بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِبَارَتَانِ عَنْ دِينٍ وَاحِدٍ "
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البيهقي، أبو بكر
- الكتاب
- شعب الإيمان
- المؤلف
- أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدأشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند
- الناشر
- مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند
- الطبعة
- الأولى، 1423 هـ - 2003 م
- عدد الأجزاء
- 14 (13، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث]الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين: الموافق للمطبوع ط الرشد، وط العلمية تحقيق زغلول
6600 - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى الْبَصْرِيُّ، نا عَفَّانُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفِرُوا " قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَمَعْنَى هَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنَّ مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً فَسَّرَهُ أَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى لَهَا، وَيَسَّرَهَا لَهُ حَتَّى حَصَلَتْ فِي مِيزَانِهِ، فَجَلَسَ كَمَا يَجْلِسُ الْمُهَنَّأُ فَرِحًا مَسْرُورًا بِمَا يَرْجُوهُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَفَضْلِهِ، أَوْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَسَاءَتْهُ أَنْ خَلَا بِاللهِ تَعَالَى وَنَفْسِهِ
حَتَّى عَمِلَ بِمَا سَوَّلَهُ لَهُ الشَّيْطَانُ، وَجَلَسَ كَمَا يَجْلِسُ الْمُصَابُ مَهْمُومًا كَئِيبًا حَزِينًا حَيَاءً مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَخَوْفًا مِنْ مُؤَاخَذَتِهِ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِهِ، وَخُلُوصِ اعْتِقَادِهِ، فَإِنَّ الثِّقَةَ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ قُوَّةِ التَّصْدِيقِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ " قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ: وَلِذَا جَاءَ هَذَا التَّفْسِيرُ مَرْفُوعًا بِلَفْظٍ مُوجَزٍ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً رَجَا ثَوَابَهَا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً خَافَ عِقَابَهَا
6601 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَضْلُ الْقَطَّانُ، أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: " انْطَلَقْتُ أَنَا وَأَخِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِهِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قُلْنَا: جِئْنَا لِتَذْكُرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَنَذْكُرُهُ مَعَكَ، وَتَحْمَدُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ مَعَكَ قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، لِمْ تَقُولَا: جِئْنَاكَ تَشْرَبُ فَنَشْرَبُ مَعَكَ، وَلَا جِئْنَاكَ تَزْنِي فَنَزْنِي مَعَكَ "
6602 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَارُ، نا أَحْمَدُ
بْنُ مَنْصُورٍ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ قَالَ: قِيلَ لِلُقْمَانَ: أَيُّ النَّاسِ أَغْنَى؟ قَالَ: " مَنْ رَضِيَ بِمَا أُعْطِيَ " قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " الْغَنِيُّ " قِيلَ: غَنِيُّ الْمَالِ؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنِ الَّذِي إِذَا طُلِبَ عِنْدَهُ خَيْرٌ وُجِدَ " قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: " الَّذِي لَا يُبَالِي أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ مُسِيئًا، فَأَمَّا مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ مِنْ حَيْثُ يُثْنَى وَيُذْكَرُ عَنْهُ فَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي مَا "
6603 - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ إِمْلَاءً، أَنا عَبْدُ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّرْقِيُّ، نا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، نا وَكِيعٌ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ لِلَّهِ الْعَمَلَ يُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَإِسْحَاقُ، عَنْ وَكِيعٍ
6604 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، نا شُعْبَةُ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، جَمِيعًا، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالنَّاسُ يَحْمَدُونَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ
6605 - (ألف) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النِّجَادُ، إِمْلَاءً، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِآخِرَتِهِ وَيُحِبُّهُ النَّاسُ؟ قَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ "
6605 - (ب) وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ
6606 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ، أَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، أَنَا أَبُو دَاوُدُ، نا سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ أَبُو سِنَانٍ، نا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ يَسُرُّهُ، وَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّهُ ذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَهُ أَجْرَانِ، أَجْرُ الْعَلَانِيَةِ، وَأَجْرُ السِّرِّ " قَالَ يُونُسُ: ذُكِرَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ فَسَّرَهُ أَنْ لَا يَكُونَ اطُّلِعَ عَلَيْهِ عَلَى عَمَلِ سُوءٍ قَالَ أَحْمَدُ: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
6607 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ، مِنْ أَصْلِهِ قَالَا: نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، نا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ الْكُوفِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ الْيَمَانِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنِ أَبِيِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَعْمَلُ الْعَمَلَ أُسِرُّهُ فَيَظْهَرُ فَأَفْرَحُ بِهِ؟ فَقَالَ: " كُتِبَ لَكَ أَجْرَانِ "
6608 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ أَبُو عَاصِمٍ الْبَجَلِيُّ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، زَادَ: " أَجْرُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ "
6609 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ نُعَيْمٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ أَسَدٍ الْبَجَلِيُّ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، أَنَّ مَعْنَاهُ: فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي لِيُقْتَدَى بِي، وَيُعْمَلُ مِثْلُ عَمَلِي، لَيْسَ أَنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يُذْكَرَ وَيُثْنَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا " وَكَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَرَآهُ جَارٌ لَهُ، فَقَامَ يُصَلِّي، فَغُفِرَ لِلْأَوَّلِ، يَعْنِي أَنَّ الثَّانِيَ أَخَذَ عَنْهُ وَتَابَعَهُ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَمُحْتَمَلٌ غَيْرُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا عَمِلَ خَيْرًا سَرَّهُ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ، فَيَكُونُ مَحْمُودًا فِي النَّاسِ لَا مَذْمُومًا، وَلَا حَمْدَ أَبْلَغَ مِنْ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَوَّامٌ بِحَقِّ رَبِّهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْمُرَاءَاةِ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا الْمُرَاءَاةِ أَنْ يَعْمَلَ الْخَيْرَ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَبْتَغِي بِهِ مَرْضَاتَهُ وَلَا ثَوَابَهُ، إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: هَذَا رَجُلٌ خَيِّرٌ، فَأَمَّا أَنْ يَعْمَلَ لِلَّهِ بِالْحَقِيقَةِ وَيَسُرُّهُ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ مِنْهُ أَنَّهُ مِنْ عُمَّالِ اللهِ، فَإِنْ مَدَحُوهُ مَدَحُوهُ بِصَلَاحِهِ لِعِبَادَةِ اللهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَمَدَّحُ بِهِ النَّاسُ وَيُثْنِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الرِّيَاءِ فِي شَيْءٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَمَّ قَوْمًا يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا فَعَلَ فَلَا ذَمَّ؟ فَكَيْفَ يُذَمُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ إِضَافَتُهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَا إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا جَعَلَ مُخَّهُ مَقْصُورًا عَلَى عِبَادَتِهِ دُونَ غَيْرِهَا، إِنَّمَا الْمَذْمُومُ مَنْ يَعْمَلُ مَا أُمِرَ أَنْ يَبْتَغِيَ بِهِ وَجْهَهُ مَرِيدًا بِهِ وَجْهَ غَيْرِهِ، وَالْفَرَقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ لِمَنْ أَنْصَفَ قَالَ: وَاحْتَجَّ ذَلِكَ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ بِكَرَاهِيَةِ أَنْ يُزَكَّى الرَّجُلُ فِي وَجْهِهِ فَيُقَالُ لَهُ هَذَا، أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ فَيَمْتَلِئُ مِنْهُ عُجْبًا وَمَدْحًا، وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: أَنَا الْمَمْدُوحُ بِكَذَا وَكَذَا، وَيَسْتَهِينُ بِذَلِكَ غَيْرُهُ، وَمَا قُلْنَا غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ أَنْ يُسْمَعَ الرَّجُلُ يُضَافُ إِلَى مَوْلَاهُ بِالطَّاعَةِ وَحُسْنِ الْعِبَادَةِ يَسُرُّهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الْكَرَامَةِ مِنْ نَفْسِهِ، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْحُسْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنْ وُفِّقَ لِعِبَادَتِهِ، وَالْأُخْرَى أَنْ جَعَلَهُ مَا إِذَا مُدِحَ بِاسْمِهِ، وَأُضِيفَ إِلَى مَا يَكُونُ مَرْجِعَهُ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ يُمْدَحُ بِمَا يُمْدَحُ
بِهِ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا وَأَهْلُهَا الرَّاكِنُونَ إِلَيْهَا، وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَعِيدٌ، وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا هَكَذَا لَمَا كَانَ ذَلِكَ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ وَالَّذِي رَوَيْنَا فِيمَا مَضَى فِي مَعْنَى الْإِخْلَاصِ أَنَّ الَّذِي لَا يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى عَمَلِهِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ لِلَّهِ لَا لِيُحْمَدَ، ثُمَّ إِنْ عُلِمَ بِهِ فَحُمِدَ عَلَيْهِ وَسَرَّهُ ذَلِكَ فَلَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ كَمَا رَوَيْنَا فِي سَائِرِ الْحَدِيثِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَالَّذِي رَوَاهُ الْحَلِيمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، فَقَدْ رُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا
6610 - أَخْبَرَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا أَبُو الطِّيبِ الْمُظَفَّرُ بْنُ سَهْلٍ الْخَلِيلِيُّ الْقَائِدُ، بِمَكَّةَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ حَسَّانَ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَأُسِرُّ الْعَمَلَ، فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَكَ أَجْرَانِ، أَجْرُ السِّرِّ، وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ "
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هَذَا مِنْ أَجْوَدِ الْأَحَادِيثِ وَأَحْكَمِهَا لِرَجُلٍ يُسِرُّ الْعِبَادَةَ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ مُطَّلِعٌ فَيَعْمَلُ بِمِثْلِ عَمَلِهِ فَسَرَّهُ إِذَا بَلَغَهُ أَنَّ فُلَانًا قَدْ عَمِلَ بِمَا عَمِلْتَ، وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا " وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَفِيمَا
6611 - أَخْبَرَنَا السَّلَمِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْكَارِزِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَعْمَلُ الْعَمَلَ أُسِرُّهُ، فَإِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي؟ فَقَالَ: " لَكَ أَجْرَانِ، أَجْرُ السِّرِّ، وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحٍ يَرْفَعُهُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: وَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّهُ إِنَّمَا يُسَرُّ بِهِ إِذَا اطُّلِعَ عَلَيْهِ لِيُسْتَنَّ بِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ يُسَرُّ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ عِنْدِي وَجْهُ الْإِمَامِ قَالَ: ثُمَّ اسْتَدَلَّ أَبُو عُبَيْدٍ بِمَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَبِمَا حَكَاهُ الْحَلِيمِيُّ مِنْ قِيَامِ الرَّجُلِ مِنَ اللَّيْلِ، وَاقْتِضَاءُ جَارِهِ بِهِ، فَكِلَاهُمَا مِنِ احْتِجَاجِ عُبَيْدَةَ بِهِ
6612 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ، أَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْقَاضِي، بِبَغْدَادَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ، نا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنَ الْعَلَانِيَةِ، وَالْعَلَانِيَةُ أَفْضَلُ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ " تَفَرَّدَ بِهِ بَقِيَّةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مِهْرَانِ هَذَا
6613 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ، نا
الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ اللَّيْثِ، نا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ الرَّازِيُّ، نا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ اغْتَنِمُوا قَلَّ مَا تَمُرُّ بِي لَيْلَةٌ إِلَّا وَأَقْرَأُ فِيهَا أَلْفَ آيَةٍ، وَإِنِّي لَأَقْرَأُ الْبَقَرَةَ فِي رَكْعَةٍ، وَإِنِّي لَأَصُومُ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْإِثْنَيْنَ وَالْخَمِيسَ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11] "
6614 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ اللَّيْثِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، أَنَا أَبُو بَلْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: " كَانَ يَلْقَى الرَّجُلُ مِنْ إِخْوَانِهِ فَيَقُولُ: لَقَدْ رَزَقَ اللهُ الْبَارِحَةَ مِنِ الصَّلَاةِ كَذَا وَكَذَا، وَرَزَقَ مِنَ الْخَيْرِ كَذَا وَكَذَا "
6615 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ، نا الْغَلَابِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قِيلَ لِسُفْيَانَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ قَلِيلُ الطَّوَافِ، فَغَضِبَ فَقَالَ: " إِنِّي لِأَدْنُوَ بِالطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ لَيُصِيبُنِي مِنْ غُبَارِهِمْ، وَإِنِّي لِكَذَا، وَإِنِّي لِكَذَا " فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، وَإِيشْ تَجْزَعُ مِنْ هَذَا، وَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: " إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ سُفْيَانَ زَاهِدٌ فِي الْخَيْرِ "
6616 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْغَلَابِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ: وَحَضَرْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: " يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لِلَّهِ، يُؤَذِّنُ أَوْ يَؤُمُّ، أَوْ يُعِينُ أَخَاهُ، أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ فَيُعْطِي الشَّيْءَ؟ قَالَ: يَقْبَلُهُ، أَلَا تَرَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَعْمَلْ لِلْعِمَالَةِ إِنَّمَا عَمِلَ لِلَّهِ، فَعَرَضَ لَهُ رِزْقٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَتَقَبَّلَهُ، وَقَرَأَ ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: 25] "
6617 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَثَّامٍ، وَذُكِرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: " ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25] قَالَ: فَذَهَبَ مَعَهَا، وَإِنَّمَا كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَمْ يُبَالِ "
6618 - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ
عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا أَبُو هِلَالٍ، نا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي ثُبَيْتٍ الرَّاسِبِيُّ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ مَلَأَ أُذُنَيْهِ مِنْ خَيْرٍ سَمِعَهُ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنْ مَلَأَ أُذُنَيْهِ مِنْ شَرٍّ سَمِعَهُ " قَالَ مُسْلِمٌ: بَلَغَنِي عَنْ عُقْبَةَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو الطَّيْرَ فَيُجِيبُهُ
6619 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، نا حَجَّاجُ بْنُ الْأَعْوَرِ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ: " اذْهَبْ يَا رَافِعُ لَتُقْرِأَنَّهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى، وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعِينَ " فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الْآيَةِ، إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 187] الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ وَأَخْبِرُوهُ بِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتَابِهِمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ
6620 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ شَوْذَبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْجَصَّاصُ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: " كُلُّ شَيْءٍ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ فَالْعَلَانِيَةُ فِيهِ أَفْضَلُ، قَوْلُ الرَّجُلِ: صَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِ كَذَا وَكَذَا، وَأَذْهَبُ وَأُصَلِّي فِي مَسْجِدِ كَذَا وَكَذَا، وَأَعْطَيْتُ زَكَاةَ مَالِي فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا "
السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ
وَهُوَ بَابٌ فِي مُعَالَجَةِ كُلِّ ذَنْبٍ بِالتَّوْبَةِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: 8] وَقَالَ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: 54] وَقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25] إِلَى سَائِرِ مَا وَرَدَ فِي التَّوْبَةِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي.
6621 - مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]: " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا "
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ
6622 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فُورَكٍ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو دَاوُدَ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمَوَيْهِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا آدَمُ، قَالَا: نا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، وَهُوَ ابْنُ مُرَّةَ، سَمِعَ أَبَا بُرْدَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا، مِنْ جُهَيْنَةَ يُقَالُ لَهُ الْأَغَرُّ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ "
لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ آدَمَ، نا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ يُقَالُ لَهُ الْأَغَرُّ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ
6623 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ زَيْدٍ الثَّقَفِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا أَبُو الرَّبِيعِ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، نا ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ "
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَأَبِي الرَّبِيعِ وَرُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً "
6624 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلَمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ بُنْدَارًا، عَنِ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: اسْتَحْسَنْتُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ طَاهِرٍ قَوْلَهُ فِي الْغَيْنِ: " إِنَّ اللهَ أَطْلَعَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الْخِلَافِ، وَمَا يُصِيبُهُمْ فِيهِ، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ ذَلِكَ وَجَدَ غَيْنًا فِي قَلْبِهِ فَاسْتَغْفَرَ لِأُمَّتِهِ " قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْغَيٍنَ شَيْءٌ يَغْشَى الْقَلْبَ فَيُغَطِّيهِ
بَعْضَ التَّغْطِيَةِ وَيَحْجِبُهُ عَمَّا يُشَاهِدُهُ، وَهُوَ كَالْغَيْمِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَعْرِضُ فِي الْهَوَاءِ، فَلَا يَكَادُ يَحْجِبُ عَيْنَ الشَّمْسِ، وَلَا يَمْنَعُ ضَوْءَهَا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُ يَغْشَى قَلْبَهُ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لِيَسْتَغْفِرَ اللهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ
6625 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا سَهْلٍ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْحَنَفِيَّ يَقُولُ: قَوْلُهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي لَهُ تَأْوِيلَانِ: " أَحَدُهُمَا مُخْتَصٌ بِهِ، وَهُوَ حَمْلُهُمْ إِيَّاهُ عَلَى غَشْيَةِ السَّكْرَةِ الَّتِي هِيَ الصَّحْوُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَمَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ عُقَيْبَهَا عَلَى التَّحَسُّرِ لِلْكَشْفِ عَنْهَا، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَحْمِلُونَهَا عَلَى الْخَطَرَاتِ الْعَارِضَةِ لِلْقَلْبِ وَالطَّلَبَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ، الشَّاغِلَةِ لَهُ بِهَذِهِ الْغَشْيَةِ الْمُلَابِسَةِ: " ثُمَّ يَسْتَدْرِكُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِنَابَةِ وَالرُّجُوعِ مِنْهَا إِلَى رَبِّهِ عَاتِبًا عَلَى قَلْبِهِ، فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا وَصْفُهُ " فَمَا ظَنُّكَ بِالْخَلِيقَةِ الْمُنْهَمِكَةِ فِي الْهَلَكَةِ وَبِاللهِ الْعِيَاذُ، وَبِهِ الِاعْتِصَامُ، وَعَلَيْهِ التَّوَكُّلُ قَالَ الْإِمَامُ: وَفِي أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ عَمِلَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُهِمُّهُ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِهِ حِينَ أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ فِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ، وَالِاسْتِغْفَارُ الَّذِي كَانَ بَعْدَهُ كَانَ لِأُمَّتِهِ، قُلْتُ: وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْقَلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ، فَإِذَا رُفِعَ إِلَى دَرَجَةٍ أُخْرَى رَأَى مَا نُقِلَ عَنْهَا تَقْصِيرًا فِي وَاجِبِ حَقِّ اللهِ، فَرَأَى ذَلِكَ غَيْنًا يَجِبُ لَهُ الِاسْتِغْفَارُ مِنْهُ