب لا بد فيه من الأمرين، وقد كان يلزم التعرض إلى ذلك كما تعرض إليه في الظرف، فنحو: سبحان الله ومعاذ الله، لا يقام مقام الفاعل لعدم التصرف 7.
الثاني: قد عرفت أن الذي يقام مقام الفاعل من معمولات الفعل أربعة أشياء وهي:
المفعول به، والمجرور بحرف الجر، والمصدر، والظرف دون بقية المعمولات؛ والسبب -
................................ في ذلك: أن الذي يقام مقام الفاعل هو المفعول به حقيقة أو مجازا، ولا شك أنك إذا قلت: ضربت زيدا ومررت بعمرو، كان كل من زيد وعمرو مفعولا به حقيقة، وأما المصدر والظرف فيتصور في كل منهما أن يكون مفعولا به مجازا؛ لأنه يجوز الاتساع فيهما والنصب على أن الفعل واقع بهما، فمن الاتساع في المصدر ما حكاه سيبويه من قول بعضهم: «ثماني حجج حججتهنّ بيت الله» 1؛ فالضمير في حججتهن منصوب على الاتساع انتصاب المفعول به، وإنما حمل على ذلك؛ لأن الكلام قد انتصب فيه بالفعل اسم آخر على المصدر وهو: ثمان حجج، ولا يجوز أن ينصب الفعل مصدرين 2، ومن الاتساع في الظرف قوله: 1260 - ويوما شهدناه سليما وعامرا 3 ومن ثمّ لم يقم في هذا الباب المفعول معه، ولا المفعول من أجله؛ لأنه لا يجوز أن يتسع فيها فينصبان نصب المفعول به، وكذا لا يقام الحال ولا التمييز لهذه العلة أيضا 4. وقد ذكر ابن الحاجب لامتناع إقامة المفعول له والمفعول معه مقام الفاعل تعليلا آخر غير ما ذكره غيره، أما امتناع إقامة المفعول له؛ فلأنه قد يكون علة لأفعال متعددة، تقول: ضربت وأكرمت وأعطيت إكراما لزيد؛ فلو أقيم هذا المفعول مقام الفاعل لكان، إمّا أن يقام مقام الجميع 5، أو مقام أحدها، وعلى كل حال يلزم -
................................
خلو بعض الأفعال عن الفاعل أو يضمر وهو باطل، فلما لم تطرد هذه القاعدة للعرب امتنعوا عن إثباتها في هذا الموضع الذي لا يتعدد فيه الأفعال لذلك، وأما امتناع إقامة المفعول معه؛ فلأنه مذكور [2/ 248] بحرف العطف؛ فلو أقيم مقام الفاعل لزم أحد الأمرين: إمّا أن تحذف الواو فيخرج المفعول معه عن أن يكون مفعولا معه، فإنه لا يفعل بدون الواو، وإمّا أن لا تحذف فيمتنع التركيب؛ لما لم يسم فاعله فإنه يكون عطفا على غير معطوف عليه 1.
الأمر الثالث: الحق أن النائب عن الفاعل في نحو: مرّ بزيد؛ إنما هو المجرور والحرف وصل معنى الفعل الذي هو المرور إليه، كما تقول في نحو: مررت بزيد أن الذي في محل النصب إنما هو المجرور والباء موصلة العامل إليه، ولكن المصنف تجوز فجعل النيابة للجار والمجرور معا 2، ولا شك أنهما في الصورة هما القائمان مقام الفاعل فكان ذلك هو الحامل له على التجوز، وليس هذا الأمر مما يخفى على أضعف الناظرين في كلام النحاة، فما ظنك بالمصنف صاحب النظر العالي رحمه الله تعالى؟!.
وقال الشيخ: هذا الذي ذكره المصنف لم يذهب إليه أحد وهو أن يكون الجار والمجرور يقوم مقام الفاعل، فيكونان معا في مواضع رفع.
انتهى 3.
وقد ذكر ابن عصفور وغيره مذاهب النحاة في هذه المسألة؛ قال ابن عصفور بعد أن تكلم على ما يقام مقام الفاعل من المفعولات: وأما المفعول به المقيد فإن فيه خلافا بين الكوفيين والبصريين.
ذهب البصريون إلى أن المجرور من قولك: سير بزيد، في موضع رفع بالفعل كما إذا قلت: ما قام من أحد؛ كان المجرور بمن في موضع رفع 4، ثم اختلفوا في القائم مقام الفاعل، فالفراء يرى أنه حرف الجر قلت: وهذا القول لا يعقل، -
................................
وذهب الكسائي وهشام إلى أنه ضمير مبهم مستتر في الفعل، وجعلا الضمير المستتر في الفعل مبهما من حيث كان محتملا أن يراد به ما يدل عليه الفعل من مصدر أو ظرف زمان أو مكان ولم يقم دليل على أن المراد به بعض ذلك دون بعض قلت وهذا القول لا يخفى عدم تحققه.
ومنهم من ذهب إلى أن مرفوع الفعل ضمير عائد على المصدر، قلت: وقد عرفت بطلان قيام المصدر الذي لا تزيد دلالته على دلالة فعله مقام الفاعل وكذا بطلان قيام ضميره 1، ولا شك أن مثل هذه الأقوال لا ينبغي التشاغل بها؛ وإنما ذكرناها تبعا للذاكرين لها.
وقد ذكر الشيخ هذه المذاهب وأطال الكلام، وذكر مذهبا رابعا نسبه إلى قوم وهو أن: سير بزيد، إنما هو على إضمار الطريق؛ لأن السير لا يكون إلا في مكان، قال:
والمعنى: قطع به طريق 2، ولا يخفى أن التعرض إلى ذكر مثل هذه المذاهب التي لا يقوم عليها دليل ولا تتطبع في النفوس؛ فيه إتعاب للنفس، وضياع للزمان، واشتغال بما لا يجدي شيئا، ولا تعود منه فائدة.
وممن ذهب [2/ 249] إلى أن القائم مقام الفاعل - في نحو: سير بزيد - ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل؛ أبو زيد السهيلي تابعا لابن درستويه، فالتقدير عنده: سير هو بزيد، أي: سير سير، واستدل السهيلي على امتناع إقامة المجرور مقام المفعول الذي لم يسم فاعله بأمور:
1 - منها: أن المفعول المذكور إذا تقدم كان مبتدأ، كما أن الفاعل إذا تقدم صار مبتدأ وأنت لا تقول: بزيد سير؛ فيكون «بزيد» مبتدأ.
2 - ومنها: أن الفعل لا يؤنث في نحو: سير بهند، وجلس في الدار، فلا يقال: سرت بهند، ولا جلست في الدار.
3 - ومنها: أنه لا يتبع على المحل، فلا يقال: سير بزيد العاقل.
4 - ومنها: أنه يجوز تقديمه قال الله تعالى: كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا 3 أي: مسؤولا عنه، ولو كان في موضع رفع ما جاز تقديمه 4. -
................................
وقد رد الناس على السهيلي ذلك فقالوا: الدليل على بطلان مذهبه أن العرب تقول:
سير بزيد سيرا، بنصب المصدر؛ فدل ذلك على أن القائم مقام الفاعل هو المجرور.
وأما قوله: إن القائم مقام الفاعل إذا قدم كان مبتدأ؛ فيقال في جوابه: إن المبتدأ هو المعرّى من العوامل اللفظية، و «بزيد» ليس كذلك، فامتناع كونه مبتدأ لعارض.
وأما قوله: إن الفعل لا يؤنث في نحو: سير بهند؛ فلا شك أنك تقول: كفى بهند فاضلة، فـ «هند» فاعل «كفى» والباء زائدة، ولم يؤنث الفعل؛ فما كان جوابا عن: «كفى بهند فاضلة»، فهو الجواب عن: «سير بهند».
وأما قوله: إنه لا يتبع على المحل؛ فالجواب عنه: أن المانع من الإتباع على المحل أن هذا الموضع لا يجوز أن يلفظ به؛ فلا يقال: سير زيد، وما كان كذلك لا يراعى محله، وقد نصوا على أنه لا يجوز أن يقال: مررت بزيد الظريف؛ لأنه لا يجوز أن يقال: مررت زيدا، وهذا بخلاف: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ 1؛ لأنه يجوز: ما لكم إله غيره 2.
بقي الكلام على ثلاث مسائل:
الأولى: قد تقدمت الإشارة إلى أن المصدر المنوي المدلول عليه بالفاعل لا ينوب عن الفاعل، وتقدم قول المصنف: وقد أجاز ذلك قوم من المتأخرين، وتقدم أيضا نقله جواز ذلك عن الزجاجي، ونسبة الزجاجي الجواز إلى سيبويه، وتقدم رد ابن خروف لذلك، وأن أحدا من النحويين لا يجيز: قعد، ولا: ضحك، من غير شيء يكون بعد هذا الفعل وقد ذكر الشيخ هذه المسألة، ونقل الجواز فيها عن بعضهم وأطال الكلام ثم قال: وقد وجدت في لسان العرب ما يشهد لجواز: جلس، وقعد مبنيّا -
................................
للفاعل دون أن يسند إلى شيء في اللفظ والفعل لازم قال الشاعر 1 [2/ 250]:
1261 - وقالت متى يبخل عليك ويعتلل... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب 2
«فيعتلل» فعل لازم مبني للمفعول، ولا مفعول له ظاهر، ولا جائز أن يكون المفعول «عليك» محذوفة لدلالة «متى يبخل عليك» عليه؛ لأن النائب عن الفاعل لا يجوز حذفه كالفاعل، فالأولى أن يعتقد أن «يعتلل» مفعوله ضمير يعود على المصدر الذي يدل عليه الفعل ويجعل فيه اختصاص، أي: يعتلل هو، أي: الاعتلال المعهود أو يجعل «عليك» محذوفة لدلالة ما قبلها عليها، ويكون في موضع نصب ليتخصص به المصدر المذكور كما تقول: فلان يغضب عليك ويحقد، تريد: ويحقد عليك 3.
وأجاز سيبويه اختصاص المصدر بوصف مقدر فيقول: سير بزيد سير؛ إذا أردت به نوعا من السير فحذف الصفة؛ لفهم المعنى، كما قال تعالى: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ 4 أي: بالحق البين 5، وقال ابن عصفور: إن هذا مما انفرد به سيبويه 6، وأقول: إذا كان التقدير في «ويعتلل» ضمير الاعتلال - أعني ضمير مصدر معرف - كان النائب عن الفاعل مختصّا لا مؤكدا.
ولا شك أن الأمر إذا كان كذلك فالحكم كما ذكره المصنف من أنه لا يجوز -
................................
نيابة المصدر المبهم عن الفاعل، ولا شك أن قول الشيخ: وقد وجدت في لسان العرب ما يشهد لجواز جلس وقعد إلى آخره؛ يوهم جواز إقامة المصدر المبهم ولم يستدل على ذلك إلا بشيء أقيم فيه ضمير المصدر المختص لا ضمير المصدر المبهم.
وأما التوجيه الآخر الذي ذكره في البيت وهو: أن يجعل «عليك» محذوفة؛ لدلالة ما قبلها عليها، ويكون في موضع نصب ليتخصص المصدر المذكور فلم يظهر لي؛ لأن «عليك» المحذوفة معمولة للفعل الذي هو «يعتلل»، فمن أين يحصل التخصيص للمصدر الذي حكم بأن ضميره قائم مقام الفاعل؟ ولا يجوز أن يكون «عليك» معمولة لضمير المصدر، ولا في موضع الصفة؛ لأن ضمير المصدر لا يعمل والضمائر لا توصف إلا أن يقال: إن الفعل إذا تقيد بمعمول يتقيد مصدره أيضا؛ لأنه مصدر فعل مقيد، وإذا تقيد المصدر جعل له (تخصيص) 1.
ويحتمل أن يكون هذا مراد ابن أبي الربيع؛ فإنه قال: إذا كان المصدر مؤكدا لم يبن له الفعل إلا إن تعلق به ظرف غير متصرف نحو: جلس دونك، قال الله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ 2، ومنه قول الشاعر:
1262 - فيالك من ذي حاجة حيل دونها... وما كلّ ما يهوى امرؤ هو نائله 3
انتهى 4.
وقوله: إلا إن تعلق به ظرف؛ يحتمل أن يعود الضمير في «به» على الفعل، وأن يعود على المصدر المؤكد، وفي عوده على المصدر البحث السابق.
المسألة الثانية: إذا أقيم المصدر الموصوف مقام الفاعل وقيل: سير عليه سير سريع، وسير حثيت، فلا يجوز أن يحذف المصدر حينئذ [2/ 251] فيقال: سير عليه -
................................
سريع، وسير عليه حثيث؛ بل يجب النصب فيقال: سير عليه سريعا، وسير عليه حثيثا، قال سيبويه: سير عليه حثيثا وشديدا، فالنصب في هذا على أنه حال قال:
ولا يكون فيه الرفع؛ لأنه لم يقع موقع الأسماء إذا كان صفة كذا تقول: سير عليه طويلا وحثيثا وكثيرا وقليلا وقديما؛ بالنصب لاغير 1. انتهى.
والتقدير: سير عليه السير في هذه الحال؛ فلهذا لم يجز فيه الرفع، وأجاز الكوفيون الرفع في كل ما ذكر على أن الصفة فيه أقيمت مقام الموصوف، فيقولون: سير عليه حسن، أي: سير حسن، ومرّ به سريع، أي: مرور سريع قيل: إلا في شديد وبين؛ فإنهم لا يجيزون فيهما إلا النصب فيقولون: سير عليه بينا؛ لأن المعنى: سير عليه حقّا.
وحاصل ما ذكر عن البصريين في هذه المسألة: أن صفة المصدر لا يتصرف فيها فتقام مقام الفاعل؛ فلا يقال: سير سريع، ولا: سير حثيث، ولا حاجة إلى أن يقول: لا يحذف المصدر وتقام صفة مقامه.
واعلم أن الخلاف في صفة الظرف - هل تقام مقام الفاعل؟ - كالخلاف في صفة المصدر؛ فلم يجز فيها سيبويه إلا النصب 2، وأجاز الكوفيون الرفع 3.
المسألة الثالثة: قد تقدم أن نحو: «سحر» و «ثمّ» لا يقام مقام الفاعل لعدم التصرف، ومن ثم قال سيبويه: «سير عليه سحر»، لا يجوز فيه إلا أن يكون ظرفا 4، وقد ذكر سيبويه في هذا الباب كلمات حكمها حكم سحر في عدم التصرف وهي:
ضحى، وعمته، وضحوة، وليلا ونهارا، قال رحمه الله تعالى: وكذلك «سير عليه ضحى» إذا عنيت ضحى يومك، و «سير عليه عتمة» إذا أردت عتمة ليلتك، و «سير عليه ضحوة» إذا أردت ضحوة يومك الذي أنت فيه، و «سير عليه ليلا، وسير عليه نهارا إذا أردت ليل ليلتك، ونهار نهارك.
هذا معنى كلام سيبويه 5، والمراد أن هذه الظروف التي
ذكرت إذا كانت نكرات؛ جاز فيها: الرفع على سبيل المجاز، والنصب على الأصل، فإذا أريد بها شيء بعينه لم تتمكن؛ فتركت على بابها منصوبة.
والمنقول عن الكوفيين جواز الرفع في هذه الكلمات التي أوجب سيبويه فيها -
[جواز نيابة غير المفعول مع وجود المفعول]
قال ابن مالك: (ولا تمنع نيابة المنصوب لسقوط الجارّ مع وجود المنصوب بنفس الفعل ولا نيابة غير المفعول به وهو موجود وفاقا للأخفش والكوفيّين).
النصب، وهي ضحى وضحوة وعتمة وعشية وليل ونهار معيّنات، وفي شرح الشيخ:
وأجاز سيبويه وعامة البصريين: سير عليه فرسخان يومين وفرسخين يومان وفرسخين يومين.
قال الشيخ: وضع كل ذلك بعض المتأخرين، ويقول في ضرب زيد ظهره وبطنه بالرفع والنصب عند سيبويه؛ فالرفع [2/ 252] على البدل، والنصب بمعنى على، وكذلك إذا كان معرفا بالألف واللام نحو: ضرب زيد الظهر والبطن، وقال أبو العباس: ينصب لأنه يشبه الظروف، وقال الفراء: لا يجوز فيهما إلا الرفع سواء أضيفا أم كان فيهما الألف واللام، وحجته أنه غير مبهم، فلا يجيز النصب كما لا يجيز: زيد البيت.
انتهى 1.
وحجة سيبويه أنه أشبه الظرف من جهة عمومه ألا ترى أن المعنى: عمّ بالضرب وأما: ضرب زيد ظهرا وبطنا؛ فنصب على التمييز، الأصل: ضرب ظهر زيد وبطن زيد، ثم حول الإسناد.
قال ناظر الجيش: قد تكلم المصنف على شيئين من الأشياء الأربعة المحتاج إلى معرفتها في هذا الباب، التي قلنا: إن المصنف تعرض إليها مقتصرا عليها، وها هو قد شرع في الكلام على الشيء الثالث، وهو الأولى من المفعولات بالإقامة إذا اجتمعت، ولا شك أن بين الفريقين - أعني البصريين والكوفيين - خلافا في ذلك، والمراد
أنه إذا وجد مع المفعول به شيء من ثلاثة الأشياء التي تقام مقام الفاعل وهي: المجرور، والمصدر، والظرف؛ فلا يقام إلا المفعول به، ولا يجوز إقامة غيره مع وجوده.
هذا مذهب البصريين، وأما الكوفيون؛ فمع وجود المفعول به يجوزون إقامة غيره، وأما الأخفش؛ فاضطرب النقل عنه، فقيل: مذهبه كمذهب الكوفيين وهذا الذي ذكره المصنف 2، -
................................ وقال بعضهم 1: إن مذهبه أن المفعول به إن تقدم على ما هو مذكور معه من هذه الأمور لا يقام غيره كما هو مذهب البصريين، وإن أخّر عنه جاز إقامة ما شئت كما هو مذهب الكوفيين، فإذا قيل: ضرب زيد يوم الجمعة أمام الأمير ضربا شديدا في داره؛ كانت إقامة زيد متعينة على مذهب البصريين، جائزة على مذهب الكوفيين ومن وافقهم 2. وحكم المفعول المنصوب لسقوط الجار مع المفعول المتصرف بنفس الفعل كحكم المصدر والظرف والمجرور إذا اجتمعت هي أو بعضها مع المفعول به، فإذا قيل: اختير زيد الرجال، كانت إقامة زيد متعينة عند البصريين جائزة على رأي الكوفيين 3، وقد اختار المصنف مذهبهم فأشار إلى المسألة الثانية بقوله: (ولا تمنع نيابة المنصوب لسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل)، وأشار إلى المسألة الأولى بقوله: (ولا نيابة غير المفعول به وهو موجود وفاقا للأخفش والكوفيين) 4، ولم يتعرض في الشرح إلى مسألة: اختير زيد [2/ 253] الرجال. واعلم أن المغاربة يعبرون عن هذه المسألة بأن الفعل له (منصوبان) 5 أحدهما: مصرح لفظا وتقديرا، والآخر: مصرح لفظا لا تقديرا، ويقولون: إذا كان الأمر كذلك وجب إقامة المصرح لفظا وتقديرا وترك المصرح لفظا لا تقديرا، قالوا: وكلام العرب إنما ورد بذلك، قال الفرزدق: 1263 - ومنّا الّذي اختير الرّجال سماحة... جودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع 6
................................
والعلة في ذلك عندهم أن حرف الجر المحذوف هنا مراد، ولو ظهر لم يجز إلا إقامة المصرح فكذلك إذا كان مرادا؛ لأن القاعدة أن المحذوف المنوي كالملفوظ به 1، قال الشيخ: والذي قاله أصحابنا - يعني المغاربة - هو مذهب الجمهور 2. انتهى.
ولا شك أن الكوفيين يجيزون إقامة غير المفعول به مع وجوده، فلا جرم أنهم يجيزون إقامة المنصوب لسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل، بل إذا كانوا يجيزون إقامة ما تعدى إليه الفعل بحرف ملفوظ به مع وجود المفعول الصريح فإجازتهم إقامته بعد حذف الجر أولى، والمصنف قد صرح بأنه مذهب الكوفيين والأخفش، وصرح بوفاقه لهم في ذلك فلا يرد عليه بأن مذهب الجمهور بخلاف ما ذكره، وأجاز ابن أبي الربيع: أمر الخير زيدا، لكن على القلب.
وأما المسألة الأولى: فهي التي تعرض المصنف لشرحها فقال: وأجاز الأخفش والكوفيون نيابة غير المفعول به مع وجوده وبقولهم أقول؛ إذ لا مانع من ذلك مع أنه وارد عن العرب ومنه قراءة أبي جعفر: ليجزى قوما بما كانوا يكسبون 3 فأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل وترك «قوما» منصوبا وهو مفعول به ومثل هذه القراءة قول الشاعر:
1264 - ولو ولدت قفيرة جرو كلب... لسبّ بذلك الجرو الكلابا 4
-
- والمقتضب (4/ 330)، والإفصاح للفارقي (ص 287)، ومجالس العلماء للزجاجي (ص 193)، والأمالي الشجرية (1/ 186، 364)، والتذييل (2/ 1200)، وابن يعيش (5/ 123)، (8/ 50، 51)، والخزانة (3/ 672)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 538) طبعة العراق، والهمع (1/ 162)، والدرر (1/ 143)، وديوانه (ص 516)، وأصول النحو لابن السراج (1/ 215). والشاهد قوله: «اختير الرجال»؛ حيث روي بنصب الرجال فدلّ ذلك على أنه أقام ضمير المفعول الذي تعدى إليه الفعل بنفسه - أو كما يقول المغاربة: المصرح لفظا وتقديرا - مقام الفاعل وجعله نائبا عنه.
................................ فأقام الجار والمجرور مقام الفاعل ونصب «الكلاب» وهو مفعول به، ومثله قول الراجز 1: 1265 - أتيح لي من العدا نذيرا... به وقيت الشّرّ مستطيرا 2 ومثله: 1266 - وإنما يرضي المنيب ربّه... ما دام معنيّا بذكر قلبه 3 ومثله في أحد الوجهين: 1267 - لم يعن بالعلياء إلّا سيّدا... ولا شقى ذا الغيّ إلّا ذو الهدى 4 وزعم ابن بابشاذ 5 أن «جرو كلب» منادى، «والكلاب» منصوب - - والإفصاح للفارقي (ص 93)، وشرح الرضي على الكافية (1/ 85). والشاهد قوله: «لسب بذلك الجرو الكلابا»؛ حيث أناب المجرور مناب الفاعل مع وجود المفعول به.
................................
بـ «ولدت» 1.
قال ابن خروف: فقد أفسد اللفظ والمعنى، وقال الأخفش في المسائل: تقول:
ضرب الضّرب الشّديد زيدا، وضرب مكانك زيدا، ووضع موضعك المتاع.
ومن مسائله: أعطي عطاء حسن أخاك [2/ 254] درهما مضروبا عنده زيدا 2. انتهى.
ومما استدل به الكوفيون قراءة من قرأ 3 كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ 4، فأقيم المصدر مع وجود المفعول به، واستدلوا بالقياس أيضا فقالوا: كما جاز إقامة أيها شئت عند عدم المفعول به فكذلك يجوز عند وجوده قياسا لأحدهما على الآخر.
وأما البصريون فقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى 5: ذكر النحاة عنهم أدلة كثيرة لا تسلم عند
التحقيق، قال: وأجود ما قيل فيها ما ذكره شيخنا جمال الدين بن عمرون رحمه الله تعالى 6، وهو أن قال: إن بين المفعول المصرح وبين الفاعل مشاركة لا توجد بين الفاعل وبين باقي الفضلات، فكما أن مع وجود الفاعل لا يقوم غيره مقامه، كذلك مع وجود ما شاركه هذه المشاركة لا يقوم غيره مقام الفاعل بيان المشاركة هو أن لنا صورة يجوز فيها أن يجعل الفاعل مفعولا والمفعول فاعلا، ولا يتغير المعنى وهي قولنا: «ضارب زيد عمرا» ثم لك أن تقول:
«ضارب عمرو زيدا»، فكان «زيد» فاعلا و «عمرو» مفعولا ثم انعكس ذلك والمعنى بحاله، ولا تجد فضلة ما تكون مع الفاعل بهذه الصورة فبان بهذه المشاركة أنه يجب إقامة المفعول المصرح دون غيره؛ ولأن باقي الفضلات من المصدر -
................................
والظرفين لا يجوز إقامتها مقام الفاعل، إلا بعد جعلها مفعولات على السعة 1، وهذا مجاز والمفعول به المصرح مستغن عن ذلك فكانت إقامته واجبة دون إقامة ما يحتاج إلى هذا المجاز ثم قال: والجواب عن استدلال الكوفيين أن يقال: أما «نجّي المؤمنين» فلا نسلم أن «نجّي» مبني للمفعول بل أصله: (ننجي) فأدغم النون في الجيم، ولو كان مبنيّا للمفعول لكان فعلا ماضيا، فكانت الياء تكون مفتوحة، وحيث لم تفتح الياء، دل ذلك على كونه مضارعا مبنيّا للفاعل 2، وقد ضعّف هذا التخريج بأنه لا يتصور في قراءة من قرأ (نجّي) بفتح الياء، قالوا: إنما «نجّي» مسند إلى ضمير النجاة، وينتصب «المؤمنين» على إضمار فعل أي: ننجي المؤمنين 3.
وأما «ليجزى قوما» ففيه تخريجان:
أحدهما: أن المسند إليه ضمير المصدر الذي هو الجزاء كما قالوا في «نجّي» و «قوما» منصوب بمقدّر أي: يجزي قوما.
ثانيهما: أن المسند إليه المفعول الثاني؛ لأن جزيت يتعدى إلى مفعولين، تقول:
جزيت زيد خيرا وجزيته شرّا 4، وأما قول الشاعر:
1268 - لسبّ بذلك الجرو الكلابا 5
فقيل: إن «الكلاب» منصوب بإضمار فعل يفسره ما قبله، التقدير: «يسبون -
................................
الكلاب» وكذا يقدر في البيت الآخر:
1269 - أتيح لي من العدا نذيرا 1
وأما: «معنيّا بذكر قلبه» 2 فانتصاب «قلبه» على التشبيه بالمفعول به كما تقول رأيت زيدا مجدوعا أنفه [2/ 255]، وأما «إلا سيدا» 3، فقالوا: يحتمل أن يكون استثناء منقطعا أي: لكن سيدا يعني بالعلياء، وأما الجواب عن القياس
فالفارق ما ذكر في الدليل المتقدم من مشاركة المفعول به المصرح الفاعل دون مشاركة غيره من الفضلات، وإذا ثبت الفارق بطل حكم القياس.
قلت: ولا يخفى ضعف هذه التخريجات التي تقدمت، والظاهر أن الحق مع الكوفيين والأخفش، لكن الوارد من ذلك قليل، وفي شرح الشيخ قال النحاس:
منع النحويون ضرب زيدا سوط، وحكى المهاباذي 4 الاتفاق على ذلك قال:
وتعليله ظاهر، وذلك أن السوط آلة فتجوّز فيه إلى أن نصب انتصاب المصدر، وكان الأصل: ضربت زيدا ضربة بسوط، ثم حذفت الباء وأضيفت الضربة إليه، ثم حذفت الضربة وقامت الآلة مقامها فكثر المجاز فيها، فلم يجز لذلك أن يقام مقام الفاعل لا على مذهب من أجاز إقامة المصدر مع وجود المفعول به، ولا على مذهب من منع، فلذلك وقع الاتفاق على المنع وذكر المهاباذي أيضا الاتفاق على منع حمل زيدا فرسخ والذي يقتضي مذهب الأخفش والكوفيين جوازه 5. انتهى.
ثم اعلم أن المفعول به المصرح إذا لم يوجد ووجد بقية الفضلات، أعني التي يجوز إقامتها مقام الفاعل؛ فإن النحاة اتفقوا على جواز إقامة كل منها، لكنهم اختلفوا؛ فمنهم من سوى بينها في الإقامة 6، ومنهم من قال برجحان بعضها 7، والذين قالوا بالرجحان اختلفوا في أيها أرجح؛ فقال أكثر المغاربة وبعض المشارقة: -
................................ المصدر أرجح؛ واعتلوا لذلك بأن الفعل وصل إليه بنفسه، ولا كذلك المفعول المقيد والظرفان 1، وقال ابن معط 2: المفعول المقيد أولى ثم بعده المصدر 3، وقال بعضهم: ظرف المكان أولى، وهو اختيار الشيخ؛ وعلل ذلك بأن دلالة الفعل عليه دلالة لزوم، بخلاف دلالته على المصدر وظرف الزمان؛ إذ كل منهما أحد مدلولي الفعل، فدلالة الفعل على ظرف المكان كدلالته على المفعول به؛ فصار أقرب إلى المفعول به من بقية الفضلات، وفيما ذكره الشيخ نظر؛ فإن المصدر الذي يقام مقام الفاعل إنما هو المصدر المختص، وكذلك إنما يقام من ظروف الزمان الظرف المختص، ولا شك أن الفعل لا دلالة له على مصدر مختص، ولا على ظرف مختص، والذي هو أحد مدلولي الفعل إنما هو المبهم من المصدر وظرف المكان، وإذا كان كذلك فلا يتم التعليل الذي ذكره الشيخ 4. قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس 5: ويجوز أن تكون العلة عنده - يعني عند ابن معط - في تقديم المفعول المقيد على المصدر، كون هذا مفعولا به، وفي المصدر يحتاج إلى التوسع فيه [2/ 256] بجعله مفعولا، ثم قال: والذي يظهر لي أن الأولى إقامة المفعول المقيد، ثم ظرف المكان، ثم ظرف الزمان، ثم المصدر المختص؛ وذلك لأن المفعول المقيد لا يحتاج إلى مجاز فكان أولى من غيره، ثم الأولى بالقيام مقام الفاعل بعد ذلك ما كانت دلالة الفعل عليه أقل؛ لأن الفائدة إذ ذاك تكون بذكره أكثر فيكون ظرف المكان أولى؛ لأن دلالة الفعل على المكان أقل من دلالته على الزمان والمصدر، ثم دلالته على الزمان أقل من دلالته على المصدر؛ لأن دلالته -
[جواز نيابة أي المفعولين]
قال ابن مالك: (ولا تمنع نيابة غير الأوّل من المفعولات مطلقا إن أمن اللّبس، ولم يكن جملة أو شبهها خلافا لمن أطلق المنع في باب: ظنّ وأعلم). على المصدر بحروفه، وعلى الزمان بصيغته، ودلالة الحروف أوضح من دلالة الصيغة؛ فيكون ظرف الزمان مقدما في الإقامة مقام الفاعل على المصدر. قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: لا خلاف في جواز نيابة ثاني المفعولين من باب «أعطى» إذا أمن اللبس نحو: أعطيت زيدا درهما، ولا في منعها إذا خيف اللبس نحو: أعطيت زيدا عمرا، فيجوز في المثال الأول أن يقال: أعطي درهم زيدا؛ لأن اللبس فيه مأمون، ولا يجوز في المثال الثاني أن يقال: أعطي عمرو زيدا؛ لأن عمرا مأخوذ فيتوهم كونه آخذا، ومنع الأكثرون نيابة ثاني المفعولين من باب «ظن»، «وأعلم» 2، والصحيح جواز ذلك إن أمن اللبس ولم يكن ثاني المفعولين جملة ولا ظرفا ولا جارّا ومجرورا 3، وذلك مثل قولنا: ظننت الشمس بازغة: ظنّت بازغة الشمس، وفي علمت قمر الليلة بدرا: علم بدر قمر الليلة، وفي جعل الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر: جعل خير من ألف شهر ليلة القدر، وفي اتخذ الناس مقام إبراهيم موضع صلاة: اتّخذ موضع صلاة مقام إبراهيم، فيجوز هذا وأمثاله، كما يجوز: أعطي درهم زيدا، وأدخل القبر الميّت، وكسيت الجبة عمرا؛ لأن المعنى مفهوم واللبس مأمون، وإذا كان أمن اللبس مسوغا لجعل الفاعل مفعولا والمفعول فاعلا في كلام واحد نحو: خرق الثوب المسمار، ونحو: 1270 - بلغت سوآتهم هجر 4
................................ فجواز هذه المسائل وأشباهها أحق وأولى، فلو خيف اللبس لم ينب إلا الأول، نحو: علم صديقك عدو زيد، فإن معناه علم المعروف بصداقتك أنه عدو زيد، فصداقة المخاطب مستغنية عن الإخبار بها وعداوة زيد مفتقرة إلى الإخبار بها، فلو عكست لا نعكس المعنى، وأكثر مسائل هذا الباب هكذا، ولذا منع الأكثرون نيابة الثاني مطلقا، ويجوز أيضا أن يقال في أعلمت زيدا [2/ 257] كبشك سمينا: أعلم زيدا كبشك سمينا؛ لأن زيدا والكبش مستويان في المفعولية ومباينة الفاعلية، فتساويا في قبول النيابة عن الفاعل على وجه لا يخل بفهم ولا يوقع في وهم 1. انتهى كلامه 2. ويتعلق به مباحث: أحدها: أن من النحاة من منع إقامة الثاني من باب أعطى وإن أمن اللبس وقال: إنه لا يجوز إلا على القلب 3 يعني أن يقدر أن الأصل قبل البناء للمفعول: أعطيت درهما زيدا، فيقدر أن الدرهم آخذ وزيدا مأخوذ على القلب، ثم يبني للمفعول فيقال: أعطي درهم زيدا، وعلى هذا التقدير إنما أقمنا الأول لا الثاني، وقال بعض الكوفيين: إنما يجوز إقامة الثاني إذا كان معرفة نحو الدرهم، ولا يجوز إذا كان نكرة 4، وكأن المصنف لم يعبأ بهذا الخلاف؛ فلهذا لم يذكره، ويحتمل أنه لم - - لابن السيد (ص 276)، والأمالي الشجرية (1/ 367)، والمغني (2/ 699)، وشرح شواهده للسيوطي (2/ 972)، والهمع (1/ 165)، والدرر (1/ 144)، والأشموني (2/ 71) وديوانه (ص 110)، والتذييل (2/ 1236)، والأضداد للسجستاني (ص 152)، وتأويل مشكل القرآن (ص 149). والشاهد قوله: «أو بلغت سوآتهم هجر»؛ حيث أعرب الفاعل بإعراب المفعول والمفعول بإعراب الفاعل؛ لأنه يريد وبلغت سوآتهم هجرا.
................................
يطلع على قول أصحاب هذين المذهبين وهو الأقرب بدليل أنه نفى الخلاف رأسا في إقامة الثاني إذا لم يلبس، والحق جواز إقامة الثاني إذا لم يحصل لبس، ويدل على أن القلب غير معتبر أنه إذا قيل: أعطي درهم زيدا كان معناه معنى قولنا: أعطي زيد درهما، وعدم تغير المعنى يدل على أنه لا قلب، وأما اشتراط كون الثاني معرفة ليقام؛ فلا أثر له إذ لا فرق بين المعرفة والنكرة.
ولا شك أن الأحسن إقامة الأول لأجل كونه فاعلا في المعنى؛ لأنك إذا قلت:
أعطيت زيدا درهما كأنك قلت: أخذ زيد درهما؛ فللمفعول الأول بالفاعل التباس من وجه، بخلاف الدرهم؛ فإنه مفعول من كل وجه فلا التباس له بالفاعلية.
ثانيها:
ذكر المصنف في إقامة الثاني من باب ظن مذهبين:
أحدهما: ما اختاره وهو الجواز إذا أمن اللبس ولم يكن جملة أو شبهها 1.
ثانيهما: المنع مطلقا يعني ولو كان مفردا، وقد ذكروا ثالثا وهو: جواز إقامته إذا كان معرفة ومنعها إذا كان نكرة 2. ثم إن المانعين لإقامة الثاني اعتلوا بثلاث علل:
الأولى: أن أفعال باب ظن تدخل على المبتدأ والخبر، والمفعول الثاني هو خبر المبتدأ في المعنى؛ فلو أقيم مقام الفاعل لصار مخبرا عنه، وهذا باطل؛ لأن الخبر لا يكون مخبرا عنه.
الثانية: أن المفعول الثاني هو المظنون؛ فلو أقيم لتوهم لبس بأن المظنون هو - - الثاني المعرفة.
هل سيكون هو الآخر معرفة أو أنه سيكون نكرة وقد أورد صاحب التصريح هذه المسألة مفصلة فقال بعد أن ذكر المذاهب السابقة فيها: «وقيل يمتنع نيابة الثاني إن كان نكرة والأول معرفة، قاله الفارسي: فلا يقال: أعطي درهم زيدا، ويتعين: أعطي زيد درهما؛ لأن المعرفة أحق بالإسناد إليها من النكرة، وحيث قيل بالجواز في الثاني؛ فقال البصريون: إقامة الأول أولى؛ لأنه فاعل معنى، وقيل: عن الكوفيين أنهم قالوا: إن كان الثاني نكرة والأول معرفة، فإقامته قبيحة وإن كانا معرفتين استويا في الحسن» اه.
شرح التصريح (1/ 292)، وينظر: شرح الألفية للمرادي (2/ 34)، وقد اعتبر نقل هذا المذهب عن الفارسي غريبا.
................................
المنصوب، قالوا: فعلى هذه العلة ينبغي إذا لم يحصل توهم لبس بفهم المعنى، أو يكون الثاني نكرة أنه يجوز الإقامة من غير توقف.
الثالثة: أن المفعول الثاني قد يقع جملة فلا يجوز إقامته حينئذ فمنع إذا كان مفردا؛ طردا للباب 1، وما ذكروه فيه [2/ 258] نظر.
أما قولهم: إن الخبر لا يكون مخبرا عنه؛ فالجواب: أن نحو: قائما من: ظننت زيدا قائما، ليس مخبرا به الآن؛ لأنه خرج من خبر الأخبار بعد دخول الناسخ إلى خبر المفعولات، فلا يلزم من الإسناد إليه ما ذكروه.
وأما العلة الثانية: فإنها راجعة إلى أن المقتضي للمنع إنما هو حصول اللبس، وذلك بأن يكونا معرفتين أو نكرتين وأنت قد عرفت أن من شرط جواز إقامة الثاني أن لا يحصل لبس.
وأما العلة الثالثة: فتقول فيها أنه لا يلزم من منع إقامته إذا كان جملة منع إقامته إذا كان مفردا، فإن الجملة لها مانع يمنع من إقامتها، ولا مانع في المفرد، وهذا أمر يمنع الطرد.
ثالثها:
قد فهم من قول المصنف: (ولا تمتنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقا).
إلى آخره، أنه يجوز إقامة الثاني من باب أعلمت، وكذا الثالث إن أمن اللبس ولم تكن جملة أو شبهها، وأن الذي خالف في الثاني 2 من باب ظننت مخالف أيضا في باب أعلمت، ويلزم عند المخالف إقامة الأول.
والحاصل: أن النحاة اختلفوا، فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز إلا إقامة الأول؛ وعلّل ذلك بأن المفعول الثاني والثالث أصلهما المبتدأ والخبر، فالمفعولية فيهما ليست متمحضة، بخلاف الأول؛ فإنه متمحض للمفعولية، وإلى أنه لا يجوز إلا إقامة الأول في باب أعلمت.
ذهب ابن هشام الخضراوي، وابن عصفور، والأبدي معللين ذلك بأن الأول مفعول صحيح، وأما المفعولان الآخران فإنهما شبّها بمفعولي أعطيت، فليسا -
[بعض المنصوبات لا تجوز إنابتها]
قال ابن مالك: (ولا ينوب خبر كان المفرد خلافا للفرّاء، ولا مميّزه خلافا للكسائيّ ولا يجوز: كين يقام، ولا: جعل يفعل؛ خلافا له وللفرّاء).
بمفعولين صحيحين، وهؤلاء يقولون: إنما جوّز إقامة الأول من باب ظن بلا خلاف وإن كان غير متمحض للمفعولية؛ لأنه لا مندوحة لنا عن ذلك، وأما في باب أعلم فلنا مندوحة 1، وقد عرفت أن المصنف وافق القائلين بجواز إقامة الثاني 2، وأما إقامة الثالث فالمفهوم من كلام المصنف جوازها؛ لأنه قال: (ولا تمتنع نيابة غير الأول من المفعولات)، وثالث أعلم تشمله هذه العبارة.
قال الشيخ: وقد ذكر صاحب المخترع جواز ذلك عن بعضهم فقال: لا يجوز إقامة الثاني والثالث في باب أعلم عند من أجاز ذلك إلا بشرط أن لا يلتبس نحو:
أعلم زيدا كبشك سمينا، وأعلم زيدا كبشك سمين، لكن نقل عن ابن هشام الخضراوي أنه ذكر الاتفاق على أنه لا يجوز في باب أعلم إقامة الثالث 3. انتهى.
وقال الإمام بدر الدين ابن المصنف: إن إقامة الثالث لا تجوز بالإجماع 4.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: حكى السيرافي في شرح الكتاب أن الفراء يجيز:
كين [2/ 259] أخوك في: كان زيد أخاك، وزعم أنه ليس من كلام العرب، ورد عليه بأن قال: هو فاسد؛ لعدم الفائدة، ولاستلزامه وجود خبر عن غير مذكور ولا مقدر 5، -
................................
وأجاز الكسائي في: امتلأت الدار رجالا.
امتلئ رجال 1، وحكي: خذه مظنونة به نفس، ومن الموجوع رأسه، والمسفوه رأيه، والموقوف أمره، وأجاز هو والفراء أن يقال في: كان زيد يقوم، وجعل عمرو يفعل: كين يقام وجعل يفعل 2، والمسند إليه ضمير المجهول عند الكسائي، ومستغنى عنه عند الفراء 3. انتهى.
وقد تقدم في هذا الباب أن في بناء كان وما تصرف من أخواتها خلافا، وأن الصحيح على ما قاله ابن عصفور أنها تبنى بالشرط الذي تقدم ذكره 4، وملخص ما ذكره في شرحه المقرب 5 أن الكوفيين يجيزون بناء هذه الأفعال قياسا وإن لم يرد به سماع فيحذفون الاسم لشبهه بالفاعل ويقيمون الخبر مقامه لشبهه بالمفعول، ورد مذهبهم بأن ذلك يؤدي إلى بقاء الخبر دون مخبر عنه، وأن البصريين منهم من منع وهم الأكثرون ومنهم من أجاز، والمجيزون اختلفوا في الذي يقام مقام الفاعل، فقال السيرافي ومن وافقه: إن القائم مقام الفاعل ضمير المصدر الذي هو الكون ويجعل الجملة مفسرة له فيقول: كين زيد قائم، ورد مذهب السيرافي بأن الذي يقام مقام الفاعل إنما هو شيء من معمولات الفعل مصدرا كان أو غيره، وعلى هذا لابد أن يتصور عمل «كان» في ذلك الذي يقام قبل قيامه وأنت لا تقول: كان زيد قائما كونا فتعديها إلى مصدرها؛ قالوا: لأن الخبر قام مقامه فإذا لم يجز لها أن تنصبه، فكيف ترفعه 6 وقال بعضهم: الذي يقام مقام الفاعل ظرف أو مجرور فيحذف المعمولان، ويقام الظرف بعد ذلك أو المجرور، واختار ذلك ابن عصفور قال: وهو المذهب الصحيح؛ فيقال: كين في الدار، وكين يوم الجمعة.
قال ابن عصفور: وهو مذهب سيبويه 7، والموجب لنسبة ذلك إلى سيبويه أنه - - وينظر: أصول النحو لابن السراج (1/ 91)، وشرح الجمل لابن بابشاذ (1/ 108).
................................
قال - لما ذكر كان الناقصة - ما نصه: وتقول: كنّاهم كما تقول: ضربناهم، وتقول: إذا لم تكنهم فمن ذا يكونهم كما تقول: إذا لم تضربهم فمن يضربهم، ثم 1 قال: فهو كائن ومكون كما كان ضارب ومضروب 2، وقد أشكل كلام سيبويه على الناس حتى أن أبا علي قال لما سأله ابن جني عن ذلك: ما كل داء يعالجه الطبيب، وكان يقول: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ 3. فمن الناس من قال: هذا من سيبويه يدل على جواز البناء في الجملة، إلا أنه لم يذكر ذلك على وجه يجوز فيه بناؤها [2/ 260] للمفعول، فوجب أن يحمل كلامه على ما يصح، وهو أن الأصل: مكون فيه؛ على أن المجرور هو القائم مقام الفاعل، وإلى هذا جنح ابن عصفور 4، وأما أبو علي فإنه قال: إنما قصد سيبويه أن يبين أن هذا الفعل متصرف، فـ «مكون» لم يمنع من حيث عدم التصرف، بل إنما امتنع لأمر آخر.
انتهى 5.
ما لخص من الكلام على هذه المسألة، وقد تقدم من كلام المصنف أن القائم مقام الفاعل عند الكسائي ضمير المجهول وأنه مستغنى عنه عند الفراء 6، وقد عرفت أنه لا معول على مذهب الكوفيين في هذه المسألة؛ فلا حاجة إلى الاشتغال بذكر تقرير مذهبهم؛ لأن في تقريرهم ما يخالف القواعد المستقرة، ثم إن ذلك لا يجدي شيئا.
وأما قول المصنف: (ولا: جعل يفعل) فهو إشارة إلى أن الكوفيين يجيزون بناء أفعال المقاربة للمفعول، كما يجيزون بناء كان وأخواتها 7، والأمر كما ذكره؛ ولهذا استدرك على ابن عصفور فقيل: تعرض لباب كان وأخواتها، ولم يتعرض لأفعال المقاربة.
وأما إجازة الكسائي إقامة التمييز مقام الفاعل 8 فشيء لا معول عليه.
-
[التغييرات التي تحدث في الفعل عند بنائه للمجهول]
قال ابن مالك: (فصل: يضمّ مطلقا أوّل فعل النّائب، ومع ثانيه إن كان ماضيا مزيدا أوّله تاء، ومع ثالثه إن افتتح بهمزة وصل، ويحرّك ما قبل الآخر لفظا إن سلم من إعلال وإدغام وإلّا فتقديرا بكسر إن كان الفعل ماضيا، وبفتح إن كان مضارعا وإن اعتلّت عين الماضي ثلاثيّا أو على «انفعل» أو «افتعل» كسر ما قبلها بإخلاص أو إشمام ضمّ، وربّما أخلص، ويمنع الإخلاص عند خوف اللّبس.
وكسر فاء «فعل» ساكن العين لتخفيف أو إدغام لغة، وقد تشمّ فاء المدغم، وشذّ في «تفوعل» «تفيعل» وما تعلّق بالفعل غير فاعل أو مشبّه به أو نائب عنه منصوب لفظا أو محلّا، وربّما رفع مفعول به ونصب فاعل لأمن اللّبس).
قال الشيخ: ومما يلحق بهذا الباب من الأفعال مما في جواز بنائه للمفعول خلاف ما ذكره بعض أصحابنا وهي مسألة «اشتكى زيد عينيه» ونحوه، قال: لا يجوز بناؤه للمفعول عند البصريين ولا الفراء، وأجازه الكسائي وهشام 1.
قال ناظر الجيش: يشير المصنف في هذا الفصل إلى الشيء الرابع من الأشياء الأربعة التي تقدمت الإشارة إليها وهو: كيفية بناء الأفعال لما لم يسمّ فاعله.
قال المصنف 2: النائب هو ما يسند إليه فعل ما لم يسم فاعله، وكيفية صوغه لما لم يسم فاعله: أن يضمّ أوّله مطلقا أي في مضيّ ومضارعة، وإن كان الماضي مفتتحا بتاء مزيدة ضمّ أوله وثانيه، وإن كان مفتتحا بهمزة وصل ضم أوله وثالثه، ويزاد إلى ذلك تحريك ما [2/ 261] قبل الآخر لفظا أو تقديرا بكسر في الماضي وفتح في المضارع كقولك في ضرب وتعلم واستخرج: ضرب وتعلّم واستخرج 3.
فهذه أمثلة المحرك ما قبل آخره لفظا، وأمثلة المحرك ما قبل آخره تقديرا: قيل، -
................................
وأقيم، واستقيم، وردّ الشيء، وأعدّ، واستعدّ، ويقال ويقام ويستقام، ويردّ ويعدّ، ويستعدّ، وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: ويحرك ما قبل الآخر لفظا إن سلم من إعلال وإدغام وإلا فتقديرا 1. ثم بيّنت أن الحركة الملفوظ بها أو المقدرة كسرة في الماضي وفتحة في المضارع، ثم بيّنت أن ما قبل العين المعتلة من الماضي الثلاثي والموازن لا نفعل، وافتعل يكسر كسرة خالصة أو مشمة بضم نحو: بيع المتاع، وسيق اليمن، وانقيد إلى الحق، واختير الصواب؛ فتحرك ما قبل العين بالكسرة التي كانت لها في الأصل، فإن كانت العين ياء سلمت؛ لسكونها بعد ما تجانسها، وإن كانت واوا انقلبت ياء؛ لسكونها بعد كسرة، ومن أشم الكسرة ضمة لم يغير الياء، وهي ولغة إخلاص الكسر لغتان فصيحتان مقروء بهما.
وبعض العرب يخلص الضمة 2، فإن كانت العين واوا سلمت؛ لسكونها بعد ما يجانسها، وإن كانت ياء انقلبت واوا؛ لسكونها بعد ضمة، وعلى هذه اللغة قول الراجز:
1271 - ليت وهل ينفع شيئا ليت... ليت شبابا بوع فاشتريت 3
وقول الآخر 4: -
................................ 1272 - حوكت على نيرين إذ تحاك... تختبط الشّوك ولا تشاك 1 ولا يجوز إخلاص الكسر، ولا إخلاص الضم عند إسناد الفعل إلى تاء الضمير ونونه إلا بشرط أن لا يلتبس فعل المفعول بفعل الفاعل، بل يتعين عند خوف الالتباس إشمام الكسرة ضمّا، ومثال ما يخاف فيه الالتباس قولك في بيع العبد: بعت يا عبد، وفي عوق الطالب: عقت يا طالب، فإن هذا ونحوه لا يعلم كون المخاطب فيه مفعولا إذا أخلصت الكسرة فيما عينه ياء، والضمة فيما عينه واو؛ بل الذي يتبادر إلى ذهن السامع كون المسند إليه فاعلا، والمراد كونه مفعولا، ولا يفهم ذلك إلا بالإشمام فيهما، وبإخلاص الكسرة في نحو عقت يا طالب، فوجب اجتناب ما يوقع في اللبس 2، وإلى هذا أشرت بقولي: ويمنع الإخلاص عند خوف اللبس، ومن العرب من يكسر فاء «ردّ» ونحوه بإخلاص وإشمام 3. وحكى الأخفش أن من العرب يقول في تعولم: تعليم، وهو في الشذوذ شبيه بقول بعضهم في أبيك وأخيك: أبيك 4 وأخيك، وقد يقال في فعل: فعل تخفيفا [2/ 262] دون نقل، وربما نقلوا بعد التخفيف فقالوا في «علم»: «علم» وإلى هذا أشرت بقولي: وكسر فاء فعل ساكن العين لإدغام أو تخفيف لغة 5، وما تعلق -
................................
بالفعل وليس بفاعل، ولا شبيه به 1، ولا نائب عنه؛ فمنصوب لفظا إن لم يدخل عليه حرف جر ومحلّا إن دخل عليه، وأمثلة ذلك بينة فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها.
وقد يحملهم ظهور المعنى والعلم بأن السامع لا يجهل المراد على الإتيان في جملة واحدة بفاعل منصوب ومفعول مرفوع كقولهم: خرق الثوب المسمار 2، وكقول الشاعر:
1273 - مثل القنافد هدّاجون قد بلغت... نجران أو بلغت سوآتهم هجر 3
فرفع «هجر» ونصب «السوآت» وهي البالغة و «هجر» مبلوغة، كما رفع الثوب وهو المخروق ونصب المسمار وهو الخارق، ومن هذا القبيل قول الراجز:
1274 - إنّ سراجا لكريم مفخره... تحلى به العين إذا ما تحقره 4
وحقه أن يقول: تحلى بالعين، وقد حمل بعض النحويين على هذا قوله تعالى:
ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ 5 حكى ذلك الفراء ورجح كون الباء معدية 6، كما هي في قوله تعالى: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ 7، وكما هي في قول الشاعر:
1275 - ديار الّتي كادت ونحن على مني... تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب 8
هذا آخر كلام المصنف 9، ولكن ثمّ أمور ينبّه عليها: -
................................
1 - منها: أن الشيخ ناقش المصنف في قوله: (وإن اعتلت عين الماضي) قال:
لأنه توهم مثل عور وصيد يكون فيه هذا الحكم؛ لأنهم يطلقون المعتل على ما فيه حرف علة سواء أصح أم اعتل قال: فإزالة هذا الوهم أن يزيد فيه بألف أي: وإن اعتلت بألف.
انتهى 1.
والأمر فيما ذكره قريب، ولو قال: الأولى أنه كان يقول: فإن اعتلت عينيه كان أحسن من قوله أن يزيد بألف.
2 - ومنها: أن الإشمام المشار إليه هنا ليس هو الإشمام الذي يذكر في باب الوقف؛ لأن ذلك لا حركة فيه، وترك الحركة لا يتصور هنا؛ ولهذا قال ابن خروف في قول سيبويه: وبعض العرب يقول: خيف، وقيل، وبيع؛ فيشم الإشمام هنا صوت كما يريد ذلك في «ردّ» ألا ترى أنه لا يجري بضم الشفتين إلا صوت الواو، ولا بد من ذلك 2، انتهى.
والذي ذكره حق لا محيد عنه.
3 - ومنها: أن الذي ذكره المصنف من أنه يمنع الإخلاص عند خوف اللبس لم يتعرض إليه المغاربة.
قال الشيخ: ولم يعتبروه وذكر عنهم تفصيلا ثم قال: وأما سيبويه فلم يتعرض للتفصيل الذي ذكره أصحابنا، ولا لما ذكره المصنف، بل أجاز فيها إذا أسندت إلى ضمير متكلم ومخاطب ونون إناث؛ الأوجه الثلاثة التي هي في «قيل، وبيع» إذا كانت مسندة لغير ضمير المتكلم ونون الإناث (3).
4 - ومنها: أن الشيخ له [2/ 263] منازعة للمصنف في قوله: (وكسر فاء فعل ساكن العين لتخفيف لغة)، فإنه قال:
أمّا كسر الفاء إذا سكنت العين تخفيفا، فإن مذهب الجمهور أنه لا يجوز، وحكي عن قطرب إجازته قال: وأما كسر الأول من المضاعف إذا وجب الإدغام نحو: «ردّ» فقد قاله غيره، وقال الجمهور:
لا يجوز إلا الضم، وأجاز الكسر بعض الكوفيين قال: وهو الصحيح وهو لغة لبني ضبة ولبعض تميم 3. انتهى.
-
................................ ولم ينتظم لي قوله: لا يجوز إلا الضم 1 عند الجمهور مع قوله: إن ذلك لغة لقوم من العرب، ثم الأمر في المسألتين قريب. 5 - ومنها: أن المغاربة لما ذكروا أن المفعول قد يرفع والفاعل قد ينصب تعرضوا إلى ذكر المذاهب في قلب الإعراب إذا فهم المعنى، وذكروا أن المذاهب فيه ثلاثة: أحدها: أن ذلك جائز في الكلام والشعر اتساعا. الثاني: أن ذلك لا يجوز إلا ضرورة. الثالث: أن ذلك لا يجوز إلا للضرورة وتضمين الكلام معنى يصح معه القلب فمعنى «أو بلغت سوءاتهم هجر»: أو حملت سوءاتهم هجر؛ لأنه إذا بلغت السوءات هجر فقد حملتها هجر. والذي صححوه أن القلب لا يجوز إلا في الضرورة، وأنه إن ورد في الكلام كان سببه التضمين 2، وأصحاب علم المعاني ذكروا في القلب مذاهب ثلاثة أيضا 3. ففصل 4 في الثالث بين أن يتضمن القلب معنى لطيفا فيجوز أو لا فلا يجوز، ونقل الشيخ عن البسيط: الجواز إذا كان المعنى مفهوما نحو: خرق الثوب المسمار وكسر الزجاج الحجر 5، وهذا الذي نقله موافق لما ذكره المصنف قبل، وقد يجوز رفعهما أو نصبهما معا؛ لفهم المعنى، فالأول نحو قول الشاعر: 1276 - إنّ من صاد عقعقا لمشوم... كيف من صاد عقعقان وبوم 6
[أحكام تأخير المفعول عن الفاعل وتقديمه عليه]
قال ابن مالك: (يجب وصل الفعل بمرفوعه إن خيف التباسه بالمنصوب، أو كان ضميرا غير محصور، وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو: ما ضرب عمرو إلّا زيدا، فإن كان المرفوع ظاهرا والمنصوب ضميرا لم يسبق الفعل، ولم يحصر فبالعكس، وكذا الحكم عند غير الكسائيّ في نحو: ما ضرب عمرا إلّا زيد، وعند الأكثرين في نحو:
ضرب غلامه زيدا، والصّحيح جوازه على قلّة).
لأنه قد عرف أنهما مصيدان، والثاني نحو 1:
1277 - قد سالم الحيّات منه القدما 2
قال ناظر الجيش: قال المصنف 3: المرفوع بالفعل كجزئه فالأصل أن يليه بلا فصل، وانفصاله بالمنصوب جائز؛ ما لم يعرض موجب للبقاء على الأصل أو الخروج عنه، فيجب البقاء على الأصل عند خوف التباس المرفوع بالمنصوب نحو: ضرب هذا ذاك [2/ 264] فالمرفوع في مثل هذا هو الأول إذ لا يتميز من -
................................ المنصوب إلا بالتقديم فلو تميز تقديمه بقرينة لفظية أو معنوية لجاز التقديم والتأخير نحو: ضربت موسى سلمى، ولحقت الأولى الأخرى 1، ويجب أيضا البقاء على الأصل إذا كان المرفوع ضميرا غير محصور نحو: ضربت زيدا وأكرمتك؛ فتقدم المرفوع أيضا في مثل هذا واجب 2. وعبرت بالمرفوع ليدخل الفاعل واسم كان والنائب عن الفاعل، وإذا كان مرفوع الفعل محصورا وجب تأخيره وتقديم المنصوب عند البصريين والكوفيين إلا الكسائي 3، ويستوي في ذلك المضمر والظاهر، فالمضمر كقوله تعالى: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ 4، والظاهر نحو: لا يصرف السوء إلا الله، فلو قلت: لا يصرف إلا الله السوء؛ امتنع عند غير الكسائي، فلو كان الحصر في غير المرفوع؛ لزم أيضا تأخر المحصور إلا عند الكسائي وابن الأنباري 5 نحو: لا يرحم الله إلا الرحماء، فلو قلت: لا يرحم إلا الرحماء الله؛ لم يجز إلا عندهما 6، وحجة من منع تقديم المحصور مطلقا حمل الحصر بإلا على الحصر بإنما 7، وذلك أن الاسمين بعد إنما لا يعرف متعلق الحصر منهما إلا بتأخره كقولك قاصدا لحصر المفعولية في زيد: إنما ضرب عمرو زيدا؛ فالمراد كون الضرب الصادر من عمرو مخصوصا به زيد، ولا يعلم هذا إلا بتأخير زيد فامتنع تقديمه فجعل المقرون بإلّا متأخرا، وإن كان لا يخفى كونه متأخرا لو لم يتأخّر ليجري الحصر على سنن -
................................
واحد 1، ولم يلتزم الكسائي ذلك؛ لأن الاقتران بإلّا يدل على المعنى، والتوسع عند وضوح المعنى أولى من التضييق مع أحد الاستعمالين، واعتبر ابن الأنباري تأخر المقرون بإلّا لفظا أو تقديرا، فأجاز تقديمه إذا لم يكن مرفوعا؛ لأنه وإن تقدم لفظا مؤخر معنى، ولم يجز تقديمه إذا كان مرفوعا، لأنه إذا تقدم لفظا مقدم معنى، فلزم من تقديمه فوات تأخر المحصور لفظا وتقديرا، وذلك غير جائز 2، ويؤيد ما ذهب إليه أبو بكر قول الشاعر:
1278 - تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة... فما زاد إلّا ضعف ما بي كلامها 3
ومثله في مفعول ما لم يسم فاعله قول زهير:
1279 - وهل ينبت الخطيّ إلّا وشيجه... وتغرس إلّا في منابتها النّخل 4
ومما يجب فيه الخروج عن الأصل أن يكون المرفوع ظاهرا والمنصوب ضمير غير محصور نحو: أكرمك زيد، والثوب كسيه زيد 5، فلو قصد حصر المنصوب تأخر؛ وتقدم المرفوع نحو: ما أكرم زيد إلا إياك، والثوب ما كسي زيد إلا إياه، فلو قصد تقدم المنصوب على الفعل اهتماما به لقيل: إياك أكرم زيد، والثوب إياه كسي زيد.
-
................................ وإلى هذا أشرت بقولي: فإن كان المرفوع ظاهرا والمنصوب ضميرا لم يسبق الفعل، ولم يحصر فبالعكس، ومنع أكثر النحويين تقديم [2/ 265] المرفوع الملابس ضميرا عائدا على المنصوب نحو: ضرب غلامه زيدا والصحيح جوازه 1؛ لوروده في كلام الفصحاء كقول حسان رضي الله عنه: 1280 - ولو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا... من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما 2 وكقول الآخر: 1281 - كسا حمله ذا الحلم أثواب سؤدد... ورقّى نداه ذا النّدى في ذرى المجد 3 فقدم فاعل كسا وفاعل رقى وكلاهما مضاف إلى ضمير مفعول متأخر، وكقول الآخر 4. 1282 - ألا ليت شعري هل يلومنّ قومه... زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب 5 وكقول الآخر 6: -
................................
1283 - جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر... وحسن فعل كما يجزى سنمّار 1
وكقول الآخر 2:
1284 - لمّا رأى طالبوه مصعبا ذعروا... وكاد لو ساعد المقدور ينتصر 3
وقد سبق الكلام في هذه المسألة مستوفى في باب الضمائر... انتهى كلام المصنف 4.
ويتعلق به التعرض إلى ذكر أمرين:
أحدهما: أنه قد عرف معه أن المحصور «بإنما» يجب تأخيره فاعلا كان أو مفعولا وهذا لا خلاف فيه، وأن المحصور «بإلّا» فيه ثلاثة مذاهب:
وجوب التأخير مطلقا وأنه قول النحويين غير الكسائي وابن الأنباري، وجواز التقديم مطلقا وأنه قول الكسائي،
والتفصيل بين أن يكون الحصر في المفعول فيجوز التقديم أو في الفاعل فلا يجوز وأنه قول ابن الأنباري.
والأمر كما ذكره في أن المذاهب في المسألة ثلاثة إلا أن القول الذي نسبه إلى ابن الأنباري ذكر الجماعة أنه قول البصريين، ولهذا لم يذكر ابن عصفور في مقربه في القسم الذي يجب فيه تقديم الفاعل أنه إذا كان المفعول مقرونا بإلا يجب تقديم الفاعل، مع أنه ذكر في القسم الذي يجب فيه تقديم المفعول أنه إذا كان الفاعل مقرونا «بإلا» يجب فيه تقديم المفعول، والمعروف لابن عصفور أنه جار في تصانيفه لا سيما المقرب على مذاهب البصريين لا يعدل عن شيء منها 5. -
................................ قال الشيخ بهاء الدين النحاس رحمه الله تعالى: أجمع النحاة على أنه متى أريد الحصر في واحد منهما أي: من الفاعل والمفعول مع «إنّما» وجب تأخيره وتقديم الآخر واختلفوا فيه إذا كان مع «ما» و «إلا» على ثلاثة مذاهب فذهب قوم منهم الجزولي والشلوبين إلى أنه في «ما» و «إلا» كما هو في «إنما» أيهما أريد الحصر فيه وجب تأخيره بعد «إلا» وتقديم غير المحصور، وذهب الكسائي إلى أنه يجوز فيه من التقديم والتأخير ما يجوز في كل واحد منهما إذا لم يكن معه «ما» و «إلا»، وذهب البصريون والفراء [2/ 266] وابن الأنباري إلى أنه: إن كان الفاعل هو المقرون بإلا وجب تقديم المفعول، وإن كان المفعول هو المقرون بها لم يجب تقديم الفاعل على المفعول؛ بل يجوز تقديم الفاعل على المفعول وتأخره عنه 1. قال: والدليل على وجوب التأخير فيهما القياس على إنما، ودليل الكسائي قول الحماسي 2: 1285 - ولمّا أبى إلّا جماحا فؤاده... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل 3
-
- الوجه الأول: هو أن قوله: «إلا أن القول الذي نسبه إلى ابن الأنباري ذكر الجماعة أنه قول البصريين»؛ ليس هذا القول على الإطلاق وإنما هو رأي البصريين أكثرهم وقال به الفراء أيضا كما قال به ابن الأنباري، فكون ابن مالك هنا نسب هذا القول إلى ابن الأنباري ليس معناه أنه ليس مذهب البصريين، وقد ذكر الأشموني في تنبيهاته هذا فقال: «وذهب الجمهور من البصريين والفراء وابن الأنباري إلى منع تقديم الفاعل المحصور وأجازوا تقديم المفعول المحصور؛ لأنه في نية التأخير» اه.
الأشموني (2/ 58). الوجه الثاني: هو أن تعليله بأن ابن عصفور لم يذكر ذلك في المقرب.
لم يكن هذا التعليل حجة يرد به ما نسبه ابن مالك إلى ابن الأنباري، فإن ابن عصفور قد ذكر ذلك في شرحه للجمل (1/ 164) حين قال: «وقسم يلزم فيه تأخير المفعول عن الفاعل وذلك إذا كان الفاعل ضميرا متصلا نحو: ضربت زيدا، أو مضافا إليه المصدر المقدر بأن والفعل نحو: يعجبني ضرب زيد عمرا أو مقرونا بإلا نحو: ما ضرب زيد إلا عمرا، أو في معنى المقرون بإلا نحو: إنما ضرب زيد عمرا، أي: ما ضرب زيدا إلا عمرا، أو لا يكون في الكلام ما يبيّن الفاعل من المفعول، أو في ضرورة شعر» اه.
- الوجه الأول: هو أن قوله: «إلا أن القول الذي نسبه إلى ابن الأنباري ذكر الجماعة أنه قول البصريين»؛ ليس هذا القول على الإطلاق وإنما هو رأي البصريين أكثرهم وقال به الفراء أيضا كما قال به ابن الأنباري، فكون ابن مالك هنا نسب هذا القول إلى ابن الأنباري ليس معناه أنه ليس مذهب البصريين، وقد ذكر الأشموني في تنبيهاته هذا فقال: «وذهب الجمهور من البصريين والفراء وابن الأنباري إلى منع تقديم الفاعل المحصور وأجازوا تقديم المفعول المحصور؛ لأنه في نية التأخير» اه.