كتابه "شرح المفصَّل":
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تقدّم القول في الفصل السابق أنّ نحويين عديدين تناولوا "المفصّل" شرحًا، ونظمًا،123
واختصارًا، وردًّا عليه وتصحيحًا لأخطائه، لكنّ شرح ابن يعيش انفرد بالشهرة بين العلماء، وذلك أن الشارح أقبل على المفصَّل، كما يقول في مقدمة شرحه، وهو في سن السبعين، بعد أن نضج علمًا، وترسّخت قدمه في النحو والصرف، وأصبح خبيرًا بمذاهب البصريين والكوفيين والبغداديين.
أمّا سبب تخصيصه كتاب "المفصّل" بالشرح دون غيره من كتب النحاة، فلأنّ هذا الكتاب، كما يذكر في مقدمة شرحه، جليل القدر نابه الذكر إلَّا أن فيه ألفاظًا أشكلت، وعبارات مجملة، ومعانٍ خالية من الدليل.
قال: "لما كان الكتاب الموسوم بـ"المفصّل" من تأليف الإِمام العلّامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشريّ، رحمه الله، جليلاً قدره، نابهًا ذكرُه، قد جمعت أصولَ هذا العلم فصولُه، وأوجز لفظه، فتيسَّر على الطالب تحصيله، إلَّا أنّه مشتمل على ضروب، منها أغربت عبارته فأشكل، ولفظ تتجاذبه معانٍ، فهو مجمل.
ومنها ما هو بادٍ للأفهام، إلَّا أنّه خالٍ من الدليل مهمل، استخرت الله تعالى في إملاء كتاب أشرح فيه مشكله، وأوضح مجمله، وأُتبع كلّ حكم منه حججَه وعِلَله.
ولا أَدّعي أنه، رحمه الله، أحل بذلك تقصيرًا عما أتيت به في هذا الكتاب، إذ من المعلوم أن من كان قادرًا على بلاغة الإيجاز كان قادرًا على بلاغة الإطناب".
ويتلخص منهج ابن يعيش في شرحه في أنه تابعَ الزمخشريّ في مفصَّله فصلاً فصلاً، وفقرةً فقرةً، وعبارةً عبارة من أوّل الكتاب إلى آخره.
فكان يُثبت كلام الزمخشريّ بحسب تقسيمات الزمخشريّ نفسه لهذا الكلام، ثم يُتبعه بالشرح والتفصيل، والنقد، متوسِّعًا في شرحه، عارضًا لآراء النحويين المختلفة في المسألة الواحدة، حتى جاء شرحه أشبه بدائرة معارف لآراء النحاة على اختلاف مدارسهم، "حتى كأنّه لم يترك مصنفًا لعَلَم من أعلامهم إلَّا استوعبه, وتمثَّل كل ما فيه من آراءه تمثُّلاً منقطع النظير" 1.
والقارئ لهذا الشرح يظهر له منذ الصفحات الأولى شدّة حماسة ابن يعيش للبصريين، وانتصاره لهم، وهو يسمّيهم "أصحابه" 2، موهنًا آراء الكوفيين ومن وافقهم، مكثِرًا من الاستشهاد بسيبويه حتى كاد أن يستنفد آراء.
وهو دائم التأييد له، فإن وجد أنْ رأيًا من آرائه سيبويه لا يوافقه، وهذا نادر، ذهب إلى أن هذا الرأي هو"الظاهر" من كلام سيبويه 3. وقد انتصر لرأي البصريين في أن "الاسم" مشتق من "السمو" لا من "السمة" كما قال الكوفيّون 4، وفي أن فاعل "ضربني" في قولك: "ضربني وضربت
زيدًا" مُضْمَر دلّ عليه مفعول "ضربت"، وليس كما قال الكسائي إنه لا فاعل له 1؛ وفي أنّ عامل الرفع في المبتدأ هو الابتداء لا الخبر كما ذهب إليه الكوفيون 2، كذلك ضعَّف رأي هؤلاء في أن الاسم الواقع بعد "لولا" يرتفع بها لنيابتها عن الفعل 3، كما ضعَّف رأيهم في أنّ "إنّ" وأخواتها لا تعمل الرفع في الخبر، وإنما هو مرفوع على حاله قبل دخول"إنّ" وصواحبها 4.
ولكن تعصّبه للبصريين لم يمنعه من استحسان بعض آراء الكوفيّين، وذلك في أحيانٍ قليلة، كاستحسانه تخريجهم لقراءة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ 5 على أنّ "إنْ" نافية، واللام بمعنى "إلَّا"، والتقدير: ما هذان إلَّا ساحران 6، وجوَّز رأي الكوفيّين في صرف ما لا ينصرف في الضرورة الشعريَّة 7، واستحسن رأي أبي علي الفارسيّ في أنّ المعطوف في مثل "قام محمَّد وعُمَر" معمول لفعل محذوف من جنس الفعل الأول 8، وفي أنّ اللام الداخلة أو اللازمة مع "إن" الملغاة فارقة بينها وبين "إن" النافية 9.
وهو في شرحه يستشهد بالكثير من الآيات القرآنية 10، والقراءات، والشواهد الشعرية 11، كما استشهد بالأحاديث النبويّة 12، والأمثال 13، والأقوال 14.
وكان يشرح ما يجده صعبًا من الألفاظ، وينسب الأبيات الشعرية التي لم ينسبها الزمخشريّ، ويُبَيِّن مواضع الاستشهاد فيها، إلى عرض آراء مختلفة في المسألة الواحدة، ثمّ مناقشتها.
وفي الجملة، جاء الشرح محقّقًا غايته، مستوفيًا شروطه، حتى قال ابن خلّكان: "ليس في جملة الشروح مثله" 15، وقال القفطيّ: "وصل به ما فَصَّله، وفرَّق على المستفيدين ما أجمله، واستقى له من ركيّة القوم ما جُمَّ له، وشرَّفه بعنايته وإعانته، فنوَّه
بذكْره وجَمَّلَه، وبسط فيه القول بَسْطًا أعيا الشارحين، وأظهر من عُونه وعُيونه ما فتح به بابًا للمادحين" (1).
7 -