شعب الإيمانصفحات 175-201

بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِبَارَتَانِ عَنْ دِينٍ وَاحِدٍ "

صفحات 175-201
عن هذه الطبعة
عَلَم
البيهقي، أبو بكر
الكتاب
شعب الإيمان
المؤلف
أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامدأشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه: مختار أحمد الندوي، صاحب الدار السلفية ببومباي - الهند
الناشر
مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء
14 (13، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة تخريج الأحاديث]الكتاب مرتبط بنسختين مصورتين: الموافق للمطبوع ط الرشد، وط العلمية تحقيق زغلول

فَصْلٌ فِيمَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا

80 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حدثنا

عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهَ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ: وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: " إِذَا قَالَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ لِمُسْلِمٍ، فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إِنْ أَرَادَ أَنَّ الدِّينَ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ كُفْرٌ كَفَرَ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ كَافِرٌ فِي الْبَاطِنِ، وَلَكِنَّهُ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ نِفَاقًا لَمْ يَكْفُرْ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا لَمْ يَكْفُرْ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَمَاهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ مِثْلَهُ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: قَدْ رُوِّينَا، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى

عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ خَانَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكِتَابَةِ إِلَى مَكَّةَ: " دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقَ " " فَسَمَّاهُ عُمَرُ مُنَافِقًا، وَلَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا فَقَدْ صَدَّقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَصِرْ بِهِ عُمَرُ كَافِرًا لِأَنَّهُ اكْفَرَهُ بِالتَّأْوِيلِ، وَكَأَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يُحْتَمَلُ "

بَابُ الْقَوْلِ فِي إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ وَالْمُرْتَابِ " الْمُقَلِّدُ: مَنْ تَدَيَّنَ مَا تَدَيَّنَ لِأَنَّهُ دِينُ آبَائِهِ وَقَرَابَتِهِ، وَأَهْلِ بَلَدِهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ وَرَاءَ ذَلِكَ حُجَّةٌ يَأْوِي إِلَيْهَا، وَالْمُرْتَابُ: مَنْ يَقُولُ: اعْتَقَدْتُ الْإِسْلَامَ، وَتَابَعْتُ أَهْلَهُ احْتِيَاطًا لِنَفْسِي، فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَقَدْ فُزْتُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَضُرُّنِي وَوَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ " وَبَسَطَ الْحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فِيهِ الْكَلَامَ، قَالَ: " وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَيْسَ بِمُقَلِّدٍ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا: الَّذِي عَرَفَ اللهَ - تَعَالَى جَدُّهُ - بِالدَّلَائِلِ، وَالْحُجَجِ مَعْرِفَةً تَامَّةً لَا شَكَّ مَعَهَا، وَعَرَفَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ، ثُمَّ اعْتَرَفَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَقَبِلَ عَنْ رَسُولِهِ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدَهُ، وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ بِالطَّاعَةِ لَهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ، وَالْآخَرُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ إِجَابَةً لِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ - وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ إِلَى أَنْ قَالَ - ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ الْمُؤْمِنُ قَبْلَ أَنْ آمَنَ يُثْبِتُ اللهَ - تَعَالَى جَدُّهُ - إِلَّا أَنَّهُ يُلْحِدُ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ كَانَ إِيمَانُهُ الْحَادِثُ تَرْكَ ذَلِكَ الْإِلْحَادِ لِمَا يَقُولُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُوهُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَدِينُ دينا وَيَرَى أَنْ لَا صَانِعَ لِلْعَالَمِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ، فَوَجْهُ إِيمَانِهِ بِاللهِ لِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا وَاحِدًا لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزَالُ، وَلَا يُشْبِهُ شَيْئًا قَادِرًا لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ عَالِمًا، حَكِيمًا كَانَ وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَأَبْدَعَ كُلَّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ، وَاخْتَرَعَهُ اخْتِرَاعًا لَا مِنْ أَصْلٍ، وَأَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاسِ لِيُعَرِّفَهُ إِلَيْهِمْ وَيُنَبِّهَهُمْ عَلَى آثَارِ خَلْقِهِ الَّتِي يَرَوْنَهَا، وَيَغفلُونَ عَنْهَا وَيَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، وَعِبَادَتِهِ

وَأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى صِدْقِهِ هِيَ مَا أَيَّدَهُ بِهِ مِنْ كَذَا وَكَذَا مِمَّا لَا يَسْتَطِيعُ النَّاسُ، - وَإِنْ تَظَاهَرُوا - أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ يَجْمَعُهُ وَإِيَّاهُمُ الْبَشَرِيَّةُ، ثُمَّ يَجْمَعُهُ وَأَهْلَ بَلَدِهِ الْهَوَاءُ وَالْأَرْضُ وَالْمَاءُ، وَكَانَ مَا عَدَا هَذَا - الَّذِي يَذْكُرُ أَنَّهُ أمد بِهِ لِيَكُونَ دَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ - لَا يُبَايِنُ فِيهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَيَحْتَاجُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَى مِثْلِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَلَا يَقْدِرُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمعتادةِ إِلَّا عَلَى مثل مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَيَعْجِزُ عَمَّا يَعْجِزُونَ عَنْهُ وَجَبَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مِنْ فَضْلِ هَذَا الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ قَضِيَّةِ الْعَادَاتِ عَاجِزٌ مِثْلُهُمْ، وَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ، وَقَدْ وُجِدَ بِهِ وَظَهَرَ عَلَى يَدِهِ حَقٌّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صُنْعِهِ، وَلَكِنْ مِنْ صُنْعِ غَيْرِهِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغِيَرُ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ فِي الْقُدْرَةِ نَظِيرَهُ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَحَالَ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا اسْتَحَالَ وُجُودُهُ مِنْهُ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ صُنْعِ صَانِعٍ لَا يَفْعَلُ الْأَشْيَاءَ بِمِثْلِ الْقُوَّةِ، وَالْقُدْرَةِ الَّتِي بِهَا يَصْنَعُ الصُّنَّاعُ الْمُشَاهِدُونَ، وَأَنَّهُ كَمَا لَمْ يُشْبِهْ صُنْعُهُ صُنْعَهُمْ، فَكَذَلِكَ هُوَ غَيْرُ مُشْبِهٍ إِيَّاهُمْ وَلَا جَائِزَ عَلَيْهِ مِنْ مَعَانِي النَّقْصِ مَا هُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ فَانْتَظَمَتْ حُجَّتُهُ هَذِهِ إِثْبَاتُ الصَّانِعِ عَلَى مَنْ يَجْهَلُهُ وَلَا يَعْتَرِفُ بِهِ، وَإِثْبَاتُ رِسَالَتِهِ مِنْ عِنْدِهِ فَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِحُجَّتِهِ وَصَدَّقَهُ فِي جَمِيعِ قَوْلِهِ، وَآمَنَ بِجُمْلَةِ دَعْوَتِهِ كَانَ إِثْبَاتُ الرَّسُولِ وَالْمُرْسَلُ مِنْهُ مَعًا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا وَجْهُ الْإِيمَانِ بِاللهِ إِجَابَةً لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ إِلَيْهِ وَهَذَا إِجَابَةٌ بِحُجَّةٍ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ إِيمَانُ عَامَّةِ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَالرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ تَنَبَّهُ بَعْدُ فَرَأَى وَنَظَرَ وَبَحَثَ، فَبَصَّرَهُ اللهُ مِنَ الدَّلَائِلِ مَا شَدَّ بِهِ أَزْرَهُ، وَعَصَمَ دِينَهُ، وَقَوَّى يَقِينَهُ، وَطَلَبَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ مَا يَنْصُرُ بِهِ الدِّينَ، وَيُجَادِلُ بِهِ أَعْدَاءَهُ، وَيَنْتَصِبُ بِهِ لِلدَّفْعِ عَنْهُ "

81 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حدثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حدثنا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَصُلْبُ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: " إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فُتِنَ أَصْحَابُهُ بِمَكَّةَ أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى أَنْ قَالَ، فَكَلَّمَهُ جَعْفَرٌ يَعْنِي النَّجَاشِيَّ قَالَ: كُنَّا عَلَى دِينِهِمْ - يَعْنِي دِينَ أَهْلِ مَكَّةَ - حَتَّى بَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِينَا رَسُولًا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَنَخْلَعَ مَا يَعْبُدُ قَوْمُنَا، وَغَيْرُهُمْ مِنْ دُونِهِ، وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَكُلِّ مَا يُعْرَفُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَتَلَا عَلَيْنَا تَنْزِيلًا جَاءَهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ، وَعَرَفْنَا أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: فَفَارَقْنَا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْمَنَا وَآذَوْنَا، وَفَتَنُونَا فَلَمَّا بَلَغَ مِنَّا مَا يَكْرَهُ وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ أَمَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخُرُوجِ إِلَى بِلَادِكَ اخْتِيَارًا لَكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ لِتَمْنَعَنَا مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكُمْ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ تَقْرَؤُونَهُ عَلَيَّ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: نَعَمْ فَقَرَأَ كهيعص، فَلَمَّا قَرَأَهَا بَكَى النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ، وَقَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَالْكَلَامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى لَيَخْرُجَانِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ "

82 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ حدثنا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حدثنا فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حدثنا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بِمَ كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: " أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ النَّخْلَ فَأَجَابَنِي تُؤْمِنُ بِي؟ " قَالَ: نَعَمْ.
فَدَعَاهُ فَأَجَابَهُ فَآمَنَ بِهِ وَأَسْلَمَ، وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ شَرِيكٍ وَأَتَمَّ مِنْ هَذَا، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ " وَقَدْ ذَكَرْنَا شَوَاهِدَ هَذَا فِي كِتَابِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ "، وَذَكَرْنَا فِيهِ مِنْ إِيمَانِ مَنْ آمَنَ حِينَ وَقَفَ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعْجِزَتِهِ مَا يَكْشِفُ عَنْ صِحَّةِ مَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - "

83 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أخبرنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، حدثنا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَهْوَاءِ فَقَالَ: " عَلَيْكَ بِدِينِ الْأَعْرَابِيِّ، وَالْغُلَامِ فِي الْكِتَابِ وَالْهُ عَمَّنْ سِوَاهُ " قَالَ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى -: " وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وقَالَ غَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ - فِي النَّهْيِ عَنِ الْخَوْضِ فِي مَسَائِلِ الْكَلَامِ - فَإِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لَتَبْيِينِ صِحَّةِ الدِّينِ فِي أَصْلِهِ، إِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بُعِثَ مُؤَيَّدًا بِالْحُجَجِ، فَكَانَتْ مُشَاهَدَتُهَا لِلَّذِينَ شَاهَدُوهَا، وَبَلَاغُهَا الْمُسْتَفِيضُ، لَمَنْ بَلَغَهُ كَافِيًا فِي إِثْبَاتِ التَّوْحِيدِ، وَالنُّبُوَّةِ مَعًا عَنْ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَأْمَنُوا إنْ توَسِّعَ النَّاسُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَكْمُلُ عَقْلُهُ، وَيَضْعُفُ رَأْيُهُ فَيَرْتَبُكُ فِي بَعْضِ ضَلَالَةِ الضَّالِّينَ، وَشُبَهِ الْمُلْحِدِينَ، ولَا يَسْتَطِيعُ مِنْهَا مَخْرَجًا كَالرَّجُلِ الضَّعِيفِ غَيْرِ الْمَاهِرِ بِالسِّبَاحَةِ إِذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ غَامِرٍ قَوِيٍّ، لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَغْرَقَ فِيهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ، وَلَمْ يَنْهُوا عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ لِأَنَّ عَيْنَهُ مَذْمُومٌ، أَوْ غَيْرُ مُفِيدٍ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْعِلْمُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ

اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعِلْمِ صِفَاتِهِ، وَمَعْرِفَةِ رُسُلِهِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ الصَّادِقِ، وَبَيْنَ الْمُتَنَبِّئِ الْكَاذِبِ عَلَيْهِ مَذْمُومًا أَوْ مَرْغُوبًا عَنْهُ؟ وَلَكِنَّهُمْ لِإِشْفَاقِهِمْ عَلَى الضُّعَفَاءِ أن لَّا يَبْلُغُوا مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ فَيَضِلُّوا، نَهُوا عَنِ الِاشْتِغَالِ بِهِ " ثُمَّ بَسَطَ الْحَلِيمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - الْكَلَامَ فِي التَّحْرِيضِ عَلَى تَعَلُّمِهِ إِعْدَادًا لِأَعْدَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ: " غَيْرُهُ فِي نَهْيِهِمْ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّ السَّلَفَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ كَانُوا يَكْتَفُونَ بِمُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا، وَإِنَّمَا يَشْتَغِلُ فِي زَمَانِهِمْ بِعِلْمِ الْكَلَامِ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ، فَكَانُوا يَنْهُونَ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِكَلَامِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ كَانُوا يَدَّعُونَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ مَذَاهِبَهُمْ فِي الْأُصُولِ تُخَالِفُ الْمَعْقُولَ، فَقَيَّضَ اللهُ تَعَالَى جَمَاعَةً مِنْهُمْ لِلِاشْتِغَالِ بِالنَّظَرِ، وَالِاسْتِدْلَالِ حَتَّى تَبَحَّرُوا فِيهِ، وَبَيَّنُوا بِالدَّلَائِلِ النَّيِّرَةِ، وَالْحُجَجِ الْبَاهِرَةِ أَنَّ مَذَاهِبَ أَهْلِ السُّنَّةِ تُوَافِقُ الْمَعْقُولَ، كَمَا هِيَ مُوَافَقَةٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إِلَّا أَنَّ الْإِيجَابَ يَكُونُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لمَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ، دُونَ الْعَقْلِ.
وَقَدْ كَانَ مِنَ السَّلَفِ مَنْ يَشْرَعُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَيَرُدُّ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ "

84 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ، حدثنا حَرْمَلَةُ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ، حدثنا مَالِكٌ، أَنَّهُ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، فَذَكَرَ قِصَّةً - ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ - يَعْنِي ابْنَ هُرْمُزَ - بَصِيرًا بِالْكَلَامِ، وَكَانَ يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ "

بَابُ الْقَوْلِ فِيمَنْ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِإِيمَانِ غَيْرِهِ

85 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ، حدثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ، كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِضْنَيْهِ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ قُتَيْبَةَ، وَقَدْ حُكِّينَا عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهَا الْخَلْقَ، فَجَعَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يُفْصِحُوا بِالْقَوْلِ، فَيَخْتَارُوا أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ: الْإِيمَانِ، أَوِ الْكُفْرِ لَا حُكْمَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا الْحُكْمُ

لَهُمْ بِآبَائِهِمْ، فَمَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَوْمَ يُولَدُونَ فَهُمْ بِحَالِهِ إِمَّا مُؤْمِنٌ فَعَلَى إِيمَانِهِ، أَوْ كَافِرٌ فَعَلَى كُفْرِهِ " " فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تعالى - فِي هَذَا إِلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْمَوْلُودَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَبَعٌ لِوَالِدَيْهِ فِي الدِّينِ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا حَتَّى يُعْرِبَ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقُهُمْ بِآبَائِهِمْ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ ذَرَارِيَّ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ، وَزَعَمَ أَنَّ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْجَمِيعِ، وَوَكَلَ أَمْرَهُمْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهَذَا أَشْبَهُ الْأَقَاوِيلِ بِالسُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقَاوِيلَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِي آخِرِ كِتَابِ الْقَدَرِ، فَمَنْ أَحَبَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى

وَمَتَى مَا أَسْلَمَ الْأَبَوَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا صَارَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدِهِمَا وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ السُّنَنِ إِسْلَامَ مَنْ صَارَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ،

وَإِذَا سُبِيَ الصَّغِيرُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَمَعَهُ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَدِينُهُ دِينُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَإِنْ سُبِيَ وَحْدَهُ فَدِينُهُ دِينُ السَّابِي لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ الَّذِي أَوْلَى بِهِ مِنْهُ، فَقَامَ فِي دِينِهِ مَقَامَ أَبَوَيْهِ كَمَا قَامَ فِي الْوِلَايَةِ، وَالْكَفَالَةِ مَقَامَهُمَا، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ "

بَابُ الْقَوْلِ فِيمَنْ يَصِحُّ إِيمَانُهُ، أَوْ لَا يَصِحُّ " قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59]، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِمِ الْفَرْضُ فِي إِيذَانِهِمْ فِي الِاسْتِئْذَانِ إِذَا بَلَغُوا قَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]، وَخَاطَبَ بِالْفَرَائِضِ مَنْ عَقلَهَا "

86 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، حدثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادٍ،

عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ" وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ إِسْلَامِ عَلِيٍّ، وَصَلَاتِهِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:" لَمَّا أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ فَهُوَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَصَّهُ بِالْخِطَابِ لَمَّا صَارَ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ، وَالْمَعْرِفَةِ دُونَ سَائِرِ الصِّغَارِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَرَامَةً لَهُ، وَمَنْقَبَةً، فَلَمَّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ وَالدَّعْوَةُ صَحَّتْ مِنْهُ الْإِجَابَةُ، وَسَائِرُ الصِّغَارِ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمُ الْخِطَابُ، وَالدَّعْوَةُ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمُ الْإِسْلَامُ، أَوْ يَكُونُ خِطَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالصَّلَاةِ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَنَّهُ بَالِغٌ عِنْدَهُ لِأَنَّ الْبُلُوغَ بِالسِّنِّ لَيْسَ مِمَّا شُرِعَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بَلْ لَيْسَ يُحْفَظُ قَبْلَ قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ فِي أُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَجْرُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى

رَأْيِهِمْ، وَمَا تَعَارَفُوهُ مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُولَدَ لَهُ، وَالرَّجُلَ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يُولَدَ لَهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ابْنَ عَشْرَ سِنِينَ لَمَّا أَسْلَمَ"" وَظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ ابْنُ عَشْرٍ أَنَّهُ اسْتَكْمَلَ عَشْرًا، وَدَخَلَ فِي الْحَادِيَ عَشَرَ، وَمَنْ بَلَغَ هَذَا السِّنَّ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُولَدَ لَهُ، فَلَمَّا شُرِعَ الْبُلُوغُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالسِّنينِّ نُظِرَ إِلَى السِّنِّ الَّتِي كُلُّ مَنْ بَلَغَهَا جَازَ أَنْ يُولَدَ لَهُ دُونَ السِّنِّ الَّتِي يَنْدُرُ مِمَّنْ بَلَغَهَا الْإِيلَادُ، وَكَانَ مَنْ قَصُرَتْ سِنُوهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِّ صَغِيرًا فِي الْحُكْمِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِحَّ إِسْلَامُهُ وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ السُّنَنِ، وَفِي كِتَابِ الْفَضَائِلِ سَائِرَ مَا قِيلَ فِيهِ"

بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ

87 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، وَأَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْعَنْبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: حدثنا

أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخبرنا وَكِيعٌ، حدثنا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، عَنْ وَكِيعٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ " وَدُعَاءُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مُسْتَحَقٌّ، وَدُعَاءُ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّثَبُّتِ فِي قَهْرِهِمْ مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي كِتَابِ السُّنَنِ "

الْأَوَّلُ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وهو بَابٌ فِي الْإِيمَانِ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ

88 - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أخبرنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أخبرنا أَبُو مُسْلِمٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حدثنا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ " قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: " وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ فَرْضٌ تَجْمَعُ الِاعْتِقَادَ بِالْقَلْبِ، وَالِاعْتِرَافَ بِاللِّسَانِ، وَالِاعْتِقَادُ وَالْإِقْرَارُ، وَإِنْ كَانَا عَمَلَيْنِ يُعْمَلَانِ بِجَارِحَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَإِنَّ نَوْعَ الْعَمَلِ وَاحِدٌ وَالْمَنْسُوبُ مِنْهُ إِلَى الْقَلْبِ هُوَ الْمَنْسُوبُ إِلَى اللِّسَانِ، وَالْمَنْسُوبُ إِلَى اللِّسَانِ هُوَ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْقَلْبِ كَمَا أَنَّ الْمَكْتُوبَ - مِمَّا جَمَعَ بَيْنَ كَتْبِهِ وَقَوْلِهِ - هُوَ الْمَقُولُ وَالْمَقُولُ هُوَ الْمَكْتُوبُ " قَالَ: " وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ بِالِاعْتِقَادِ، وَالْإِقْرَارِ مَجْمُوعُ عِدَّةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا إِثْبَاتُ الْبَارِئِ جَلَّ جَلَالُهُ لِيَقَعَ بِهِ مُفَارَقَةُ التَّعْطِيلِ،

وَالثَّانِي: إِثْبَاتُ وَحْدَانِيَّتِهِ لِتَقَعَ بِهِ الْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ، وَالثَّالِثُ: إِثْبَاتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ لِيَقَعَ بِهِ الْبَرَاءَةُ مِنَ التَّشْبِيهِ، وَالرَّابِعُ: إِثْبَاتُ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ مَا سِوَاهُ كَانَ مَعْدُومًا مِنْ قَبْلِ إِبْدَاعِهِ لَهُ وَاخْتِرَاعِهِ إِيَّاهُ لِيَقَعَ بِهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ وَالْخَامِسُ: إِثْبَاتُ أَنَّهُ مُدَبِّرٌ مَا أَبْدَعَ، وَمُصَرِّفُهُ عَلَى مَا يَشَاءُ لِيَقَعَ بِهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِينَ بِالطَّبَائِعِ، أَوْ تَدْبِيرِ الْكَوَاكِبِ أَوْ تَدْبِيرِ الْمَلَائِكَةِ، فَأَمَّا الْبَرَاءَةُ بِإِثْبَاتِ الْبَارِئِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَالِاعْتِرَافُ لَهُ بِالْوُجُودِ مِنْ مَعَانِي التَّعْطِيلِ فَلِأَنَّ قَوْمًا ضَلُّوا عَنْ مَعْرِفَةِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَكَفَرُوا، وَأَلْحَدُوا، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا فَاعِلَ لِهَذَا الْعَالَمِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا مَوْجُودَ إِلَّا الْمَحْسُوسَاتُ، وَلَيْسَ وَرَاءَهَا شَيْءٌ، وَأَنَّ الْكَوَائِنَ وَالْحَوادِثَ إِنَّمَا تَكُونُ وَتَحْدُثُ مِنْ قِبَلِ الطَّبَائِعِ الَّتِي فِي الْعَنَاصِرِ وَهِيَ: الْمَاءُ، وَالنَّارُ، وَالْهَوَاءُ، وَالْأَرْضُ، وَلَا مُدَبِّرَ لِلْعَالَمِ يَكُونُ مَا يَكُونُ بِاخْتِيَارِهِ وَصُنْعِهِ، فَإِذْ أَثْبَتَ الْمُثْبِتُ لِلْعَالَمِ إِلَهًا، وَنَسَبَ الْفِعْلَ وَالصُّنْعَ إِلَيْهِ فَقَدْ فَارَقَ لْإِلْحَادَ التَّعْطِيلَ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَذَاهِبَ الْمُلْحِدِينَ، وَالْقَائِلُونُ بِهِ يُسَمِّيهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ الْفِرْقَةَ الْمُتَجَاهِلَةِ وَيَدْعُونَهُمْ غَيْرَ الْفَلَاسِفَةِ، أَمَا الْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ بِإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ فَلِأَنَّ قَوْمًا ادَّعَوْا فَاعِلَيْنِ وَزَعَمُوا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَفْعَلُ الْخَيْرَ، وَالْآخَرَ يَفْعَلُ الشَّرَّ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ بَدْءَ الْخَلْقِ كَانَ مِنَ النَّفْسِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ مِنْهَا لَا عَلَى سَبِيلِ السَّدَادِ، وَالْحِكْمَةِ فَأَخَذَ الْبَارِئُ عَلَى يَدِهَا، وَعَمَدَ إِلَى مَادَّةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ مَوْجُودَةً مَعَهُ لَمْ تَزَلْ، فَرَكَّبَ مِنْهَا هَذَا الْعَالَمَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ السَّدَادِ وَالْحِكْمَةِ،

فَإِذَا أَثْبَتَ الْمُثْبِتُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وحده وَلَا خَالِقَ سِوَاهُ وَلَا قَدِيمَ غَيْرُهُ فَقَدِ انْتَفَى عَنْ قَوْلِ التَّشْرِيكِ الَّذِي هُوَ فِي الْبُطْلَانِ وَوُجُوبِ اسْمِ الْكُفْرِ لِقَائِلِهِ كَالْإِلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِإِثْبَاتِ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، فَلِأَنَّ قَوْمًا زَاغُوا عَنِ الْحَقِّ فَوَصَفُوا الْبَارِئَ - جَلَّ وَعَزَّ - بِبَعْضِ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ جَوْهَرٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ جِسْمٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَرْشِ قَاعِدًا كَمَا يَكُونُ الْمَلِكُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ اسْمِ الْكُفْرِ لِقَائِلِهِ كَالتَّعْطِيلِ وَالتَّشْرِيكِ، فَإِذَا أَثْبَتَ الْمُثْبِتُ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ فَقَدِ انْتَفَى التَّشْبِيهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَوْهَرًا أَوْ عَرَضًا لَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى سَائِرِ الْجَوَاهِرِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَوْهَرًا، وَلَا عَرَضًا لَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْجَوَاهِرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا جَوَاهِرُ كَالتَّأْلِيفِ وَالتَّجْسِيمِ وشَغْلِ الْأَمْكِنَةِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَلَا مَا يَجُوزُ عَلَى الْأَعْرَاضِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا أَعْرَاضٌ كَالْحُدُوثِ وَعَدَمِ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِنَ التَّعْطِيلِ بِإِثْبَاتِ أَنَّهُ مُبْدِعٌ كُلَّ شَيْءٍ سِوَاهُ فَلِأَنَّ قَوْمًا مِنَ الْأَوَائِلِ خَالَفُوا الْمُعَطِّلَةَ، ثُمَّ خُذِلُوا عَنْ بُلُوغِ الْحَقِّ فَقَالُوا: إِنَّ الْبَارِئَ مَوْجُودٌ غَيْرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ، وَسَبَبٌ لَهَا بِمَعْنَى أَنَّ وُجُودَهُ اقْتَضَى وُجُودَهَا شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى تَرْتِيبٍ لَهُمْ يَذْكُرُونَهُ، وَأَنَّ الْمَعْلُولُ إِذَا كَانَ لَا يُفَارِقُ الْعِلَّةَ فَوَاجِبٌ إِذَا كَانَ الْبَارِئُ لَمْ يَزَلْ أَنْ يَكُونَ مَادَّةَ هَذَا الْعَالَمِ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ، فَمَنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ الْمُبْدِعُ الْمُوجِدُ الْمُحْدِثُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ مِنْ جَوْهَرٍ، وَعَرَضٍ

بِاخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ الْمُخْتَرِعُ لَهَا لَا مِنْ أَصْلٍ فَقَدِ انْتَفَى عَنْ قَوْلِهِ التَّعْلِيلُ الَّذِي هُوَ فِي وُجُوبِ اسْمِ الْكُفْرِ لِقَائِلِهِ كَالتَّعْطِيلِ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِنَ الشَّرِيكِ فِي التَّدْبِيرِ بِإِثْبَاتِ أَنَّهُ لَا مُدَبِّرَ لِشَيْءٍ مِنَ الْمَوْجُودِاتِ إِلَّا اللهُ فَلِأَنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُدَبِّرُ الْعَالَمَ وَسَمَّوْهَا آلِهَةً، وَقَدْ قَالَ اللهُ عز وجل لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: 5] وَمَعْنَى الْمُدَبِّرَاتِ: الْمُنَفِّذَاتِ لِمَا دَبَّرَ اللهُ عَلَى أَيْدِيهَا كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُنَفِّذُ حُكْمَ اللهِ بَيْنَ الْخُصُومِ حَاكِمٌ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْكَوَاكِبَ تُدَبِّرُ مَا تَحْتَهَا وَأَنَّ كُلَّ كَائِنَةٍ، وَحَادِثَةٍ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ آثَارِ حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَافْتِرِاقِهَا، وَاقْتِرَانِهَا، وَاتِّصَالِهَا، وَانْفِصَالِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهَا، فَمَنْ أَثْبَتَ أَنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - هُوَ الْمُدَبِّرُ لِمَا أَبْدَعَ، وَلَا مُدَبِّرَ سِوَاهُ، فَقَدِ انْتَفَى عَنْ قَوْلِهِ التَّشْرِيكُ فِي التَّدْبِيرِ الَّذِي هُوَ فِي وُجُوبِ اسْمِ الْكُفْرِ لِقَائِلِهِ كَالتَّشْرِيكِ فِي الْقِدَمِ، أَوْ فِي الْخَلْقِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ ضَمَّنَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَمَرَ الْمَأْمُورِينَ بِالْإِيمَانِ أَنْ يَعْتَقِدُوهَا وَيَقُولُوهَا، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هو﴾ " وَقَالَ: " فِيمَا ذَمَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: 36]، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ قولوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ اسْتَكْبَرُوا، وَلَمْ يَقُولُوا: بَلْ قَالُوا: مَكَانَهَا أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ "

89 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ الْفَقِيهُ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْحَكَّانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ

90 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ

الْقَبِّانِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حدثنا يَحْيَى، حدثنا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ: " قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56] رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ

91 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ شَوْذَبٍ الْوَاسِطِيُّ، حدثنا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، حدثنا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ، حدثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُسْوِسَ نَاسٌ فَكُنْتُ مِمَّنْ وُسْوِسَ، فَمَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَسَلَّمَ عَلَيَّ فَلَمْ أَرُدَّ عَلَيْهِ، فَشَكَانِي إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَجَاءَ فَقَالَ: سَلَّمَ عَلَيْكَ أَخُوكَ فَلَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا عَلِمْتُ تَسْلِيمَهُ، وَإِنِّي

عَنْ ذَلِكَ لَفِي شُغْلٍ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَلِمَ؟ فَقُلْتُ: قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الْأَمْرِ قَالَ: قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقْتُهُ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، قَالَ: قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الْأَمْرِ قَالَ: " مَنْ قَبِلَ الْكَلِمَةَ الَّتِي عَرَضْتُهَا عَلَى عَمِّي فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ "،

92 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الدُّورِيُّ، حدثنا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: " مَنْ قَبِلَ الْكَلِمَةَ الَّتِي عَرَضْتُهَا عَلَى عَمِّي فَرَدَّهَا فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ "

93 - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ الْأَصْبَهَانِيُّ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ

مَهْدِيِّ بْنِ رُسْتُمٍ، حدثنا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حدثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ "

94 - أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أخبرنا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُحَمَّدَآبَاذِيُّ , حَدَّثَنَا

أَبُو قِلَابَةَ، حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حدثنا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ مَاتَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ "

95 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ فَذَكَرَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ مَاتَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: " وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ فَضَائِلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ جُمْلَةً كَافِيَةً، فَاقْتَصَرْنَا هَهُنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا "

96 - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حدثنا الْبَزَّارُ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ عَمْرٍو، حدثنا أَبُو كَامِلٍ، حدثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنْ دَهْرِهِ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ "

97 - وَأَخْبَرَنَا عَلِيٌّ، أخبرنا أَحْمَدُ، حدثنا ابْنُ مِلْحَانَ، حدثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حدثنا

ابْنُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْجَتْهُ بَدَلَ نَفَعَتْهُ

98 - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أخبرنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ

جارٍ التحميل