بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِبَارَتَانِ عَنْ دِينٍ وَاحِدٍ "
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البيهقي، أبو بكر
- الكتاب
- شعب الإيمان
- المؤلف
- أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدأشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند
- الناشر
- مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند
- الطبعة
- الأولى، 1423 هـ - 2003 م
- عدد الأجزاء
- 14 (13، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث]الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين: الموافق للمطبوع ط الرشد، وط العلمية تحقيق زغلول
فَصْلٌ " فِي مَعْنَى قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ، وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] رُوِّينَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَاحِبِ الْكَنْزِ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ جِيئَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبِكَنْزِهِ فَيُحْمَى صَفَائِحُ فى نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ "
وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: 5] قَالَ: " هَذَا فِي الدُّنْيَا، وَقَوْلُهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَهَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَهُ اللهُ عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " وَرُوِّينَا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنْ كَقَدْرِ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ " وَيُرْوَى ذَلِكَ مَرْفُوعًا:
وَرُوِي فِي حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَيُخَفِّفُ عَلَى الْمُؤْمِنْ حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يُصَلِّيَهَا فِي الدُّنْيَا " " وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ "
356 - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
عِيسَى الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حدثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَظُنُّهُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ اللهَ يُخَفِّفُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ طُولَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَوَقْتِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " هَذَا وَجَدْتُهُ فِي فَوَائِدَ أَبِي عَمْرٍو، وَلَا أَدْرِي مَنِ الْقَائِلِ أَظُنُّهُ " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو سَهْلٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ
وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَاءُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْهُ
357 - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْاسْفَرَايِينِيُّ الْإِمَامُ، أنبأ عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ الْحَسَنِ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ ثَابِتٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الْهُذَيْلِ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿تَعْرُجُ﴾ [المعارج: 4] " يَعْنِي: تَصْعَدُ ". ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ [المعارج: 4] " مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْعَرْشِ "، ﴿وَالرُّوحُ﴾ [المعارج: 4] " يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِ فى الدُّنْيَا "، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ [المعارج: 4] " عِنْدَكُمْ يَا بَنِي آدَمَ "، ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] يَقُولُ: " لَوْ وَلِيَ حِسَابَ الْخَلَائِقِ، وَعَرَضَهُمْ غَيْرِي لَمْ يَفْرُغْ مِنْهُ إِلَّا فِي مِقْدَارِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَإِذَا أَخَذَ اللهُ فِي عَرْضِهِمْ يَفْرُغُ اللهُ مِنْهُ فِي مِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا فَلَا يَنْتَصِفُ ذَلِكَ الْيَوْمُ حَتَّى يَسْتَقِرَّ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: 24] يَقُولُ: " لَيْسَ مَقِيلُهُمْ كَمَقِيلِ أَهْلِ النَّارِ " " وَإِلَى مَعْنَى هَذَا ذَهَبَ الْكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الَّذِي يَرْوِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي لَوْ وَلِيَ مُحَاسَبَةَ الْعِبَادِ غَيْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَمْ يَفْرُغْ مِنْهُ فِي خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَرُوِّينَا عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَقُولُ: " لَوْ صَعِدَ غَيْرُ الْمَلَائِكَةِ لَصَعَدُوا فِي قَدْرِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ "
وَإِلَى مَعْنَى هَذَا ذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وَقَالَ: " التَّقْدِيرُ إِنَّمَا هُوَ لِعُرُوجِ الْمَلَائِكَةِ، وَالرُّوحِ مِنَ الْأَرْضِ يَعْنِي إِلَى الْعَرْشِ، وَقَدْ قَالَ: فِي غَيْرِ هَذِهِ السورة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهَا تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ تَعْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فى يَوْمِهَا فَتَقْطَعُ مَا لوِ احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى قَطْعِهَا مِنَ الْمَسَافَةِ، لَمْ يَقْطَعُوهَا إِلَّا فِي أَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، وَيَنْزِلُ مِنْ عِنْدَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ مِنْهَا إِلَيْهِ مِنْ يَوْمِهَا، وَلَوِ احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى قَطْعِ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنَ الْمَسَافَةِ لَمْ يَقْطَعُوهَا إِلَّا فِي خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَقْدِيرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِسَبِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ " ذِي الْمَعَارِجِ "، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 7] عَادَ إِلَى ذِكْرِ الْعَذَابِ الَّذِي وَصَفَهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ " وَأَكَّدَ هَذَا ممَا حُكِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: " إن مَا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْعَرْشِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِنَا وَشُهُورِنَا وَسِنِينِنَا " قَالَ: " وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَسْتَطِيعُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ تَنْزِلَ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ أَعْلَى مَقَامٍ لَهُمْ فِي السَّمَوَاتِ وَفَوْقَهَا، ثُمَّ تعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ، فَأَمَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّ السَّمَوَاتِ إِذَا طُوِيَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ مِصْعَدٌ يُقْرَوْنَ فِيهِ، وَإِمَّا لِمَا يُشاهِدُونَ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ، وَشِدَّةِ غَضَبِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى أَهْلِ الْعِنَادِ مِنْ عِبَادِهِ فَيَفْتُرُ قُوَاهُمْ فَيَحْتَاجُونَ إِلَى الْعُرُوجِ إِلَى مُدَّةٍ أَطْوَلَ مِمَّا كَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا قَبْلَهُ فَقَدَّرَ اللهُ ذَلِكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّ غَيْرَهُمْ لَوْ قَطَعَهَا لَمْ يَقْطَعْهَا إِلَّا فِي خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَهَكَذَا كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ مِنْ أَنَّ الْعَرْشَ عَلَى
كَوَاهِلِ أَرْبَعَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَمَانِيَةً وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَفْتُرُ قُوَاهُمْ يَوْمَئِذٍ إِلَى مَا ذَكَرْنَا فَيُؤَيَّدُونَ بِغَيْرِهِمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ نَسْأَلُ اللهَ خَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شَرِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ "
358 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حدثنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ رِيابٍ قَالَ: " حَمَلَةُ الْعَرْشِ يَتَجَاوَبُونَ بِصَوْتٍ حَسَنٍ رَخِيمٍ يَقُولُ الْأَرْبَعَةُ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وَيَقُولُ الْأَرْبَعَةُ الْآخَرُونَ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ "
التَّاسِعُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ بَابٌ فِي أَنَّ دَارَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَآبهُمُ الْجَنَّةُ وَدَارَ الْكَافِرِينَ وَمَآبَهُمُ النَّارُ " قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً، وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 82] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: فِيمَا وَصَفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: 105] قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: 108]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] يُرِيدُ بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْ وَقْفِهِمْ حَيْثُ كَانُوا فِيهِ إِلَى أَنْ حُوسِبُوا وَوُزِنَتْ أَعْمَالُهُمْ، وَسِيقَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى حَيْثُ قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَّأْبِيدَ بِدَوَامِهَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَإِلَّا بِمَعْنَى سِوَى وَذَلِكَ يَحْسُنُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَرَجُلٍ يَقُولُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إِلَّا الألْفَيْنِ الَّتِي هِيَ إِلَى سَنَةٍ يُرِيدُ سِوَى الْأَلْفَيْنِ، وَقَدْ
بَسَطْنَا الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ عَنِ الْفَرَّاءِ، وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ رَحِمَهُ اللهُ "
359 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حدثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، حدثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، ح
وَأَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ، حدثنا أَبُو الْأَزْهَرِ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي الْحَجَّاجِ، حدثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحِ بْنُ أَبِي طَاهِرِ الْعَنْبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حدثنا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَاهِرٍ، وَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ شَاعِرٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وإِذَا ظَهَرَ أَنَّ مآبَ الْمؤمنينَ الْجَنَّةُ، وَمآبَ الْكَافِرِينَ النَّارُ، فَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: 7]،
وَ ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] وكَانَ الْمَعْنَى مَا كُتِبَ لِهَؤُلَاءِ وَلِهَؤُلَاءِ عَلِمْنَا أَنَّ السِّجِّينَ خِلَافُ الْعِلِّيِّينَ كَمَا أَنَّ الْفُجَّارَ خِلَافُ الْأَبْرَارِ، وَسَمَّى اللهُ جَلَّ ثَنَاءهٌ النَّارَ بالْهَاوِيَةِ وَوَصَفَ الْجَنَّةَ أَنَّهَا عَالِيَةٌ وجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رُوَحَ الْمُؤْمِنِ تَعْلَى بِهِ، وَرُوحَ الْكَافِرِ يهْوِي بِهِ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ: إِنَّ الْجَنَّةَ فِي الْأَرْضِ ثَبَتَ أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ، وَدُونَ الْعَرْشِ، واحْتَمَلُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: 11]، أَنَّهَا تُكْشَطُ عَمَّا وَرَاءَهَا مِنَ الْجِنَانِ فتَنْظُرُ آثَارَهَا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِزْلَافَهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: 90] " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
360 - وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حدثنا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ شَغَافٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: " وَإِنَّ أَكْرَمَ الْخَلَائِقِ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ النَّارَ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللهُ الْخَلَائِقَ أُمَّةً أُمَّةً، وَنَبِيًّا وَنَبِيًّا، ثُمَّ يُوضَعُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ فَيَقُومُ وَتَتْبَعُهُ أُمَّتُهُ بَرُّهَا، وَفَاجِرُهَا فَيَأْخُذُونَ الْجِسْرَ فَيَطْمِسُ اللهُ أَبْصَارَ أَعْدَائِهِ فَيَتَهَافَتُونَ فِيهَا مِنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، وَيَنْجُو النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّالِحُونَ مَعَهُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَثْبًا يُرُونَهُمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى يَمِينِكَ عَلَى يَسَارِكَ " ثُمَّ ذَكَرَ مُرُورَ كُلِّ نَبِيٍّ وَأُمَّتِهِ
قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَفِي وُرُودِ الْأَخْبَارِ بِذِكْرِ الصِّرَاطِ، وَهُوَ جِسْرُ جَهَنَّمَ بَيَانٌ أَنَّ الْجَنَّةَ فِي الْعُلُوِّ كَمَا أَنَّ جَهَنَّمَ فِي السُّفْلِ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجِ الصَّائِرُ إِلَيْهَا إِلَى جِسْرٍ "
قَالَ: وَرُوِي عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ عَلَى جَهَنَّمَ جِسْرًا أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ وأحد مِنَ السَّيْفِ أَعْلَاهُ نَحْوَ الْجَنَّةِ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ بِجَنْبَيْهِ كَلَالِيبُ، وَحَسَكُ النَّارِ يَحْبِسُ اللهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الزَّالُّونَ وَالزَّالَّاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَالْمَلَائِكَةُ بِجَانِبَيْهِ قِيَامٌ يُنَادُونَ اللهُمَّ سَلِّمْ، اللهُمَّ سَلِّمْ فَمَنْ جَاءَ بِالْحَقِّ جَازَ، وَيُعْطَوُنَ النُّورَ يَوْمَئِذٍ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْضِي عَلَيْهِ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْضِي عَلَيْهِ كَمَرِّ الرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورًا إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبُو حَبْوًا، وَتَأْخُذُ النَّارُ مِنْهُ بِذُنُوبٍ أَصَابَهَا، وَهِيَ تَحْرِقُ مَنْ يَشَاءُ اللهُ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ حَتَّى ينْجُوَ وَتَنْجُوَ أَوَّلَ أَوَّلَ زُمْرَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَأَضٍوَاءِ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ حَتَّى يَبْلُغُوا إِلَى الْجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا
361 - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ زَرْبِيٍّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ غَيْرَ أَنَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذِكْرِ الصِّرَاطِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْبَعْثِ " قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " قَوْلُهُ فِي الصِّرَاطِ أنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ مَعْنَاهُ، أَنَّ أَمْرَ الصِّرَاطِ، وَالْجَوَازِ عَلَيْهِ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ أَيْ يَكُونُ يُسْرُهُ وَعُسْرُهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي، وَلَا يَعْلَمُ حُدُودَ ذَلِكَ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِخَفَائِهَا وَغُمُوضِهَا وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِتَسْمِيَةِ الخامِضِ الْخَفِيِّ دَقِيقًا، وَضَرَبَ الْمَثَلَ لَهُ بِدِقَّةِ الشَّعْرَةِ، وَقَوْلُهُ: " إِنَّهُ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ " فَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ الدَّقِيقَ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فِي إِجَازَةِ النَّاسِ عَلَى الصِّرَاطِ يَكُونُ فِي نَفَاذِ حَدِّ السَّيْفِ وَمُضِيِّهِ اسراعا مِنْهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، وَامْتِثَالِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ مَرَدٌّ كَمَا أَنَّ السَّيْفَ إِذَا نَفِذ بِحَدِّهِ وَقُوَّةِ ضَارِبِهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَدٌّ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَهَذَا اللَّفْظُ مِنَ الْحَدِيثِ لَمْ أَجِدْهُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ "
وَرُوِيَ عَنْ زِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " الصِّرَاطُ كَحَدِّ الشَّفْرَةِ أَوْ كَحَدِّ السَّيْفِ " " وَهِيَ أَيْضًا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ،
وَرُوِيَ بَعْضُ مَعْنَاهُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا، وَجَاءَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ " وَرُوِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: " الصِّرَاطُ فِي سَوَاءِ جَهَنَّمَ مَدْحَضَةٌ مَزلة كَحَدِّ السَّيْفِ الْمُرْهَفِ " وَرُوِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ الصِّرَاطَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ الْجِسْرُ يَكُونُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ، وَعَلَى بَعْضِهِمْ مِثْلَ الدَّارِ وَالْوَادِي الْوَاسِعِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِشِدَّةِ مُرُورِهِ عَلَيْهِ وَسُقُوطِهِ عَنْهُ يُشْبِهُ بِذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ " وَأَمَّا مَا قِيلَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ مِنْ أَنَّ: " أَعْلَى الْجِسْرِ نَحْوَ الْجَنَّةِ " " فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ أَسْفَلُهُ نَحْوَ طَرَفِ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ لِمَا مَضَى بَيَانُهُ مِنْ أَنَّ جَهَنَّمَ سَافِلَةٌ، وَالْجَنَّةَ عَالِيَةٌ "
362 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ
بْنِ الْبَرَاءِ، حدثنا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: " إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ وَقَضَى اللهُ بَيْنَ أَهْلِ الدَّارَيْنِ أَمَرَ بِالْفَلَقِ فَيُكْشَفُ عَنْ سَقرَ وَهُوَ غِطَاؤُهَا فَتخْرُجُ مِنْهُ نَارٌ فَتَحْرِقُ نار جَهَنَّمَ، وَتَأْكُلُهَا كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ فِي الدُّنْيَا الْقُطْنَ الْمَنْدُوفَ، فَإِذَا وَصَلَتِ الْبَحْرَ الْمُطْبَقَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ وَهُوَ بَحْرُ الْبُحُورِ نَشَّفَتْهُ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ نشفًا فَيَنْضَبَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مَكَانَهُ مَاءٌ قَطُّ، وَهُوَحَاجِزٌ بَيْنَ جَهَنَّمَ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ فَإِذَا نَشِفَتْ مَاءُ ذَلِكَ الْبَحْرِ اشْتَعَلَتْ فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ فَتَدَعُهَا جَمْرَةً وَاحِدَةً " وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِيَهُودِيٍّ: " أَيْنَ جَهَنَّمُ؟ " قَالَ: تَحْتَ الْبَحْرِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: " صَدَقَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: 6] " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَيُحْتَمَلُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَعْنَى مَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ رُكُوبِ النَّاسِ الصِّرَاطَ "
ورُوِّينَا، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَتْ: فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " عَلَى الصِّرَاطِ " " ثُمَّ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَا يُجَاوِزُونَ عَلَى الصِّرَاطِ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْدِنِ النَّارِ، فَإِذْ خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ وَخَلصُوا عَلَى الصِّرَاطِ انْفَرَدَ الْكُفَّارُ بِمَوَاقِفِهِمْ، وَصَارَ مَوَاقِفُهُمْ مِنَ النَّارِ قَالَ غَيْرُهُمْ: إِنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الصِّرَاطَ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ فُرُوجًا فِي الْجسرِ كَأَبْوَابِ السُّطُوحِ فَهُمْ يُقْذَفُونَ مِنْهَا فِي جَهَنَّمَ لِيَكُونَ غَمُّهُمْ أَشَدَّ وَأَفْظَعَ،
وَإِلْقَاؤُهُمْ مِنَ الْجِسْرِ أَخْوَفُ وَأَهْوَلُ، وَفَرَحُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَلَاصِ أَكْثَرُ وَأعْظَمُ، وَلَعَلَّ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: 59] يَكُونُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8]، وَقَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: 24] كَالدَّلِيلِ عَلَى هَذَا لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي الشَّيْءِ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّرْحِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الْجِسْرَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَمْشُوا فِي نُورِهِمْ فَيُظْلِمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَيَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: 13] فَيَرْجِعُونَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قُسِمَ فِيهِ النُّورُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ فَلَا يَجِدُونَ شَيْئًا فَيَنْصَرِفُونَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُوَرٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ، أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ نُصَلِّي بِصَلَاتِكُمْ، وَنَغْزُو مَغَازِيَكُمْ قَالُوا: بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَيُحْتَمَلُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا السُّوَرَ إِنَّمَا يُضْرَبُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الصِّرَاطِ، وَيُتْرَكُ لَهُ بَابٌ يَخْلُصُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ هُوَ الرَّحْمَةُ الَّتِي فِي بَاطِنِهِ.
وَأَمَّا ظَاهِرَهُ فَإِنَّهُ يَلِي النَّارَ، وَإِنْ كَانَتِ النَّارَ سَافِلَةً عَنْهُ لَا مُحَاذِيَةً إِيَّاهُ، فإذا لَمْ يَجِدِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى بَاطِنِ السُّوَرِ سَبِيلًا فَلَيْسَ إِلَّا أَنْ يُقْذَفُوا مِنْ أَعْلَى الصِّرَاطِ
فيَهْوُونَ منه إِلَى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ هَذَا بِاسْتِهْزَائِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَمَا شَرَحْنَا فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ "
فَصْلٌ فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينُ، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72] اخْتَلَفَ أَهْلُ العلم بالتَّفْسِيرِ فِي مَعْنَى هَذَا الْورُودِ، فَذَهَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ إِلَى أَنَّ: " الْمُرَادَ بِهِ الدُّخُولُ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا، وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوَرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98]، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الدُّخُولُ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] وَالْمُرَادُ بِهِ الدُّخُولُ ". وَذَلِكَ حِينَ جَادَلَهُ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ قَالَ لِنَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ: " أَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَسَنَدْخُلُهَا فَانْظُرْ هَلْ نَخْرُجُ أَمْ لَا؟ "
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ، عَمَّنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: " هُمُ الْكُفَّارُ وَلَا يَرِدُهَا مُؤْمِنٌ " " وَهَذَا مُنْقَطِعٌ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ " وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ أَنَّهُ بَكَى وَبَكَتِ امْرَأَتُهُ لِبُكَائِهِ، وَقَالَ: " إِنِّي أَعْلَمُ أَنِّي وَارِدٌ النَّارَ، وَلَا أَدْرِي أَنَاجٍ مِنْهَا أَمْ لَا؟ "
وَرَوَى عَنِ السُّدِّيُّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ بِأَعْمَالِهِمْ " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: " يَدْخُلُونَهَا "، أَوْ قَالَ: " يَلِجُونَهَا ثُمَّ يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] قَالَ: " الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ فَتَمُرُّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى كَالْبَرْقِ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيحِ، وَالثَّالِثَةُ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعَةُ كَأَجْوَدِ الْإِبِلِ وَالْبَهَائِمِ يَمُرُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ " " وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْآثَارِ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ "
وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ " ثُمَّ قَرَأَ سُفْيَانُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حدثنا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: " فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ " " وَهَذَا يُؤَكِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْوُرُودِ الدُّخُولُ "
364 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ قَالَ: يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَبُو أَيُّوبَ الْوَاشِحِيُّ، حدثنا أَبُو صَالِحٍ غَالِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ الْبُرْسَانِيِّ، عَنْ أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ: اخْتَلَفْنَا فِي الْورُودِ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا، ثُمَّ يُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَيذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا، فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا، فَقُلْتُ: إِنَّا اخْتَلَفْنَا فَذَكَرَ اخْتِلَافَهُمْ قَالَ: فَأَهْوَى جَابِرٌ بِإِصْبَعِهِ إِلَى أُذُنِهِ فَقَالَ: صُمَّتْ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " الْورُودُ: الدُّخُولُ لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ - أَوْ قَالَ لِجَهَنَّمَ - ضجيجا مِنْ بَرْدِهِمْ، ثُمَّ يُنَجِّي الله الَّذِينَ اتَّقَوْا وَيذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ " ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ " وَشَاهِدُهُ في
الْحَدِيثُ الثَّابِتُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: خامِدَةً " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا أَرَادَ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فَيَقُولُ وُرُودُهَا، وَلَمْ يُصِبْهُمْ مِنْ حَرِّهَا شَيْءٌ إِلَّا لِيُبِرَّ اللهُ قَسَمَهُ "
365 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، حدثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: " لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا ". قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْتَهَرَهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72] " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَفَى عَنْ أَصْحَابِ
الشَّجَرَةِ دُخُولَ النَّارِ دُخُولَ الْبَقَاءِ فِيهَا، أَوْ دُخُولًا يَمَسُّهُمْ مِنْهَا أَذًى لَا أَصْلَ الدُّخُولِ أَلَا تَرَاهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا، وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 72]، وَقَدْ يَكُونُ الْمَحْفُوظُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ رِوَايَةَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ وُلُوجًا مِنْ غَيْرِ مس نَارٍ، وَإِصَابَةِ أَذًى " كَمَا رُوِّينَا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَهُو مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالُوا: يَا رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنَا أَنْ نَرِدَ النَّارَ؟ قَالَ: بَلَى مَرَرْتُمْ بِهَا وَهِيَ خامِدَةٌ " وَرُوِّينَا عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: " يَجْعَلُ اللهُ النَّارَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا جَعَلَهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ "
366 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو بَكْرٍأَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَزَّارُ، حدثنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ، حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ، حدثنا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قال " تُمْسِكُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَبْيَضَّ كَأَنَّهَا مَتْنُ إِهَالَةٍ، فَإِذَا اسْتَوَتْ عَلَيْهَا أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ نَادَى مُنَادٍ أَنْ خُذِي أَصْحَابَكِ، وَدَعِي أَصْحَابِي ". قَالَ: " فَلَهِيَ أَعْرَفُ بِهِمْ مِنَ الرَّجُلِ
بِوَلَدِهِ ". قَالَ: " فَيُخْسَفُ بِهِمْ، وَيَخْرُجُ الْمُؤْمِنُ مِنْهَا نَدِيَّةً ثِيَابُهُمْ " " كَذَا فِي الْكِتَابِ " قَالَ: قَالَ: "، وَلَمْ يَذْكُرْ قَائِلَهُ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِكَعْبِ الْأَحْبَارِ "
367 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنبأنا أَبُو الْحَسَنِ الْكَارِزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، حدثنا يَزِيدُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي الْعَوَّامِ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: " يُجَاءُ بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهَا مَتْنُ إِهَالَةٍ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ عَلَيْهَا أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ نَادَى مُنَادٍ خُذِي أَصْحَابَكِ، وَدَعِي أَصْحَابِي ". قَالَ: " فَيُخْسَفُ بِأُولَئِكَ " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " الْإِهَالَةُ: مَا أُذِيبَ مِنَ الْأَلْيَةَ وَالشَّحْمِ، وَمَتْنُ الْإِهَالَةِ: ظَهْرُهَا إِذَا سُكِّن الذَّائِبُ مِنْهَا فِي الْإِنَاءِ فَإِنَّمَا شَبَّهَ كَعْبٌ سُكُونَ جَهَنَّمَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْكَافِرُ فِي جَوْفِهَا بِذَلِكَ " وَمِمَّا يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ
قَالَ: أَبُو عُبَيْدٍ، حدثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حدثنا بَكَّارُ بْنُ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: " لَمَّا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالُوا: يَا رَبِّ أَلَمْ تَكُنْ وَعَدْتَنَا الْورُودَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنَّكُمْ مَرَرْتُمْ بِجَهَنَّمَ وَهِيَ جَامِدَةٌ " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: خَامِدَةٌ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " وَإِنَّمَا أَرَادَ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] فَيَقُولُ: وُرُودُهَا وَلَمْ يُصِبْهُمْ مِنْ حَرِّهَا شَيْءٌ إِلَّا لِيُبِرَّ اللهُ قَسَمَهُ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْورُودُ مِنْ وَرَاءِ الصِّرَاطِ " كَمَا: قَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ " وَسَمَّاهُ بِاسْمِ النَّارِ لِأَنَّهُ جِسْرُ جَهَنَّمَ، وَمِنْهُ يُلْقَى فِيهَا مَنْ يُلْقَى، وَمِنْهُ تَخْطَفُ الْكَلَالِيبُ مَنْ تَخْطَفُ وَعَلَيْهِ الْحَسَكُ وَأَلْوَانُ الْعَذَابِ مَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا يَعْنِي بِالْجَوَازِ عَنْهُ، وَيَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا أَيْ فِي جَهَنَّمَ جِثِيًّا عَلَى الرُّكَبِ بَعْدَمَا يُلْقِي فِيهَا مِنَ الصِّرَاطِ وَاللهُ أَعْلَمُ "
وَقَدْ رُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ قَالَ: " فَيُنْصَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمٍ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: " دَحْضٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ يَكُونُ، بنجد فِيهِ شَوْكٌ يُقَالُ لَهُ السَّعْدَانُ فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ , وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ " " وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي نُورُهُ