بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِبَارَتَانِ عَنْ دِينٍ وَاحِدٍ "
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البيهقي، أبو بكر
- الكتاب
- شعب الإيمان
- المؤلف
- أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدأشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند
- الناشر
- مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند
- الطبعة
- الأولى، 1423 هـ - 2003 م
- عدد الأجزاء
- 14 (13، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث]الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين: الموافق للمطبوع ط الرشد، وط العلمية تحقيق زغلول
وَهَذَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُسْلِمِ
الَّذِي لَطَمَ الْيَهُودِيَّ حِينَ قَالَ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ، فَإِنْه يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فيَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطُّورِ، أَمْ بُعِثهَ قَبْلِي " وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَنْ رُؤْيَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَدَّ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحَهُمْ فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ النَّفْخَةَ الْأُولَى صَعِقُوا فِيمَنْ صَعِقَ، ثُمَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْتًا فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ، إِلَّا فِي ذَهَابِ الِاسْتِشْعَارِ فَإِنْ كَانَ مُوسَى فيمَّنِ اسْتَثْنَى الله عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ [النمل: 87] فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ اسْتِشْعَارُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ " وَرُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: " هُمُ الشُّهَدَاءُ ثَنِيَّةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مُقَلَّدِي السُّيُوفِ حَوْلَ الْعَرْشِ "
وَرُوِي فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ: " وَمِنَ الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُصْعَقُوا؟ قَالَ: هُمْ شُهَدَاءُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ " " وَهَذَا لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَلَا يَمُوتُونَ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى فِيمَنْ يَمُوتُ مِنَ الْأَحْيَاءِ وَاللهُ أَعْلَمُ "
وَرُوِّينَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: " الَّذِينَ اسْتَثْنَى الله عَزَّ وَجَلَّ اثْنَا عَشَرَ: جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ، وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ " وَذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى اخْتِيَارِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: " إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَجْلِ الشُّهَدَاءِ، وَرَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَمَلَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ أَبُعِثَ قَبْلَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام تَخْصِيصًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا فُضِّلَ فِي الدُّنْيَا بِالتَّكْلِيمِ، أَوْ قُدِّمَ بَعْثُهُ عَلَى بَعْثِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمِ السَّلَامُ بِقَدْرِ صَعْقَتِهِ عِنْدَمَا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ إِلَى أَنْ أَفَاقَ لِيَكُونَ هَذَا جَزَاءً لَهُ بِهَا، وَلَيْسَ فِيهِ أَنْ يَمُوتَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، وَضَعُفَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ كُلِّهَا وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ مِنَ الصَّافِينَ الْمُسَبِّحِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْآيَةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْوِلْدَانِ وَالْحَوْرُ لِأَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ، وَالْآيَةُ فِي سُكَّانِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ " " ثُمَّ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ يُمِيتُ حَمَلَةَ الْعَرْشِ، وَيُمِيتُ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَمَلَكَ الْمَوْتِ، ثُمَّ يُنَادِي لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فَلَا يُجِبُهُ أَحَدٌ فَيَقُولُ هُوَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فِي إِسْنَادِه ضَعْفٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ والنشور.
وَأَمَّا الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ لِلْبَقَاءِ لَا لِلْفَنَاءِ، وَهِيَ دَارُ لَذَّةٍ وَسُرُورٍ، وَلَمْ يَأْتِنَا خَبَرٌ بِمَوْتِ مَنْ فِيهَا " فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ قَابِلٌ لِلْهَلَاكِ فَيَهْلِكُ إِنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ ذَلِكَ إِلَّا وَجْهَهُ أَيْ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّهُ قَدِيمٌ وَالْقَدِيمُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ وَمَا عَدَاهُ مُحْدَثٌ، وَالْمُحْدَثُ لا يَبْقَى إلا قَدْرُ مَا يُبْقِيَهُ مُحْدِثُهُ، فَإِذَا حُبِسَ الْبَقَاءُ عَنه فَنِيَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي خَبَرٍ أَنَّهُ يُهْلِكُ الْعَرْشَ وَيُفْنِيهِ فَلْتَكُنِ الْجَنَّةُ مِثْلَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَرُوِّينَا، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: " كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهَهُ " وَفِي رِوَايَةٍ: " إِلَّا مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ " " فَإِذَا مَاتَ الْأَحْيَاءُ كُلُّهُمْ، وَجَاءَ وَقْتُ النَّفْخَةِ الْأُخْرَى فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ وَهُوَ حَدِيثٌ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي إِسْنَادِه مَقَالٌ فَذَكَرَ قِصَّةً فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى وَمَا بَعْدَهَا " وَذَكَرَ مَوْتَ جِبْرِيلِ وَمِيكَائِيلَ، ثُمَّ مَوْتَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَمَوْتَ إِسْرَافِيلَ، ثُمَّ مَوْتَ مَلَكِ الْمَوْتِ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَاءٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ كَمَنِيِّ الرِّجَالِ، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَأْمُرُ الْأَجْسَادَ أَنْ تَنْبُتَ كَنَبَاتِ الطَّرَاثِيثِ، أَوْ كَنَبَاتِ الْبَقْلِ حَتَّى إِذَا تَكَامَلَتْ أَجْسَادُهُمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: لِيَحْيَى حَمَلَةُ الْعَرْشِ فَيَحْيَوْنَ، ثُمَّ يَقُولُ: لِيَحْيَى جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ أَظُنُّهُ، وَذَكَرَ مَعَهُمَا
غَيْرَهُمَا فَيَحْيَوْنَ فَيَأْمُرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِسْرَافِيلَ فَيَأْخُذُ الصُّورَ فَيَضَعُهُ عَلَى فِيهِ، ثُمَّ يَدْعُو اللهُ بِالْأَرْوِاحِ فَيُؤْتَى بِهَا تَتَوَهَّجُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ نُورًا، وَالْأُخْرَى ظُلْمَةً فَيُلْقِيهَا فِي الصُّورِ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ نَفْخَةَ الْبَعْثِ فَتَخْرُجُ الْأَرْوَاحُ كَأَنَّهَا النَّحْلُ قَدْ مَلَأَتْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيَقُولُ: اللهُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَيَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهِ فَتَدْخُلُ الْأَرْوَاحُ فِي الْخيَاشيمِ، ثُمَّ تَمْشِي فِي الْأَجْسَادِ مَشْيَ السُّمِّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا " "
347 - وَهَذَا فِيمَا قُرِئَ إِسْنَادُهُ عَلَى الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيَّ أَخْبَرَهُمْ، حدثنا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرُوِّينَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْقِيَامَةِ فَذَكَرَ فِيهِ صِفَةَ الصُّورِ وَعِظَمِهِ، وَعِظَمَ إِسْرَافِيلَ - ثُمَّ قَالَ: "
فَإِذَا بَلَغَ الْوَقْتُ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ أَمَرَ إِسْرَافِيلَ فَيَنْفُخُ فِي الصُّورِ النَّفْخَةَ الْأُولَى، فَتَهْبِطُ النَّفْخَةُ مِنَ الصُّورِ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَيُصْعَقُ سُكَّانُ السَّمَاوَاتِ بِحَذَافِيرِهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ النَّفْخَةُ إِلَى الْأَرْضِ فَيُصْعَقُ سُكَّانُ الْأَرْضِ بِحَذَافِيرِهَا، وَجَمِيعُ عَالَمِ اللهِ وَبَرِيَّتِهِ فِيهِنَّ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَالْهَوَامِّ وَالْأَنْعَامِ ". قَالَ: " وَفِي الصُّورِ مِنَ الْكُوَى عَدَدَ مَنْ يَذُوقُ الْمَوْتَ مِنْ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، فَإِذَا صَعِقُوا جَمِيعًا يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا إِسْرَافِيلُ مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيَ إِسْرَافِيلُ عَبْدُكَ الضَّعِيفُ، فَيَقُولُ: مُتْ يَا إِسْرَافِيلُ فَيَمُوتُ، ثُمَّ يَقُولُ الْجَبَّارُ تَعَالَى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فَلَا هَمِيسَ، وَلَا حَسِيسَ، فَلَا نَاطِقَ يَتَكَلَّمُ، وَلَا مُجِيبَ يَفْهَمُ، وَقَدْ مَاتَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَإِسْرَافِيلُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَيَرُدُّ الْجَبَّارُ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ حِينَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا، وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فتتِمُّ كَلِمَتُهُ بِإِنْفَاذِ قَضَائِهِ عَلَى أَهْلِ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88] فَأَمَّا إِسْرَافِيلُ فَيَمُوتُ ويَحْيَى فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَأَمَّا حَمَلَةُ الْعَرْشِ فَيَحْيَوْنَ فِي أَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ فَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى إِسْرَافِيلَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى بِأَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي التَّوْرَاةِ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ لَا يُدْرَ مَا هُوَ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ نَظَرَ اللهُ إِلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى أَهْلِ الْأَرَضِينَ فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي لَأُعِيدَنَّكُمْ كَمَا بَدَأْتُكُمْ وَلَأُحْيِيَنَّكُمْ كَمَا أَمَتُّكُمْ، ثُمَّ يَأْمُرُ إِسْرَافِيلَ فَيَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ، وَقَدْ جُمِعَتِ الْأَرْوَاحُ كُلُّهَا فِي الصُّورِ، فَإِذَا نَفَخَ خَرَجَ كُلُّ رُوحٍ مِنْ كُوَّةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ كُوَى الصُّورِ، فَإِذَا الْأَرْوَاحُ تَهُوشُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَيُنَادِي إِسْرَافِيلُ: يَا أَيَّتُهَا الْجُلُودُ الْمُتَمَزِّقَةُ، وَيَا أَيَّتُهَا الْأَعْضَاءُ الْمُتَهَشِّمَةُ، وَيَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، وَيَا أَيَّتُهَا الْأَجْسَادُ الْمُتَفَرِّقَةُ، وَيَا أَيَّتُهَا الْأَشْعَارُ الْمُتَمَرِّطَةُ قُومُوا إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ، وَالْعَرْضِ الْأَكْبَرِ فَيَدْخُلُ كُلُّ رُوحٍ فِي جَسَدِهِ قَالَ: وَتمْطِرُ السَّمَاءُ طَشًّا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ عَلَى جَمِيعِ
الْمَوْتَى فَيَحْيَوْنَ كَمَا تَحْيَى الْأَرْضُ الْمَيِّتَةُ بِوَابِلِ السَّمَاءِ فَيَبْعَثُ اللهُ الْأَجْسَادَ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ بَعْضُهَا من بُطُونِ السِّبَاعِ وَبَعْضُهَا مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَحيتَانِ الْبُحُورِ، وَبُطُونِ الْأَرْضِ، وَظُهُورِهَا فَيَدْخُلُ كُلُّ رُوحٍ فِي جَسَدِهِ، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ فَيَبْعَثُ اللهُ نَارًا مِنَ الْمَشَارِقِ فَتَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى الْمَغَارِبِ إِلَى أَرْضٍ تُسَمَّى السَّاهِرَةَ مِنْ وَرَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَرْضٌ طَاهِرَةٌ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا سَيِّئَةٌ وَلَا خَطِيئَةٌ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: 14] وقوله ﴿أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 4]، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 47]، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا الَّذِينَ كَانَتْ﴾ [الكهف: 99] الْآيَةَ "
348 - وَهَذَا فِيمَا أَخْبَرَنَاه أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مَنْصُورٍ
الْقَطَّانُ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ الْبَغْدَادِيُّ، حدثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ قُدَامَةَ النَّحْوِيُّ، حدثنا مُجَاشِعُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ، سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْقِيَامَةِ ومَا فِيهَا فَحَدَّثَهُ وَذَكَرَ مَا كَتَبْنَاهُ فِيهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ بِمُرَّةَ غَيْرَ أَنَّا قَدْ رُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ ". قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ أَبَيْتُ، قَالَ: " ثُمَّ يُنْزِلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ ". قَالَ: " وَلَيْسَ مِنَ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
349 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حدثنا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ , رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ الْأَعْمَشِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا، " يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِشُّ عَلَيْهِمْ " " وَرُوِّينَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى، ثُمَّ فِي إِرْسَالِ اللهِ مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مَنِيًّا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ حَتَّى تَنْبُتَ جُسْمَانُهُمْ وَلُحْمَانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، ثُمَّ قِيَامِ مَلَكِ الصُّورِ ونَفْخَهُ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَانْطِلَاقِ كُلِّ نَفْسٍ إِلَى جِسْمِهَا وَدُخُولِهَا فِيهِ، ثُمَّ قِيَامِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يُؤَكِّدُ جَمِيعَ مَا قُلْنَا وَاللهُ أَعْلَمُ "
350 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ مَحْبُوبٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ بِلَالٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَيَقُولُونَ﴾ [يس: 48]: " يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ ". ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يس: 48] " يَعْنِي يوم الْقِيَامَةِ ". يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ [يس: 49] " كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِذْ كَذَّبُوا ". ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 49] " لَا تُثَنَّى " ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصُّمُونَ﴾ [يس: 49] " يتكلَّمُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ يَتَبَايَعُونَ " ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [يس: 50] " لَا يَقْدِرُونَ "، ﴿تَوْصِيَةً﴾ [يس: 50] " كَلَامًا "، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 50] " فَيُخَيَّرُونَ الْكَلَامَ إِلَيْهِمْ "، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس: 51] " وَهِيَ النَّفْخَةُ الْآخِرَةُ " ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [يس: 51] " يَعْنِي الْقُبُورَ "، ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: 51] " يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ ". ﴿قَالُوا: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] " يَقُولُ: مِنْ مَنَامِنَا، يَقُولُ: هَذَا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إِذَا خَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا، وَذَلِكَ أَنْهُ يُرْفَعَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً نَسُوا الْعَذَابَ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ، وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 52] " يَعْنِي وَتَصْدِيقُ الْمُرْسَلِينَ الْبَعْثَ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 29] " نَفْخَةً وَاحِدَةً "، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 53] " الْحِسَابَ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
وَقَدْ رُوِّينَا، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أَحَدٍ مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ جُدِعَ وَمُثِّلَ بِهِ، فَقَالَ: " لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةَ تَرَكْتُهُ حَتَّى يَحْشُرَهُ اللهُ مِنْ بُطُونِ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ "
351 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، حدثنا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حدثنا رَوْحٌ، حدثنا أُسَامَةُ فَذَكَرَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "
لَوْلَا جَزْعُ النِّسَاءِ لَتَرَكْتُهُ يُحْشَرُ مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ وَبُطُونِ السِّبَاعِ، وَفِي هَذَا دَلالة عَلَى أَنَّ مَا أَكَلَهُ السَّبُعُ أَوِ الطَّيْرُ أَوْ حُوتُ المَاءِ حُشِرَ بِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ الَّتِى أُكِلَتْ مِنْهَا أَمَّا مَا أَكَلَهُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وصَارَ غِذَاءً لَهُ "، فَقَدْ زَعَمَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَنَّهُ لَا يُرَدُّ إِلَى أَصْلِهِ لَكِنَّ صَاحِبَهُ يُعَوَّضُ مِنْهُ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ قَدِ انْقَلَبَ مِنْ مُكَلَّفٍ إِلَى مُكَلَّفٍ وَرَدُّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِدْخَالِ جُزْءٍ مِنَ الْكَافِرِ الْجَنَّةَ، أَوْ جُزْءٍ مِنَ الْمُؤْمِنِ النَّارَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ فَيُعَادُ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ، فصل وَإِذَا أَحْيَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ كُلَّهُمْ قَامُوا عَجِلِينَ يَنْظُرُونَ مَا يُرَادُ بِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى، فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: 52]، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: 20]، فَتَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: 21] ثُمَّ يُومَرُ بِحَشْرِ النَّاسِ إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ، وَالْحِسَابُ وَهُوَ السَّاهِرَةُ فقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: 14] " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَرُوِّينَا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: " هَهُنَا السَّاهِرَةُ يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ "
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا مَا دَلَّ عَلَى: " أَنَّ الشَّامَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ " وَقَالَ الْفَرَّاءُ: " السَّاهِرَةُ وَجْهُ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّ فِيهِ الْحَيَوَانَ نَوْمَهُمْ وَسَهَرَهُمْ " وَرَوَى بِإِسْنَادِه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " السَّاهِرَةُ: الْأَرْضُ " قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَمَعْنَاهُ فَإِذَا هُمْ قَدْ صَارُوا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا فِي جَوْفِهَا، وَقِيلَ: السَّاهِرَةُ صَحْرَاءُ، قُرْبَ شَفِيرِ جَهَنَّمَ وَاللهُ أَعْلَمُ "
وَرُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ - وَفِي رِوَايَةٍ كْقُرْصَةِ النَّقِيِّ - لَيْسَ فِيهَا لِأَحَدٍ عَلَمٌ " "
وَالنَّقِيُّ: الْخُبْزُ الْحَوَارِيُّ، وَقَوْلُهُ: " لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ " يُرِيدُ: أَرْضًا مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيهَا حدْبٌ، وَلَا بِنَاءٌ، وَأَمَّا صِفَةُ الْحَشْرِ فَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86] " رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفْدًا﴾ [مريم: 85] " رُكْبَانًا "، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وِرْدًا﴾ [مريم: 86] " عِطَاشًا "
وَرُوِّينَا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " أَمَا وَاللهِ مَا يُحْشَرُ الْوَفْدُ عَلَى أَرْجُلِهِمْ، وَلَا يُسَاقُونَ سَوْقًا، وَلَكِنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ لَمْ يرَ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا عَلَيْهَا رِحَالُ الذَّهَبِ وَأَزِمَّتُهَا الزَّبَرْجَدُ فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَابَ الْجَنَّةِ "
352 - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حدثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَذَكَرَهُ
353 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حدثنا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، حدثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حدثنا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ أَسَدٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ وُهَيْبٍ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ " أَشَارَ إِلَى الْأَبْرَارِ، وَالْمُخَلَّطِينَ وَالْكُفَّارِ فَالْأَبْرَارُ الرَّاغِبُونُ إِلَى اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ ثَوَابٍ، وَالرَّاهِبِينَ الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ فَأَمَّا الْأَبْرَارُ: فَإِنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِالنَّجَائِبِ كَمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَأَمَّا الْمُخَلَّطُونُ فَهُمُ الَّذِينَ أُرِيدُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، أَنَّهُمْ يُحْمَلُونَ عَلَى الْأَبعِرَةِ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْ نَجَائِبِ الْجَنَّةِ لِأَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ حَتَّى يُعَاقَبَ بِهَا بَعْضَ الْعُقُوبَةِ، وَمَنْ أُكْرِمَ بِشَيْءٍ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ، لَمْ يُهَنْ بَعْدَهُ بِالنَّارِ "
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: رُكْبَانًا، وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِهِمْ ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَيَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: " الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ " " وَهَذَا الأصَحََّ فَكَأَنَّ بَعْضَ الْمُخَلَّطِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَكُونُ رَاكِبًا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَبَعْضُهُمْ يَكُونُ مَاشِيًا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ يَرْكَبُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وَيَمْشِي فِي بَعْضٍ، وَأَمَّا الْمُشَاةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ فَهُمُ الْكُفَّارُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَعْتَى مِنْ بَعْضٍ فَهَؤُلَاءِ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَالَّذِينَ هُمْ أَتْبَاعٌ يَمْشُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ فَإِذَا سِيقُوا مِنْ مَوْقِفِ الْحِسَابِ إِلَى جَهَنَّمَ سُحِبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 34]، وَيَكُونُونَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: 97]،
وَقَبْلَ ذَلِكَ يَكُونُوا كَامِلِي الْحَوَاسِّ وَالْجَوَارِحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: 45]، وَقَوْلُهُ: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: 103]، وَسَائِرُ مَا أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ وأَقْوَالِهِمْ وَنَظَرِهِمْ وَسَمْعِهِمْ، فَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ حَوَاسُّهُمْ لِيُشَاهِدُوا النَّارَ، وَمَا أُعِدَّ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ [الملك: 9] وَسَائِرُ مَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَنَظَرِهِمْ، فَإِذَا نُودُوا بِالْخُلُودِ سُلِبُوا أَسْمَاعَهُمْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 100] وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمْ يُسْلَبُونَ أَيْضًا الْكَلَامَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ﴾ "
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي النَّاسِ فَوَعَظَهُمْ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: 104] وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ؟ فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ، الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ " " وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَالَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، ثُمَّ يُكْرَمُ الْمُتَّقُونَ، وَمَنْ شَاءَ مِنَ الْمُخَلَّطِينَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكِسْوَةِ وَالرُّكُوبِ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ "
وَالَّذِي رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُبْعَثُ الْمَيِّتُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا " " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي أَعْمَالِهِ الَّتِي عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ: " يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ "، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُبْعَثَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا، ثُمَّ تَتَنَاثَرُ عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ يُحْشَرُ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ عَارِيًا، ثُمَّ يُكْسَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صِفَةِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم: 43]، وَقَوْلُهُ: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: 7] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ حَالُ مُضِيِّهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: 43]
وَإِنَّمَا هُوَ إِذَا طَالَ الْقِيَامُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَوْقِفِ فَيَصِيرُونَ من الْحِيرَةِ كَأَنَّهُمْ لَا قُلُوبَ لَهُمْ وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيَنْظُرُونَ النَّظَرَ الطَّوِيلَ الدَّائِمَ، وَلَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ كَأَنَّهُمْ قَدْ نَسُوا الْغَمْضَ أَوْ جَهِلُوهُ وَالنَّاسُ فِي الْقِيَامَةِ لَهُمْ أَحْوَالٌ وَمَوَاقِفُ وَاخْتَلَفَ الْأَخْبَارُ عَنْهُمْ لِاخْتِلَافِ مَوَاقِفِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ " وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101] فَقَدْ رُوِّينَا: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " هَذَا فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ إِذَا نُفِخَ فِي النَّفْخَةِ الْأُخْرَى قَامُوا فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ "
فَصْلٌ قَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86] يَقُولُ: " عِطَاشًا " " وَالْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَطَشَ يَعُمُّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا أَنَّ الْمُجْرِمِينَ لَا يَسْكُنُ عَطَشُهُمْ، وَلَكِنَّهُ يَزْدَادُ حَتَّى يُورَدُوا النَّارَ فَيَشْرَبُونَ الْحَمِيمَ شُرْبَ الْهِيمِ نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النار، وَأَمَّا الْمُتَّقُونَ وَمَنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الْمُخَلَّطِينَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُمْ يُسْقَونَ مِنْ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا صِفَةَ الْحَوْضِ، وَصِفَةَ مَائِهِ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ "
354 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ الْفَقِيهُ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حدثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حدثنا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، حدثنا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَطَشُ الْمُتَّقِينَ لِكَيْ إِذَا سُقُوا مِنْ حَوْضِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدُوا لَذَّةَ ذلك الْمَاءِ إِذْ الرَّيَّانُ، لَا يَسْتَلِذُّ الْمَاءَ كَمَا يَسْتَلِذُّهُ الْعَطْشَانُ، وَاللهُ أَعْلَمُ "
فَصْلٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ زِلْزَالِهَا وَتَبْدِيلِهَا وَهُوَ تَغْيِيرُ هَيْئَتِهَا وَمَدِّهَا، وَمَا يَكُونُ فِي الْجِبَالِ وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا، وَمَا يَكُونُ
فِي الْبِحَارِ وَتَفْجِيرِهَا وَتَسْجِيرِهَا، وَمَا يَكُونُ فِي السَّمَاءِ، وَتَشْقِيقِهَا وَطَيِّهَا، وَمَا يَكُونُ فِي الشَّمْسِ مِنْ تَكْويرِهَا، وَفِي الْقَمَرِ مِنْ خَسْفِهِ، وَمَا يَكُونُ فِي النُّجُومِ مِنَ انْكِدَارِهَا وَانْتِثَارِهَا، وَمَا يَكُونُ مِنْ شَغْلِ الْوَالِدَةِ عَنْ وَلَدِهَا وَوَضْعِ الْحَوَامِلِ مَا فِي بُطُونِهَا، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وَقْتِ هَذَا الْكَوَائِنِ فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، وَقَبْلَ الثَّانِيَةِ وَرُوِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّورِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَخُرُوجِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَوُقُوفِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْلَهَا يَنْظُرُونَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَرْعَبُ لِعَرْضِهِمْ، وَأَشَدُّ لِحَالِهِمْ وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ سِيَاقُ أَكْثَرِ الْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذِهِ الْكَوَائِنِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ فِي صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَحَدَ الْحَدِيثَيْنِ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ آخِرَهُ وَعَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يَدُلُّ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ فَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرُهُ فِي بَعْثِ النَّارِ "
355 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ الْعَدْلُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ بِالْكُوفَةِ قَالَا: حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَبْسِيُّ، أنبأ وَكِيعٌ، ح
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حدثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حدثنا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: قمْ يَا آدَمُ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، يا رب وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، قَالَ: فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الْمَوْلُودُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ " فَيَقُولُونَ: وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ مِنْ يَأْجُوجَ، وَمَأْجُوجَ وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ "، فَقَالَ النَّاسُ: اللهُ أَكْبَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرَ النَّاسُ "
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوِ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَفِي حَدِيثِهِ: "
أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ، وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ " " وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1] إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَا: مَعْنَى مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا قَالَ: " اعْمَلُوا وَأَبْشِرُوا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا مَعَ أَحَدٍ قَطُّ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ مَعَ مَنْ هَلَكَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَبَنِي إِبْلِيسَ " وَقَالُوا: وَمَنْ هُمَا؟ قَالَ: " يَأْجُوجُ، وَمَأْجُوجُ " "
وَرُوِّينَا، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: " عَلَى الصِّرَاطِ "
وَفِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةٌ قَالَ: " هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ " " وَالْجِسْرُ: هُوَ الصِّرَاطُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: 4] فَمَعْنَاهُ قَدْ أَلْقَتْ مَا فِيهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1] مَعْنَاهُ: وَقَدْ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَسيَاقُ الْآيَةِ يدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّوَرِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 13] فَمَعْنَاهُ النَّفْخَةُ الْآخِرَةُ وَاللهُ أَعْلَمُ "