شعب الإيمانصفحات 499-515

بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِبَارَتَانِ عَنْ دِينٍ وَاحِدٍ "

صفحات 499-515
عن هذه الطبعة
عَلَم
البيهقي، أبو بكر
الكتاب
شعب الإيمان
المؤلف
أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدأشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند
الناشر
مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء
14 (13، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث]الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين: الموافق للمطبوع ط الرشد، وط العلمية تحقيق زغلول

نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، نا أَبُو عُتْبَةَ، نا بَقِيَّةُ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ عَمَّتِي عَائِشَةَ، تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَّرَهُ أَعَانَهُ "

7018 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ

يُوسُفَ السُّوسِيُّ، قَالُوا: نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْخَشَّابُ، قَالَا: نا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا مِنْ وَالٍ يَلِي إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا، فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهَا فَقَدْ وُقِيَ، وَهُوَ مِنَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا " وَقِيلَ فِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ

7019 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُكْرَمٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ

سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ " وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ أَيْضًا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ السُّنَنِ، وَقِيلَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ

7020 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ، نا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا

هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، نا عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: " مَنْ جَلَسَ عَلَى الْوَسَائِدِ وَجَبَ عَلَيْهِ النَّصِيحَةُ "

7021 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أنا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، نا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ لِأَبِي حَازِمٍ: يَا أَبَا حَازِمٍ، مَا النَّجَاةُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: " يَسِيرٌ " قَالَ: مَا ذَاكَ قَالَ: " لَا تَأْخُذَنَّ شَيْئًا إِلَّا مِنْ حِلِّهِ، وَلَا تَضَعَنَّ شَيْئًا إِلَّا فِي حَقِّهِ " قَالَ: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا أَبَا حَازِمٍ؟ قَالَ: " مَنْ طَلَبَ الْجَنَّةَ وَهَرَبَ مِنَ النَّارِ "

7022 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ قَالَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ لِأَبِي حَازِمٍ: ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ، قَالَ: " هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، رَفَعْتُهَا إِلَى مَنْ لَا تُخْتَزَلُ الْحَوَائِجُ دُونَهُ، فَمَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَنَعْتُ، وَمَا زَوَى عَنِّي مِنْهَا رَضِيتُ " قَالَ: فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَقُلْتُ: " لَوْ كُنْتُ غَنِيًّا لَعَرَفْتَنِي ثُمَّ قُلْتُ: لَا تَنْجُو مِنِّي، فَقُلْتُ: كَانَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا مَضَى يَطْلُبُهُمُ السُّلْطَانُ وَهُمْ يَفِرُّونَ، أَمَّا الْعُلَمَاءُ الْيَوْمَ طَلَبُوا الْعِلْمَ حَتَّى إِذَا جَمَعُوهُ بِحَذَافِيرِهِ أَتَوْا بِهِ أَبْوَابَ السَّلَاطِينِ، وَالسَّلَاطِينُ يَفِرُّونَ مِنْهُمْ وَهُمْ يَطْلُبُونَهُمْ "

7023 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، نا أَبُو عَمْرٍو الْجَدَلِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا عَلِيُّ بْنُ عَثَّامٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زُفَرَ، قَالَ: خَرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلَكِ وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا قَضَيَا شَأْنَهُمَا مِنْ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ اطَّلَعَا عَلَى عَسْكَرِهِ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ فَقَالَ: يَا أَبَا حَفْصٍ مَا تَرَى؟ قَالَ: " أَرَى دُنْيَا يَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَنْتَ الْمَسْؤُولُ عَنْهُ " فَسَكَتَ عَنْهُ، ثُمَّ انْتَهَى إِلَى فُسْطَاطِهِ، فَطَارَ غُرَابٌ وَفِي مَخَالِبِهِ لُقْمَةٌ قَدْ حَمَلَهَا مِنْ فُسْطَاطِهِ فَتَغَيَّبَ قَالَ: مَا يَقُولُ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: " مَا أَدْرِي " قَالَ: ظُنَّ، قَالَ: " أُرَاهُ يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ وَأَيْنَ يُذْهَبَ بِهَا؟ " قَالَ: فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا أَعْجَبَكَ قَالَ: " أَعْجَبُ مِنِّي مَنْ عَرْفَ اللهَ فَعَصَاهُ، وَعَرَفَ الشَّيْطَانَ فَأَطَاعَهُ "، فَسَكَتَ

قِيَامُ الْأَوْزَاعِيِّ مَعَ الْمَنْصُورِ وَعِظَتُهُ إِيَّاهُ

7024 - حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَزِيدَ الْعَدْلُ الْآدَمِيُّ بِبَغْدَادَ - قَرَأْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ - أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ

عُبَيْدِ بْنِ نَاصِحٍ النَّحْوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقُرْقُسَائِيُّ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: " بَعَثَ إِلَيَّ الْمَنْصُورُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا بِالسَّاحِلِ، فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَيْهِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ فَرَدَّ عَلَيَّ وَأَجْلَسَنِي " ثُمَّ قَالَ: مَا الَّذِي بَطَّأَ بِكَ عَنَّا يَا أَوْزَاعِيُّ؟ قُلْتُ: " وَمَا الَّذِي تُرِيدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ " قَالَ: أُرِيدُ الْأَخْذَ عَنْكَ والِاقْتِبَاسَ مِنْكَ، قَالَ: " فَانْظُرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا تَجْهَلَ شَيْئًا مِمَّا أَقُولُ لَكَ " قَالَ: وَكَيْفَ أَجْهَلُهُ وَأَنَا أَسْأَلُكَ عَنْهُ وَقَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ وَأَقْدَمْتُكَ لَهُ؟ قُلْتُ: " أَنْ تَسْمَعَهُ وَلَا تَعْمَلَ بِهِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَرِهَ الْحَقَّ فَقَدْ كَرِهَ اللهَ، إِنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ " قَالَ: فَصَاحَ ابْنُ الرَّبِيعِ وَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى السَّيْفِ، فَانْتَهَرَهُ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ: هَذَا مَجْلِسُ مَثُوبَةٍ لَا مَجْلِسُ عُقُوبَةٍ، فَطَابَتْ نَفْسِي وَانْبَسَطْتُ فِي الْكَلَامِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ

حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ بِشْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّمَا عَبْدٍ أَتَاهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ اللهِ فِي دِينِهِ فَإِنَّمَا هِيَ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ سِيقَتْ إِلَيْهِ، فَإِنْ قَبِلَهَا بِشُكْرٍ وَإِلَّا كَانَتْ حُجَّةً مِنَ اللهِ لِيَزْدَادَ بِهَا إِثْمًا، وَيَزْدَادَ عَلَيْهِ سُخْطًا "

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ بِشْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّمَا وَالٍ بَاتَ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الَّذِي لَيَّنَ قُلُوبَ أَمَّتِكُمْ لَكُمْ حِينَ وَلَّوْكُمْ لِقَرَابَتِكُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ كَانَ بِهِمْ رَءُوفًا رَحِيمًا مُوَاسِيًا لَهُمْ بِنَفْسِهِ وَذَاتِ يَدِهِ، وَعِنْدَ النَّاسِ لَحَقِيقٌ أَنْ يَقُومَ لَهُ فِيهِمْ بِالْحَقِّ، وَأَنْ يَكُونَ بِالْقِسْطِ لَهُ فِيهِمْ قَائِمًا، وَلِعَوْرَاتِهِمْ سَاتِرًا، لَمْ يُغْلَقْ عَلَيْهِ دُونَهُمُ الْأَبْوَابُ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دُونَهُمُ الْحُجَّابُ، يَبْتَهِجُ بِالنِّعْمَةِ عِنْدَهُمْ، وَيَبْتَئِسُ بِمَا أَصَابَهُمْ مِنْ سُوءٍ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ كُنْتَ فِي شُغْلٍ شَاغِلٍ مِنْ خَاصَّةِ نَفْسِكَ عَنْ عَامَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ أَصْبَحْتَ تَمْلِكُهُمْ، أَحْمَرِهِمْ وَأَسْوَدِهِمْ، مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَكُلٌّ لَهُ عَلَيْكَ نَصِيبٌ مِنَ الْعَدْلِ، فَكَيْفَ بِكَ إِذَا اتَّبَعَكَ مِنْهُمْ فِئَامٌ وَرَاءَ فِئَامٍ، لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَشْكُو شَكْوَى، أَوْ بَلِيَّةً أَدْخَلَتْهَا عَلَيْهِ، أَوْ ظُلَامَةً سُقْتَهَا إِلَيْهِ "

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ، قَالَ: " كَانَتْ بَيْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ يَسْتَاكُ بِهَا، وَيُرَوِّعُ بِهَا الْمُنَافِقِينَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا هَذِهِ الْجَرِيدَةُ الَّتِي كَسَرْتَ بِهَا قُرُونَ أُمَّتِكَ، وَمَلَأَتَ بِهَا قُلُوبَهُمْ رُعْبًا؟ " " فَكَيْفَ بِمَنْ شَقَّقَ أَبْشَارَهُمْ، وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَخَرَّبَ دِيَارَهُمْ، وَأَجْلَاهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، وَغَيَّبَهُمُ الْخَوْفُ مِنْهُ؟ "

يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حَارِثَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، " أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا إِلَى الْقِصَاصِ مِنْ نَفْسِهِ فِي خَدْشَةٍ خَدَشَهَا أَعْرَابِيًّا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْكَ جَبَّارًا وَلَا مُتَكَبِّرًا، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَقَالَ: " اقْتَصَّ مِنِّي " فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: قَدْ أَحْلَلْتُكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ أَبَدًا وَلَوْ أَتَيْتَ عَلَى نَفْسِي، فَدَعَا اللهَ لَهُ بِخَيْرٍ " " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَوِّضْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، وَخُذْ لَهَا الْأَمَانَ مِنْ رَبِّكَ، وَارْغَبْ فِي جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ الَّتِي "

يَقُولُ فِيهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْمُلْكَ لَوْ بَقِيَ لِمَنْ كَانَ قَبْلَكَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ، وَكَذَلِكَ لَا يَبْقَى لَكَ كَمَا لَا يَبْقَى لِغَيْرِكَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَدْرِي مَا جَاءَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ جَدِّكَ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] قَالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، وَالْكَبِيَرَةُ الضَّحِكُ، فَكَيْفَ مَا عَمِلَتْهُ الْأَيْدِي وَأَحْصَتْهُ الْأَلْسُنُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ "

بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: " لَوْ مَاتَتْ سَخْلَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ ضَيْعَةً لَخِفْتُ أَنْ أُسْأَلَ عَنْهَا " " فَكَيْفَ بِمَنْ حُرِمَ عَدْلَكَ وَهُوَ عَلَى بِسَاطِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ تَدْرِي مَا جَاءَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ جَدِّكَ: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ " قَالَ: " يَا دَاوُدُ، إِذَا قَعَدَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْكَ فَكَانَ لَكَ فِي أَحَدِهِمَا هَوًى فَلَا تَتَمَنَّيَنَّ فِي نَفْسِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لَهُ فَيُفْلِحَ عَلَى صَاحِبِهِ فَأَمْحُوكَ عَنْ نُبُوَّتِي ثُمَّ لَا تَكُونَ خَلِيفَتِي وَلَا كَرَامَةَ، يَا دَاوُدُ إِنَّمَا جَعَلْتُ رُسُلِي إِلَى عِبَادِي رُعَاةً تَرْعَى الْإِبِلَ لِعِلْمِهِمْ بِالرِّعَايَةِ وَرِفْقِهِمْ بِالسِّيَاسَةِ، لِيَجْبُرُوا الْكَسْرَةَ، وَيَدُلُّوا الْهَزِيْلَ عَلَى الْكَلَأِ وَالْمَاءِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ قَدْ بُلِيتَ بِأَمْرٍ لَوْ عُرِضَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ لَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهُ وَأَشْفَقْنَ مِنْهُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ "

حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَرَآهُ بَعْدَ أَيَّامٍ

مُقِيمًا، فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى عَمَلِكَ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لَكَ مِثْلَ أَجْرِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا مِنْ وَالٍ يَلِي شَيْئًا مِنْ أُمُورِ النَّاسِ إِلَّا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِهِ، فَيُوقَفُ عَلَى جِسْرٍ مِنَ النَّارِ، يَنْتَفِضُ ذَلِكَ الْجِسْرُ انْتِفَاضَةً تُزِيلُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهُ عَنْ مَوْضِعِهِ ثُمَّ يُعَادُ فَيُحَاسَبُ فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَجَّاهُ إِحْسَانُهُ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا انْحَرَفَ بِهِ ذَلِكَ الْجِسْرُ فَهَوَى بِهِ فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا " قَالَ لَهُ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أَبِي ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا عُمَرُ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: نَعَمْ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاعُمَرَاهُ مَنْ يَتَوَلَّاهَا بِمَا فِيهَا؟ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: " مَنْ أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَهُ وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالْأَرْضِ " قَالَ: فَأَخَذَ الْمَنْدِيلَ فَوَضَعَهُ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ بَكَى وَانْتَحَبَ حَتَّى أَبْكَانِي

ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ سَأَلَ جَدُّكَ الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَارَةً عَلَى مَكَّةَ أَوِ الطَّائِفِ أَوِ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ النَّبِيِّ، نَفْسٌ تُنْجِيهَا خَيْرٌ مِنْ إِمَارَةٍ لَا تُحْصِيهَا " نَصِيحَةً مِنْهُ لِعَمِّهِ وَشَفَقَةً مِنْهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا، إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] فَقَالَ: " يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ النَّبِيِّ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ النَّبِيِّ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، إِنِّي لَسْتُ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلِكُمْ " وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: " لَا يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا حَصِيفُ الْعَقْلِ، أَرِبُ الْعُقْدَةِ، لَا يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى عَوْرَةٍ، وَلَا يُحْنَقُ عَلَى جَرَاءَةٍ، وَلَا يَأْخُذْهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ "

وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " السُّلْطَانُ أَرْبَعَةٌ: فَأَمِيرٌ قَوِيٌّ طَلَّقَ نَفْسَهُ وَعُمَّالُهُ فَذَلِكَ

كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَدُ اللهِ بَاسِطَةٌ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ، وَأَمِيرٌ طَلَّقَ نَفْسَهُ وَأَرْتَعَ عُمَّالُهُ لِضَعْفِهِ، فَهُوَ عَلَى شَفَا هَلَاكٍ، إِلَّا أَنْ يَتْرُكَهُمْ، وَأَمِيرٌ طَلَّقَ عُمَّالَهُ وَأَرْتَعَ نَفْسَهُ، فَذَلِكَ الْحُطَمَةُ "

الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " شَرُّ الرُّعَاةِ الْحُطَمَةُ فَهُوَ الْهَالِكُ وَحْدَهُ، وَأَمِيرٌ أَرْتَعَ نَفْسَهُ وَعُمَّالُهُ فَهَلَكُوا جَمِيعًا "

بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ " أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَيْتُكَ بِخَبَرٍ مِنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَفَاتِيحِ النَّارِ، فَوُضِعَتْ عَلَى النَّارِ تُسَعَّرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صِفْ لِيَ النَّارَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ بِهَا فَأَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اصْفَرَّتْ، ثُمَّ أَوَقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ، لَا يُطْفَأُ لَهَبُهَا وَلَا جَمْرُهَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ النَّارِ ظَهَرَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ لَمَاتُوا جَمِيعًا، وَلَوْ أَنَّ ذَنُوبًا مِنْ شَرَابِهَا صُبَّ فِي مِيَاهِ أَهْلِ الْأَرْضِ جَمِيعًا لَقُتِلَ مَنْ ذَاقَهُ، وَلَوْ أَنَّ ذِرَاعًا مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وُضِعَ عَلَى جِبَالِ الْأَرْضِ لَذَابَتْ وَمَا اشْتَعَلَتْ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أُدْخِلَ النَّارَ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا لَمَاتَ أَهْلُ الْأَرْضِ مِنْ نَتَنِ رِيحِهِ وَتَشْوِيهِ خَلْقِهِ وَعَظْمِهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَكَى جِبْرِيلُ لِبُكَائِهِ فَقَالَ: بَلَى يَا مُحَمَّدُ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ وَلِمَ بَكَيْتَ يَا جِبْرِيلُ وَأَنْتَ الرُّوحُ الْأَمِينُ، أَمِينُ اللهِ عَلَى وَحْيِهِ؟ " فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُبْتَلَى بِمِثْلِ مَا ابْتُلِيَ بِهِ هَارُوتُ، وَمَارُوتُ، فَهُوَ الَّذِي مَنَعَنِي مِنَ اتِّكَالِي عَلَى مَنْزِلَتِي عِنْدَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَأَكُونُ قَدْ أَمِنْتُ مَكْرَهُ، فَلَمْ يَزَالَا يَبْكِيَانِ حَتَّى نُودِيَ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ يَا جِبْرِيلُ وَيَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَّنَكُمَا أَنْ تَعْصِيَاهُ فَيُعَذِّبَكُمَا "

وَقَدْ بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: " اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُبَالِي إِذَا قَعَدَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى مَنْ حَالَ الْحَقُّ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ فَلَا تُمْهِلْنِي طَرْفَةَ عَيْنٍ " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَشَدَّ الشِّدَّةِ الْقِيَامُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّ أَكْرَمَ الْكَرَمِ عِنْدَ اللهِ التَّقْوَى، وَإِنَّ مَنْ طَلَبَ الْعِزَّ بِطَاعَةِ اللهِ رَفَعَهُ وَأَعَزَّهُ، وَمَنْ طَلَبَهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ أَذَلَّهُ اللهُ وَوَضَعَهُ، فَهَذِهِ نَصِيحَتِي وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ، ثُمَّ نَهَضْتُ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقُلْتُ: إِلَى الْبَلَدِ وَالْوَطَنِ بِإِذْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: " قَدْ أَذِنْتُ لَكَ، وَشَكَرْتُ لَكَ نَصِيحَتَكَ وَقَبِلْتُهَا بِقَوْلِهَا، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُوَفَّقُ لِلْخَيْرِ وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ، وَبِهِ أَسْتَعِينُ

وَعَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَلَا تُخْلِنِي مِنْ مُطَالَعَتِكَ إِيَّايَ بِمِثْلِهَا، فَإِنَّكَ الْمَقْبُولُ الْقَوْلِ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ فِي نَصِيحَتِهِ، قُلْتُ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ: فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى خُرُوجِهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَقَالَ: أَنَا فِي غِنًى عَنْهُ، وَمَا كُنْتُ أَبِيعُ نَصِيحَتِي بِعَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا كُلِّهَا، وَعَرَفَ الْمَنْصُورُ مَذْهَبَهُ فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ "، قَالَ الْحَاكِمُ: " هَذَا حَدِيثٌ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَاصِحٍ الْأَدِيبُ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي أَصْحَابِ الْأَصْمَعِيِّ، يُلَقَّبُ بِأَبِي حَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ صَاعِدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ "

7025 - حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُكْرَمِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْعِزُّ الْبُخَارِيُّ - قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًّا - نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَصْرٍ الْأَزْدِيُّ الشَّافِعِيُّ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي الْحُسَيْنِ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ النَّيْسَابُورِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ الْمُنْذِرِ يَذْكُرُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: " سَأَلْتُ أَوْلَادَ بَنِي أُمَيَّةَ: مَا

سَبَبُ زَوَالِ دَوْلَتِكُمْ؟ قَالُوا: خِصَالٌ أَرْبَعٌ أَوَّلُهَا: أَنَّ وُزَرَاءَنَا كَتَمُوا عَنَّا مَا يَجِبُ إِظْهَارُهُ لَنَا، وَالثَّانِي: أَنَّ جُبَاةَ خَرَاجِنَا ظَلَمُوا النَّاسَ فَارْتَحِلُوا عَنْ أَوْطَانِهِمْ فَخَرِبَتْ بُيُوتُ أَمْوَالِنَا، وَالثَّالِثَةُ: انْقَطَعَتِ الْأَرْزَاقُ عَنِ الْجُنْدِ فَتَرَكُوا طَاعَتَنَا، وَالرَّابِعَةُ: يَئِسُوا مِنْ إِنْصَافِنَا فَاسْتَراحُوا إِلَى غَيْرِنَا، فَلِذَلِكَ زَالَتْ دَوْلَتُنَا "

7026 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالُوا: نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْأَنْبَارِيُّ الْعَابِدُ قَالَ: سَمِعْتُ فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ، يَقُولُ: لَمَّا قَدِمَ الرَّشِيدُ بَعَثَ إِلَيَّ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي دُخُولِهِ عَلَيْهِ وَقَوْلِهِ: عِظْنَا بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمٍ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: " يَا حَسَنَ الْوَجْهِ، حِسَابُ هَذَا الْخَلْقِ كُلِّهِمْ عَلَيْكَ " قَالَ: فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَشْهَقُ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَيْهِ: " يَا حَسَنَ الْوَجْهِ، حِسَابُ هَذَا الْخَلْقِ كُلِّهِمْ عَلَيْكَ " قَالَ: فَأَخَذَنِي الْخَدَمُ فَحَمَلُونِي وَأَخْرَجُونِي مِنَ الْحُجَرِ وَقَالُوا: يَا هَذَا اذْهَبْ بِسَلَامٍ

7027 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، نا أَبُو عُثْمَانَ الْحَنَّاطُ، نا ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَنْطَاكِيُّ قَالَ: قَالَ هَارُونُ الرَّشِيدُ لِسُفْيَانَ: أُحِبُّ أَنْ أَرَى الْفُضَيْلَ، فَقَالَ لَهُ: أَذْهَبُ بِكَ إِلَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ سُفْيَانُ عَلَى فُضَيْلٍ، فَقَالَ لَهُ: " مَنْ هَذَا؟ " قَالَ: قُولُوا لَهُ: هَذَا سُفْيَانُ، فَقَالَ: " قُولُوا لَهُ: يَدْخُلُ "، فَقَالَ: وَمَنْ مَعِي؟ قَالَ: " وَمَنْ مَعَكَ " فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ سُفْيَانُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: " وَإِنَّكَ لَهُوَ يَا جَمِيلَ الْوَجْهِ، أَنْتَ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ أَحَدٌ غَيْرَكَ؟ أَنْتَ الَّذِي يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلُّ إِنْسَانٍ عَنْ نَفْسِهِ وَتُسْأَلُ أَنْتَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ " قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ

7028 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ، نا النُّعْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ نُعَيْمٍ الْوَاسِطِيُّ، قَاضِي تُسْتُرَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَزْدِيُّ الْمَعْرُوفُ، نا ابْنُ السِّمْسَارِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ، نا الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا لَيْلَةٌ نَائِمٌ بِمَكَّةَ إِذْ سَمِعْتُ قَرْعَ الْبَابِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَخَرَجْتُ مُسْرِعًا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟ فَقَالَ: حَلَّ فِي نَفْسِي شَيْءٌ فَانْظُرْ لِي رَجُلًا أَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: هَاهُنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: فَامْضِ بِنَا إِلَيْهِ، فَأَتَيْنَاهُ فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَخَرَجَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ أَتَيْتُكَ، فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ رَحِمَكَ اللهُ، فَحَادَثَهُ سَاعَةً، فَقَالَ لَهُ: أَعَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: يَا عَبَّاسُ، اقْضِ دَيْنَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عَبَّاسُ مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا، فَانْظُرْ لِي رَجُلًا أَسْأَلُهُ، فَقُلْتُ: هَهُنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ، فَأَتَيْنَاهُ فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ أَتَيْتُكَ، فَقَالَ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ رَحِمَكَ اللهُ، فَحَادَثَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَعَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا عَبَّاسُ اقْضِ دَيْنَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ، إِلَيَّ فَقَالَ: مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا، فَانْظُرْ لِي رَجُلًا أَسْأَلُهُ، فَقُلْتُ: هَهُنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَتْلُو آيَةً مِنْ

كِتَابِ اللهِ وَيُرَدِّدُهَا، وَكَانَ هَارُونُ رَجُلًا رَقِيقًا فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَعِ الْبَابَ فَقَرَعْتُهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: مَا لِي وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ، أَوَمَا عَلَيْكَ طَاعَةٌ؟ أَوَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ؟ " قَالَ: فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى الْغُرْفَةِ وَأَطْفَأَ السِّرَاجَ، وَالْتَجَأَ إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْغُرْفَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، فَجَعَلْنَا نَجُولُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا، فَسَبَقَتْ كَفُّ هَارُونَ كَفِّي إِلَيْهِ، فَقَالَ: " أَوَّهْ مِنْ كَفٍّ مَا أَلْيَنَهَا إِنْ نَجَتْ مِنْ عَذَابِ اللهِ "، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَتُكَلِّمَنَّهُ اللَّيْلَةَ بِكَلَامٍ نَقِيٍّ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ رَحِمَكَ اللهُ، فَقَالَ لَهُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلَغَنِي أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَكَا إِلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: يَا أَخِي، اذْكُرْ طُولَ سَهِرِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مَعَ خُلُودِ الْأَبَدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَطْرُقُ بِكَ إِلَى الرَّبِّ - نَائِمًا وَيَقْظَانًا - وَإِيَّاكَ أَنْ يُنْصَرَفَ بِكَ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ بِكَ، وَمُنْقَطَعَ الرَّجَاءِ "، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طُوَى الْبِلَادَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: خَلَعْتَ قَلْبِي بِكِتَابِكَ، لَا وَلِيتُ وِلَايَةً حَتَّى أَلْقَى اللهَ، قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللهُ، فَقَالَ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِي الْخِلَافَةَ دَعَا سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي بُلِيتُ الْبَلَاءَ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ، فَعَدَّ الْخِلَافَةَ بَلَاءً وَعَدَدْتَهَا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ نِعْمَةً "، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: " إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللهِ فَلْيَكُنْ كَبِيرُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَكَ أَبًا، وَأَوْسَطَهُمْ عِنْدَكَ أَخًا، وَأَصْغَرُهُمْ عِنْدَكَ وَلَدًا، فَوَقِّرْ أَبَاكَ، وَأَكْرِمْ أَخَاكَ، وَتَحَنَّنْ عَلَى وَلَدِكَ "، وَقَالَ لَهُ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: " إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللهِ فَصُمِ الدُّنْيَا وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ مِنْهَا الْمَوْتَ "، وَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: " إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللهِ فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، واكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَإِنِّي لَأَقُولُ لَكَ هَذَا وَإِنِّي لَأَخَافُ عَلَيْكَ أَشَدَّ الْخَوْفِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، فَهَلْ مَعَكَ رَحِمَكَ اللهُ مَنْ يَأْمُرُكَ بِمِثْلِ هَذَا؟ " فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: ارْفُقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أُمِّ الرَّبِيعِ، تَقْتُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، وَأَرْفُقُ بِهِ أَنَا؟ ثُمَّ إِنَّهُ أَفَاقَ فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللهُ، فَقَالَ لَهُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَا حَسَنَ الْوَجْهِ أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُهُ اللهُ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِي هَذَا الْوَجْهَ مِنَ النَّارِ فَافْعَلْ "، فَقَالَ لَهُ هَارُونُ الرَّشِيدُ: عَلَيْكَ دَيْنٌ؟

قَالَ: " نَعَمْ، دَيْنٌ لِرَبِّي لَمْ يُحَاسِبْنِي عَلَيْهِ، فَالْوَيْلُ لِي إِنْ نَاقَشَنِي، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ لَمْ أُلْهَمْ حُجَّتِي "، فَقَالَ: إِنَّمَا أَعْنِي دَيْنَ الْعِيَالِ، فَقَالَ: " إِنَّ رَبِّي لَمْ يَأْمُرْنِي بِهَذَا، أَمَرَنِي أَنْ أُصَدِّقَ وَعْدَهُ، وَأَنْ أُطِيعَ أَمْرَهُ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: 57] " فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ فَخُذْهَا وَأَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسِكَ وتَقَوَّ بِهَا عَلَى عِبَادَةِ رَبِّكَ، فَقَالَ: " سُبْحَانَ اللهِ، أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى النَّجَاةِ وَأَنْتَ تُكَافِئُنِي بِمِثْلِ هَذَا؟ سَلَّمَكَ اللهُ وَوَفَّقَكَ "، قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلَى الْبَابِ إِذْ بِامْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، قَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْحَالِ، فَلَوْ قَبِلْتَ هَذَا الْمَالَ وَفَرَّحْتَنَا بِهِ؟ فَقَالَ لَهَا: " مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ كَانَ لَهُمْ بَعِيرٌ يَسْتَقُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كِبَرَ نَحَرُوهُ وَأَكَلُوا لَحْمَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ: يَرْجِعُ فَعَسَى أَنْ يَقْبَلَ هَذَا الْمَالَ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ الْفُضَيْلُ خَرَجَ إِلَى تُرَابٍ فِي السَّطْحِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَجَاءَ هَارُونُ إِلَى جَنْبِهِ فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ وَلَا يُجِيبُهُ بِشَيْءٍ، وَيُكَلِّمُهُ فَلَا يُجِيبُهُ بِشَيْءٍ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا، فَقَالَتْ: قَدْ آذَيْتُمُ الشَّيْخَ مِنَ اللَّيْلَةِ، انْصَرِفُوا رَحِمَكُمُ اللهُ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبَّاسُ إِذَا دَلَلْتَنِي عَلَى رَجُلٍ فَدُلَّنِي عَلَى مِثْلِ هَذَا، فَهَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: وَقَالَ الْفُضَيْلُ: " تَقْرَأُ فِي وِتْرِكَ الْخَلْعَ، وَتَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ ثُمَّ تَغْدُو إِلَى الْفَاجِرِ فَتُعَامِلَهُ " قَالَ: وَقَالَ الْفُضَيْلُ: " لَا تَنْظُرْ إِلَيْهِمْ مِنْ طَرِيقِ الْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنِ انْظُرْ مِنْ طَرِيقِ الرَّحْمَةِ " يَعْنِي السُّلْطَانَ

7029 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، نا

أَبُو عُثْمَانَ الْحَنَّاطُ، نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عِصْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَ سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: بَعَثَ إِلَيَّ هَارُونُ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ إِلَى بَابِ الْقَصْرِ أَخَذَنِي حَارِسَانِ، فَأَسْرَعَا بِي إِلَى الْقَصْرِ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى صَحْنِ الْقَصْرِ لَقِيَنِي خُصْيَانِ ضَخْمَانِ، فَأَخَذَانِي مِنَ الْحَارِسَيْنِ فَأَسْرَعَا بِي إِلَى قَاعَةِ الْقَصْرِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَابِ الْبَهْوِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمَا هَارُونُ: ارْفُقَا بِالشَّيْخِ، فَلَمَّا وَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا مَرَّ بِي يَوْمٌ مُنْذُ وَلَدَتْنِي أُمِّي أَنَا فِيهِ أَتْعَبُ مِنْ يَوْمِي هَذَا، فَاتَّقِ اللهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّ لَكَ مَقَامًا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى أَنْتَ فِيهِ أَذَلُّ مِنْ مَقَامِي هَذَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَاتَّقِ اللهَ فِي خَلْقِهِ، وَاحْفَظْ مُحَمَّدًا فِي أُمَّتِهِ، وانْصَحْ نَفْسَكَ فِي رَعِيَّتِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ آخِذٌ سَطَوَاتِهِ وَانْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ مَعَاصِيهِ " قَالَ: فَاضْطَرَبَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى وَقَعَ عَلَى مُصَلًّى بَيْنَ يَدَيْ فِرَاشِهِ، فَقُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا أَوَّلُ الصِّفَةِ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتَ ذُلَّ الْمُعَايَنَةِ؟ " قَالَ: فَكَادَتْ نَفْسُهُ تَخْرُجُ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ لِلْخُصْيَيْنِ: أَخْرِجُوهُ فَقَدْ أَبْكَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ سُفْيَانُ رَحِمَهُ اللهُ: لَقَدْ أَبْلَغَ

7030 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخَسْرَوَجَرْدِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ الْكَرِيمِ الْبَزَّازُ الْبَغْدَادِيُّ، نا عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبِيقٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الضُّرَيْسِ، قَالَ: دَخَلَ ابْنُ السَّمَّاكِ عَلَى هَارُونَ يَعْنِي الرَّشِيدَ، فَقَالَ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا فَوْقَكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَطْوَعَ مِنْكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "

7031 - وَبِإِسْنَادِهِ نا عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبِيقٍ، نا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: دَخَلُ ابْنُ السَّمَّاكِ عَلَى هَارُونَ فَقَالَ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَوَاضُعُكَ فِي شَرَفِكَ أَشْرَفُ مِنْ شَرَفِكَ "

7032 - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الشَّافِعِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فَاتِكٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ صَالِحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُسَيَّبَ بْنَ سَعِيدٍ دَخَلْتُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ فَقَالَ: عِظْنِي، فَقُلْتُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَرْضَ لَكَ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدًا فَوْقَكَ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ أَطْوَعَ لَهُ مِنْكَ " قَالَ: لَقَدْ بَالَغْتَ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَإِنْ قَصَرْتَ فِي الْكَلَامِ

جارٍ التحميل