شعب الإيمانصفحات 463-491

بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِبَارَتَانِ عَنْ دِينٍ وَاحِدٍ "

صفحات 463-491
عن هذه الطبعة
عَلَم
البيهقي، أبو بكر
الكتاب
شعب الإيمان
المؤلف
أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدأشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند
الناشر
مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء
14 (13، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث]الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين: الموافق للمطبوع ط الرشد، وط العلمية تحقيق زغلول

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللهِ، وَالتَّرْهِيبِ عَنِ ارْتِكَابِهَا، فَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ "

فَصْلٌ فِي أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إِذَا وَافَوُا الْقِيَامَةَ بِلَا تَوْبَةٍ قَدَّمُوهَا " قَالَ أَصْحَابُنَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى جَدُّهُ، فَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمْ مُبْتَدِيًا، وَإِنْ شَاءَ شَفَّعَ فِيهِمْ نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ أَمَرَ بِإِدْخَالِهِمُ النَّارَ فَكَانُوا مُعَذَّبِينَ مُدَّةً، ثُمَّ أَمَرَ

بِإِخْرِاجِهِمْ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ إِمَّا بِشَفَاعَةٍ، وَإِمَّا بِغَيْرِ شَفَاعَةٍ، وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ إِلَّا الْكُفَّارُ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً، وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: 81] الآية وَأَخْبَرَ أَنَّ التَّخْلِيدَ فِي النَّارِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَالْمُؤْمِنُ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ، أَوِ الْكَبَائِرِ لَمْ تَحُطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ لِأَنَّ رَأْسَ الْخَطَايَا هُوَ الْكُفْرُ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مِنْهُ فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 82] فَوُعِدَ الْجَنَّةَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ أَصْلِ الْإِيمَانِ، وَفُرُوعِهِ، وَصَاحِبُ الْكَبِيرَةِ أَوِ الْكَبَائِرِ تَارِكُ الصَّالِحَاتِ فَصَحَّ أَنَّ وَعْدَ الْجَنَّةِ لَيْسَ لَهُ قِيلَ لَهُ: الْمُتَعَاطِي لَهَا إِذَا تَابَ مِنْهَا وَوَافَى الْقِيَامَةَ تَائِبًا تَارِكًا لِلصَّالِحَاتِ غَيْرَ جَامِعٍ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَفُرُوعِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَتَوْبَتُهُ ما تَقُومُ مَقَامَ مَا تَرَكَ مِنَ الصَّالِحَاتِ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ نَازِعًا، عَنِ الشَّرِّ أَبَدًا، فَإِذَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَقْتًا، ثُمَّ نَزَعَ عَنْهُ وَقْتًا كَانَ بِذَلِكَ للْفَرْضِ مُبعَّضًا وَبَعْضُ الْفَرْضِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ جَمِيعِهِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَمُنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى التَّائِبِ فَيُكَفِّرُ بِتَوْبَتِهِ خَطَايَاهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْمُصِرِّ فَيُكَفِّرُ بِإِيمَانِهِ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ خَطَايَاهُ، وَيُكَفِّرُ بِصَلَوَاتِهِ وَمَا يَأْتِي بِهِ الْحَسَنَاتِ مَا فَرَّطَ مِنْهُ مُدَّةً مِنْ سَيِّئَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] ذَلِكَ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي أَنَّ التَّائِبَ مَغْفُورٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ، وَالْمُصِرَّ قَدْ يُعَذَّبُ بِذَنْبِهِ مُدَّةً، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِأَنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ بِذَلِكَ وَرَدَ، وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَضَ فِي خَبَرِ اللهِ خُلْفٌ، وَبِذَلِكَ وَرَدَتِ السُّنَّةُ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

291 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ، حدثنا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ الْمَكِّيُّ، حدثنا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ: " تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا - يَعْنِي الْآيَةَ كُلَّهَا - فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " قَوْلُهُ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ أَرَادَ كَمَا فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا يَسْرِقْنَ، وَلَا يَزْنِينَ، وَلَا يُقْتَلْنَ أَوْلَادَهُنَّ، وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ، وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12]، وَقَوْلُهُ: " مَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ " أَرَادَ بِهِ مَا خَلَا الشِّرْكَ كَمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: " فَعُوقِبَ بِهِ " مَا خَلَا الشِّرْكَ فَجَعَلَ الْحَدَّ كَفَّارَةً، لِمَا أَصَابَ مِنَ الذَّنْبِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَجَعَلَ مَا لَمْ يُحَدُّ فِيهِ مَوْكُولًا إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، ثُمَّ التَّعْذِيبِ لَا يَكُونُ مُؤَبَّدًا بدَلِيلِ أَخْبَارِ الشَّفَاعَةِ، وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ قِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ يَغْفِرُ الصَّغَائِرَ لِمُجْتَنِبِ الْكَبَائِرِ، وَلَا يَغْفِرُهَا لِمَنْ لَا يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ كَمَا قَالَ: فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31] قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكَبَائِرِ الَّتِي شَرَطَ فِي الْمَغْفِرَةِ اجْتِنَابَهَا هِيَ الشِّرْكُ فَهِيَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُطْلَقَةٌ، وَتَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ بِهَا مُطْلَقَةٌ، وَهُمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ جميعا مُقَيَّدَتَانِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَحَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَوَعَّدَ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ بِالنَّارِ وَالْخُلُودِ فِيهَا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ إِلَّا التَّائِبِينَ

فَقَالَ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: 68] إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: 60] قِيلَ هَذَا الْوَعِيدُ يَنْصَرِفُ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ افْتَتَحَ هَذِهِ الْآيَةَ بِذِكْرِ الشِّرْكِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] فَانْصَرَفَ قَوْلُهُ، وَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْكَبَائِرِ استوجب هَذَا الْوَعِيدُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ قَالَ: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: 69] وَإِنَّمَا أَرَادَ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الشِّرْكِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْكَبَائِرِ جَمَعَ عَلَيْهِ مَعَ عَذَابِ الشِّرْكِ عَذَابَ الْكَبَائِرِ فَيَصِيرُ الْعَذَابُ مُضَاعَفًا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: 70] فَذَكَرَ فِي التَّوْبَةِ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَذَلِكَ لِيُحْبِطَ الْإِيمَانُ كُفْرَهُ، وَيُحْبِطُ إِصْلَاحَهُ فِي الْإِيمَانِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِفْسَادِهِ فِي الْكُفْرِ كَمَا رُوِّينَا فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قِيلَ: وَقَدْ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93] قِيلَ: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ قَتَلَ وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّ هذه الْآيَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى سَبَبِهَا "

292 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ مَحْبُوبٍ الدَّهَّانُ، حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ بِلَالٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنِي الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ وَجَدَ أَخَاهُ هِشَامَ

بْنَ صُبَابَةَ مَقْتُولًا فِي بَنِي النَّجَّارِ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ، وَقَالَ لَهُ:" ايتِ بَنِي النَّجَّارِ فَأَقْرِئْهُمْ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ قَاتِلَ هِشَامٍ أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهُ قَاتِلًا أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ دِيَتَهُ"، فَأَبْلَغَهُمْ الْفِهْرِيُّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِ اللهِ وَاللهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا، وَلَكِنَّا نُؤَدِّي إِلَيْهِ دِيَتَهُ قَالَ: فَأَعْطَوْهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ انْصَرَفَا رَاجِعِينَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ قَرِيبٌ، فَأَتَى الشَّيْطَانُ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ صَنَعْتَ؟ تَقْبَلُ دِيَةَ أَخِيكَ فَيَكُونُ عَلَيْكَ سُبَّةً، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَيَكُونُ نَفْسٌ مَكَانَ نَفْسٍ، وَفَضْلٌ بِالدِّيَةِ قَالَ: فَرَمَى إِلَى الْفِهْرِيِّ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا مِنْهَا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعًا إلى مَكَّةَ كَافِرًا فَجَعَلَ يَقُولُ فِي شِعْرِهِ: [البحر الطويل] قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَلْتُ عَقْلَهُ ... سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابِ قَارِعِ وَأَدْرَكْتُ ثَأْرِي وَاضْطَجَعْتُ مُوَسِّدًا ... وَكُنْتُ إِلَى الْأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:" وَجَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] قَالَ: هِيَ جَزَاؤُهُ فَإِنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ جَزَائِهِ فَعَلَ.

293 - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حدثنا

أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حدثنا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ فَذَكَرَهُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادُهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَبَلَغَنِي عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ الْبُسْتِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ:" الْقُرْآنُ كُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَمَا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ وَمَا تَأَخَّرَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ سَوَاءٌ مَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ مُنَافَاةٌ، وَلَوْ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93] وَأُلْحِقَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] لَمْ يَكُنْ مُتَنَاقِضًا، فَشَرْطُ الْمَشِيئَةِ قَائِمٌ فِي الذُّنُوبِ كُلِّهَا مَا عَدَا الشِّرْكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ إِنْ جَازَاهُ اللهُ، وَلَمْ يَعْفُ عَنْهُ فَالْآيَةُ الْأُولَى خَبَرٌ لَا يَقَعُ فِيهِ الْخُلْفُ، وَالْآيَةُ الْأُخْرَى، وَعْدٌ يُرْجَى فِيهِ الْعَفْوُ وَاللهُ أَعْلَمُ"

294 - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْوَكِيلُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حدثنا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حدثنا الْأَصْمَعِيُّ

قَالَ: جَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو، اللهُ يَخْلُفُ وَعْدَهُ؟ قَالَ:" لَنْ يَخْلُفَ اللهُ وَعْدَهُ".
قَالَ عَمْرٌو: فَقَدْ قَالَ: قَالَ:" أَيْنَ؟ " فَذَكَرَ آيَةَ وَعِيدٍ لَمْ يَحْفَظْهَا أبو عَمْرٌو فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو:" مِنَ الْعُجْمَةِ أُتِيتَ الْوَعْدُ غَيْرُ الْإِيعَادِ" ثُمَّ أَنْشَدَ أَبُو عَمْرٍو: [البحر الطويل] وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوٍ وَعَدْتُهُ ... سَأُخْلِفُ إِيعَادِي، وَأُنْجِزُ مَوْعِدِي قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:" فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 14] قِيلَ: هَكَذَا نَقُولُ الْحُدُودُ اسْمُ جَمْعٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللهِ تَعَالَى أَجْمَعَ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ، وَتَارِكُ الْإِيمَانِ مُخَلَّدُ فِي النَّارِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: 15] قِيلَ: وَقَدْ قَالَ: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: 13]، وَالْفَاسِقُ الْمُؤْمِنُ بَرٌّ بِإِيمَانِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ بَرًّا مُطْلَقًا قِيلَ: وَكَذَلِكَ لَيْسَ بِفَاجِرٍ مُطْلَقًا، فَإِنْ قِيلَ: فُجُورُهُ أَحْبَطَ إِيمَانَهُ قِيلَ: لَيْسَ الْفَصْلُ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ، وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ: مِنَ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ إِيمَانَهُ أَحْبَطَ فُجُورَهُ، فَدَلَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْفُجَّارِ الَّذِينَ قَابَلَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْأَبْرَارِ الْكُفَّارِ لِأَنَّ رَأْسَ الْبِرِّ الْإِيمَانُ، وَكَذَلِكَ رَأْسُ الْفُجُورِ الْكُفْرُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]،

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامَلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 195]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: 30]، وَقَوْلُهُ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: 7]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [التوبة: 72]، وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60] فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَأَحْسَنُ الْأَعْمَالِ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَمَنْ قَالَ بِتَخْلِيدِ الْمُؤْمِنِ فِي النَّارِ كَانَ قَدْ أَضَاعَ أَجْرَ عَمَلِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَضًا، وَلِأَنَّا وَجَدْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ عَلَى الطَّاعَاتِ ثَوَابًا، وَعَلَى الْمَعَاصِي عِقَابًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ يَرَى مَا عَمِلَ مِنَ الْمَعَاصِي دُونَ مَا عَمِلَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَقَدْ عَمِلَهُمَا جَمِيعًا إِلَّا وَلِآخَرَ أَنْ يَعْكِسَ ذَلِكَ فَلَا يَجِدُ الْقَائِلُ بِذَلِكَ فَضْلًا، وَلِأَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى حُصُولِ طَاعَاتِهِ، وَاخْتَلَفْنَا فِي زَوَالِ حُكْمِهَا فَلَا يُرْفَعُ حُكْمُ مَا تَيَقَّنَّاهُ مِنْ حُصُولِ الطَّاعَاتِ بِمَعْصِيَةٍ لَا تَنْفِيهَا، وَلَا تُضَادَّهَا فَإِنِ احْتَجُّوا فِي إِبْطَالِ الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ، وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]

فالظَّالِمُونَ هَهُنَا هُمُ الْكَافِرُونَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مُفْتَتَحُ الْآيَةِ إِذْ هِيَ فِي ذِكْرِ الْكَافِرِينَ، فَإِنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28] قِيلَ: هَذَا دَلِيلُنَا لِأَنَّ الْفَاسِقَ مُرْتَضًى بِإِيمَانِهِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] وَاصْطَفَيْنَا وَارْتَضَيْنَا وَاحِدٌ فِي اللِّسَانِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 32] أَيْ مِنَ الْمُصْطَفِينَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَالظُّلْمُ هُوَ الْفِسْقُ فَأَخْبَرَ أَنَّ فِيهِمْ ظَالِمًا، وَقَالَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَوْجُهٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: 32] الآية قَالَ: كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ فِي الْجُزْءِ السَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْبَعْثِ مَذْكُورٌ بِشَوَاهِدِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ كَمَا قَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255] " قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:" وَلَا تَحْتَمِلُ الْآيَةُ غَيْرَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرْتَضِينَ عِنْدَ اللهِ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى شَفَاعَةِ مَلَكٍ، وَلَا نَبِيٍّ فَصَحَّ أَنَّ الْمَعْنَى مَا قُلْنَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللهَ لَا يَرْتَضِي أَنْ يُشَفِّعَ لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ لِأَنَّ الْمُذْنِبَ هو الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الشَّفَاعَةِ، فَكُلَّمَا كَانَ ذَنْبُهُ أَكْبَرَ كَانَ إِلَى الشَّفَاعَةِ أَحْوَجَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اشْتِدَادُ حَاجَتِهِ إِلَى الشَّفَاعَةِ حَائِلًا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، وَلَيْسَ امْتِنَاعُ الشَّفَاعَةِ لِلْكَافِرِينَ لِأَنَّ ذَنْبَهُ كَبِيرٌ، وَلَكِنَّهُ بِجَحْدِهِ الْبَارِي الْمَشْفُوعَ إِلَيْهِ، أَوِ الرَّسُولَ الشَّافِعَ لَهُ، أَوْ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ

لَا يُشَفِّعُ فِيهِ أَحَدًا، وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلَّهَا مَعْدُومَةٌ فِي صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ" وَقَوْلُهُ:" ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: 19] لَا يَدْفَعُ الشَّفَاعَةَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلْكِ الدَّفْعُ بِالْقُوَّةِ، وَإِنَّمَا الشَّفَاعَةُ تَذَلُّلٌ مِنَ الشَّافِعِ لِلْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ، وَإِقَامَةِ الشَّفِيعِ بِذَلِكَ مِنَ الْمَشْفُوعِ لَهُ، فَلَا يَوْمَ أَلْيَقُ بِهِ وَأَشْبَهُ بِأَحْوَالِهِ مِنْ يَوْمِ الدِّينِ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنَا الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ وَإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ صريحة قَدْ صَارَتْ مِنَ الِاسْتفَاضَةِ، وَالشُّهْرَةِ بِحَيْثُ قَارَنتِ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ، وَكَذَلِكَ فِي مَغْفِرَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ دُونَ الشِّرْكِ مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً، وَاللهُ وَاسِعٌ كَرِيمٌ" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:" وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَنَحْنُ نُشِيرُ هَهُنَا إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] وَرُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّفَاعَةِ وَكَذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ

295 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ،

حدثنا الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثنا دَاوُدُ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، حدثنا جَدِّي أَبُو عَمْرٍو، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحُلْوَانِيُّ، حدثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حدثنا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، حدثنا دَاوُدُ الزَّعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الشَّفَاعَةُ " وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] قَالَ: " هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِهِ "

296 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، حدثنا

عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ الْأَهْوَازِيُّ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فِي الْمُسْنَدِ، حدثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] قَالَ: " الشَّفَاعَةُ "

297 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَانَ يَقُولُ: " هَذِهِ مِمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْنَا "

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ دَاوُدَ الزَّعَافِرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] قَالَ: " الشَّفَاعَةُ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " إِنَّمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى لِتَفَرُّدِهِ بِهَا، وَأَنَّ سَائِرَ النَّاسِ رَوَوْهُ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ دَاوُدَ "

298 - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، حدثنا الْكُدَيْمِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ،

عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ، سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " تُمَدُّ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِعَظَمَةِ الرَّحْمَنِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا لِأَحَدٍ إِلَّا مَوْضِعُ قَدَمِهِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى فَأَجِدُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا رَأَى اللهُ قَبْلَهَا قَالَ: فَأَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ هَذَا جَاءَنِي فَزَعَمَ أَنَّكَ أَرْسَلْتَهُ إِلَيَّ قَالَ وَجِبْرِيلُ سَاكِتٌ قَالَ فَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ أَنَا أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكَ حَاجَتَكَ؟ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ إِنِّي تَرَكْتُ عِبَادًا مِنْ عِبَادِكَ قَدْ عَبَدُوكَ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَذَكَرُوكَ فِي شُعَبِ الْآكَامِ يَنْتَظِرُونَ جَوَابَ مَا أَجِيءُ بِهِ مِنْ عِنْدِكَ، فَيَقُولُ: أَمَا إِنِّي لَا أَخْزِيكَ فِيهِمْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] " رَوَاهُ جَمَاعَةٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَتَمَامُهُ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الشَّفَاعَةِ، وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5] "

وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: 36]، وَقَالَ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: 118] الْآيَةَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ "

299 - [480]- أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ زِيَادٍ الْعَدْلُ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حدثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَذَكَرَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ يُونُسَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

وَرُوِّينَا عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي " فَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ فِيهِنَّ: " وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ "

300 - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو حَازِمٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ فَذَكَرَهُ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ

301 - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ زُهَيْرٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ رَوْحٍ

وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَقِيلٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قِصَّةِ الْقِرَاءَةِ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي " وَتَأْخِيرِ الدَّعْوَةِ الثَّالِثَةِ إِلَى يَوْمِ يَرْغَبُ إِلَيْهِ فِيهِ الْخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ "

302 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، حدثنا الزَّعْفَرَانِيُّ، حدثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حدثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حدثنا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ، حدثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَبَعًا يَجِيءُ النَّبِيُّ، وَلَيْسَ مَعَهُ مُصَدِّقٌ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ " أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ، عَنِ الْمُخْتَارِ

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَقَدْ رُوِّينَا فِي مَعْنَاهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَهَذَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْتَصُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْجَمْعِ حَتَّى يُرِيحَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مَكَانِهِمِ الَّذِي أُقِيمُوا فِيهِ، ثُمَّ يُشَارِكُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ

وَالصِّدِّيقِينَ فِي الشَّفَاعَةِ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ مَخْصُوصٌ أَيْضًا مِنْ بَيْنَهُمْ بِالشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ "

303 - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، حدثنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حدثنا أَبُو دَاوُدَ، حدثنا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يُجْمَعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهْتَمُّونَ لذلك فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، وَلَكِنِ ايتُوا نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَأْتُونَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، وَلَكِنِ ايتُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطَايَاهُ، وَلَكِنِ ايتُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَبْدًا آتَاهُ اللهُ التَّوْرَاةَ، وَكَلَّمَهُ تَكْلِيمًا فَيَأْتُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ، وَلَكِنِ ايتُوا عِيسَى عليه

السلام عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَةَ اللهِ وَرُوحَهُ فَيَأْتُونَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنِ ايتُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَيُؤْذَنَ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ اشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَرْجِعُ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعُ وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ اشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ حَتَّى أَرْجِعَ فَأَقُولُ يَا رَبِّ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَي وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَغَيْرِهِ

وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: " يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيَسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، وَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ " ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَهَذَا الْحَدِيثُ يَجْمَعُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْجَمْعِ حَتَّى يُرِيحَهُمْ مِنْ مَكَانِهِمْ، الَّذِي بَلَغُوا فِيهِ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فِي الشَّمْسِ، ثُمَّ شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الذُّنُوبِ مِنْ أُمَّتِهِ " وَفِي رِوَايَةِ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي حَدِيثِهِ: " فَأَقُولُ رَبِّي أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ، أَوْ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا ". وَقَالَ: فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: " مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ". وَفِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: " فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُهُ مِنَ النَّارِ "

304 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حدثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: " يَشْفَعُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ يَشْفَعُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ خَرْدَلَةٍ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ يَشْفَعُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مِنْ شَطْرِ خَرْدَلَةٍ مِنْ خَيْرٍ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وَفِي كُلِّ ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ "

305 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُحَمَّدَ آبَادِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَطَّانُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الصَّنْعَانِيُّ بِمَكَّةَ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " وَرُوِي ذَلِكَ عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ،

وَثَابِتٍ، وَقَتَادَةَ، وَزِيَادٍ النُّمَيْرِيِّ، وَيَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ

306 - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حدثنا أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حدثنا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَزَادَ، أَنَّ

جارٍ التحميل