شعب الإيمانصفحات 398-419

بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِبَارَتَانِ عَنْ دِينٍ وَاحِدٍ "

صفحات 398-419
عن هذه الطبعة
عَلَم
البيهقي، أبو بكر
الكتاب
شعب الإيمان
المؤلف
أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدأشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند
الناشر
مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء
14 (13، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث]الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين: الموافق للمطبوع ط الرشد، وط العلمية تحقيق زغلول

235 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، حدثنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْعَسْكَرِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَامِرِيُّ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ صَدَقَةَ الْحَمَّالُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ذِي النُّونِ بِأَخْمِيمَ فَسَمِعَ صَوْتَ لَهْوٍ وَدِفَافٌ وَإِكْبَارٍ فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " فَقِيلَ عُرْسٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَسَمِعَ إِلَى جَانِبِهِ بُكَاءً وَصِيَاحًا وَوَلْوَلَةً فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ " فَقِيلَ: فُلَانٌ مَاتَ، فَقَالَ لِي: " يَا عُمَرَ بْنَ صَدَقَةَ أَعْطُوا هَؤُلَاءِ فَمَا شَكَرُوا، وَابْتَلُوا هَؤُلَاءِ فَمَا صَبَرُوا، وَلِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ بِتُّ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ " فَخَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ إِخْمِيمَ إِلَى الْفُسْطَاطِ

236 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ، حدثنا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُوشَنْجِيُّ،

حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ بِشْرِ بْنِ جَابَانَ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ حَجَرِ بْنِ قَيْسٍ الْمَدَرِيُّ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ يَقْرَأُ فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ، أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: 59] قَالَ: " بَلْ أَنْتَ يَا رَبُّ ثَلَاثًا "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 63] قَالَ: " بَلْ أَنْتَ يَا رَبُّ، بَلْ أَنْتَ يَا رَبُّ، بَلْ أَنْتَ يَا رَبُّ "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: 68] قَالَ: " بَلْ أَنْتَ يَا رَبُّ ثَلَاثًا "، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا، أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ قَالَ: " بَلْ أَنْتَ يَا رَبُّ ثَلَاثًا "

237 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، " أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ لَا أَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَا أَكْرَهُ، وَلَا أَمْلِكُ نَفْعَ مَا أَرْجُو، وَأَصْبَحَ الْأَمْرُ بِيَدِ غَيْرِي، وَأَصْبَحْتُ مُرْتَهِنًا بِعَمَلِي، فَلَا فَقِيرَ أَفْقَرُ مِنِّي، اللهُمَّ لَا تُشْمِتْ بِي عَدُوِّي، وَلَا تَسُؤْ بِي صَدِيقِي، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتِي فِي دِينِي، وَلَا تُسَلَّطْ عَلَيَّ مَنْ لَا يَرْحَمُنِي "

238 - [400]- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرحمن السُّلَمِيُّ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ حِكَايَةً عَنْ بَعْضِهِمْ، أَنَّهُ قَالَ: " كَمَالُ الدِّينِ فِي التَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَالرُّجُوعِ فِي الْكُلِّ إِلَى مَنْ لَهُ الْكُلُّ "

239 - قَالَ: وَقَالَ سَهْلٌ: " مَا نَظَرَ أَحَدٌ إِلَى نَفْسِهِ فَأَفْلَحَ، وَلَا ادَّعَى لِنَفْسِهِ حَالًا فَتَمَّ لَهُ، وَالسَّعِيدُ مِنَ الْخَلْقِ مَنْ صَرَفَ بَصَرَهُ عَنْ أَفْعَالِهِ، وَفُتِحَ لَهُ سَبِيلُ الْفَضْلِ وَالْأَفْضَالِ، وَرُؤْيَةِ مِنَّةِ اللهِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ زُيِّنَ فِي عَيْنِهِ أَفْعَالُهُ وَأَقْوَالُهُ فَافْتَخَرَ بِهَا وَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ فَسَوْفَ تُهْلِكُهُ يَوْمًا، إِنْ لَمْ تُهْلِكْهُ فِي الْوَقْتِ أَلَا تَرَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَيْفَ حَكَى عَنْ قَارُونَ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78]، نَسِيَ الْفَضْلَ وَادَّعَى لِنَفْسِهِ فَضْلًا، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ ظَاهِرًا، وَكَمْ قَدْ خُسِفَ بِالْأَشْرَارِ وَأصَحَابُهَا لَا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ، وَخَسْفُ الْأَشْرَارِ هُوَ مَنْعُ الْعِصْمَةِ، وَالرَّدُّ إِلَى الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَإِطْلَاقِ اللِّسَانِ بِالدَّعَاوِي الْعَرِيضَةِ، وَالْعَمَى عَنْ رُؤْيَةِ الْفَضْلِ، وَالْقُعُودُ عَنِ الْقِيَامِ بِالشَّكْرِ عَلَى مَا أَوْلَى وَأَعْطَى، حِينَئِذٍ يَكُونُ وَقْتُ الزَّوَالِ "

240 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْآدَمِيُّ الْقَارِئُ، حدثنا

أَبُو الْعَيْنَاءِ، حدثنا عُمَرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، حدثنا أَبِي، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ الْكِنْدِيِّ قَالَ: " إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ دَوْلَةً حَتَّى إِنَّ لِلْحُمْقِ عَلَى الْعَقْلِ دَوْلَةً " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " الدَّوْلَةُ لِمَنْ وَافَقَهُ الْقَضَاءُ وَالتَّقْدِيرُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] "

241 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: " إِذَا لَمْ تُطِعْ رَبَّكَ فَلَا تَأْكُلْ رِزْقَهُ، وَإِذَا لَمْ تَجْتَنِبْ نَهْيَهُ فَاخْرُجْ عَنْ مَمْلَكَتِهِ، وَإِذَا لَمْ تَرْضَ بِفِعْلِهِ فَاطْلُبْ رَبًّا سِوَاهُ، وَإِذَا عَصَيْتَهُ فَاخْرُجْ إِلَى مَكَانٍ لَا يَرَاكَ "

242 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَنْصُورٍ الصُّوفِيَّ ابْنَ ابْنَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْشٍ الزَّاهِدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَدِّي يَقُولُ: " يَضْحَكُ الْقَضَاءُ مِنَ الْحَذَرِ، وَيَضْحَكُ الْأَجَلُ مِنَ الْأَمَلِ، وَيَضْحَكُ التَّقْدِيرُ مِنَ التَّدْبِيرِ، وَتَضْحَكُ الْقِسْمَةُ مِنَ الْجَهْدِ وَالْعنَاءِ "

243 - أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَلَوِيُّ الشَّهِيدُ،

أَنْشَدَنِي الْمُثَنَّى لِنَفْسِهِ:" [البحر الكامل] وَبِعَيْنِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْكَ رَأَيْتَنِي ... فَهَجَرْتَنِي، وَنَزَلَتْ بِي مِنْ حَالِقٍ لَسْتَ الْمَلُومَ أَنَا الْمَلُومُ لِأَنَّنِي ... أَنْزَلْتُ حَاجَاتِي بِغَيْرِ الْخَالِقِ"

244 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَأَمُونِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ الزَّاهِدَ، يَنْشُدُ لِلشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللهُ:" [البحر الكامل] وَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنْ مَجْدُودًا حَوَى ... عُودًا فَأَثْمَرَ فِي يَدَيْهِ فَصَدِّقِ وَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنَّ مَحْرُومًا أَتَى ... مَاءً لِيَشْرَبَهُ فَغَاضَ فَحَقِّقِ وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَضَاءِ وَكَوْنِهِ ... بُؤْسُ اللَّبِيبِ، وَطِيبُ عَيْشِ الْأَحْمَقِ"

245 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الصَّقْرِ، أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْكَاتِبُ بِهَمْدَانَ

أَنْشَدنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ، أنْشَدَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ شَبِيبٍ:" [البحر البسيط] لَيْسَ اخْتِيَارُ وَلَا عَقْلُ وَلَا أَدَبٌ ... يُجْدِي عَلَيْكَ إِذَا لَمْ يَسْعَدِ الْقَدْرُ مَا يَقْضِهِ اللهُ لَا يُعْيِيكَ مَطْلَبُهُ ... وَالسَّعْيُ فِي نَيْلِ مَا لَمْ يَقْضِهِ عَسِرُ كَمْ مَانِعٍ نَفْسَهُ أَرَابَهَا حَذَرًا ... لِلْفَقْرِ لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ ذَخْرُ إِنْ كَانَ إِمْسَاكُهُ لِلْفَقْرِ يَحْذَرُهُ ... فَقَدْ يُعَجِّلُ فَقْرًا قَبْلَ يَفْتَقِرُ"

246 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْشَدَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ النَّحْوِيُّ، أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الدَّارِمِيُّ بِأَنْطَاكِيَةَ لِنَفْسِهِ:" [البحر السريع] يَا لَائِمَ الدَّهْرِ عَلَى مَا بِنَا ... لَا تَلُمِ الدَّهْرَ عَلَى غَدْرِهِ فَالدَّهْرُ مَأْمُورٌ لَهُ آمِرٌ ... يَنْصَرِفُ الدَّهْرُ إِلَى أَمْرِهِ كَمْ كَافِرٍ بِاللهِ أَمْوَالُهُ ... تَزْدَادُ أَضْعَافًا عَلَى كُفْرِهِ ومُؤْمِنٌ لَيْسَ لَهُ دَانَقٌ ... يَزْدَادُ إِيمَانًا عَلَى فَقْرِهِ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا ... يَبْسُطُ رِجْلَيْهِ عَلَى قَدَرِهِ"

247 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الحافظ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَكَرَ قِصَّةَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ

عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي مَسِيرِهِ قَالَ: " فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ فِي فَلَاةٍ إِذِ احْتَاجَ إِلَى الْمَاءِ فَجَاءَهُ الْهُدْهُدُ، فَجَعَلَ يَنْقُرُ الْأَرْضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَ الْمَاءِ فَجَاءَتِ الشَّيَاطِينُ، فَسَلَخَتْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كَمَا تُسْلَخُ الْإِهَابُ فَأَصَابُوا الْمَاءَ " قَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ: قِفْ أَرَأَيْتَ الْهُدْهُدَ كَيْفَ يَجِيءُ فَيَنْقُرُ الْأَرْضَ فَيُصِيبُ مَوْضِعَ الْمَاءِ وَهُوَ يَجِيءُ إِلَى الْفَخِّ، وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ حَتَّى يَقَعَ فِي عُنُقِهِ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " إِنَّ الْقَدَرَ إِذَا جَاءَ حَالَ دُونَ الْبَصَرِ "

248 - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْقَاضِي يَقُولُ: سَمِعْتُ التِّرْمِذِيَّ يَقُولُ: " إِذَا جَاءَ الْقَدَرُ عَمِيَ الْبَصَرُ، وَإِذَا جَاءَ الْحِينُ غَطَّى الْعَيْنَ "

249 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنْشَدَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ ثَابِتٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو عَمْرٍو الزَّاهِدُ:" [البحر الرجز] إِذَا أَرَادَ اللهُ أَمْرًا بِامْرِئٍ ... وَكَانَ ذَا رَأْيٍ وَعَقْلٍ وَبَصَرْ

وَحِيلَةٍ يَعْمَلُهَا فِي كُلِّ مَا يَأْتِي ... بِهِ مَحْتُومُ أَسْبَابِ الْقَدَرْ أَغْرَاهُ بِالْجَهْلِ وَأَعْمَى عَيْنَهُ ... فَسَلَّهُ عَنْ عَقْلِهِ سَلَّ الشَّعَرْ حَتَّى إِذَا أَنْفَذَ فِيهِ حُكْمَهُ ... رُدَّ عَلَيْهِ عَقْلُهُ لِيَعْتَبِرْ"

250 - أَنْشَدَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ، أَنْشَدَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَوْبَرِيُّ، أَنْشَدَنَا حَمَّادُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَكْرَاوِيُّ، لِمَحْمُودِ بْنِ الْحَسَنِ الْوَرَّاقِ:" [البحر الطويل] تَوَكَّلْ عَلَى الرَّحْمَنِ فِي كُلِّ حَاجَةٍ ... أَرَدْتَ فَإِنَّ اللهَ يَقْضِي وَيَقْدِرُ مَتَى مَا يُرِدْ ذُو الْعَرْشِ أَمْرًا بِعَبْدهِ ... يُصِبْهُ وَمَا لِلْعَبْدِ مَا يَتَخَيَّرُ وَقَدْ يَهْلِكُ الْإِنْسَانُ مِنْ وَجْهٍ أَمِنَهُ ... وَيَنْجُو بِحَمْدِ اللهِ مِنْ حَيْثُ يَحْذَرُ"

قَالَ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو الْفَوَارِسِ جُنَيْدُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرِيُّ:" [البحر البسيط] الْعَبْدُ ذُو ضَجَرٍ وَالرَّبُّ ذُو قَدَرٍ ... وَالدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ وَالرِّزْقُ مَقْسُومُ وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا ... وَفِي اخْتِيَارِ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشُّومُ"

السَّادِسُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ بَابٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَمَعْنَاهُ التَّصْدِيقِ بِأَنَّ لِأَيَّامِ الدُّنْيَا آخِرًا أَيْ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا مُنْقَضِيَةٌ، وَهَذَا الْعَالَمُ مُنْتَقَضٌ يَوْمًا صُنْعُهُ مُنْحَلٌّ تَرْكِيبُهُ، وَفِي الِاعْتِرَافِ بانْقِضَائِهِ اعْتِرَافٌ بِابْتِدِائِهِ لِأَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَفْنَى وَلَا يَتَغَيَّرُ " قَالَ: " وَفِي اعْتِقَادِهِ وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِهِ مَا يَبْعَثُ عَلَى فَضْلِ الرَّهْبَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى جَدُّهُ وَقِلَّةِ الرُّكُونِ إِلَى الدُّنْيَا وَالتَّهَاوُنِ بِأَحْزَانِهَا وَمَصَائِبِهَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا وَعَلَى مَضَضِ الشَّهَوَاتِ، احْتِسَابًا وَثِقَةً بِمَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى جَدُّهُ عَنْهَا مِنْ حُسْنِ الْجَزَاءِ، وَالثَّوَابِ وَقَدْ ذَكَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]، وَقَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ سِوَاهَا "

قال البيهقي رحمه الله وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ "

251 - أَخْبَرَنَاه أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصُّوفِيُّ، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حدثنا كهمس بن الحسن عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَهُ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مُفْنٍ مَا عَلَى الْأَرْضِ، وَمُبَدِّلُ الْأَرْضِ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَأَنَّ الشَّمْسَ تُكَوَّرُ، وَالْبِحَارُ تُسْجَرُ، وَالْكَوَاكِبُ تُنْتَثَرُ، وَالسَّمَاءُ تَنْفَطِرُ، وَتَصِيرُ كَالْمُهْلِ فَتُطْوَى كَمَا يُطْوَى الْكِتَابُ، وَأَنَّ الْجِبَالَ تَصِيرُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ، وَيَنْسِفُهَا اللهُ نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا، وَلَا أَمْتًا وَكُلُّ ذَلِكَ كَائِنٌ كَمَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ، وَوَعْدُ اللهِ صِدْقٌ، وَقَوْلُهُ حَقٌّ " قَالَ: " وَالسَّاعَةُ الَّتِي تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا السَّاعَةُ الْآخِرَةُ مِنْ سَاعَاتِ الدُّنْيَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: 187]،

فَهَذَا عَلَى السَّاعَةِ الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: 187]، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: 63]، وَالْآخَرُ السَّاعَةُ الْأُولَى مِنْ سَاعَاتِ الْآخِرَةِ.
قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: 55] يَعْنِي حِينَ يُبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: 55] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ " مَعْنَاهُ وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنِّي أَنَا النَّبِيُّ الْآخِرُ لَا يَلِينِي نَبِيٌّ آخَرُ، وَإِنَّمَا يَلِينِي الْقِيَامَةُ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ دَانِيَةٌ لِأَنَّ أَشْرَاطَهَا مُتَتَابِعَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَهَا غَيْرَ أَنَّ مَا بَيْنَ أَوَّلِ أَشْرَاطِهَا إِلَى آخِرِهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي أَشْرَاطِهَا فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهَا هَهُنَا "

وَرُوِّينَا عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبًا بَيْنَهُمَا لَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ، وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ لَا يَسْقِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ مِنْ تَحْتِهَا لَا يَطْعَمُهَا، وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا "

252 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ فِي آخَرِينَ قَالُوا، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، حدثنا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ

السَّابِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ بَابٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ بَعْدَ الْمَوْتِ " وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِي الْبَعْثِ كَثِيرَةٌ فَمِنْهَا: قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: 7]، وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية: 26] الْآيَةُ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا، وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115] "

وَرُوِّينَا عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْإِيمَانِ قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَبِالْبَعْثِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، وَبِالْقَدَرِ كُلِّهِ

253 - " أَخْبَرَنَاه أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأُشْنَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مَطَرٍ فَذَكَرَهُ.
وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ " وَالْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ هُوَ أَنْ يُؤْمِنَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعِيدُ الرُّفَاتَ مِنْ أَبْدَانِ الْأَمْوَاتِ،

وَيَجْمَعُ مَا تَفَرَّقَ مِنْهَا فِي الْبِحَارِ، وَبُطُونِ السِّبَاعِ وَغَيْرِهَا حَتَّى تَصِيرَ بِهَيْئَتِهَا الْأُولَى، ثُمَّ يَجْمَعُهَا حَيَّةً، فَيَقُومُ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى أَحْيَاءً صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ حَتَّى السِّقْطُ الَّذِي قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ، وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، فَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ أَوْ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ أَصْلًا فَهُوَ وَسَائِرُ الْأَمْوَاتِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صِفَةِ الْقِيَامَةِ: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج: 2]، فَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَوَامِلَ اللَّاتِي متن بأحْمَالَهُنَّ، فَإِذَا بُعِثْنَ أَسْقَطْنَ تِلْكَ الْأَحْمَالَ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْأَحْمَالُ أَحْيَاءً فِي الدُّنْيَا أَسْقَطْنَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْيَاءً، وَلَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا الْمَوْتُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَحْمَالُ لَمْ يُنْفَخُ فِيهَا الرُّوحُ فِي الدُّنْيَا أَسْقَطْنَهَا أَمْوَاتًا كَمَا كَانَتْ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ إِنَّمَا هُوَ إِعَادَةُ الْحَيَاةِ إِلَى مِنْ كَانَ حَيًّا فَأُمِيتَ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا نَصِيبٌ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ إِثْبَاتَ الْبَعْثِ مِنْهَا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: 81]، وَقَالَ: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضَ وَلَمْ يَعِيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: 33] فَأَحَالَ بِقُدْرَتِهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ جِسْمًا مِنَ النَّاسِ.

وَمِنْهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 78] فَجَعَلَ النَّشْأَةَ الْأُولَى دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ النَّشْأَةِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، ثُمَّ قَالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا، فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: 80] فَجَعَلَ ظُهُورَ النَّارِ عَلَى حَرِّهَا وَيُبْسِهَا مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ عَلَى نَدَاوَتِهِ وَرُطُوبَتِهِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ خَلْقِهِ الْحَيَاةَ في الرِّمَّةِ الْبَالِيَةِ، وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ، وَقَدْ نَبَّهَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِالْأَرْضِ تَكُونُ حَيَّةً تُنْبِتُ وَتُنَمَّى، وَتُثْمِرُ، ثُمَّ تَمُوتُ فَتَصِيرُ إِلَى أَنْ لَا تُنْبِتَ وَتَبْقَى خَاشِعَةً جامِدَةً، ثُمَّ يحْييها فَتَصِيرُ إِلَى أَنْ تُنْبِتَ وَتُنَمَّى وَهُوَ الْفَاعِلَ لِحَيَاتِهَا وَمَوْتِهَا ثُمَّ حَيَاتِهَا، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُعْجِزْهُ أَنْ يُمِيتَ الْإِنْسَانَ، وَيَسْلُبَهُ مَعَانِيَ الْحَيَاةِ ثُمَّ يُعِيدَهَا إِلَيْهِ، وَيَجْلَعَهُ كَمَا كَانَ وَنَبَّهَنَا بإِحْيَاءِ النُّطْفَةِ الَّتِي هِيَ مَيِّتَةٌ، وَخَلَقَ الْحَيَوَانَ مِنْهَا عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] يَعْنِي نُطَفًا فِي الْأَصْلَابِ، وَالْأَرْحَامِ فَخَلَقَكُمْ مِنْهَا بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَّرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: 20]،

فَأَعْلَمَنا أَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ النُّطْفَةَ مِنْ صُلْبِ الْأَبِ فَهِيَ مَيِّتَةٌ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَّ ثَنَاءهُ جَعَلَهَا حَيَّةُ فِي رَحِمِ الْأُمِّ يَخْلُقُ مَنْ يَخْلُقُ مِنْهَا وَيُرَكِّبُ الْحَيَاةَ فِيهِ فَهَذِا إِحْيَاءُ مَيِّتَةٍ فِي الْمُشَاهَدَةِ، فَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى هَذَا لَا يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يُمِيتَ هَذَا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدَهُ حَيًّا، ثُمَّ بَسَطَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً، فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 37] وَنَبَّهَنَا عَلَى ذَلِكَ بِفَلْقِ الْحَبِّ وَالنَّوَى فَقَالَ عَزَّ وجل: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: 95] وَذَلِكَ أَنَّ الْحَبَّ إِذَا جَفَّ وَيَبِسَ بَعْدَ انْتِهَاءِ نمَائِهِ وَقَعَ الْيَأْسُ مِنِ ازْدِيَادِهِ، وكَذَلِكَ النَّوَى إِذَا تَنَاهَى عِظَمِهِ، وَجَفَّ وَيَبِسَ كَانَا مَيِّتَيْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا إِذَا أُودِعَا الْأَرْضَ الْحَيَّةَ فَلَقَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَأَخْرَجَ مِنْهُمَا مَا يُشَاهَدُ مِنَ النَّخْلِ، وَالزَّرْعِ حَيًّا يَنْشَأُ وَيَنْمُو إِلَى أَنْ يَبْلُغَ غَايَتَهُ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْبَيْضَةُ تُفَارِقُ الْبَائِضَ، وَيَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُ الْمَوْتِ، ثُمَّ يَخْلُقُ اللهُ مِنْهَا حَيًّا فَهَلْ هَذَا إِلَّا إِحْيَاءُ الْمَيِّتَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورَى، وَقَدْ نَبَّهَنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى بِمَا أَخْبَرَ مِنْ إِرَاءَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِحْيَاءَ الْأَمْوَاتِ، وَقَدْ نَقَلَتْهُ عَامَّةُ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الَّذِينَ خْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَهُمْ ألوفٌ حَذّرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ.

وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ: أَنِّي يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ.
وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ عَصًا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَلْبِهِ إِيَّاهُ حَيَّةً، ثُمَّ إِعَادَتِهَا خَشَبَةً، ثُمَّ جَعَلَهَا عِنْدَ مُحَاجَّةِ السَّحَرَةِ حَيَّةً، ثُمَّ إِعَادَتِهَا خَشَبَةً، وَقَدْ أُشتْرِكَتْ عَامَّةُ أَهْلِ الْمِلَلِ فِي نَقْلِهِ.
وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ شَأْنِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ الَّذِينَ ضَرَبَ عَلَى آذَانِهِمْ زِيَادَةً عَلَى ثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِيُدِلَّ قَوْمَهُمْ عِنْدَمَا أُعْثِرَهم عَلَيْهِمْ عَلَى أَنَّ مَا أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ وَقَدْ نَقَلْنَا الْآثَارَ فِي شَرْحِ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ "

الثَّامِنُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ بَابٌ فِي حَشْرِ النَّاسِ بَعْدَ مَا يُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ الَّذِي بَيَّنَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ " فَيَقُومُونَ مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ مُحَاسَبَتَهُمْ فِيهِ أَمَرَ بِالْكُتُبِ الَّتِي كَتَبَتْهَا الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ بِذِكْرِ أَعْمَالِ النَّاسِ فَأُوتُوهَا، مِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ السُّعَدَاءُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْتَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَشْقِيَاءُ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الْمُطَفِّفِينَ: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 5]، وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاقِفِينَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَبَانَ أَنَّهُ لَا حَالَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ سِوَى الْقِيَامِ "

254 - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ هُوَ ابْنُ الشَّرْقِيِّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حدثنا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، حدثنا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُومُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ "

أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ

255 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حدثنا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حدثنا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ ". قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا عَنَى بِالْمِيلِ أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي يُكَحَّلُ بِهِ الْعَيْنُ.
قَالَ: " فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حِقْوَيْهِ، ومَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا " قَالَ: وَأَوْمَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فِيهِ

رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى " وَقَدْ ذَكَرْنَا سَائِرَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 17]، وَقَالَ: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29] وَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ كُتُبَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، وَأَنَّ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: 25]

، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 7]، وَإِذْ وَقَفَ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي يُؤْتُونَها حُوسِبُوا بِهَا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا بُعِثُوا لَا يَكُونُونَ ذَاكِرِينَ لِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئِهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6] فَإِذَا ذَكَرُوهَا وَوُقِفُوا عَلَيْهَا حُوسِبُوا عَلَيْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي كَيْفِيَّةِ الْمُحَاسَبَةِ أَخْبَارٌ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ " مِنْهَا

256 - مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّزَّازُ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ شَاكِرٍ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ، حدثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَاجِبٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ "

جارٍ التحميل