بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِبَارَتَانِ عَنْ دِينٍ وَاحِدٍ "
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البيهقي، أبو بكر
- الكتاب
- شعب الإيمان
- المؤلف
- أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدأشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند
- الناشر
- مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند
- الطبعة
- الأولى، 1423 هـ - 2003 م
- عدد الأجزاء
- 14 (13، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث]الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين: الموافق للمطبوع ط الرشد، وط العلمية تحقيق زغلول
136 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، حدثنا وَرْقَاءُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ
بْنِ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: " كَانَ لَنَا غُلَامَانِ نَصْرَانِيَّانِ مِنْ أَهْلِ عَيْنِ التَّمْرِ ويُسَمَّى أَحَدُهُمَا: يَسَارٌ، وَالْآخَرُ: جَبْرٌ، وكانا صيقلين وَكَانَا يَقْرَآنِ كِتَابًا لَهُمَا، فَرُبَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّمَا يَتَعَلَّمُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمَا فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ " وَزَعَمَ الْكَلْبِيُّ فِيمَا رَوَى عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا " أَنَّهُمَا كَانَا أَسْلَمَا، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيهُمَا فَيُحَدِّثُهُمَا، وَيُعَلِّمُهُمَا، وَكَانَا يَقْرَآنِ كِتَابَيهُمَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَمَنْ تَعَلَّقَ بِمثل هَذَا الضَّعِيفِ لَمْ يَسْكُتْ عَنْ شَيْءٍ يَتَّهِمُهُ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَوِ اتَّهَمُوهُ بِشَيْءٍ مِمَّا نَفَيْنَاهُ عَنْهُ لَذَكَرُوهُ، وَلَمْ يَسْكُتُوا عَنْهُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ وَبَسَطَ الْحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - كَلَامَهُ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى مَا فِي كِتَابِ اللهِ تعالى مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِعْجَازِ، ثُمَّ إِنَّ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَ الْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ: " إِجَابَةَ الشَّجَرَةِ إِيَّاهُ لَمَّا دَعَاهَا،
وَتَكُلُّمَ الذِّرَاعِ الْمَسْمُومَةِ إِيَّاهُ، وَازْدِيَادَ الطَّعَامِ لِأَجْلِهِ حَتَّى أَصَابَ مِنْهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَخُرُوجَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فِي الْمِخْضَبِ حَتَّى تَوَضَّأَ مِنْهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَحَنِينَ الْجِذْعِ، وَظُهُورَ صِدْقِهِ فِي مُغَيَّبَاتٍ كَثِيرَةٍ أَخْبَرَ عَنْهَا " وَغَيْرَ هَذِهِ كَمَا قَدْ ذُكِرَ، وَدُوِّنَ وَفِي الْوَاحِدِ مِنْهَا كِفَايَةٌ غَيْرَ أَنَّ اللهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَمَّا جَمَعَ لَهُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعْثُهُ إِلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ عَامَّةً،
وَالْآخَرُ خَتْمُهُ النُّبُوَّةَ بِهِ ظَاهَرَ لَهُ بَيْنَ الْحُجَجِ حَتَّى إِنْ شَذَّتْ وَاحِدَةٌ عَنْ فَرِيقٍ بَلَغَتْهُمْ أُخْرَى، وَإِنْ لَمْ تَنْجَعْ وَاحِدَةٌ نَجَعَتْ أُخْرَى، وَإِنْ دَرَسَتْ عَلَى الْأَيَّامِ وَاحِدَةٌ بَقِيَتْ أُخْرَى، وَلِلَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى نَظَرِهِ لِخَلْقِهِ وَرَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ كَمَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَذَكَرَ الْحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى - فُصُولًا فِي الْكَهَنَةِ، وَمُسْتَرْقِي السَّمْعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ ومَا وُجِدَ مِنَ الْكَهَنَةِ، وَالْجِنِّ فِي تَصْدِيقِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِشَارَاتِهِمْ علَى أَوْلِيَائِهِمِ من الْإِنْسِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى مُؤْمِنِي الْجِنِّ أَنْ يَحْمِلُوا أَوْلِيَاءَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى اللهِ، أَوْ عَلَى مُتَابَعَةِ مَنْ يَكْذِبُ عَلَى اللهِ، وَعَلَى كُفَّارِهِمْ أَنْ يَأْمُرُوا أَوْلِيَاءَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِمَنْ كَفَرُوا بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ لِمَعْرِفَةٍ وَقَعَتْ لَهُ لصِدْقِهِ لِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْإِنْسِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ "
137 - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، حدثنا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، حدثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ، حدثنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَما أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا "
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: " وَبَلَغَنى أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَمَعَ لَهُ الْأُمُورَ الْكَبيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالْأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
138 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُحَمَّدَ آبَادِيُّ، حدثنا أَبُو بَكْرٍعُمَرُ بْنُ حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ، حدثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حدثنا جُوَيْرِيَةُ بْنُ بَشِيرٍ الْهُجَيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، قَرَأَ يَوْمًا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَمَعَ لَكُمُ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَالشَّرَّ كُلَّهُ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَاللهِ مَا تَرَكَ الْعَدْلُ، وَالْإِحْسَانُ مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْئًا إِلَّا جَمَعَهُ، وَلَا تَرَكَ الْفَحْشَاءُ، وَالْمُنْكَرُ وَالْبَغْيُ، مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْئًا إِلَّا جَمَعَهُ "
الثَّالِثُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ بَابٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ " وَالْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ يَنْتَظِمُ مَعَانِيَ أَحَدُهَا: التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِمْ.
وَالْآخَرُ: إِنْزَالُهُمْ مَنَازِلَهُمْ، وَإِثْبَاتُ أَنَّهُمْ عِبَادُ اللهِ، وَخَلْقُهُ كَالْإِنْسِ، وَالْجِنِّ مَأْمُورُونَ مُكَلَّفُونَ لَا يَقْدِرُونَ إِلَّا عَلَى مَا قَدِّرُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَالْمَوْتُ عَلَيْهِمْ جَائِزٌ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُمْ أَمَدًا بَعِيدًا، فَلَا يَتَوَفَّاهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوهُ، وَلَا يُوصَفُونَ بِشَيْءٍ يُؤَدِّي وَصْفَهُمْ بِهِ إِلَى إِشْرَاكِهِمْ بِاللهِ تَعَالَى جَدُّهُ، وَلَا يَدَّعُونَ آلِهَةُ كَمَا ادَّعَتْهُمُ الْأَوَائِلُ.
وَالثَّالِثُ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ مِنْهُمْ رُسُلَ اللهِ يُرْسِلُهُمْ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْبَشَرِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَتْبَعَ ذَلِكَ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ مِنْهُمْ حَمَلَةَ الْعَرْشِ، وَمِنْهُمُ الصَّافُّونَ، وَمِنْهُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُمْ خَزَنَةُ النَّارِ، وَمِنْهُمْ كَتَبَةُ الْأَعْمَالِ، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يَسُوقُونَ السَّحَابَ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، أَوْ بِأَكْثَرِهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي الْإِيمَانِ بِهِمْ خَاصَّةً: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] "
فَصْلُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " مِنَ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَحْيَاءَ الْعُقَلَاءَ النَّاطِقِينَ فَرِيقَانِ: إِنْسٌ وَجِنٌّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صِنْفَانِ أَخْيَارٌ وَأَشْرَارٌ، فَأَخْيَارُ الْإِنْسِ يُدْعَوْنَ أَبْرَارًا، ثُمَّ يَنْقَسِمُونَ إِلَى رُسُلٍ وَغَيْرِ رُسُلٍ، وَأَشْرَارُهُمْ يُدْعَوْنَ فُجَّارًا ثُمَّ يَنْقَسِمُونَ إِلَى كُفَّارٍ، وَغَيْرِ كُفَّارٍ، وَأَخْيَارُ الْجِنِّ يُسَمَّوْنَ مَلَائِكَةً، ثُمَّ يَنْقَسِمُونَ إِلَى رُسُلٍ وَغَيْرِ رُسُلٍ، وَأَشْرَارُهُمْ يُدْعَوْنَ شَيَاطِينَ، ثُمَّ قَدْ يُسْتَعَارُ هَذَا الِاسْمُ لِفُجَّارِ الْإِنْسِ تَشْبِيهًا لَهُمْ بِفُجَّارِ الْجِنِّ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ هَذَا التَّفْسِيرُ، وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْجِنَّ مِنْهُمْ سُكَّانُ الْأَرْضِ، وَمِنْهُمْ سُكَّانُ السَّمَاءِ فَالَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ السَّمَاءِ يُدْعَوْنَ الْمَلَأَ الْأَعْلَى، وَيَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَالَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْأَرْضِ هُمُ الْجِنُّ بِالْإِطْلَاقِ، وَيَنْقَسِمُونَ إِلَى أَخْيَارٍ وَفُجَّارٍ، وَمُؤْمِنِينَ، وَكَافِرِينَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى مَلَائِكَةٌ لِأَنَّهُمْ مُسْتَصْلَحُونَ لِلرِّسَالَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْوَلَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ أَصْلُهُ مَالِكٌ، وَأَنَّ مِلَاكَ مَقْلُوبٌ، وَأَنَّهُ قِيلَ: الْوَاحِدُ الْمَلَائِكَةُ مَالِكٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلرِّسَالَةِ بِكَوْنِهِ مُصْطَفًى مُخْتَارًا لِلسَّمَاءِ أَنْ يَسْكُنَهَا إِذْ كَانَتِ الرِّسَالَةُ مِنْهَا تَأْتِي سُكَّانَ الْأَرْضِ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا قَالَ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْهُمْ مَعْنًى، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] فَأَبَانَ أَنَّ
الْمَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ كَانُوا طَبَقَةً وَاحِدَةً إِلَّا أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا عَصَى، وَلُعِنَ صَارَ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ الْأَرْضَ، وَأَيْضًا إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْجِنِّ، وَأَنَّ النَّسَبِ الَّذِي جَعَلُوهُ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْجِنِّ قَوْلُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ تَعَالَى عَمَّا قَالُوا عُلُوًّا كَبِيرًا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِنْسَ هُمُ الظَّاهِرُونَ وَالْجِنَّ هُمُ الْمُجْتَنُّونَ، وَالْمَلَائِكَةُ مُجْتَنُّونَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ الْخَلَائِقَ قَالَ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: 15] فَلَوْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ صِنْفًا ثَالِثًا لَمَا كَانَ يَدَعُ أَشْرَافَ الْخَلَائِقِ فَلَا يَتَمَدَّحُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى خَلْقِهِ " قَالَ: " وَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ إِنَّ سُكَّانَ الْأَرْضِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى إِنْسٍ وَجِنٍّ، فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ هَذَا الْحَدِّ لَمْ يَلْحَقْهُ اسْمُ الْإِنْسِ وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا، وَلَا اسْمُ الْجِنِّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْئِيٍّ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ الْجِنِّ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَبَبِ مُفَارَقَتِهِ الْمَلَائِكَةَ فَقَالَ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] فَلَوْ كَانَ كُلُّهُمْ جِنًّا لَاشْتَرَكُوا
فِي الِامْتِنَاعِ عَنِ السُّجُودِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ لَا يَسْجُدَ، وَفِي هَذَا مَا أَبَانَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خَيْرٌ وَالْجِنَّ خَيْرٌ وَأَنَّهُمَا فَرِيقَانِ شَتَّى، وَإِنَّمَا دَخَلَ إِبْلِيسُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي مُسَاكَنَةِ الْمَلَائِكَةِ وَمُجَاوَرَتِهِمْ بِحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَشِدَّةِ اجْتِهَادِهِ فَجَرَى فِي عِدَادِهِمْ، فَلَمَّا أُمِرَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ دَخَلَ فِي الْجُمْلَةِ الْمَلَكُ الْأَصْلِيُّ، وَالْمُلْحَقُ بِهِمْ غَيْرَ أَنَّ مُفَارَقَتَهُ الْمَلَائِكَةَ فِي أَصْلِ جَبَلَتِهِ حَمَلَتْهُ عَلَى مُفَارَقَتِهِمْ فِي الطَّاعَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50]، وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ تَسْمِيَتُهُمُ الْأَصْنَامَ آلِهَةً وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهَا بَنَاتُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَقَرُّبُهُمْ بِعِبَادَتِهَا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَذَلِكَ حِينَ كَانَ شَيَاطِينُ الْجِنِّ يَدْخُلُونَ أَجْوَافَهَا وَيُكَلِّمُونَهُمْ مِنْهَا، فَكَانُوا يَنْسِبُونَ ذَلِكَ الْكَلَامَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْأَصْنَامَ لِمَكَانِ تَكْلِيمِ الْجِنَّةِ إِيَّاهُمْ مِنْ أَجْوَافِهَا آلِهَةً، وَادَّعَوْا أَنَّهَا بَنَاتُ اللهِ فَأَثْبَتُوا بَيْنَ اللهِ تَعَالَى، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا جَهْلًا مِنْهُمْ "
139 - قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حدثنا آدَمُ، حدثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [سورة: الصافات، آية رقم: 158] قَالَ: " قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ فَقَالُوا: بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة: الصافات، آية رقم: 158] يَقُولُ: إِنَّهَا سَتَحْضُرُ الْحِسَابَ "، قَالَ: " وَالْجِنَّةُ هِيَ الْمَلَائِكَةُ " وَرُوِّينَا، عنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: " جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ بَنَاتَ اللهِ مِنَ الْجِنِّ، وَكَذَبَ أَعْدَاءُ اللهِ "، وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: " قَالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ اللهَ صَاهَرَ الْجِنَّ، فَخَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ "
وَرُوِّينَا، عَنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " يَقُولُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِمِ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 158] مُحْضَرُونَ النَّارَ الَّذِينَ قَالُوا الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، قال وَيُقَالُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الزَّنَادِقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: خَلَقَ اللهُ النَّاسَ، وَالدَّوَابَّ، وَالْأَنْعَامَ، فَقَالَ: إِبْلِيسُ لَأَخْلُقَنَّ خَلْقًا أَضُرُّهُمْ به فَخَلَقَ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَالسِّبَاعَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] قَالُوا: هُوَ إِبْلِيسُ أَخْزَاهُ اللهُ تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ "
140 - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّهَّانُ، أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ بِلَالٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ فَذَكَرَهُ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: 15] فَإِنَّمَا هُوَ بَيَانُ مَا رَكَّبَهُ مِنْ خَلْقٍ
مُتَقَدِّمٍ، فَلَمْ تَدْخُلِ الْمَلَائِكَةُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُخْتَرَعُونَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَهُمْ كُونُوا فَكَانُوا كَمَا قَالَ: لِلْأَصْلِ الَّذِي مِنْهُ خَلْقُ الْجِنِّ، وَالْأَصْلُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ الْإِنْسَ هُوَ: التُّرَابُ، وَالْمَاءُ والنار وَالْهَوَاءُ كُنْ فَكَانَ، فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي الِاخْتِرَاعِ كَأُصُولِ الْجِنِّ، وَالْإِنْسِ لَا كَأَعْيَانِهِمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرُوا مَعَهُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " وَأَبَيْنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ صِنْفٌ غَيْرَ الْجِنِّ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا "
141 - وَذَلِكَ فيمَا أَخْبَرَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الْأَزْهَرِ، وَحِمْدَانُ السُّلَمِيُّ قَالُوا: حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حدثنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ " وَفِي
فَصْلِهِ بَيْنَهُمَا فِي الذِّكْرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نُورًا، آخَرَ غَيْرَ نُورِ النَّارِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ "
142 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أخبرنا أَبُو بَكْرٍ الْقَطَّانُ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ الْبَغْدَادِيُّ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةً يُقَالُ: لَهَا الْجِنُّ، وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْهَا، وَكَانَ يَسُوسُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَسَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا "
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " فَهَذَا إِنْ ثَبَتَ دَلَّ عَلَى مُفَارَقَةِ هذه الْقَبِيلَةِ غَيْرَهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي التَّسْمِيَةِ " وَزَعَمَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: " أَنَّ خَلْقَ إِبْلِيسَ، وَخَلْقَ هَؤُلَاءِ وَقَعَ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَمِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَهُمْ كَانُوا خُزَّانَ الْجَنَّةِ رَأَسَهُمْ إِبْلِيسُ، وَكَانُوا أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَهَبَطُوا إِلَى الْأَرْضِ حِينَ اقْتَتَلَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَ الْأَرْضِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَوْحَى الله عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] " وَزَعَمَ الْكَلْبِيُّ: " أَنَّهُمْ كَانُوا خُزَّانَ الْجِنَانِ يُقَالُ: لِذَلِكَ الْجِنَّةُ، الْجِنُّ، اشْتُقَّ لَهُمُ اسْمٌ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكَانَ مَعَ إِبْلِيسَ أَقَالِيدُ الْجِنَانِ، وَخَلَقَهُ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَهِيَ نَارٌ لَا دُخَانَ لَهَا فَاقْتَتَلَ الْجِنُّ بَنُو الْجَانِّ، فِيمَا بَيْنَهُمْ فَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى إِبْلِيسَ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَهَبَطُوا إِلَى الْأَرْضِ، وَأَخْرَجُوا الْجِنَّ بَنِي الْجَانِّ مِنْهَا وَأَلْحَقُوهُمْ بِجَزَائِرِ الْبَحْرِ، وَسَكَنُوا الْأَرْضَ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَهُمْ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، وَلَمْ يَعْنِ بِهِ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ إِنْ كَانَ خَلْقُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا وَقَعَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ أَنْ يَكُونُوا إِنَّمَا يُسَمَّوْنَ الْجِنَّ لِمَا ذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ، أَوْ لِمُوَافَقَتِهِمِ الْجِنَّ فِي
أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَخَلْقُ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقْعٌ مِنْ نُورٍ كَمَا رُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ هَذِهِ الْقَبِيلَةَ الَّتِي يُقَالُ: لَهَا الْجِنُّ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ " قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مُفَارَقَةِ الْجِنِّ الْمَلَائِكَةَ، أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40]، فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: 41] فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ الْجِنِّ " فَقَالَ البيهقي رَحِمَهُ اللهُ: " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّبَرِّي مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى الَّذِينَ كَانُوا لَا يُسَمَّوْنَ جِنًّا، وَاللهُ أَعْلَمُ "
143 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حدثنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ الَّتِي تُوقِدُونَ لَجَزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْء مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَأَنَّ السَّمُومَ الْحَارَّ الَّتِي خَلَقَ اللهُ تَعَالَى مِنْهَا الْجَانَّ لَجُزْءُ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ "
144 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، حدثنا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حدثنا عَبَّادٌ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " كَانَ اسْمُ إِبْلِيسَ عَزَازِيلَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ ذَوِي الْأَرْبَعَةِ الْأَجْنِحَةِ، ثُمَّ أَبْلَسَ بَعْدُ "
145 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حدثنا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: " كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ يُدَبِّرُ أَمْرَ السَمَاءِ الدُّنْيَا "
146 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حدثنا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ، حدثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] قَالَ: " كَانَ مِنَ الْجَنَّانِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجَنَّةِ " قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: " ثُمَّ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُسَمَّوْنَ رُوحَانِيِّينَ بِضَمِ الرَّاءِ، وَسَمَّى الله عَزَّ وَجَلَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الرُّوحَ الْأَمِينَ، وَرُوحَ الْقُدُسِ وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: 38] فَقِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ إِنَّهُ مَلَكٌ عَظِيمٌ سِوَى جِبْرِيلَ يَقُومُ وَحْدَهُ صَفًّا، وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ الرُّوحُ جَوْهَرٌ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَلِّفَ اللهُ عز وجل، أَرْوَاحًا فَيُجَسِّمَهَا وَيَخْلُقَ خَلْقًا نَاطِقًا عَاقِلًا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَجْسَامُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ مُخْتَرَعَةً كَمَا اخْتَرَعَ عِيسَى، وَنَاقَةَ صَالِحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ،
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ رَوْحَانِيُّونَ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مَحْصُورِينَ فِي الْأَبْنِيَةِ، وَالظُّلَلِ وَلَكِنَّهُمْ فِي فُسْحَةٍ، وَبَسَاطَةٍ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ هُمُ الرُّوحَانِيُّونَ وَمَلَائِكَةَ الْعَذَابِ هُمُ الْكَرُوبِيُّونَ فَهَذَا مِنَ الْكَرْبِ، وَذَاكَ مِنَ الرُّوحِ وَاللهُ أَعْلَمُ " قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: وَذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: " أَنَّ الْكَرُوبِيِّينَ سُكَّانُ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ يَبْكُونَ، وَيَنْتَحِبُونَ " " وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَخْبَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي تَفْسِيرِ الرُّوحِ، وَالْمَلَكِ الَّذِي يُسَمَّى رُوحًا فِي الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ قَدِيمًا، وَحَدِيثًا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْبَشَرِ فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الرُّسُلَ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوْلِيَاءُ مِنَ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى مُفَضَّلُونَ عَلَى سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ "
147 - وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أخبرنا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ، حدثنا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ،
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حدثنا عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ صَالِحٍ الْقُرَشِيُّ، حدثنا عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ، عَنِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذُرِّيَّتَهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبُّ خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَيَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَلَنَا الْآخِرَةَ، فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ، وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَقَالَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ، وَمَنْ قَالَ فِي الْمَلَائِكَةِ هُمْ قَبِيلَانِ أَشْبَهُ أَنْ يَقُولَ: فِي هَذَا أَرَادَ الْقَبِيلَ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ إِبْلِيسُ دُونَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، وَهُمُ الْأَشْرَافُ، وَالْعُظَمَاءُ وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ "
وَرُوِّينَا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ أَكْرَمَ خَلِيقَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". قَالَ بِشْرٌ: قُلْتُ رَحِمَكَ اللهُ: فَأَيْنَ الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ وَضَحِكَ فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي، وَهَلْ تَدْرِي مَا الْمَلَائِكَةُ؟ إِنَّمَا الْمَلَائِكَةُ خَلْقٌ كَخَلْقِ الْأَرْضِ، وَخَلْقِ السَّمَاءِ، وَخَلْقِ السَّحَابِ، وَخَلْقِ الْجِبَالِ، وَخَلْقِ الرِّيَاحِ وَسَائِرِ الْخَلَائِقِ، وَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلَائِقِ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ،
148 - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُقْرِئُ، أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حدثنا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ، عَنِ ابْنِ سَلَّامٍ فَذَكَرَهُ
149 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ بِبَغْدَادَ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ
بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حدثنا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التَّرْقُفِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ: " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَضَّلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ ". قَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: " لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 29]، وَقَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] ". قَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا فَضْلُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: " لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: 4] وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: 79] فَأَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
" وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ عَارَضَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65] إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: الْخِطَابُ وَقَعَ إِلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ أَوْ يَقُولَ: إِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَادُ بِهِ فَقَدْ أَمَّنَهُ الْآيَةَ الَّتِي قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ "
150 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، حدثنا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ، حدثنا أَبُو الْأَزْهَرِ، حدثنا أَبُو قُتَيْبَةَ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ " " كَذَا رَوَاهُ أَبُو الْمُهَزِّمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَأَبُو الْمُهَزِّمِ مَتْرُوكٌ "
151 - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍعَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ مِنْ أَصْلِهِ، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ
بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَمْرَوِيُّ إِمْلَاءً، حدثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمُّويَهْ بْنِ عَبَّادٍ السَّرَّاجُ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حدثنا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ تَمَّامٍ السُّلَمِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْ شَيْءٍ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنِ ابْنِ آدَمَ ". قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْمَلَائِكَةُ قَالَ: " الْمَلَائِكَةُ مَجْبُورُونَ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ " " تَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ تَمَّامٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ عَجَائِبُ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ مَوْقُوفًا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الصَّحِيحُ "
152 - أَخْبَرَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثنا ابْنُ أَبِي قُمَاشِ، حدثنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ، عَنْ أَبِيهِ - كذا قَالَ - سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: " لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنِ ابْنِ آدَمَ ". قُلْتُ: الْمَلَائِكَةُ؟ قَالَ: " أُولَئِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أُولَئِكَ مَجْبُورُونَ "
153 - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، أخبرنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ
الدَّيْبُلِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حدثنا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَيَادِيُّ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّيْرِ، فَقَعَدْتُ فِي أَحَدِهِمَا، وَقَعَدَت فِي الْآخَرِ، فَسَمَّتْ، وَارْتَفَعَتْ حَتَّى إِذَا سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ، وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسَسْتُ فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَأَنَّهُ حِلْسٌ لَاطِئٌ فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ "
وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُطَارِدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَوَقَعَ جِبْرِيلُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ حِلْسٌ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ خَشْيَتِهِ، عَلَى خَشْيَتِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: نَبِيًّا مَلَكًا، أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا، أَوْ إِلَى الْجَنَّةِ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ أَنْ تَوَاضَعْ، فَقُلْتُ: لَا، بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا "
154 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الزَّاهِدُ الْأَصْبَهَانِيُّ، حدثنا أَبُو السَّرِيِّ مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبَّادٍ، حدثنا حُبَيْشُ بْنُ مُبَشِّرٍ الْفَقِيهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فَذَكَرَ قِصَّةً، ثُمَّ قَالَ يَزِيدُ: حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدِ بْنِ حَاجِبٍ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَمَّا أُسْرِيَ بِي كُنْتُ أَنَا فِي شَجَرَةٍ وَجِبْرِيلُ فِي شَجَرَةٍ فَغَشِيَنَا مِنْ أَمْرِ اللهِ بَعْضُ مَا غَشِيَنَا فَخَرَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَثَبَتُّ عَلَى أَمْرِي فَعَرَفْتُ فَضْلَ إِيمَانِ جِبْرِيلَ عَلَى إِيمَانِي "