شرح المفصل لابن يعيشفصل [حذف المبتدأ أو الخبر]

فصل [حذف المبتدأ أو الخبر]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "ويجوز حذف أحدهما, فمن حذف المبتدأ قول المستهل: "الهلال والله"، وقولك وقد شممت ريحًا: "المسك والله"، أو رأيت شخصاً فقلت: "عبد الله وربي", ومنه قول المرقّش: [من السريع]: 1 - [لا يبعد الله التلبب والـ... غارات] إذ قال الخميس نعم ومن حذف الخبر قولهم: "خرجت فإذا السبع"، وقول ذي الرمة: [من الطويل] 2 - فيا ظبية الوعساء بين جُلاجِلٍ... وبين النَّقا آأنت أم أُمُّ سالم؟!

وقوله تعالى: ﴿فصبرٌ جميلٌ﴾ 1 يحتمل الأمرين.
أي فأمري صبرٌ جميلٌ أو فصبرٌ جميلٌ أجملُ".

قال الشارح: اعلم أن المبتدأ والخبر جملةٌ مفيدةٌ تحصل الفائدةُ بمجموعهما، فالمبتدأ معتمَدُ الفائدة، والخبرُ محلُّ الفائدة، فلا بدّ منهما، إلَّا اْنّه قد تُوجَد قَرِينةٌ لفظيةٌ، أو حاليّةً تُغْنِي عن النُّطْق بأحدهما، فيُحْذَف لدلالتها عليه، لأنّ الألفاظ إنّما جيءَ بها للدلالة على المعنى، فإذا فُهم المعنى بدون اللفظ، جاز أن لا تأتي به، ويكون مرادًا حُكْمًا وتقديرًا.
وقد جاء ذلك مَجِيئًا صالحًا، فحذفوا المبتدأ مُرَّةً، والخبرَ أخرى، فممّا حُذف فيه المبتدا قولُ المستهِلّ: "الهِلالُ وَاللهِ" أي: هذا الهلالُ والله، والمستهلُّ طالبُ الهلال كما يقال لطالبِ الفَهْم: مستفهِمٌ، ولطالبِ العِلْم: مستعلِمٌ.
ومثله إذا شممتَ رِيحًا طَيبةً قلت: "المِسْكُ والله" أي: هو المسكُ والله، أو هذا المسكُ، وكذلك لو رأيت صورةَ شخص فصار آية لك على معرفةِ ذلك الشخص، فإذا رأيتَه بعدُ قلت: "عبدُ الله ورَبّي"، كانّك قلت: "ذاك عبدُ الله"، أو"هذا عبدُ الله"، وكذلك لو حُدِّثْتَّ عن شمائل رجلٍ، ووُصف بصفاتٍ مثلَ "مررت برجلٍ راحمِ المَساكين بارٍّ بوالدَيْه" فعُرّف بتلك الأوصاف، فقلت: "زيدٌ واللهِ"، أي: هو زيدٌ، أو المذكور زيدٌ؛ وأمّا بيتُ المُرَقَّش الأكبر [من السريع]: لا يُبْعِدِ الله التلَبُّبَ والغاراتِ... إذ قال الخَمِيسُ نَعَمْ فالتلبُّب: لُبْسُ السلاح، والخميسُ: الجَيشُ، والنَّعَمُ: الإبلُ، قال الفرّاء: هو ذَكَرٌ = بالفتحة: الظاهرة متعلق بحال محذوفة من "ظبية"، وهو مضاف.
"جلاجل": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
"وبين": الواو: عاطفة، و"بين": مفعول فيه ظرف مكان منصوب معطوف على الظرف السابق، وهو مضاف.
"النقا": مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة على الألف للتعذر.
"آأنت": "آ": حرف استفهام، و"أنت": ضمير منفصل مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ.
"أم": حرف عطف.
"أمُّ": اسم معطوف على "أنت" مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
"سالم": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وجملة "يا ظبية الوعساء": بحسب ما قبلها.
وجملة "آأنت... " مع الخبر المحذوف: استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "آانتِ أم أُمُّ سالِم" حيث حذف خبر الممبتدأ "أنت"، والتقدير: آأنت أجمل أمْ أمّ سالم؟ واستشهد به سيبويه على أنّ ناسًا من العرب يدخلون ألفًا بين ألف الاستفهام وبين الهمزة إذا التقتا.

لا يؤنَّث.
يقال: "هذا نَعَمٌ واردٌ".
والمعنى أنه يتأسّف على الغِيَر، ولا سيّما في أوقاتِ إقبالهم على الغنائم، فيقول الجيش: "نَعَمٌ"، أي: هذا نَعَمٌ فاطْلُبوه، إلا أنّه حُذف للعلم به، وقد حذف الخبر أيضًا كما حذف المبتدأ، وأكثر ذلك في الجوابات.
يقول القائلُ: "من عندك؟ " فتقول: "زيدٌ"، والمعنى: زيدٌ عندي، إلَّا أنّك تركته للعلم به، إذ السُّؤالُ إنّما كان عنه.
ومن ذلك قولهم: "خرجتُ فإذا السَّبُعُ".
اعلم أن "إذا" تكون على ضربَيْن: زمانًا، وفيها معنى الشرط، وتضاف إلى الجملة الفعليّة، وإذا وقع بعدها اسمٌ كان ثمَّ فعلٌ مقدَّرٌ، نحو: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ 1، ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ 2، والتقديرُ: إذا انشقّت السماءُ انشقّت، وإذا مدّت الأرضُ مدّت، كأنّ ذلك لتضمُّنه معنى الشرط، والشرط يقتضي الفعلَ.
وتكون بمعنى المُفاجَأة، وهي في ذلك على ضَرْبين: تكون اسمًا، وتكون حرفًا.
وإذا كانت اسمًا، كانت ظرفًا من ظروفِ الأمْكِنة، وإذا كانت حرفًا، كانت من حروف المعاني الدالةِ على المفاجأة، كما أن "إنْ" حرفٌ دالّ على معنى المجازاة.
والهمزة حرفٌ دالّ على معنى الاستفهام، فإذا قلت: "خرجتُ فإذا السَّبُعُ" وأردتَ به الظرفيّةَ، لم يكن ثمَ حذفٌ، وكان "السبعُ" مبتدأ، و"إذا" الخبر قد تقدّم، كما تقول: "عندي زيدٌ" ويتعلّق الظرفُ باستقرارٍ محذوفٍ.
فإن ذكرت اسمًا آخر، كان منصوبًا على الحال، نحو: "خرجتُ فإذا السبعُ واقِفًا، أو عادِيًا"، والعاملُ في الحال الظرفُ، وإن شئت رفعتَه على الخبر، وجعلت الظرفَ من صِلته، فإن جعلتها حرفًا، كان الخبرِ محذوفًا لا محالة، والتقدير: خرجت فإذا السبعُ حاضرٌ أو موجودٌ, لأنّ المبتدأ لا بدّ له من خبر، ولا خبرَ لها هاهنا ظاهرًا، فوجب أن يكون مقدَّرًا، وأمّا قول ذي الرُمّة [من الطويل]: فيا ظبيةَ الوَعْساء... إلخ فالخبرُ محذوفٌ فيه، والتقدير: آانْتِ الظَّبْيَةُ أم أُمُّ سالم، والمرادُ: إنّكما التبسْتما عليّ لشدة تشابُهكما، فلم أعرف إحداكما من الأخرى.
والوعْساءُ: الأرض اللَّيّنة ذاتُ الزَّمْل.
وجُلاجِلُ: موضعٌ, ويُروى بالحاء غيرِ المعجمة.
والنَّقا: الكَثِيبُ من الرمل.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ 3 احتمل الأمرين، وذلك أن يكون "صبرٌ" مبتدأ والخبر محذوف، والمعنى: فصبرٌ جميلٌ أجملُ من غيره، أو فعندي صبرٌ جميلٌ.
وجاز الابتداءُ بقوله: صبرٌ جميلٌ، وهو نكرةٌ, لأنها قد وُصفت، والنكرةُ إذا وُصفت جاز الابتداءُ بها، وقد تقدّم بيانُ ذلك، ويجوز أن يكون "صبرٌ جميلٌ" خبرًا، والمبتدأ محذوفٌ، والتقديرُ: فأمري صبرٌ جميلٌ، أو صَنْعي صبرٌ جميلٌ.

قال صاحب الكتاب: "وقد التزم حذف الخبر في قولهم: "لولا زيد لكان كذا" لسد الجواب مسدة.
ومما حذف فيه الخبر لسد غيره مسدَّه قولهم: "أقائمٌ الزيدان"، و"ضربي زيداً قائماً"، و"أكثر شربي السويق ملتوتاً"، و"أخطب ما يكون الأمير قائماً" وقولهم: "كل رجل وضيعته"".

قال الشارح: اعلم أنّ "لَوْلَا" حرف يدخل على جملتَيْن: إحداهما مبتدأ وخبر، والأخرى فعلٌ وفاعلٌ، فتُعلِّق إحداهما بالأخرى، وتربطها بها كما يدخل حرفُ الشرط على جملتَيْن فعليتَيْن.
فيربط إحداهما بالأخرى، فتصيران كالجملة الواحدة، فتقول: "قام زيدٌ، خرج محمّدٌ"، فهاتان جملتان متبايِنتان، لا تَعَلُّقَ لإحداهما بالأخرى، فإذا أتيتَ بـ "إِن" الشرطيّة، فقلت: "إن قام زيدٌ خرج محمّدٌ"، ارتبطتِ الجملتان، وتعلقت إحداهما بالأخرى، حتى لو ذكرت إحدى الجملتَيْن منفردةً لم تُفِدْ، ولم تكن كلامًا.
وكذلك "لَوْلَا"، تقول: "زيدٌ قائمٌ، خرج محمّدٌ"، فهاتان جملتان متبايِنتان، إحداهما مبتدأ وخبر، والأخرى فعلٌ وفاعلٌ، فإذا أتيتَ بـ "لَوْلا" وقلت: "لولا زيدٌ قائمٌ لخرج محمَّدٌ"، ارتبطت الجملةُ الثانية بالجملة الأُولى، فصارتا كالجملة الواحدة، إلَّا أنّه حذف خبرُ المبتدأ من الجملة الأوُلى لكثرةِ الاستعمال حتى رُفض ظهوره، ولم يجز استعماله.
فإذا قلت: "لولا زيدٌ لخرج محمدٌ"، كان تقديره: لولا زيدٌ حاضرٌ أو مانعٌ، ومعناه أن الثاني امتنع لوجودِ الأوّل، وليست الجملةُ الثانيةُ خبرًا عن المبتدأ, لأنه لا عائد منها إلى زيدٌ، والجملةُ إذا وقعت خبرًا، فلا بدّ فيها من عائد إلى المبتدأ.
وإنما اللامُ وما بعدها كلامٌ يتعلّق بـ "لَوْلَا" وجوابٌ لها، وقد شَبَّهَ سيبويه ما حُذف من خبرِ المبتدأ بعد "لَوْلا" بقولهم: "إمَّا لا"، ومعناه أن رجلاً أُمر بأشياء يفعلها وقد شُبِّهت عليه، فوقف في فَعْلها، فقيل له: "افْعَلْ كذا، وكذا إن كنت لا تفعل الجميعَ".
وزادوا على "إنْ ما"، وحذفوا الفعلَ وما يتّصل به، وكثر حتّى صار الأصل مهجورًا، وربمّا وقع بعد "لَوْلا" هذه الفعلُ والفاعلُ لاشتراكهما في معنى الآخر، ألا ترى أنّه لا فَرْقَ من جهةِ المعنى بين "زيدٌ قائمٌ " و"قام زيدٌ".
قال الجَمُوح [من البسيط]: 1 - قالت أُمامَةُ لمّا جئتُ زائرَها... هَلَّا رَمَيْتَ ببَعْضِ الأَسْهُمِ السُّودِ

لا دَرَّ دَرُّكَ إني قد رَمَيْتُهُمُ... لولا حُدِدْتُ ولا عُذْرَى لِمَحْدودِ والمراد: لولا الحَدُّ.
وقال الكوفيون 1: الاسمُ الواقعُ بعد "لولا" يرتفع بـ "لولا" نفسِها لنِيابتها عن الفعل، والتقديرُ: لولا يمنع زيدٌ.
وهذا ضعيفٌ لوجوهٍ: منها: أنَّه لو كان الأمرُ على ما ادّعوه لَجاز وُقوعُ "أحَدٍ" بعدها, لأن "أحدًا" يعمل فيها النفيُ، ولم يُسْمَع عنهم مثلُ ذلك.
الوجه الثاني: إنَّه لو كان معناه النفيَ على ما ادّعوه، لجاز أن تعطِف عليه بـ "الواو"و"لَا" لتأكيدِ النفي، فتقولَ: "لولا زيدٌ ولا خالدٌ لأكرمتُك"، نحوَ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ 2. فلما لم يجز ذلك ولم يُستعمل، دلّ على أن الجُحود قد زَايَلَها.
= لها: لازكا عملك ولا نما، قد أفعل ولكني ممنوع، ولا معذرة لممنوع من الهجاء.
الإعراب: "قالت": فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: تاء التأنيث الساكنة.
"أمامة": فاعل مرفوع بالضمّة.
"لما": اسم مبني في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان، متعلق بـ "قالت"."جئت": فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محلّ رفع فاعل."زائرها": حال منصوبة بالفتحة، وها: ضمير متصل في محل جرَّ بالإضافة.
"هلاّ": حرف تحضيض.
"رميت": فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محلّ رفع فاعل.
"ببعض": جار ومجرور متعلّقان بـ "رميت".
"الأسهم": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"السود": صفة للأسهم مجرورة بالكسرة.
"لا": نافية لا عمل لها."درّ": فعل ماض مبني على الفتح.
"درُّك": فاعل "درّ" مرفوع بالضمّة، والكاف: ضمير متصل في محل جرّ بالإضافة.
"إني": "إنّ": حرف مشبه بالفعل، والياء: ضمير متصل في محلّ نصب اسمها.
"قد": حرف تحقيق.
"رميتهم": "رميت": فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محلّ رفع فاعل، و"هم": ضمير متصل في محلّ نصب مفعول به.
"لولا": حرف شرط غير جازم.
"حددت": فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محلّ رفع نائب فاعل.
"ولا": الواو: للاستئناف، "لا"، نافية للجنس تعمل عمل "إن"."عذرى": اسم "لا" مبني على الفتحة المقدّرة على الألف للتعذر، في محل نصب.
"لمحدود": جار ومجرور متعلّقان بالخبر المحذوف (كائنة).
وجملة "قالت أمامة": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "جئت": في محلّ جرّ بالإضافة وجملة "هلّا رميت": مقول القول في محلّ نصب مفعول به.
وجملة "لا درّ درّك": استئنافية لا محلّ لها.
وجملة "إني قد... ": استئنافية لا محل لها.
وجملة "رميتهم": في محل رفع خبر "إن".
وجملة "لولا حددت... ": الشرطية استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة جواب الشرط غير الجازم المقدرة بـ "فإني قد رميتهم" لا محل لها من الإعراب.
وجملة "لا عذري... ": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيهما قوله: "لولا حددت" حيث أدخل "لولا" على الفعل، وقد كثر دخولها على الاسم، فدل هذا الشاهد على أنها لا تختص بالاسم فقط.
ودخولها على الاسم والفعل يجعلها غير عاملة، فيكون الاسم بعدها مبتدأ.

الوجه الثالث: أن الحرف إنّما يعمل إذا اختصّ بالمعمول، نحوَ حروفِ الجرّ، فإنّها مختصّةٌ بالأسماء، ونحوَ حروف الجزم اختصّت بالدخول على الأفعال و"لَوْلَا" هذه غيرُ مختصّة، بل تدخل على الأسماء، نحوَ: "لولا زيدٌ لأكرمتُك"، وتدخل على الأفعال في نحوِ ما أنشدناه من البيتَيْن، فاعرفه.

قال: "ومن ذلك قولهم: أقائمٌ الزيدان" يعني أنّه حُذف الخبر لِسَدّ لفاعل مَسَدَّه، واعلمْ أن قولهم: "أقائمٌ الزيدان" إنّما أفاد نَظرًا إلى المعنى، إذ المعنى: أيقوم الزيدان؟ فتَمَّ الكلامُ, لأنّه فعلٌ وفاعلٌ، و"قائمٌ" هنا اسمٌ من جهةِ اللفظ وفعلٌ من جهةِ المعنى، فلمّا كان الكلام تامًّا من جهة المعنى، أرادوا إصلاحَ اللفظ، فقالوا: "أقائمٌ" مبتدأٌ و"الزيدان" مرتفعٌ به، وقد سد مسدَّ الخبر من حيثُ إن الكلام تَمَّ به، ولم يكن ثَمَّ خبرٌ محذوفٌ على الحقيقة.
ولو قلت: "قائم الزيدان" من غيرِ استفهام، لم يجز عند الأكثر، وقد أجازه ابنُ السرَّاج، وهو مذهبُ سيبويه لتضمُّنه معنَى الفعل، وإن كان فيه قُبْحٌ, لأنّ اسم الفاعل لا يعمل عملَ الفعل حتّى يعتمد على كلام قبله من مبتدأ، نحوِ: "زيدٌ ضاربٌ أبوه"، أو موصوفٍ، نحوِ: "مررتُ برجلٍ ضارب أبوه"، أو ذي حالٍ، نحوِ: "هذا زيدٌ ضاربًا أبوه"، أو على استفهام، أو نفي بخِلافِ الفعل، فإنّه يعمل معتمِدًا وغيرَ معتمد، وسنذكُر أحكامَه مستقصّى في فصلِ اسم الفاعل.
وأمّا قولهم: "ضَرْبِي زيدًا قائمًا"، فهي مسألة فيها أدْنَى إشكال يحتاج إلى كَشْف، وذلك أن المعنى: ضربتُ زيدًا قائمًا، أو أضْربُ زيدًا قائمًا، فالكلامُ تامُّ باعتبارِ المعنى، إلَّا أنّه لا بدّ مني النَّظَر في اللفظ، وإصلاحِه لكونِ المبتدأ فيه بلا خبر، وذلك أنّ قولك: "ضَرْبِي"، مبتدأٌ، وهو مصدر مضافٌ إلى الفاعل، و"زيدًا" مفعول به و"قائمًا" حالٌ، وقد سدّ مسدَّ خبرِ المبتدأ، ولا يصِحّ أن يكون خبرًا فيرتفعَ, لأنّ الخبر إذا كان مفردًا يكون هو الأوّلَ، والمصدرُ الذي هو الضربُ ليسَ القائمَ، ولا يصحّ أن يكون حالًا من "زيد" هذا؛ لأنه لو كان حالًا منه، لَكان العاملُ فيه المصدرَ الذي هو ضربي؛ لأن العامل في الحال والعاملُ في ذي الحال.
ولو كان المصدرُ عاملًا فيه، لكان من صلته، وإذا كان من صلته، لم يصِحّ أن يسدّ مسدَّ الخبر, لأنّ السادَّ مسدَّ الخبر يكون حكمُه حكمَ الخبر، فكما أنّ الخبر كان جزءًا غيرَ الأوّل، فكذلك ما سدّ مسدَّه ينبغي أن يكون غيرَ الأولّ.
وإذا كان الأمرُ كذلك، كان العاملُ فيه فعلًا مقدَّرًا فيه ضميرُ فاعل، يعود إلى زيد، وهو صاحبُ الحال، والخبرُ ظرفُ زمان مقدَّرٌ مضافٌ إلى ذلك الفعل والفاعلِ، والتقديرُ: ضَرْبِي زيدًا إذا كان قائمًا، فـ "إذًا" هي الخبرُ.
والحَقُّ أنّها في موضع نصب متعلقةٌ باستقرار محذوف تقديرُه: استقرّ أو مستقرٌّ، ثُمَّ حُذف العامل لدلالةِ الظرف عليَه على ما تقدّم، ونُقل الضمير من الفعل إلى الظرفُ وصار الظرف.
وما ارتفع به في موضع

مرفوع، لأنّه خبرُ مبتدأ، فالظرفُ وحدَه في موضع نصب.
يدلُّ على ذلك أنَّه يظهر النصب فيما كان معرَبًا، نحوَ: "القتالُ اليومَ وعِنْدَك"، ونحو ذلك، والظرفُ مع الضمير في موضعِ خبرِ المبتدأ.
فإذا أُريد المُضِيُّ قُدّر بـ "إذْ".
وإذا أُريد المستقبلُ، قُدّر بـ "إذَا".
والظرفُ الذي هو"إذَا"و"إذْ" يضاف إلى الفعل والفاعلِ الذي هو"كَانَ"، والضميرُ الذي فيه، و"كَانَ" هذه المقدَّرةُ هي التامّةُ، وليسِت الناقصةَ، فحُذف الفعل، وأُقيم الظرف مُقامَه.
ثمّّ حُذف الفعل لدلالةِ الظرف عليه.
فإن قيل: ولِمَ قُدّر الخبر بـ "إِذَا" أو"إذْ" دون غيرهما من ظروفِ المكان، قيل: لأنّهما ظرفَا زمان، وظروفُ الزمان يكثر الإخبارُ بها عن الأحداث، والإخبارُ بها مختصٌّ بالحَدَث، فكان تقديرهُ بها 1 أوْلى، وكانت "إذْ" و"إذَا" أوْلى من غيرهما من ظروفِ الزمان لشُمُولهما.
فـ "إِذْ" تشمَل جميعَ ما مضى، و"إذَا" تشمل جميعَ المستقبل.
فلمّا أُريد تقديرُ جُزْء من الزمان، كان أوْلى بذلك لِما ذكرناه.
فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن "كَانَ" المقدَّرةَ هي التامَّةُ دونَ أن تكون الناقصةَ، قيل: لوكانت "كَانَ" المقدَّرةُ الناقصةَ، لكان "قائمًا" من قولك: "ضَرْبِي زيدًا قائمًا" الخبرَ، ولو كان خبرًا لجاز أن يقع معرفة, لأنّ أخبارَ "كَانَ" تكون معرفة ونكرة، فالمعرفةُ نحوُ قولك: "كان زيدٌ أخاك"، و"كان محمَّدٌ القائم"، ومثالُ النكرة "كان زيدٌ قائمًا".
فلمًا اقتُصر ههنا على النكرة، ولم تقع المعرفةُ فيه ألبتّة، دلّ ذلك على أنَّه حالٌ وليس بخبرٍ.
وأمّا المسألة الثانية: وهي "أكثرُ شُرْبي السَّوِيقَ ملتوتًا" فالكلامُ عليها كالكلام على المسألة قبلها في تقدير الخبر والعاملِ فيه، إلَّا أن قوله: "أكثرُ شربي" ليس بمصدر، وإنمّا لمّا أُضيفت "أكثرُ" إلى "شربي" الذي هو المصدرُ، صار حكمُه حكمَ المصدر, لأنّ "أفْعَلَ" بعضُ ما يُضاف إليه.
تقول: "زيدٌ أفْضَلُ القوم"، فيكون بعضَ القوم، و"الياقُوتُ أفضلُ الحِجارة" لأنّه بعضُ الحجارة، ولو قلت: "الياقوتُ أفضل الزُّجاج" لم يجز, لأنّه ليس من الزجاج، فكذلك إذا قلت: "صُمْتُ أحسنَ الصّيامِ" تنصب "أحْسَنَ" على المصدر, لأنه لما أضفتَه إلى المصدر، صار مصدرًا، فكذلك لمّا أضفت "أكثرُ" إلى "الشرب" الذي هو مصدرٌ، صار مصدرًا، وجاز أن يُخْبَر عنه بالزمان كما يخبر عن سائر المصادر.
وأمّا المسألة الثالثة: وهي "أخطبُ ما يكون الأميرُ قائمًا"، فهي في تقديرِ حذفِ الخبر كالمسألة الأُولى، إلَّا أنّ فيها اتساعًا أكثرَ من الأوُلى، وذلك أنّ فيها وجهَيْن من التقدير: أحدُهما نحوُ المسألة قبلها.
فقولُك: "أخطبُ ما يكون الأميرُ" بمعنَى"أخطبُ

كَوْنِ الأمير" لأنّ "مَا" مع الفعل بتأويلِ المصدر، نحو قول الشاعر [من الوافر]: 1 - يَسُرُّ المَرْءَ ما ذَهَبَ الليالِي... [وكان ذهابُهن له ذهابا] وكذلك مَا يَكُونُ بمعنَى الكون، والمرادُ بكونه وجودُه، والتقديرُ: أخْطَبُ وجودِ الأمير إذا كان قائمًا، جُعل وجودُه خطيبًا مبالغة، ويكون "إذَا" الخبرَ، وهو في موضع نصبٍ بالاستقرار على ما تقدَّم، يدلّ على ذلك أنّه قد حُكي عن بعضِ العرب: "أخطبُ ما يكون الأميرُ يومَ الجمعة" بنصبِ "يوم"، فدلّ ذلك على أنّ "إذا" في موضعِ نصب، كما تقول: "زيد عندك" وفيه ضميرٌ، والظرفُ والضميرُ في موضعِ رفع لأنّه الخبرُ.
الوجه الثاني أن يكون قولُه: "أخطب ما يكون" بمعنى الزمان، لأن "مَا" تكون بمعنى الزمان، لأنّها في تأويل المصدر، والمصدرُ يُستعار للزمان على تقديرِ حذفِ مضاف، كأئه قال: "أخطبُ أوْقاتِ كونِ الأميرِ"، كما يُقال: "مَقْدَمَ الحاجّ"، و"خُفُوقَ النجْم"، أي: زمنَ مقدمِ الحاج، وزمنَ خفوقِ النجم.
ويكون الخبرُ "إذا كان قائمًا" على ما تقدّم، إلَّا أن "إذَا" على هذا في موضع رفع خبرًا عن الأوّل، كما تقول: "وقتُ القِتال يومُ الجُمْعة".
فكأنّه قال: "أخطبُ الأوْقات الَتي يكون الأميرُ فيها خطيبًا إذا كان قائمًا"، ومثلُه على سَعَةِ الكلامِ ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (2)، وهما لا يمكُران، لكنْ لمّا كان فيهما جَعَلَه لهما، ومثله ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (3) والنهارُ لا يُبْصِر إنّما

يُبْصَر فيه، والذي أحْوَجَ إلى تقديرِ المصدر بالزمان ههنا أنّه قد نُقل عنهم: "أخطبُ ما يكون الأميرُ يومُ الجمعة" بالرفع، فكذلك قُدّر الأوّلُ بالزمان، وقُضي على "إذَا" التي هي الخبرُ بالرفع فاعرفه.
وأمّا قولهم: "كلُّ رجل وضَيْعَتَهُ" فالمرادُ كلُّ رجل وضيعتُه مقرونان، إلَّا أنّك حذفت الخبرَ واكتفيتَ بالمعطوف, لأنّ معنى الواو هنا كمعنّى "مَعَ"، فقولُك: "كل رجل وضيعته" بمعنَى: مع ضيعته، وهذا كلامٌ مكتفٍ فالواوُ ههنا كالواو في قولك: "استوى الماءُ والخَشَبَةَ"، إلَّا أنّ قولنا: "استوى الماء والخشبة" أوّلُه فعلٌ يعمل فيه.
وليس ههنا فعلٌ، وإنّما هو اسم عُطف على اسم بالواو التي معناها معنَى "مَعَ"، فعُطفتْ لفظًا، والمعنى معنى الملابَسة.
واعلمْ أن الواو التي بمعنَى "مَعَ" لا بدّ فيها من معنَى الملابسة، والواوُ التي لمُطْلَقِ العطفِ قد تخلو من ذلك، ألا ترى أنّك إذا قلت: "ما صنعتَ وأباك" المعنى: ما صنعت مع أبيك، وما صنع أبوك معك.
وكذلك إذا قلت: "كلّ رجلٍ وضيعتَه" لأنّ معناه مع ضيعته، ولو قلت: "زيدٌ وعمرٌو خارجان" لم يجز حذفُ الخبر، لأنّه ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، وليس كذلك "كل رجلُّ وضيعته", لأنّ معناه: مع ضيعته، و"مَعَ" تدلّ على المقارَنة فاعرفه.

جارٍ التحميل