فصل [جوازم المضارع]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: تعمل فيه حروف وأسماء، نحو قولك لم يخرج، ولما يحضر، وليضرب، ولا تفعل، وإن تكرمني أكرمك، وما تصنع أصنع, وأياً تضرب أضرب، وبمن تمرر أمر به.
قال الشارح: اعلم أن عوامل الجزم على ضربين: حروف وأسماء كما ذكر، فالحروف خمسة، وهي "إنْ"، و"لَمْ"، و"لَمَّا"، و"لام الأمر"، و"لا" في النهي، فهذه الأُصول في عمل الجزم.
وإنّما عملت لاختصاصها بالأفعال دون الأسماءَ.
والحرفُ إذا اختصّ، عمل فيما يختص به.
وهذه الحروف قد أثّرتْ في الأفعال تأثيرَيْن، وذلك أن "إنْ" نقلت الفعلَ إلى الاستقبال والشرطِ، و"لَمْ" نقلته إلى الماضي والنفي، و"لَمَّا" كذلك، إلَّا أن "لَمَّا" لنفي فعل معه "قَدْ"، و"لَمْ" لنفي فعل ليس معه "قَدْ"، فإذا قال القائل: "قام زيد"؛ قلت في نفيه: "لم يقم"، وإذا قال: "قد قام"، قلت في نفيه: "لما يقم".
ولامُ الأمر نقلته إلى الاستقبال، والأمرُ والنهي كذلك.
فإن قيل: ولِمَ كان عمل بعض الحروف المختصة بالأفعال الجزم، وبعضها النصب، فالجواب عن ذلك أن ما نقله إلى معنى لا يكون في الاسم، عمل فيه إعرابًا لا يكون في الاسم، ولمّا كان الشرط والأمر والنهي لا يكون إلَّا في الأفعال، عملت أدواتُه فيها الجزمَ الذي لا يكون إلَّا في الأفعال.
وأمّا "لَمْ"، وَ"لَمَّا"، فإنهما ينقلان الفعل الحاضر إلى الماضي على حدّ لا يكون في الاسم, لأنّ الحدّ الذي يكون في الاسم إنما يكون بقرينة الوقت، كقولك: "زيدٌ ضاربٌ أمسِ"، ولا يجوز "زيدٌ يضرب أمس"، فتنقل الفعل المضارع إلى المُضيّ بقرينة، كما فعلتَ في الاسم، ويجوز "لم يضرب أمس"، فلمّا نقلتْه على حدّ لا يجوز في الاسم، عملتْ فيه إعرابًا لا يكون في الاسم، فلذلك كانت جازمة.
فإن قيل: فالحروف الناصبة، نحو: "أنْ"، و"لَنْ"، و"إذَنْ"، و"كَيْ" قد أحدثت في الفعل ما لا يكون في الأسماء، فهلّا كانت جازمة؟ قيل: لَعَمْري لقد كان القياس فيها ما
ذكرتَ، غيرَ أنه عرض فيها شَبَهٌ من "أنَّ" الثقيلة، فعملت عملها على ما سبق، فلذلك تقول: "لم يخرجْ زيد"، فتُدْخِلها على لفظ المضارع والمعنى معنى الماضي.
ألا ترى أنك تقول: "لم يقم زيد أمس"، ولو كان المعنى كاللفظ؛ لم يجز هذا كما لم يجز "يقوم زيد أمس".
وكذلك "لَمَّا" بمنزلة "لَمْ" في الجزم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ 1، فجزمتْ كما تجزم "لَمْ"، إلَّا أن الفرق بينهما أن "لَمْ" لا تكتفي بها في الجواب، لو قال قائل: "قام زيد"، لم يجز أن تقول في جوابه: "لَمْ" حتى تقول: "لم يقم".
وإذا قال: "قد قام"، جاز أن تقول: "لَمَّا"؛ لأنها بزيادةِ ما عليها والتركيب قد خرجت إلى شَبَه الأسماء، فجاز أن تكتفي بها في الجواب، كما تكتفي بالأسماء، ولَذلك وقع بعدها مثال الماضي في قولك: "لما جئتَ جئتُ".
وأمّا لام الأمر، فنحو قولك: "لِيضربْ زيدٌ عمرًا"، إذا كان للغائب.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ 2؛ وأمّا إذا كان المأمور حاضرًا، لم يُحْتَجْ إلى اللام من قبل أن المواجهة تُغني عنها، وربّما جاءت اللام مع فعل المخاطب، نحوَ قوله تعالى في قراءة أُبَىٍّ: ﴿فَبذَلِكَ فَلْتَفرَحُوا﴾ 3. وقد جاء في بعض كلام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في غَزاةٍ: "لِتَأخُذُوا مَصافَّكم" 4.
وتقول في النهي: "لا تضربْ"، فهذه الحروف هي الجازمة لِما بعدها بلا خلاف.
وأمّا "إن" الشرطية، فتجزم ما بعدها، وهي أُمّ حروف الشرط، ولها من التصرّف ما ليس لغيرها، ألا تراها تُستعمل ظاهرة، ومضمرةَ مقدَّرةً، ويحذف بعدها الشرط، ويقوم غيره مقامه، وتليها الأسماء على الإضمار؟
فأمّا عملها ظاهرةً، فنحو قولك: "إن تكرمْنِي أكرمْك".
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ 5.
وأمّا عملها مقدّرة، فبعد خمسة أشياء: الأمر، والنهي، والاستفهام، والعَرْض، والتمني، وهو كالجواب بالفاء إلَّا الجَحْدَ، فإنّه لا يجاب بالجزم، وسيوضح ذلك إن شاء الله تعالى.
واعلم أنك إذا قلت في الشرط: "إن تكرمْنِي أكرمْك" مَثَلاً، فالفعل الأوّل مجزوم
بـ"إِنْ" بلا خلاف فيما أعلم، وهو الشرط.
ومعنى الشرط العَلامة والأمارة، فكان وجود الشرط علامة لوجود جوابه، ومنه أشراطُ الساعة، أي: علاماتها.
قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ 1.
وأمّا الجَزاء، فيُختلف فيه، فذهب أبو العبّاس المبرد إلى إن الجازم للشرط "إن"، و"إنْ" وفعلُ الشرط جميعًا عملا في الجزاء، فهو عنده كالمبتدأ والخبر، فالعامل في المبتدأ الرافع له الابتداء، والابتداء والمبتدأ جميعًا عملا في الخبر، وكذلك "إنْ" هي العاملة فيما بعدها من فعل الشرط، وفعلُ الشرط وحرف الشرط جميعًا عملا في الجزاء؛ لأنّ الجزاء يفتقر إلى تقدُّمهما افتقارًا واحدًا، وهما المقتضيان لوجود الجواب، فليس نسبةُ العمل إلى أحدهما بأولى من نسبته إلى الآخر.
وهذا القول، وإن كان عليه جماعة من حُذاق أصحابنا، فإنه لا ينفك من ضَعْف، وذلك لأنّ "إنْ" عاملة في الشرط لا محالة، وقد ظهر أثرُ عملها فيها.
وأمّا الشرط فليس بعامل هنا, لأنه فعلٌ، والجزاء فعلٌ، وليس عملُ أحدهما في الآخر بأولى من العكس.
وإذا ثبت أنه لا أثر له في العمل، فإضافةُ ما لا أثر له إلى ما له أثر لا أثر له.
ويمكن أن يُقال: إِن الشيء قد يؤثّر بانفراده أثرًا، فإذا انضاف إلى غيره، ورُكّب معه، حصل له بالتركيب حكمٌ لم يكن له قبلُ.
والذي عليه الأكثرُ أنّ "إنْ، هي العاملة في الشرط وجوابِه؛ لأنه قد ثبت عملها في الشرط، فكانت هي العاملة في الجزاء، إلَّا أن عملها في الشرط بلا واسطة، وفي الجزاء بواسطة الشرط، فكان فعل الشرط شرطًا في العمل لا جزْءًا من العامل.
وكذلك تقول في المبتدأ والخبر: إن الابتداء عامل في المبتدأ بلا واسطة، وفي الخبر بواسطة المبتدأ.
وقد شبّه بعض النحويين ذلك بالماء والنار، فقال: إذا وضعت الماء في قِدْر، وسخّنتَه بالنار، فالنار هي المؤثّرة في القدر والماء الإسخانَ، إلَّا أن تأثيرها في القدر بلا واسطة، وفي الماء بواسطة القدر.
ويحكى عن أبي عثمان أنه كان يقول: إِن فعل الشرط وجوابه ليسا مجزومَيْن معربَيْن، وإنّما هما مبنيان؛ لأنهما لّما وقعا بعد حرف الشرط، فقد وقعا موقعًا لا يصلح فيه الأسماءُ، فبعُدا من شَبَهها، فعادا إلى البناء الذي كان يجب للأفعال، وهذا القول ظاهرُ الفَساد، وبأدْنَى تأمُّل يضِحُ؛ وذلك لأنه لو وجب له البناء بدخول "إنْ" عليه، لوجب له البناء بدخول النواصب وبقيةِ الجوازم, لأنّ الأسماء لا تقع فيها فاعرفه.
أمّا الأسماء، فأحد عشر اسمًا فيها معنى "إن"، لذلك بُنيت، وقد تقدّم الكلام على بنائها في المبنيات من فصل الاسم، وهي على ضربين: أسماء، وظروف، فالأسماء:
"مَن"، و"مَا"، و"مَهْمَا"، و"أي"، والظروف "أنَّى"، و"أيْنَ"، و"مَتَى"، و"حَيْثُمَا"، و"إذْمَا"، و"إذَامَا"، فجميعُها تجزم ما بعدها من الأفعال المستقبلة، كما تجزم "إن".
وإنّما عملت من أجل تضمُّنها معنى "إنْ"، ألا ترى أنها إذا خرجت عن معنى "إنْ" إلى الاستفهام، أو معنَى الذي؛ لم تجزم، نحو قولك في الاستفهام: "مَن يقومُ؟ "، و"أعجبني من تكرمُه" إذا أردت معنَى الذي تكرمه.
فأمَّا "مَنْ" فهو لمن يعقل من الثَّقَلَيْن والملائكة، نحوِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ 1.
وأمّا "مَا"، فلِما لا يعقل.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ 2، وإذا كان الجواب بالفاء، فما بعده جملةٌ مستقلّةٌ، والفاء ربطتْها بالأوّل.
وأمّا "مَهْمَا"، فمن أدوات الشرط تُستعمل فيها استعمالَ "مَا".
تقول: "مَهْمَا تفعلْ أفعلْ مثلَه".
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ 3. وقد اختلفوا فيها، فذهب قوم إلى أنها اسم بكمالها يُجازَى به، قالوا: لأنّ التركيب على خلاف الأصل، فلا يُقْدَم عليه إلَّا بدليل، فلو وُزنت، لكانت "فَعْلَى"، وقد أفادت معنى الشرط فيما بعدها.
والغَالبُ في إفادة المعاني إنما هي الحروف، فكانت متضمّنة لمعنى الحرف، وعَوْدُ الضمير إليها يدل على اسميّتها.
وقال الخليل 4: هي مركّبة، كان الأصل "ما" الشرطية التي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ 5، زيدت عليها "ما" أُخرى توكيدًا، و"ما" تزاد كثيرًا مع أدوات الشرط.
ألا ترى أنها قد زيدت مع "إنْ"، وادُّغمت النون في الميم لسكونها، لأنّ النون الساكنة تُدّغم في الميم، فقالوا: "إمّا تأتِني آتِك".
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ 6. وزادوها أيضًا مع "متى"، و"أيْنَ"، فقالوا: "متى ما تأتِني آتِك"، و"أينَمَا تكنْ أكن"، فصار اللفظ بها "ماما"، وكرهوا توالي لفظَيْن، حروفُهما واحدةٌ، فأبدلوا من ألفِ "ما" الأوُلى هاءً لقرب الهاء من الألف في المَخْرج، وكانت ألفُ "مَا"، الأوُلى أجدر بالتغيير من الثانية، لأنها اسم.
والأسماء أقبلُ للتغيير والتصرّف من الحروف لقُرْبها من الأفعال.
وقال قوم: هي مركبة من "مَهْ" بمعنى "اكْفُفْ"، و"مَا"، فاللفظ على هذا لم يدخله تغييرٌ، لكنّه مركب من كلمتَيْن بقيتا على لفظهما.
وحكى الكوفيون في أدوات الشرط
"مَهْمَن" وهذا يقوّي القول الثالث, لأنّ هذه "مَهْ" ضُمّت إلى "مَن" كما أن تلك "مَهْ" ضُمّت إلى "مَا"، فاعرفه.
والوجه قول الخليل؛ لأنه به يلزم أن يكون كل موضع جاء فيه "مهما" أُريد فيه معنى الكفّ، وما أظن القائل [من الطويل]:
1 - [أَغَرَّكِ مِني أَنَّ حُبَّكِ قاتلى]... وأَنَّكِ مَهْمَا تَأمُرِي القَلْبَ يَفْعَل
أراد: وإنّك اكففى ما تأمري القلب يْفعل، ولذلك تُكْتَب بالألف.
ولو كانت كلمة واحدة، لكتبت بالياء لأن الألف إذا وقعت رابعةً، كُتبت ياءً.
والدليل على أنّ "مهما" فيها معنَى "ما" أنّه يجوز أن يعود إليه الضمير، والضمير لا يعود إلَّا إلى الاسم، كقولك: "مهما تعمل من مَصالِحَ تجازَ عليه"، فالهاءُ في "عليه" تعود إلى "مهما"، وقال الشاعر [من المتقارب]:
2 - إذا سُدْتَه سُدْتَ مِطْواعَةً... ومَهْمَا وَكَلْتَ إليه كَفاه
فالهاء في "كفاه" تعود إلى "مَهْمَا" كما تعود إلى "ما".
ومما يؤيّد قول الخليل أنه قد استُفهم بـ"مَهْمَا" كما يُستفهم بـ"ما"، نحوَ قول الشاعر، أنشده أبو زيد في نوادره [من السريع]:
1 - مَهْمَا لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْمَا لِيَه... أوْدَى بنَعْلَيَّ وسِرْبالِيَه = العدواني في خزانة الأدب4/ 147، 148، 150، 9/ 26، 27. اللغة: سُدته: من المساودة، وهي المسارَّة.
وكل إِليه الشيء: فوّضه به، أو عليه.
المِطواع: الكثير الطوع والانقياد.
المعنى: إذا ساررته طاوعكَ، وساعدكَ، وإن وكَّلته بأمر شيءٍ قام على رعايته خير قيام.
الإعراب: "إِذا": ظرفية شرطية غير جازمة مبنية على السكون في محل نصب متعلقة بالفعل "سدت".
"سدته": فعل ماض مبني على السكون، وتاء الفاعل محلها الرفع، والهاء: مفعول به محله النصب.
"سُدْت": مثل الأول.
"مطواعة": مفعول به منصوب.
"ومهما": الواو: حرف عطف، "مهما": اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
"وكلت": مثل "سدت."إِليه": جار ومجرور متعلقان بالفعل "وكلتَ".
"كفاه": فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والهاء: مفعول به محله النصب، والفاعل مستتر تقديره: "هو".
وجملة "إِذا سدته سدت مطواعة": خبر لـ"لكن" في بيت سابق محلها الرفع.
وجملة "سدته": مضاف إليها محلها الجر.
وجملة "سُدْت": جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
وجملة "مهما وكلت إليه كفاه": معطوفة على جملة "إذا سدته سدت مطواعة".
وجملة "وكلت إليه": جملة الشرط لا محل لها، والفعل "وكلت" محله الجزم.
وجملة "كفاه": جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب، ومجموع جملتي الشرط والجواب خبر للمبتدأ "مهما"، محله الرفع.
والشاهد فيه قوله: "ومهما... كفاه" حيث عاد الضمير في "كفاه" على "مهما" وهذا دليل اسميتها، كما مرّ في الإعراب.
يريد: ما لي.
وأمّا "أيٌّ"، فإنها اسم مبهم منكور، وهي بعضُ ما تُضاف إليه: إن أضفتها إلى الزمان، فهي زمان، وإن أضفتها إلى المكان، فهي مكان، إلى أي شيء أضفتَها، كانت منه.
ويُجازَى بها كأخواتها مضافةً ومفردة.
تقول: "أيهم يأتِني آتِه"، و"أيّهم يُحْسِنْ إليّ أحسنْ إليه"، ترفع "أيًّا" بالابتداء وما بعدها من الشرط والجزاء الخبرُ, لأنّ "أيًّا" هنا الفاعل في المعنى, لأنّ المبتدأ إذا تقدّم؛ امتنع أن يكون فاعلاً صناعيًّا، وارتفع بالابتداء، وأُسْنِد فعل الشرط إلى ضميره.
وتقول: "أيُّهم تضربْ أضربْ"، تنصب "أيًّا" بـ"تضرب"؛ لأنه واقع عليه في المعنى، والمفعولُ يجوز تقديمه على الفعل بخلاف الفاعل.
والفعلُ في باب الجزاء ليس بصلة لِما قبله، كما أنّ ما بعد الاستفهام ليس بصلة لِما قبله، فجاز أن يتقدّم معموله.
والفعل إذا كان مجزومًا يعمل عَمَلَه غيرَ مجزوم.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ 1، فـ "أيًّا" منصوب بـ"تدعوا"، وكذلك حكمُ "مَن"، و"ما" في العمل.
وأما الظروف، فمنها "أنَّى"، وأصلها الاستفهام، تأتي تارة بمعنَى "مِن أيْنَ"، وتارة بمعنَى "كيف".
قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ 2، أي: من أين لك هذا؟ وقال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ 3، وقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ 4، وقال: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ 5، ويجازى بها، فيقال: "أنّى تكن أكن".
قال الشاعر [من الطويل]:
فأصْبَحْتَ أنى تأتِها تَلْتَبِس بها... كِلا مَرْكَبَيْها تحت رِجلَيْك شاجِرُ 6
جزمت "تأتي" بـ"أنّى"، وهو شرط، و"تلتبسْ" لأنه جزاء، والمعنى أنه يخاطب رجلاً قد وقع في مُعْضِلة وقضيّة صَعْبة، فقال: كيف أتيتَ هذه المعضلةَ من قدّام أو من خلف.
وشاجرٌ: داخل تحت الرجْل، ويروى: "رَحْلك" بالحاء، ورِجلك بالجيم، وكل شيء دخل بين شيئين، ففرجهما، فقد شجرهما، ومركبَيْها يعني المعضلة.
وأمّا "أينَ"، فاسم من أسماء الأمكنة مبهمٌ يقع على الجهات الستّ، وكلّ مكان يُستفهم بها عنه، فيقال: "أين بيتُك"؟ "أين زيدٌ؟ " وتنقل إلى الجزاء، فيقال: "أين تكن أكن"، والمراد: إنْ تكن في مكانِ كذا أكن فيه، والأكثرُ في استعمالها أن تكون مضمومة
إليها "ما"، نحوَ قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ 1، وليس ذلك فيها بلازم، بل أنت مخير فيها.
قال الشاعر [من الخفيف]:
أينَ تَصرِفْ بها العُداةَ تَجِدْنا... نَصْرِفُ العِيسَ نَحوَها للتَّلاقي 2
وأمّا "مَتَى تخرج؟ " فاسم من أسماء الزمان، يستفهم به عن جميعها، نحوَ قولك: "متى تقوم؟ " "متى تخرج؟ " قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ 3، فهي في الزمان بمنزلةِ "أينَ" في المكان، وتنقل إلى الجزاء كـ "أين".
قال الشاعر [من الطويل]:
متى تَأتهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ ناره... تَجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِدِ 4
وقال طَرفة [من الطويل]:
987 - متى تَأتِنَا أصْبَحْكَ كاسًا رَوِيَّةً... وإن كنتَ عنها غانِيًا فاغْنَ وازدَدِ5
وَلَكَ استعمالُها في الجزاء مضمومًا إليها "مَا" وغيرَ مضموم إليها، إن شئت، قلت: "متى تذهبْ أذهبْ"، و"متى ما تذهبْ أذهبْ".
وأمّا "حَيثُ" و"إذْ"، و"إذَا" فظروفٌ أيضًا، فـ"حيث" ظرف من ظروف الأمكنة مبهم، يقع على الجهات الستّ، و"إذ"، و"إذا" ظرفا زمان، فـ "إذْ" لِما مضى، و"إذا" لِما يُستقبل، وكل الظروف التي يجازى بها يجوز أن يجازى بها من غير أن يضمّ إليها "ما" ما خلا "حَيثُمًا" وأُختيها، وذلك لأنها مبهمة تفتقر إلى جملة بعدها تُوضِحها وتُبيّنها، فتَنزّلت الجملة منها منزلة الصلة من الموصول، فكانت في موضع جرّ بإضافتها إليها متنزلةً منها منزلةَ الجزء من الكلمة، فلمّا أرادوا المجازاة بها، لزِمهم إبهامُها، وإسقاطُ ما يوضحها، فألزموها "ما" كما ألزموا، "إنَّما"، و"كأنما"، و"رَبَّمَا" وجعلوا لزومَ "ما" دلالةً على إبطال مذهبها الأولِ، فجعلوا "حيثما" بمنزلة "أينَ" في الجزاء، ولم تزل عن معناها الأول، فتقول: "حيثما تكن أكن"، كما تقول: "أين تكن أكن"، و"حيثما تقم يُحْبِبك أهلُها".
قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 1، فـ "كنتم" في موضع مجزوم، ولذلك أجابه بالفاء، وجعلوا "إذما"، و"إذاما" بمنلةِ "متى"، فقالوا: "إذما تأتِني آتِك"، و"إذا ما تُحسِنْ إليّ أشكرْك"، قال العبّاس بن مِرْداس [من الكامل]:
إذ ما أتَيتَ على الرَّسُول فَقُل له... حَقًّا عليك إذا اطْمأنَّ المَجْلِسُ 2
وقال عبد الله السَّلُوليّ [من الطويل]:
988 - إذما تَرَيْني اليومَ أُزجِي مَطِيَّتِي... أُصعدُ سَيْرًا في البلاد فأفرعُ
[فإني من قومٍ سِواكُم وإنما... رجاليَ فَهمٌ بالحِجازِ وأَشْجَعُ]3
فـ"أتَيتَ" في موضع جزم بـ"إذما" إلًّا أنه مبني، إذ كان ماضيًا فلا يظهر فيه الإعراب، وتقول في "إذَا مَا": "إذا ما تأتني أُحسِنْ إليك".
قال ذو الرُمّة [من البسيط]:
تُصْغِي إذا شَدَّها للرَّحْل جانِحَةً... حتى إذا ما اسْتَوَى في غَرْزها تَثِبُ 1
وربَّما جُوزى بـ"إذا" من غير "ما"، وهو قليل لا يكون إلًّا في الشعر.
قال قَيْس بن الخَطِيم [من الطويل]:
إذا قَصُرَتْ أسيافُنا كان وَصْلُها... خُطانا إلى أعْدائنا فنُضارِبِ 2
وقال الفرزدق [من البسيط]:
989 - يَرْفَعُ لِي خِنْدِفٌ والله يرفعُ لي... نارًا إذا خَمَدَث نِيرانُهم تَقِدِ3 = بـ"سيرًا"، أو بـ"أُصَعِّد".
"وأفْرع": الواو: حرف عطف، و"أفرع": فعل مضارع مرفرع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا "فإني": الفاء: حرف رابط لجواب الشرط، و"إني": حرف مشبه بالفعل، والياء: ضمير متصل مبني في محل نصب اسم "إن"."من قوم": جار ومجرور متعلقان بخبر "إنَّ".
"سواكم": نعت لـ"قوم" مجرور بالكسرة المقدّرة على الألف للتعذر، و"كم" ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
"وإنما": الواو: حرف عطف.
و"إنّما": كافة، ومكفوفة.
"رجالي": مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمّة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء: ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
"فَهمٌ": خبر مرفوع.
"بالحجاز": جار ومجرور متعلقان بحال من "فهم".
"وأشجَعُ": الواو: حرف عطف، و"أَشجَعُ": معطوف على "فهم" مرفوع مثله.
وجملة "إذ ما تريني... فإني من قوم": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "تريني": جملة الشرط غير الظرفي لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أزجي": حالية محلَّها النصب.
وجملة "أفرع" معطوفة على جملة "أُصَعِّدُ"، وكلاهما تفسيريتان لا محل لهما من الإعراب.
وجملة "إِني من قرم": جَواب شرط جازم مقترن بالفاء محلُّها الجزم.
وجملة "رجالي فهم بالحجاز": معطوفة على جملة "إني من قوم سواكم".
والشاهد فيهما مجيء "إذما" بمنزلة "متى".
فإن قيل: "إذ" ظرف زمان ماضٍ، والشرطُ لا يكون إلًّا بالمستقبل، فكيف تصح المجازاة بها؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنّ "إذ" هذه التي تستعمل في الجزاء مع "ما" ليست الظرفيّة، وإنما هي حرف غيرها ضُمّت إليها "ما" فرُكبا للدلالة على هذا المعنى كـ"أإنمَّا".
والثاني: أنها الظرف، إلًّا أنها بالعقد والتركيب غُيّرت ونُقلت عن معناها بلزومِ "ما" إيّاها إلى المستقبل، وخرجت بذلك إلى حيّز الحروف، ولذلك قال سيبويه (1). ولا يكون الجزاء في "حيث" ولا في "إذ" حتى يضمّ إلى كل واحد منهما "ما"، فتصير "إذ" مع "ما" بمنزلة "إنّما"، و"كأنما" وليست "ما" فيهما بلَغو، ولكنّ كلّ واحد منهما مع "ما" بمنزلة حرف واحد.
فأمّا"إذاما" فإن سيبويه لم يذكرها في الحروف، والقياسُ أن تكون حرفاً كـ"إذما"، ولذلك لا يعود إليها ضميرٌ ممّا بعدها كما يعود إلى غيرها ممّا يجازى به من نحو "مَنْ"، و"ما"، و"مَهما"، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.