................................
وقد رد عليهم بوصل ما بليس في قوله:
455 - [أليس أميري في الأمور بأنتما]... بما لستما أهل الخيانة والغدر 1
قالوا: فلا يسوغ تقدير ما بالذي لعدم الربط.
ثم أشار بقوله: وتوصل بجملة اسمية على رأي إلى أن ما قد توصل بجملة اسمية كقول الشاعر:
456 - واصل خليلك ما التواصل ممكن... فلأنت أو هو عن قريب ذاهب 2
وقول الآخر:
457 - فعسهم أبا حسّان ما أنت عائس 3
وهذا رأي طائفة ومنهم الأعلم.
واختلف قول ابن عصفور فمرة أجاز ومرة منع 4. - - فعلت ما فعل زيد، أي كالفعل الّذي فعل زيد، فإن لم ترد هذا المعنى فالكلام محال لأن فعلك لا يكون فعل غيرك قال الله تعالى: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا والتأويل عندهم والله أعلم: كالخوض الّذي خاضوا.
................................ قال المصنف: 1 «وقد توصل بمضارع المصدرية غير الظّرفية فيه كقول الشاعر: 458 - وللمنيّة أسباب تقرّبها... كما تقرب للوحشية الدّرع 2 وقد توصل بجملة اسمية كقول الشاعر: 459 - أحلامكم لسقام الجهل شافية... كما دماؤكم تشفي من الكلب 3 وقول الآخر: 460 - أعلاقة أمّ الوليد بعد ما... أفنان رأسك كالثّغام المخلس 4
................................ والحكم على ما هذه بالمصدرية أولى من جعلها كافة؛ لأنها إذا كانت مصدرية كانت هي وصلتها في موضع جر بالكاف في البيت الأول، وبإضافة الظرف في البيت الثاني. ولم يصرف بما هو له ثابت بخلاف الحكم بأن ما كافة، وأيضا فإن النظر يقتضي أن تكون ما مصدرية لكثرة استعمالها وعدم عملها غير مقصورة على الوصل بالفعل بخلاف أن وكي ولا تستحق ذلك لو المصدرية لقلة استعمالها فإن الحاجة إلى اختلاف [1/ 261] المصحوب في صلة وغيرها دون كثرة استعمالها غير ماسة، وأيضا فمن مواقع ما المصدرية النيابة عن وقت واقع ظرفا، والوقت الواقع ظرفا قد يضاف إلى جملة اسمية كما يضاف إلى جملة فعلية فإذا وصلت ما بكلتا الجملتين حين وقوعها موقع ذلك الوقت سلك بها سبيل ما وقعت موقعه، فكان الحكم بجواز وصلها بجملة اسمية راجحا على الحكم بمنعه وهذا على تقدير عدم ذلك مسموعا فكيف وقد ظفرت به في البيتين السابق ذكرهما، وإذا ثبت وصل ما المصدرية النائبة عن ظرف بجملة اسمية لم يتبعه وصلها بها إذا لم تكن نائبة عن ظرف» انتهى 1 وهو كلام حسن واستدلال جيد. وأما لو المصدرية: فعلامتها أن يصلح في موضعها أن وأكثر وقوعها بعد ما يدل على تمن كقوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ 2 وقد تكون غير مسبوقة بتمن، وعن ذلك احترز المصنف بقوله: غالبا قبل قوله: مفهم تمنّ وذلك كقول قتيلة 3: 461 - ما كان ضرّك لو مننت وربّما... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق 4
................................
وكقول الآخر:
462 - لقد طوفت في الآفاق حتّى... بليت وقد أنى لي لو أبيد 1
وكقول الآخر:
463 - وربما فات قوما جلّ أمرهم... من التّأنّي وكان الحزم لو عجلوا 2
ولا توصل لو المصدرية إلا بفعل متصرف ماض أو مضارع وهذا مراد المصنف بقوله: وصلتها كصلة ما في غير نيابة 3.
وقد فهم الشيخ هذا الموضع فهما عجيبا وحمله على غير مراد المصنف مع تصريح المصنف بمراده في شرحه، ثم إنه أورد عليه بمقتضى ذلك الفهم إيرادا وهو ساقط لترتبه على الفهم المخل بمراد المصنف.
والناظر إذا وقف
على شرح الشيخ حقق - - في ديوان الحماسة (2/ 966) بشرح المرزوقي، وفي ديوان الخنساء ومراثي ستين شاعرة من العرب (ص 187). ولما سمع رسول الله من قتيلة هذا الشعر قال: «لو سمعته قبل قتله لأطلقته لها».
وشاهده: وقوع لو المصدرية غير مسبوقة بتمن.
انظر البيت في معجم الشواهد (ص 248) وفي شرح التسهيل لابن مالك (1/ 228) والتذييل والتكميل (3/ 157) وفي شرح للمرادي (1/ 234).
................................ ما قلته 1. قال المصنف: 2 «وأكثر النحويين لا يذكرون لو في الحروف المصدرية 3». وممن ذكرها 4 الفراء وأبو علي ومن المتأخرين التبريزي 5. وأبو البقاء 6. -
................................
وقال أبو علي في التذكرة: وقد حكى قراءة بعض القراء: ودوا لو تدهن فيدهنوا 1 بنصب فيدهنوا حمله على
المعنى كأنه قال: ودّوا أن تدهن فيدهنوا كما حمل أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ 2 على أَوَلَيْسَ.... بِقادِرٍ 3، 4.
ثم قال بعد 5: فإن قيل كيف دخلت لو المصدريّة على أنّ في نحو فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً 6 فالجواب من وجهين:
الأول: أن لو داخلة على «ثبت» مقدرا رافعا لأن فلا يلزم من ذلك مباشرة حرف مصدري لحرف مصدري.
الثاني: أن يكون هذا من باب التوكيد اللفظي وهو من أحسنه؛ لأنه توكيد كلمة بما يوافقها معنى دون لفظ وهذا أجود من التوكيد بإعادة [1/ 262] اللفظ بعينه ومنه توكيد السبل بالفجاج في قوله تعالى: لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً 7 ومنه توكيد الذين بمن في قراءة زيد بن علي: (والذين من قبلكم) 8. -
................................
ولتفضيل هذا النوع من التأكيد على إعادة اللفظ بعينه كان قولك: زيد كمثل عمرو شائعا مستحسنا في النظم والنثر بخلاف زيد ككعمرو فإنه مخصوص بالضرورة كقوله:
464 - وصاليات ككما يؤثفين 1
[1/ 263] وقد اجتمعت لو وأن المصدريتان في قول علي رضي الله عنه مخاطبا لعامله:
«ما كان عليك أن لو صمت لله أياما، وتصدّقت بطائفة من طعامك محتسبا» انتهى كلام المصنف 2.
وقد باشرت أن في قوله تعالى: وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً 3.
وهذه الآية أصرح في الدلالة على مصدرية لو من الآية الشريفة التي أوردها المصنف؛ وذلك لتقدم يود عليها.
ثم الجواب عن المباشرة في تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ كالجواب عن المباشرة في فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً 4.
واعلم أن من لم يثبت مصدرية لو جعلها في الشواهد المتقدمة الامتناعية 5 فقال: - - وقد رد ذلك ابن هشام فقال: السؤال في الآية فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً مدفوع من أصله لأن لو فيها ليست مصدرية.
وفي الجواب الثاني نظر لأن توكيد الموصول قبل مجيء صلته شاذ كقراءة زيد بن علي (والذين من قبلكم) بفتح الميم (مغني اللبيب: 1/ 267).
................................
في يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ 1 أن مفعول يود محذوف وأن جواب لو محذوف.
وأن التقدير: يود أحدهم التعمير لو يعمر ألف سنة لسره ذلك، وتخرج بقية الشواهد على نحو ذلك، ولا يخفى ما في هذا التخريج من التكلف والقول بمصدرية لو أسهل منه، إذ لا مانع يمنعه من جهة الصناعة النحوية ولا كلفة فيه بل هو الظاهر.
بقي ها هنا التنبيه على شيء:
وهو أن قول المصنف: مفهم تمنّ - يشمل ودّ وأحبّ وآثر وتمنى واختار، ثم إنه لم يمثل إلا بود ويود قبل ولم يسمع من مفهم التمني غير ود ويود وربما أشعر اقتصار المصنف على التمثيل بذلك، أعني ودّ ويودّ على أن مفهوم التمني مقصور عليهما.
ثم أشار المصنف بقوله: وتغني عن التمنّي فينصب بعدها الفعل مقرونا بالفاء إلى معنى آخر يستفاد يذكر لو وهو التمني في بعض المواضع.
وأشعر قوله: وتغني عن التّمني فينصب بعدها الفعل مقرونا بالفاء إلى معنى آخر يستفاد بذكر لو وهو التمني مستفادا من لو نفسها وسيأتي تقرير ذلك والبحث فيه 2.
قال المصنف 3: وأشرت بقولي: وتغني عن التّمني (فينصب بعدها الفعل مقرونا بالفاء) 4 إلى نحو قول الشاعر:
465 - سرينا إليهم في جموع كأنّها... جبال شرورى لو نعان فننهدا 5
فلك في نصب ننهد أن تقول نصب؛ لأنه جواب تمنّ إنشائي كجواب ليت.
وهذا عندي هو المختار.
ولك أن تقول: ليس هذا من باب الجواب بالفاء، بل من باب العطف على المصدر؛ لأن لو والفعل في تأويل المصدر والمصدر قد عطف عليه الفعل فينتصب بإضمار أن كقول الشاعر: -
................................
466 - لقد كان في حول ثواء ثويته... تقضّى لبانات ويسأم سائم 1
ومنه قراءة السبعة إلا نافعا: إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا 2 بالنصب عطفا على وحيا.
وذهب أبو علي في لو التي بعدها نعان وشبهها: إلى أنها بمعنى الأمر وأن النصب بعدها كالنصب بعد الأمر، قال في التذكرة بعد كلامه على قراءة من قرأ «فيدهنوا» بالنصب: «يجوز أن تكون لو هذه أجريت مجرى لو الّتي بمعنى الأمر في قوله «لو نعان فننهدا» أي أعنّا بالله فننهدا وقال أيضا في قوله تعالى: فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ 3 أي أحدث لنا كرّة فنكون».
هذا نص كلامه في التذكرة.
وأما الزمخشري فإنه قال: «وقد تجيء لو في معنى التّمنّي كقولك: لو تأتيني -
................................
فتحدثني كما تقول ليتك تأتيني فتحدّثني» 1.
فإن أراد بهذا الكلام ما أردته أنا فهو صحيح، وإن أراد أن لو حرف موضوع للتمني كليت فغير صحيح؛ لأن ذلك يستلزم منع الجمع بينها وبين فعل التمني كما لا يجمع بينه وبين ليت؛ وذلك لأن حروف المعاني مقصود بها النيابة عن الأفعال على سبيل الإنشاء فالجمع بينهما وبين تلك الأفعال ممتنع لامتناع الجمع بين نائب ومنوب عنه؛ ولهذا امتنع الجمع بين لعل وأترجى وبين إلا وأستثني، فلو كانت لو موضوعة للتمني كليت لساوتها في امتناع ذكر فعل التمني معها، فكان قول القائل: تمنيت لو تفعل غير جائز كما أن قوله: تمنّيت ليتك تفعل غير جائز الأمر بخلاف ذلك، فصح ما قلته والحمد لله.
انتهى كلام المصنف 2.
وتحصل منه أن في نحو قول الشاعر «لو نعان فننهد» ثلاثة أقوال:
أحدها: قول أبي علي أن لو بمعنى الأمر.
والثاني: أنها للتمني كما يعطيه ظاهر قول الزمخشري حيث قال: وقد تجيء لو، في معنى التمني إلى آخره.
وعلى هذين القولين يكون للو معنى زائد على كونها شرطية ومصدرية وهو إما الأمر كما يقول أبو علي وإما التمني كما يعطيه كلام الزمخشري.
لكن في شرح الشيخ 3 ما نصه: «وأما ما حكي عن أبي علي أن لو بمعنى الأمر فينبغي ألا يحمل على ظاهره، وإنما يريد أبو علي أنها أشربت معنى التمنّي، والتمنّي طلب.
وأما قول الزمخشري: أنّ لو تجيء في معنى التمني فهو قول النّحويين ولا يعنون أنّها وضعت دالة على التمني.
وإنما المعنى أنها تشرّبت معنى التّمني فتجاب بما يجاب به ليت، وإذا أشربت معنى التمني فهي لو التي هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
وليست قسما موضوعا للتمني إنّما تشّربته على سبيل المجاز» انتهى.
ولا يخفى ضعف ما حمل عليه قول أبي علي.
وأما كون لو إذا أفادت معنى [التمني] 4 -
................................
فهي لو الامتناعية أشربت معنى التمني ففيه نظر 1.
والقول الثالث: وهو الذي يراه المصنف: أن لو هي المصدرية وهي واقعة بعد فعل الوداد، ولكن الفعل حذف وجعلت لو دالة عليه.
ولا يتحقق هذا الذي ذكره؛ لأن تقديره يقتضي أن تكون لو مصدرية وإذا كانت مصدرية كان الفعل المقدر قبلها منصبّا على المصدر المنسبك منها ومن الفعل الذي هو [1/ 264] صلتها فلا تكون هي حينئذ مغنية عن التمني، بل إنما فهم التمني من ذلك الفعل المقدر.
وإذا كان كذلك وكان ثم فعل منصوب كان النصب بسبب العطف على المصدر لا بسبب التمني المفهوم من وددنا.
والظاهر أن لو هي المفيدة للتمني بنفسها كما يعطيه ظاهر كلام الزمخشري، وعند إفادتها التمني لا تكون مصدرية، وما رد به المصنف من أن ذلك يستلزم منع الجمع بينهما وبين فعل التمني فممنوع، فإن الواقعة بعد فعل التمني لا تمنى فيها؛ وإنما هي مصدرية محضة؛ فالجمع بينها وبين فعل التمني ليس جمعا بين نائب ومنوب عنه والمقيدة للتمني ليست المصدرية كما تقدم، فلا يحتاج إلى تقدير فعل قبلهما، وكما أنها حال إفادتها التمني ليست مصدرية، فكذا ليست الامتناعية وانما المفيدة للتمني قسم برأسه.
وقد قال بما ذكرته ابن هشام 2 وابن الضائع حتى قالا: «إنّها لا تحتاج إلى جواب كجواب الشّرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت» 3. -
................................
واستدل من قال إن لو باقية على معنى الشرط وإنما أشربت معنى التمني - بأنه قد جمع لها بين جوابين: جواب منصوب بعد الفاء، وجواب باللام كقول الشاعر:
467 - فلو نبش المقابر عن كليب... فيخبر بالذّنائب أيّ زير 1
بيوم الشّعثمين لقرّ عينا... وكيف لقاء من تحت القبور
وقد قيل إنما نصب فيخبر؛ لأنه معطوف على مصدر متوهم فالمعنى لو حصل نبش فإخبار لقر عينا وإذا كان كذلك فليس يخبر جوابا.
ثم إن الشيخ ذكر في غضون كلامه أمورا:
منها: أنه قال 2: وأما دعوى المصنف أنّ لو في قوله تعالى حكاية: لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ 3 هي المصدرية فلا نعلم أحدا ذهب إلى ذلك غير هذا الرجل، بل هي عندهم الامتناعية أشربت معنى التمني وجوابها محذوف وكذلك في الآية الأخرى: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 4.
ومنها: أنه ناقش المصنف في تقديره ثبت بعد لو، قال: «وهذا مذهب المبرد ومذهب سيبويه أنّ أن بعد لو في موضع رفع بالابتداء» 5. - - تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراسا لو يسرون مقتلي انظر ذلك في المغني أيضا (1/ 167).
................................
ومنها: دعوى المصنف أنّ أن ولو المصدريتين اجتمعا في قول علي رضي الله عنه: ما كان عليك أن لو صمت لله أيّاما.
قال: «فليست لو هنا مصدرية بل أن هي المصدرية وهي المخففة من الثقيلة ولو صمت 1 جملة امتناعية وهي في موضع الخبر لأن، وجواب لو محذوف وأن لو هنا نظير وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ 2. والتقدير:
وما كان عليك في أنه لو صمت وتصدقت لوجدت ثوابه أو لنفعك، قال: وأن في قولنا: وددت أن لو كان كذا هي المخفّفة ولو هي الامتناعية ولا يكونان مصدريتين» انتهى 3.
وأقول: أما قوله: لم يعلم أحدا ذهب إلى ما قاله المصنف، فليس ذلك بإبطال لما ادعاه، وغاية ما ذكره أن لو في الآية الشريفة تحتمل كونها الامتناعية، ولا يلزم من ذلك إبطال ما ذكره المصنف، والظاهر أن الموجب لدعوى المصنف أنها المصدرية إنما هو نصب فيكون والتقدير [1/ 265] عنده فوددنا لو أن لنا كرة كما قدر الفعل في لو نعان فننهدا.
ولكن النصب في فَنَكُونَ (4) يحتمل أن يكون لعطفه على كرة، فلا يتم مقصود المصنف.
والحق أن دعوى مصدرية لو في فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً 4 بعيد محوج إلى تكلف إضمار ما لا دليل عليه، والظاهر أن لو في هذه الآية الشريفة للتمني المحض، ولا يحتاج إلى تقدير فعل قبلها كما يراه المصنف.
ولك في موضع أن وما بعدها وجهان 5: أن تكون مبتدأ محذوف الخبر أو فاعلا بفعل مقدر.
وأما مناقشته له في تقدير ثبت بعد لو وأن ذلك ليس مذهب سيبويه بل مذهب المبرد فالجواب عنها أن الخلاف بين سيبويه والمبرد إنما هو في أن الواقعة بعد لو الامتناعية.
أما لو المصدرية فإنه يجب تقدير الفعل بعدها؛ لأن صلتها إنما تكون فعلا.
وأما قوله: إنّ أن في: ما كان عليك أن لو صمت لله أيّا ما هي المخففة من الثقيلة فقد ينازع فيه من حيث إن أن المخففة لا تقع إلا بعد أفعال التحقيق واليقين.
[أحكام الموصول مع صلته]
قال ابن مالك: (الموصول والصّلة كجزأي اسم فلهما ما لهما من ترتيب ومنع فصل بأجنبي إلّا ما شذّ فلا يتبع الموصول ولا يخبر عنه ولا يستثنى منه قبل تمام الصّلة أو تقدير تمامها.
وقد ترد صلة بعد موصولين أو أكثر مشتركا فيها أو مدلولا بها على ما حذف.
وقد يحذف ما علم من موصول غير الألف واللام ومن صلة غيرهما، ولا تحذف صلة حرف إلا ومعمولها باق ولا موصول حرفيّ إلا أن، وقد يلي معمول الصّلة الموصول إن لم يكن حرفا أو الألف واللام، ويجوز تعليق حرف جرّ قبل الألف واللام بمحذوف دلّ عليه صلتها، ويندر ذلك في الشّعر مع غيرها مطلقا ومعها غير مجرور بمن).
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الفصل على مسائل:
الأولى: بيان نسبة الصلة من الموصول: وتقرير ذلك 1: أن للموصول مع الصلة شبها بشطري الاسم وأشبه الأسماء منهما المركب تركيب مزج كبعلبك، فإن المفرد مباين لهما بعدم التركيب والمضاف والجملة مباينان لهما بتأثير صدريهما في عجزيهما، والمركب تركيب مزج خال من تلك المباينات فكان شبههما به أولى بالاعتبار.
والضمير في قوله: فلهما عائد على الموصول والصلة، وفي قوله: ما لهما عائد على جزأي الاسم أي للموصول من التقدم ما لصدر الاسم المشار إليه وللصلة من المتأخر ما لعجزه فهذا هو المراد بالترتيب؛ لأن الصلة لا يتقدم بعض أجزائها على بعض كما لا يتقدم بعض أجزاء العجز على بعض بل يجوز في الجملة الموصول بها من تقديم وتأخير ما يجوز فيها قبل كونها صلة ما لم يعرض في الوصل مانع من بعض ما كان جائز، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وكما وجب الترتيب وجب منع الفصل بأجنبي سواء كان الفصل بين الصلة والموصول أم بين أجزاء الصلة والمراد بالأجنبي ما لا يتعلق بالصلة وسيذكر.
وقد فهم من قوله: ومنع فصل بأجنبي أن الفصل بما ليس أجنبيّا لا يمنع.
وغير الأجنبي على ما ذكره في الشرح أربعة أشياء 2: -
................................ [1/ 266] الأول: القسم: وذلك على أنه يؤكد الجملة الموصولة بها كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فأبّنوهم بمن والله ما علمت عليهم من سوء قطّ» 1. ومنه قول الشاعر: 468 - ذاك الّذي وأبيك يعرف مالكا... والحقّ يدفع ترّهات الباطل 2 الثاني: جملة الاعتراض: كقول الشاهد: 469 - ماذا ولا عتب في المقدور رمت أما... يكفيك بالنّجح أم خسر وتضليل 3 ففصل بين ذا ورمت بلا عتب في المقدور؛ لأن فيه توكيدا أو تشديدا لمضمون -
................................ الجملة الموصول بها ومن ذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ 1 فقوله تعالى: وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ من كمال الصلة لأنه معطوف على كسبوا، وحصل الفصل بقوله تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها لأن في ذلك تشديدا وتبيينا. الثالث: الجملة الحالية: كقول الشاعر: 470 - إنّ الّذي وهو مثر لا يجود حر... بفاقة تعتريه بعد إثراء 2 فقوله: وهو مثر جملة حالية، العامل فيها فعل الصلة وهو يجود وما عمل فيه فعل الصلة فهو من الصلة، فلا يكون أجنبيّا. ومن ثم قال المصنف: والجملة الحالية أولى ألّا تعدّ أجنبية. الرابع: النداء الذي يليه مخاطب: كقول الشاعر: 471 - وأنت الّذي يا سعد بؤت بمشهد... كريم وأبواب المكارم والحمد 3
................................
وعبر في شرح الكافية عن ذلك بأن قال 1: إن كان الّذي يلي المنادى هو المنادى في المعنى» وهو أحسن وأبين من قوله: الّذي يليه مخاطب.
فإن لم يكن الفصل بشيء من هذه الأربعة بل كان بغيرها عد أجنبيّا.
وكان الفصل به شاذّا فمن ذلك قول الشاعر:
472 - وأبغض من وضعت إليّ فيه... لساني معشر عنهم أذود 2
ففصل بين فيه لساني وبين ما تعلق به وهو وضعت بإليّ وهو أجنبي؛ لأنه متعلق بما قبل الموصول وهو أبغض والأصل أن يقال وأبغض من وضعت فيه لساني إلى معشر.
وإلى الفصل الذي في البيت الإشارة بقوله: إلّا ما شذّ.
ومن الفصل بأجنبي: الفصل بالنداء الذي يليه غير المنادى في المعنى كقول الشاعر:
473 - تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان 3
وهذا الفصل كأنه دون الفصل المذكور في البيت قبله، ولهذا قال المصنف 4. -
................................
إنّ الفصل في البيت الأول أجنبي محض.
ثم إن المصنف رتب على كون الموصول والصلة كجزأي اسم أحكاما ثلاثة أشار إليها بقوله: فلا يتبع الموصول ولا يخبر عنه ولا يستثنى منه قبل تمام الصّلة ولكون ذلك مرتبا على ما قبله قرنه بالفاء المشعرة بالسببية، فعلى هذا يمتنع قبل ذكر الصلة بتمامها نعته والعطف عليه عطف بيان أو نسق وتوكيده والبدل منه وأمثلة ذلك ظاهرة 1.
وكذا يمتنع أن يخبر عنه قبل التمام أيضا فلا يقال: الّذي مسيء ظلم زيدا أي الّذي ظلم زيدا مسيء.
وكذا يمتنع أن يستثنى منه قبل التمام أيضا.
[1/ 267] فلا يقال: جاء الذين إلا زيدا أحسنوا أي جاء الذين أحسنوا إلّا زيدا.
ثم لما ورد قول الشاعر:
474 - لسنا كمن جعلت إياد دارها... تكريت تمنع حبّها أن يحصدا 2
وكان ظاهره أن إيادا بدل من من في رواية من جر وبدل من الضمير المستكن في جعلت في رواية من رفع إيادا ويلزم من ذلك البدل قبل تمام الصلة؛ لأن دارها تكريت معمولان لجعلت الذي هو الصلة.
خرج 3 على أن الصلة تمت عند قوله -
................................
جعلت ثم أبدل بعد تمام الصلة وينتصب دارها تكريت بفعل محذوف يدل عليه المذكور، أي جعلت دارها تكريت، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: أو تقدير تمامها.
وقد قيل: إن ذلك ضرورة يعني أنه أبدل من الموصول قبل تمام صلته.
وأما قول الشاعر:
475 - كذلك تلك وكالناظرات... صواحبها ما يرى المسحل 1
فقال المصنف في شرح الكافية: «التقدير كذلك الحمار الوحشيّ تلك النّاقة وصواحبها كالناظرات ما يرى المسحل ففصل بصواحبها وهو مبتدأ بين ما يرى المسحل والناظرات.
والألف واللّام بمعنى اللّاتي وصلتها ناظرات وما يرى المسحل، وينبغي في مثل هذا أن يقدر تمام الصّلة ما يظهر أنه منها ويقدر له عامل مدلول عليه بالصلة فهذا أسهل من الفصل بين جزأي الصّلة» انتهى 2.
وأشعر قوله: فهذا أسهل من الفصل أن من لا يقدر تمام الصلة عند قوله:
وكالناظرات صواحبها يجعل ذلك ضرورة كما قبل في البيت المتقدم الذي أوله لسنا كمن جعلت إنه ضرورة عند من لا يقدر تمام الصلة عند قوله جعلت.
واعلم أنه قد يقال: قد تضمن كلام المصنف تشبيه الموصول بالصلة بجزأي اسم -
................................
ورتب على ذلك الشبه قوله: فلهما ما لهما من ترتيب ومنع فصل بأجنبي وفهم منه ألا يمنع الفصل بما ليس أجنبيّا كما تقدم، ولا شك أن الفصل بين جزأي الاسم يمتنع مطلقا سواء كان الفاصل أجنبيّا أم غير أجنبي فكيف يصح التشبيه مع مخالفة المشبه للمشبه به.
ويمكن الجواب عن ذلك: بأن تشبيه شيء بشيء لا يلزم أن يكون في جميع ما هو ثابت للمشبه به فقد يكون في بعض الأشياء دون بعض ولا شك أن الفصل بالأجنبي ممتنع في جزأي الاسم فيمتنع في الموصول والصلة أيضا، وأما الفصل بغير الأجنبي فممتنع في جزأي الاسم جائز في الموصول والصلة.
المسألة الثانية: أن صلة الموصول قد تحذف إذا كان ثم موصول صلته مذكورة وكانت المحذوفة بمعنى المذكورة وإلى ذلك أشار بقوله: وقد ترد صلة بعد موصولين أو أكثر مشتركا فيها أو مدلولا بها على ما حذف.
أما ورود الصلة مشتركا فمثاله قول الشاعر:
476 - صل الّذي والّتي متّا بآصرة... وإن نأت عن مدى مرماهما الرّحم 1
وقد كان المصنف مستغنيا عن ذكر هذه المسألة؛ لأنه لا يرتاب في أن الموصولين إذا اشتركا في معنى الصلة اكتفى لهما بصلة واحدة.
- وأما ورود الصلة مدلولا بها على ما حذف فمثاله قول الشاعر: 477 - وعند الّذي واللّات عدنك إحنة... عليك فلا يغررك كيد العوائد 2
................................
أي وعند الذي عادك واللاتي عدنك.
قال المصنف: ومثله قول الراجز [1/ 268]:
478 - من اللّواتي والّتي واللاتي... يزعمن أنّي كبرت لداتي 1
ولم يظهر لي أن هذا البيت فيه حذف وكنت أقول: إن هذه الصلة من الصلات المشترك فيها فقوله: يزعمن صلة للموصولات الثلاثة المذكورة إلى أن وقفت على شرح الشيخ فرأيته قال بعد ذكر هذا البيت:
«ولو أنشد هذا دليلا على أنّ الصّلة مشترك فيها أكثر من موصولين لكان أولى» 2.
المسألة الثالثة: أنه قد يحذف ما علم من موصول غير الألف واللام ومن صلة موصول غير الألف واللام دون أن يكون ثم صلة لموصول آخر يدل على المحذوفة.
قال المصنف 3: «إذا كان الموصول الألف واللام لم يجز حذفه ولا حذف صلته.
وإذا كان الموصول اسما 4 غير الألف واللام أجاز الكوفيون حذفه إذا علم وبقولهم في ذلك أقول، وإن كان خلاف قول البصريين إلا الأخفش 5 لأن ذلك ثابت بالقياس والسماع.
فالقياس على أن؛ فإن حذفها مكتفى بصلتها جائز بإجماع مع أن دلالة صلتها عليها أضعف من دلالة صلة الموصول من الأسماء عليه؛ -
................................
لأن صلة الاسم مشتملة على عائد يعود عليه ويميل الذهن إليه، وفي ذلك مزيد على ما يحصل بالصلة وصلة الحرف لا مزيد فيها على ما يحصل بها.
فكان الموصول الاسمي أولى بجواز الحذف من الموصول الحرفي، وأيضا فإن الموصول الاسمى كالمضاف وصلته كالمضاف إليه وحذف المضاف إذا علم جائز فكذلك ما أشبهه.
وأما السماع فمنه قول حسان رضي الله عنه:
479 - أمن يهجو رسول الله منكم... ويمدحه وينصره سواء 1
أراد: من يهجو رسول الله منكم أيها المشركون ومن يمدحه وينصره منا سواء ومنه قول ابن رواحة رضي الله تعالى عنه.
480 - فو الله ما نلتم ولا نيل منكم... بمعتدل وفق ولا متقارب 2
أراد: ما الذي نلتم وما الذي نيل منكم.
-
................................ ومنه قول بعض الطائيين: 481 - ما الّذي دأبه احتياط وحزم... وهواه أطاع يستويان 1 أراد والذي أطاع هواه، وأقوى الحجج قوله تعالى: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ 2 أي وبالذي أنزل إليكم ليكون مثل آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ 3. ومثال حذف صلة الاسم للعلم به قول الشاعر: 482 - أبيدوا الأولى شبّوا لظى الحرب وادرؤوا... شذاها عن اللّائي فهنّ لكم إما 4 فحذف صلة اللائي للعلم بها وهذا من الاستدلال بالمتقدم وهو أكثر في ذا الباب وغيره. ومثله قول الآخر: 483 - أصيب به فرعا سليم كلاهما... وعزّ علينا أن يصابا وعزّ ما 5
................................
أي وعز ما أصيب به.
ومن الاستدلال في هذا الباب بالمتأخر قول الشاعر:
484 - نحن الأولى فاجمع جمو... عك ثم وجّههم إلينا 1
فحذف صلة الأولى لدلالة ما بعده فكأنه قال: نحن الأولى عرفت عدم مبالاتهم بأعدائهم.
[1/ 269] وفهم هذا بقوله: فاجمع جموعك ثم وجّههم إلينا.
قال في شرح الكافية «ومثله قول الآخر:
485 - أتجزع أنّ نفس أتاها حمامها... فهلّا الّذي عن بين جنبك تدفع 2
أي فهلا الّذي تجزع منه تدفع عن بين جنبك».
- - ما أصيب به.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 236) والتذييل والتكميل (3/ 171) وفي معجم الشواهد (ص 330).
................................
وقال في الكافية 1:
وحذفها في قصد الابهام استبح
أي استبح حذف الصلة عند قصد الإبهام وأنشد قول الشاعر:
486 - ولقد رأبت ثأي العشيرة بينها... وكفيت جانيها اللّتيا والّتي 2
المسألة الرابعة: أنه لا يحذف صلة موصول حرفي إلا ومعمولها باق ولا يحذف موصول حرفي إلا أن.
أما حذف صلة الحرف 3 باقيا معمولها: فمثاله قول العرب: لا أفعل ذلك ما أنّ حراء مكانه وما أنّ في السّماء نجما، أي ما ثبت أن حراء مكانه وما ثبت أن في السماء نجما 4 فحذفوا الفعل الموصول به ما وأبقوا فاعله وهو أن وما عملت فيه.
ومنه قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت: أي لأن كنت فحذفوا كان وهي صلة أن وابقوا اسمها وهو أنت وخبرها وهو المنصوب وجعلوا ما عوضا من كان.
-
................................
ومن ذلك أيضا قول العرب: كلّ شيء مهه ما النّساء وذكرهنّ.
أرادوا ما عدا النساء وذكرهن، فحذفوا صلة ما وهي عدا وأبقوا المنصوب بها والمعطوف عليه 1.
وأما حذف الموصول الحرفي فقال المصنف 2: «وإن كان الموصول حرفا مصدريّا لم يجز حذفه إلا إذا كان أن فإنها فاقت أخواتها بكثرة الاستعمال فأوثرت بجواز الحذف؛ لأن الشعور بها عند حذفها ممكن بخلاف أخواتها وهي في حذفها على ضربين:
أحدهما: أن تحذف ويبقى عملها.
الثاني: أن تحذف ولا يبقى لها عمل.
فأما الحذف الباقي معه عملها فيذكر إن شاء الله تعالى في باب إعراب الفعل 3 وأما الثاني وهو الذي لا يبقى معها عملها فمنه قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً 4 فيريكم صلة لأن حذفت وبقي يريكم مرفوعا، وهذا هو القياس لأن الحرف عامل ضعيف، وإذا حذف بطل عمله ومن ذلك أيضا قول الشاعر:
487 - فجاءت به وهو في غربة... فلولا تجاذبه قد غلب 5
أراد فلولا أن تجاذبه ومثله قول الفرزدق: -
................................ 488 - ألا إنّ هذا الموت أضحى مسلّطا... وكلّ امرئ لا بدّ ترمى مقاتله 1 وقال ذو الرمة: 489 - وحقّ لمن أبو موسى أبوه... يوفّقه الّذي نصب الجبالا 2 ومثله: 490 - أو ليس من عجب أسائلكم... ما خطب عاذلتي وما خطبي 3 أراد أن أسألكم. ومثله قول الفرزدق: 491 - فحقّ امرئ بين الأقارع بيته... وصعصعة البحر الجزيل المواهب يكون سبوقا للكرام إلى العلا... إذا أفضل المقياس بين الحلائب 4
................................
المقياس الغاية والحلائب الخيل المتسابقة.
ومثله [1/ 270]:
492 - وقالوا ما تشاء؟ فقلت ألهو... إلى الإصباح آثر ذي أثير 1
أراد أن ألهو.
ومن كلام العرب: أذهب إلى البيت خير لي، وتزورني خير لك، وتسمع بالمعيديّ خير لا أن تراه 2.
المسألة الخامسة: أن معمول الصلة قد يلي الموصول إن لم يكن الموصول حرفا أو الألف واللام.
قال المصنف 3: «وقد يلي الموصول معمول الصلة نحو قولك في جاء الذي أعطى أبوه زيدا درهما، جاء الذي
زيدا درهما أعطى أبوه، فجاء هذا في صلة الذي إذ لا ضرر في جوازه بخلاف صلة الحرف وصلة الألف واللام فإن معمولهما - - اللغة: الأقارع: اسم موضع.
الصعصعة: الحركة والجلبة.
المقياس: الغاية.
الحلائب: الخيل المتسابقة.
والشاعر يمدح رجلا بالكرم بل هو سابق للكرماء إذا اجتمعوا في ميدان الكرم.
وحق امرئ مبتدأ خبره المصدر المؤول من الحرف المصدري المحذوف في أول البيت الثاني وهو موضع الشاهد.
انظر البيتين في شرح التسهيل (1/ 234)، والتذييل والتكميل (3/ 173) وليسا في معجم الشواهد.
................................
لا يتقدم عليهما.
أما الحرف فلأن امتزاجه بصلته أشد من امتزاج الاسم بصلته؛ لأن اسميته منتفية بدونها فلو تقدم معموله كان تقدمه بمنزلة وقوع كلمة بين جزأي مصدر وليس كذلك تقدم معمول صلة الاسم غير الألف واللام؛ لأن له تماما بدونها؛ ولذلك جعل إعرابه إن كان معربا قبلها والإعراب لا يجيء قبل تمام المعرب، ولما له من التمام بدونها جاز أن يستغنى عنها وعن معمولها إذا عملت بخلاف الموصول الحرفي.
وأما الألف واللام فامتزاجهما بالصفة
التي توصل بهما أشد من امتزاج أن بالفعل الذي يوصل به لأن أن قد تفصل من الفعل بلا النافية كقوله تعالى:
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ 1، ولا تفصل الألف واللام من الصفة بلا ولا غيرها لأنها أشبهت أداة التعريف فعوملت معاملتها لفظا» انتهى 2.
واعلم أن المصنف أطلق القول في الموصول الحرفي بالنسبة إلى منع تقدم معمول صلته عليه.
وأما غيره فإنه يفرق بين الموصول العامل وغيره: فيمنع التقديم إذا كان الموصول عاملا، ويجيزه إذا كان غير غير عامل، وعلى هذا فلا يمتنع أن يقال: عجبت ممّا زيدا يضرب عمرو، وقد تعرض ابن عصفور إلى شيء من ذلك في المقرب 3.
وعللوا المنع في العامل: بأن الموصول متشبث بصلته من حيث اللفظ؛ لكونه عاملا فيه ومن حيث المعنى لكونه معها في تقرير اسم واحد وهو المصدر فلما قوي تشبثه امتنع الفصل.
وأما الموصول غير العامل: فتشبثه إنما هو من جهة واحدة وهي المعنى فلم يقو تشبثه فلم يمتنع الفصل لذلك، والحق أن هذا يتوقف فيه على السماع فإن ورد الفصل مع غير العامل قبل وإلا فالقول ما قاله المصنف.
المسألة السادسة: هل يجوز أن يتعلق حرف الحرف الواقع قبل الموصول بمحذوف -
................................ تدل عليه صلته ذلك الموصول؟ في ذلك تفصيل. وذلك أن الموصول إما الألف واللام أو غيرهما والموصول الذي هو الألف واللام إما أن يجر بمن أو يجر بغيرها أو لا يجر، فهذه أربع صور منها صورة واحدة جائزة في الكلام، وهي إذا كان الموصول الألف واللام وكان مجرورا بمن، وثلاث صور لا تجوز وإن ورد شيء فإنه يكون نادرا في الشعر. وهي إذا كان الموصول الألف واللام وكان غير مجرور أو مجرورا بغير من. أو كان الموصول غير الألف واللام سواء كان مجرورا بمن أم بغيرها، وإلى ثلاث الصور الإشارة بقوله 1 [1/ 271]: ويندر ذلك في الشعر مع غيرها مطلقا ومعها غير مجرورة بمن. قال المصنف 2: ويجوز تعليق حرف جر قبل الألف واللام بمحذوف يدل عليه صلتها كقوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ 3، إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ 4، إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ 5، التقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وإني قال لعملكم من القالين، وإني ناصح لكما لمن الناصحين. ويكثر هذا الحذف قبل الألف واللام داخلا عليها من التبعيضية لأن في ذلك إشعارا بأن المحذوف بعض المذكورين بعد فيقوى الدلالة عليه. ويقل إذا لم تدخل من على الألف واللام ومنه قول الشاعر: 493 - تقول ودقّت صدرها بيمينها... أبعلي هذا بالرّحى المتقاعس 6
................................
التقدير أبعلي هذا كائنا بالرحى أو متقاعسا.
وكذا يقل الحذف قبل غير الألف واللام، وجدت من أو لم توجد:
ومثال ذلك مع وجود من قول الشاعر:
494 - لا تظلموا قسورا فإنّه لكم... من الّذين وفوا في السّرّ والعلن 1
ومثاله مع كون الموصول لم يجر بمن قول الشاعر:
495 - وأهجو من هجاني من سواهم... وأعرض منهم عمّن هجاني 2
أراد وأعرض عن من هجاني منهم على سبيل التوكيد ثم حذف منهم من المؤكد وحذف ما سواها من المؤكد ومثل هذا والذي قبله لا يجوز إلا في الضرورة بخلاف ما تقدم.
واعلم أن المصنف لم يتعرض لذكر الموصول الحرفي، ولا شك أن حكمه في منع تقديم معمول صلته عليه حكم الموصول الاسمي، وإن كانت عبارة متن الكتاب قد تشمله وهي قوله: ويندر ذلك في الشّعر مع غيرها مطلقا لكنه لم يتعرض إلى ذكر - - الإعراب: أبعلى هذا: مبتدأ وخبر.
والمتقاعس: بيان للإشارة والجملة مقول القول وبالرحى متعلق بمحذوف دل عليه المتقاعس، ولا يجوز تعلقه به نفسه؛ لأن الألف واللام موصولتان وما تعلق بالصلة لا يتقدم.
وانظر في الشرح بقية الكلام.
ومراجع البيت في معجم الشواهد (ص 197) وفي شرح التسهيل (1/ 237، 261) وفي التذييل والتكميل (3/ 178).
................................
ذلك في الشرح.
والحاصل: أن التقديم لا يجوز وإنه إن ورد ما يوهم التقديم قدر له عامل كقول الشاعر:
496 - ربّيته حتّى إذا تمعددا... كان جزائي بالعصا أن أجلدا 1
وكقول الآخر:
497 - وإني امرؤ من عصبة خندفيّة... أبت للأعادي أن تذلّ رقابها 2
والتقدير: كان جزائي أن أجلد بالعصا أن أجلدا، أبت أن تذل رقابها للأعادي أن تذل رقابها، وسيأتي في باب نواصب الفعل أن الفراء يجيز تقديم معمول صلة أن عليها 3.
والمصدر الذي ينحل إلى حرف مصدري وفعل 4 حكمه فيما ذكر حكم الحرف المصدري ولذلك قالوا في قول الشاعر: -
................................
498 - وبعض الحلم عند الجهل للذّلّة إذعان 1
إنّ التقدير إذعان للذّلّة إذعان.
وكذا في قول الآخر:
499 - حلّت لي الخمر وكنت امرءا... من شربها في شغل شاغل 2
إن التقدير وكنت امرءا مشغولا عن شربها.
على أن في كون المصدر الذي هو إذعان في البيت الأول والذي هو شغل في البيت الثاني مقدرا بحرف مصدري نظر 3، والظاهر خلاف ذلك.
[1/ 272] وإذا لم يكن مقدرا بالحرف المصدري فحرف الجر متعلق به إذ لا مانع من تقديمه عليه.
ثم اعلم أن النحاة ذكروا في تخريج قوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ 4، وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ 5 وجوها:
أحدها: الوجه الذي أشار إليه المصنف وهو أنه يتعلق بمحذوف يدل عليه هنا الظاهر، التقدير: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين، وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين وإلى ذلك ذهب المبرد وابن السراج وابن جني 6. -
................................
قال المبرد: جعل من النّاصحين ومن الشّاهدين تفسير لناصح وشاهد.
ثانيها: أن أل ليست موصولة وإنما هي للتعريف وإلى هذا ذهب المازني ونسب إلى المبرد فيكون له قولان 1.
ثالثها: أنه متعلق بفعل مضمر تقديره أعني فيه من الزاهدين، ويكون الخبر هو من الزاهدين وكذلك باقي الآيات الشريفة، وهذا هو الذي يعبرون عنه بالتبيين، وليس الجار والمجرور داخلا في الصلة بل هو على جهة البيان كما قيل في لك بعد سقيا 2.
رابعها: أن المجرور معمول لصلة الموصول الذي هو الألف واللام وإن تقديمه إنما هو على سبيل الاتساع في الظروف والمجرورات، فإنها قد جاز فيها أشياء لا تجوز في غيرها واختار ابن الضائع هذا القول 3.
وكان شيخي برهان الدين إبراهيم الرشيدي 4 رحمه الله تعالى يقول:
«لو قيل: إنّ الجارّ والمجرور في ذلك متعلق بما تعلّق به حرف الجرّ الدّاخل على الموصول لكان قول، والتقدير: كانوا كائنين فيه من الزاهدين وأنا كائن على ذلكم من الشّاهدين».
- كتاب أصول النحو لمؤلفه أبي بكر بن السراج (2/ 232) جاء: فأما قوله: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ فلا يجوز أن تجعل فيه من الصلة وقد كان بعض مشايخ البصريين يقول: إنّ الألف واللّام ها هنا ليستا في معنى الذي، وإنّهما دخلتا كما تدخل على الأسماء للتّعريف.
ثم قال: والّذي عندي فيه أنّ التأويل: وكانوا فيه زاهدين من الزاهدين.
فحذف زاهدين وبينه بقوله: من الزّاهدين وهو قول الكسائي».
(الأصول في النحو لابن السراج (2/ 232) تحقيق عبد الحسين الفتلي (العراق) سنة 1973 م).