شرح المفصل لابن يعيشفصل [حروف العربية]

فصل [حروف العربية]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ويرتقي عدد الحروف إلى ثلاثة وأربعين, فحروف العربية الأصول تلك التسعة والعشرون, ويتفرع منها ستة مأخوذ بها في القرآن, وكل كلام فصيح، وهي: النون الساكنة التي هي غنة في الخيشوم, نحو: "عَنْكَ", وتسمى النون الخفيفة والخفية.
وألفا الإمالة والتفخيم, نحو: "عالم", و"الصلاة".
والشين التي هي كالجيم نحو: "أشدق".
والصاد التي كالزاي, نحو: "مصدر".
والهمزة بين بين, والبواقي حروف مستهجنة, وهي الكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين, والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء.

قال الشارح: اعلم أنّ أصل حروفِ المُعْجَم عند الجماعة تسعةٌ وعشرون حرفًا على ما هو المشهور من عددها.
أوّلها الهمزة، ويقال لها: "الألف"، وإنّما سمّوها ألفُا؛ لأنّها تُصوَّر بصورة الألف، فلفظُها مختلفٌ، وصورتُها وصورةُ الألف الليّنة واحدةٌ، كالباء والتاء والثاء والجيم والحاء والخاء، لفظُها كلِّها مختلفٌ، وصورتها واحدةٌ.
وكان أبو العبّاس المبرّد يعدّها ثمانية وعشرين حرفًا، أوّلُها الباء، وآخرها الياء, ويدع الهمزة من أوّلها: ويقول: الهمزة لا صورةَ لها، وإنّما تُكْتَب تارةً واوًا، وتارة ياءً، وتارةً ألفًا، فلا أَعُدُّها مع التي أشكالُها محفوظةٌ معروفةٌ، فهي جاريةٌ على الألْسُن موجودةٌ في اللفظ، ويستدل عليها بالعلامات في الخطّ, لأنّه لا صورةَ لها.

والصوابُ ما ذكره سيبويه 1 وأصحابُه من أنّ حروف المعجم تسعة وعشرون حرفًا، أوّلُها الهمزة، وهي الألف التي في أوّل حروف المعجم: وهذه الألفُ هي صورتُها على الحقيقة، وإنّما كُتبت تارةً واوًا وياءً أخرى على مذهب أهل الحجاز في التخفيف، ولو أريد تحقيقُها, لم تكن إلَّا ألفًا على الأصل، ألا ترى أنّها إذا وقعت موقعًا لا تكون فيه إلَّا محقّقةً، لا يمكن فيه تخفيفُها، وذلك إذا وقعت أوّلًا، لا تُكتب إلَّا ألفًا، نحو: "أَعْلَمُ"، "اِذْهَبْ"، "اخرِجُ"، وفي الأسماء "أَحْمَدُ"، "إبْرَاهِيمُ"، "أُتْرُجَّة".
وذلك لمّا وقعت أوّلًا، لم يمكن تخفيفها لقربها من الساكن، فكما لا يُبتدأ بساكن، كذلك لا يُبتدأ بما قرب منه.
وأمر آخرُ يدلّ أنّ صورة الهمزة صورةُ الألف أنّ كلّ حرف سمّيتَه، ففي أوّل حروف تسميته لفظُه بعينه، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ياءٌ" ففي أوّل حروفه ياءٌ, وإذا قلت: "تاءٌ" ففي أوّل حروفه تاءٌ, وكذلك جيمٌ ودال وسائر حُروف المعجم، فكذلك إذا قلت: "أَلِفٌ" فأوّلُ الحروف التي نطقتَ بها همزةٌ، فدلّ ذلك أنّ صورتها صورةُ الألف.
فأمّا الألف الليّنة التي في نحو: "قَالَ"، و"بَاعَ"، فإنّها مدّةٌ لا تكون إلَّا ساكنةً، فلم يمكن تسميتُها على منهاج إخواتها؛ لأنّه لا يمكن النطقُ بها في أوّل الاسم، كما أمكن النطقُ بالجيم والدال وغيرِهما، فنطقوا بها البتّة، ولم يمكن النطقُ بها منفردةً، فدعموها باللام؛ ليصحّ النطقُ بها، كما صحّ بسائر الحروف غيرِها.
وقد يلحق هذه الحروفَ التسعة والعشرين ستّةٌ أخرى تتفرّع منها، فتصير خمسة وثلاثين حرفًا، فهذه الستّةُ فصيحةٌ يؤخَذ بها في القرآن وفصيح الكلام، وهي النون الخفيفة، ويقال: "الخفيّة"، والهمزة المخفّفة، وهي همزةُ بين بين، وألفُ التفخيم، وألفُ الإمالة، والشين التي كالجيم، والصاد التي كالزاي.
وإنّما كانت هذه الحروف فروعًا؛ لأنّهن الحروفُ التي ذكرناها لا غيرُهنّ، ولكن أُزلْن عن معتمَدهنّ, فتغيّرت جروسُهنّ، والمرادُ بها ما ذكرنا.
فالنونُ الخفيفة المراد بها الساكنة في نحو: "مِنْكَ" و"عَنْكَ"، فهذه النونُ مخرجُها من الخيشوم، وإنّما يكون مخرجها من الخيشوم مع خمسةَ عشرَ حرفًا من حروف الفم، وهي القاف، والكاف، والجيم، والشين، والصاد، والضاد، والسين، والزاي، والطاء، والظاء، والدال، والتاء، والذال، والثاء، والفاء، فهي متى سكنت، وكان بعدها حرفٌ من هذه الحروف، فمخرجُها من الخيشوم، لا عِلاجَ على الفم في إخراجها.
ولو نطق بها الناطقُ مع أحد هذه الحروف، وأمسك أنفَه، لَبان اختلالُها.
وإن كانت ساكنة، وبعدها حرفٌ من حروف الحلق الستة، فمخرجُها من الفم من موضع الراء واللام،

وكانت بيّنة غيرَ خفيّة، وذلك من قبل أنّ النون الخفيّة إنّما تخرج من حرف الأنف الذي يحدث إلى داخل الفم لا من المنخر، فلذلك خفيت مع حروف الفم, لأنهنّ يُخالِطنها، وتبيّنت عند حروف الحلق لبُعْدهنّ عن الحرف الذي يخرج منه الغنّةُ.
فإذا لم يكن بعدها حرفٌ البتّة، كانت من الفم، وبطلت الغنّةُ، كقولك: "مِنْ"، و"عَنْ" ونحوهما ممّا يوقَف عليه.
فأمّا همزةُ بين بين فهي الهمزة التي تُجعل بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتُها، فإذا كانت مكسورة، كانت بين الهمزة وبين الياء، وإذا كانت مضمومة فهي بين الهمزة والواو، وإذا كانت مفتوحة فهي بين الهمزة والألف.
وقد تقدّم بعضُ ذلك في همزةِ بين بين.
وأمّا ألف التفخيم فأن يُنْحَى بها نحو الواو، فكتبوا: "الصَّلاة" و"الزّكاة" و"الحياة" بالواو على هذه اللغة.
وأمّا ألف الإمالة، فتُسمّى ألفَ الترخيم؛ لأنّ الترخيم تليينُ الصوت، ونقصانُ الجهْر فيه، وهي بالضدّ من ألف التفخيم؛ لأنّك تنحو بها نحو الياء، وألفُ التفخيم تنحو بها نحو الواو.
وأمّا الشين التي كالجيم، فقولك في "أَشْدَقُ": "أَجْدَقُ", لأن الدال حرفٌ مجهورٌ شديدٌ، والجيم مجهورٌ شديدٌ، والشين مهموسٌ رِخْوٌ، فهي ضدُّ الدال بالهمس والرخاوة، فقرّبوها من لفظ الجيم؛ لأنّ الجيم قريبةٌ من مخرجها موافقةُ الدال في الشدّة والجهر.
وكذلك الصاد التي كالزاي، نحو قولهم في "مصدر": "مصدر"، وفي "يصدق": "يصدق" وقد قُرىء: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ 1 بإشمام الصادَ الزايَ، وهي قراءة حمزة.
وعن أبي عمرو فيها أربع قراءات، منها "الصراط" بين الصاد والزاي، رواها عُرْيان بن أبي شَيْبانَ، قال: سمعتُ أبا عمرو يقرأ: "الصراط" بين الصاد والزاي، كأنّه أشرب الصادَ صوتَ الزاي حتى تُوافِق الطاء في الجهر, لأن الصاد مهموسة، والطاء والدال مجهورتان، فبينهنّ تنافٍ وتنافرٌ، فأشربوا الصاد صوت الزاي, لأنّها أختُها في الصفير والمخرج، وموافقةٌ للطاء والدال في الجهر، فيتقارب الصوتان، ولا يختلفان.
ويتفرّع منها أيضًا ثمانية أحرف غير مستحسنة وهي: الكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالثاء، والباء التي كالفاء، فهذه حروفٌ مسترذَلةٌ غيرُ مأخوذ بها في القرآن العزيز، ولا في كلام فصيح.

فأمّا الكاف التي بين الجيم والكاف، فقال ابن دُرَيْد: هي لغةٌ في اليمن، يقولون في "جَمَلٍ": "كَمَل"، وفي "رَجُلٍ": "رَكُل".
وهي في عَوامِّ أهل بغداد فاشيةٌ شبيهةٌ باللُّثْغة.
والجيم التي كالكاف كذلك، وهما جميعًا شيءٌ واحدٌ، إلَّا أنّ أصل إحداهما الجيم، وأصل الأخرى الكاف، ثمّ يقلبونهما إلى هذا الحرف الذي بينهما.
وأمّا الجيم التي كالشين، فهي تكثر في الجيم الساكنة إذا كان بعدها دالٌ أو تاء, نحو قولهم في "اجتمعوا"، و"الأجدر": "اشتمعوا"، و"الأشدر"، فتقرب الجيم من الشين, لأنّهما من مخرج واحد، إلَّا أنّ الشين أبينُ وأفشى، فإن قيل: فما الفرق بين الشين التي كالجيم حتى جُعلت في الحروف المستحسنة، وبين الجيم التي كالشين حتى جُعلت في الحروف المستهجنة؟ قيل: إِنّ الأوّل كُره فيه الجمعُ بين الشين والدال لِما بينهما من التباين الذي ذكرناه؛ وأمّا إذا كانت الجيم مقدّمة كـ"الأجدر"، و"اجتمعوا"، فليس بين الجيم والدال من التنافي والتباعد ما بين الشين والدال؛ فلذلك حسُن الأوّل وضعُف الثاني.
وأمّا الطاء التي كالتاء، فإِنَّها تُسْمَع من عَجَم أهل العراق كثيرًا، نحو قولهم في "طالب": "تالب"؛ لأنّ الطاء ليست من لغتهم، فإذا احتاجوا إلى النطق بشيء من العربيّة فيه طاءٌ، تكلّفوا ما ليس في لغتهم، فضعفُ لفظُهم بها.
والضاد الضعيفة من لغةِ قوم اعتاصت عليهم، فرُبما أخرجوها طاء، وذلك أنّهم يُخْرِجونها من طرف اللسان وأطرافِ الثنايا، وربّما راموا إخراجَها من مخرجها، فلم يَتَأَتَّ لهم، فخرجت بين الضاد والظاء.
ومثال الصاد كالسين قولهم في "صِبْغ": "سبغ"، وليس في حسنِ إبدالِ الصاد من السين, لأنّ الصاد أمضى في السمع من السين، وأصفرُ في الفم.
ومثالُ الظاء كالثاء قولهم في "ظلم": "ثلم".
ومثال الباء كالفاء قولهم في "بورٍ" "فورٌ"، وهي كثيرة في لغة الفُرْس.
وكأنّ الذين تكلّموا بهذه الحروف المسترذَلة قومٌ من العرب خالطوا العجمَ، فتكلّموا بلغاتهم، فاعرفه.

جارٍ التحميل