شرح المفصل لابن يعيشفصل [أوجه "رويد"]

فصل [أوجه "رويد"]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: في "رويد" أربعة أوجه هو في أحدها مبني وهو إذا كان إسماً للفعل، وعن بعض العرب: "والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر".

قال الشارح: لِـ"رُويدَ" أربعةُ مواضعَ: أحدها: أن يكون اسمًا للفعل نحوَ ما تقدم، ومسمّاه "أرَوِدْ" و"أمْهِلْ"، وهو متعدّ إلى مفعول واحد، نحوَ: "رويدَ زيدًا"، على حسب تعدي مسماه، نحوِ قولك: "أرودْ زيدًا"، و"أمهلْه"، وفيه ضميرٌ منويٌّ، وهو ضميرُ الَمخاطب.
إن كان المخاطب واحدًا، كان الضمير واحدًا.
وإن كان اثنين، فالضميرُ اثنان.
وإن كان الخطاب لجماعةٍ، فالضميرُ لجماعة، إلا أنّه لا يظهر لذلك صورةُ لفظ، لا في تثنية، ولا جمع، بخلاف الفعل؛ فإن الضمير تظهر صورتُه في التثنية والجمع؛ لأن الفعل هو الأصل في العمل، وهذه الأسماءُ فروعٌ ونائبةٌ عنه، فلذلك انحطت عن درجته.
قال الشاعر [من الطويل]: 1 - رُوَيْدَ عَلِيًّا جُد ما ثَدْيُ أُمهِمْ... إلَيْنَا وَلكِنْ بَعْضُهُمْ مُتَمايِنُ

فنصب "عليًا" بـ "رُوَيْدَ"، كأنه قال: "أرْوِدْ عليًا" أي: أمْهِلْهُم، و"عَلِيٌّ": قبيلةٌ، وجُد: قُطع نسبتهم بنا، وكَنَى بالثدي عن القَرابة, لأن الرضاع سببُ القرابة.
فأما قولهم: "واللهِ لو أردتَ الدراهم، لأعطيتُك، رُوَيْدَ ما الشعْرَ"، فالمراد: أرْوِدِ الشعرَ، و"مَا"، زائدة، كأنّه قال: "لو أردت الدراهم، لأعطيتُك، فدَع الشعرَ لا حاجةَ بك إليه".
وقد تدخله كافُ الخطاب، فيقال: "رُوَيْدَكَ زيدًا"، جاؤوا بها لتُبيِّن مَن يُعْنَى بالخطاب، لئلا يلتبِس بمن لا تعنيه، كما جاؤوا بها في "هَلُمَّ لك"، و"سَقْيًا لك"، إلَّا أن الكاف في "لَكَ" في محل خفض بما قبله من الخافض، والكافُ في "رُوَيْدَكَ" لا محلّ لها من الإعراب، وإن كان طريقُهما في البيان واحدًا.
فإن كان المخاطب مذكّرًا، فتحتَها، وإن كان مؤنثًا، كسرتها.
وتُثنيها وتجمعها إذا أردت تثنية أو جمعًا، فتقول: "رُوَيْدَكَ يا زيدُ"، و"رويدكِ يا هِنْدُ"، و"رويدكما يا زيدان"، و"رويدكم يا زيدون".
وقد اختلفوا في هذه الكاف، فذهب قومٌ إلى أنّها اسمٌ، موضعُه من الإعراب رفعٌ، وقال آخرون: موضعُها نصبٌ.
وذهب سيبويه 1 إلى أنها حرفٌ مجردٌ من معنى الاسميّة للخطاب، كالكاف في "ذلِكَ"، و"أُولئِكَ"، و"النجاءَكَ".
والصحيحُ مذهبُ سيبويه فيها؛ لأنها لو كانت في موضعِ رفع بأنّها فاعل، لم يجز حذفُها، وأنتَ قد تقول: "رويدَ زيدًا"، فتحذفها، وتجعل في "رويد" ضميرًا مرفوعًا في النية يجوز أن يُؤكَّد، وأن يُعطَف عليه بحسب ما يجوز في ضمائرِ الفاعلين، نحوِ قولك: "رويدكم أنتم وزيدٌ"، و"رويدكم أجمعوَن"، كما تقول: "قُمْ أنت وعبدُ الله"، و"قوموا أجمعون ". فلمّا ساغ فيها ذلك، دلّ على أن الكاف ليست فاعلةً.
ولا تكون أيضًا في موضع نصب؛ لأن "رويد" اسمُ "أرْوِدْ"، و"أرْوِدْ" إنما يتعدّى إلى مفعول واحد، فلو كانت الكاف في محلِّ نصب، لَكنت إذا = المعنى: أمهل عليًا، إن بيننا وبينهم قرابة من ناحية الأمّ، وهم منقطعون إلينا بها، وإن كان بعضهم كاذبًا.
الإعراب: "رويد": اسم فعل أمر بمعنى: "أمهل" وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: "أنت".
"عليًا": مفعول به منصوب.
"جدّ": فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح.
"ما": زائدة.
"ثدي": نائب فاعل.
"أمّهم": مضاف إليه مجرور، وهو مضاف، و"هم": ضمير في محلّ جرّ بالإضافة.
"إلينا": جار ومجرور متعلقان بالفعل (جُدَّ).
"ولكن": الواو: استئنافيّة، "لكن": للاستدراك.
"بعضهم": مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، و"هم" ضمير في محل جرّ بالإضافة.
"متماين": خبر المبتدأ مرفوع.
جملة "رويد عليًا": ابتدائيّة لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "جُدَّ ثدي أمهم" استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ولكن بعضهم متماين": استئنافيّة لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "رويد عليًا" حيث نصب اسم الفعل "رويد" مفعولًا به "عليًا".

قلت: "رويدك زيدًا"، مُعديًا له إلى مفعولَيْن: أحدُهما مضمرٌ، وهو الكاف، والآخر ظاهرٌ، وهو"زيد".
ولو جاز ذلك، لجاز "رويد زيدًا خالدًا"، ولا نعلم أحدًا قاله.
ولو كانت منصوبة أيضًا، لجاز أن تقول: "رويدك نفسَك"، إذا أردت تأكيد الكاف، وكذلك لو كانت مجرورة، لجاز أن تقول: "رويدك نفسِك" على أنه تأكيدٌ، ولا يُسمع مثلُ ذلك.

قال صاحب الكتاب: وهو فيما عداه مُعْرَبٌ، وذلك أن يقع صفة، كقولك: "ساروا سيرًا رُوَيْدًا"، و"ضَعْه وَضْعًا رويدًا"، وقولِك للرجل يُعالِج شيئًا: "رويدًا"، أي: عِلاجًا رويدًا، وحالًا، كقولك: "ساروا رويدًا" ومصدرًا في معنَى "إروادٍ" مضافًا، كقولك: "رويدَ زيدِ"، وسُمع بعضُ العرب: "رويدَ نفسِه"، جَعَلَه مصدرًا كـ"ضَرْبَ الرِّقابِ".

قال الشارح: الموضع الثاني من مواضعِ "رُوَيْدَ" أن تكون صفة، نحوَ قولك: "ساروا سيرًا رويدًا".
وتكون معربةً مصدرًا وُصف به على حدّ قولهم: "رجل عَدْلٌ"، و"ماءٌ غَوْرٌ"، ويكون أصلُه "إرْوادًا"، ألَّا أنّه صُغّر بحذفِ زوائده، كما قالوا في "أسْوَدَ": سُوَيْدٌ، وفي "أزْهَرَ": "زُهَيْرٌ".
ويجوز أن يكون تصغيرَ "مُرْوَدٍ" أو"مَرْوَدٍ"، فحذفوا الزوائدَ.
الموضع الثالث: أن يكون حالًا، ويكون معربًا أيضًا، نحوَ قولهم: "ساروا رويدًا"، أي: مُرْوِدِينَ.
إذا ذكرت المصدرَ، كان صفة له، وإذا لم تذكره، كان حالًا لضُعْفِ حذفِ الموصوف، وإقامةِ الصفة مُقامه.
ويجوز أن يكون المراد: ساروا سيرًا رويدًا, ثم حذف الموصوف وأُقيمت الصفة مقامه, وهو ضعيف.
والموضع الرابع: أن يكون مصدرًا بمعنَى "إرْوادٍ"، ويكون معربًا، فتقول: "رويدًا زيدًا"، بمعنَى: "أرْوِدْ زيدًا إروادًا"، فحُذف الفعل، وأُقيم المصدر مُقامه، كما قالوا: "سَقْيًا ورَعْيًا"، والمراد: سَقاك اللهُ، ورَعاك اللهُ.
وقد يُضاف إلى المفعول، فيقال: "رُوَيْدَ زيدٍ"، كما قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ 1، فهو باقٍ على مصدريته غيرَ مسمى به، ولا مُغيرٍ عن جهته.
قال الشاعر [من الطويل]: 541 - رُوَيْدًا بني شَيْبانَ بَعْضَ وَعِيدِكُمْ... تُلاقوا غَدًا خَيْلِي على سَفَوانِ2

ويروى: "رُوَيْدَ بني شيبان" من غير تنوين.
ويحتمل أن يكون مصدرًا مضافًا إلى ما بعده، ويُؤيده روايةُ مَن نوّن.
ويجوز أن يكون أراد اسمَ الفعل، ويكون "بني شيبان" منصوبًا به، كقوله: "رويدَ عَلِيًا".

جارٍ التحميل