شرح المفصل لابن يعيشفصل [الفصل بين المضاف والمضاف اليه]

فصل [الفصل بين المضاف والمضاف اليه]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ويجوز الفَصْل ببن المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر، من ذلك قول عمرو بن قَمِيئة [من السريع]: [لما رأت ساتيدَما استَعبَرَت]... للهِ دَرُّ اليَومَ مَن لامَها 3 وقول دُرنَا [من الطويل]: 387 - هُما أَخَوا في الحَرب مَن لا أَخَا لَهُ... [إذا خافَ يومًا نبوَةً فدعاهما]124

وأما قولُ الفَرَزدَق [من المنسرح]: 1 - [يا مَن رأى عارضًا أسَرُّ به]... بَينَ ذِراعَي وجَبْهَةِ الأَسَدِ = 3/ 472؛ والكتاب 1/ 180؛ ولدرنا بنت عبعبة أو لدرنا بنت سيار في شرح أبيات سيبويه 1/ 218؛ ولامرأة من بني سعد في نوادر أبي زيد ص 115؛ وبلا نسبة في الخصائص 1/ 295، 2/ 405؛ وكتاب الصناعتين ص 165؛ وهمع الهوامع 2/ 52. اللغة: النبوة: أن يضرب بالسيف فلا يمضي في الضربة.
المعنى: لقد كانا أخوين لمن ليس له أخ في الحرب ولا ناصر يأخذ بيده، ينصرانه إذا دهمه العدو، ويأخذان بيده إذا عشيه الهول، فخاف ألا يستطيع دفع الهلاك عن نفسه.
الإعراب: "هما": ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
"أخوا": خبر مرفوع بالألف لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة.
"في الحرب": جار ومجرور متعلقان بحال محذوفة من الضمير "هما".
"من": اسم موصول مبني على السكون في محل جر مضاف إليه.
"لا": نافية للجنس تعمل عمل "إن".
"أخا": اسم "لا" مبني على الفتح لإجرائه مجرى الاسم المقصور، في محل نصب.
"له": جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف.
"إذا": اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول فيه متعلق بالخبر "أخوا".
"خاف": فعل ماضٍ مبني على الفتحة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو.
"يومًا: مفعول فيه ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بـ"خاف".
"نبوة": مفعول به منصوب بالفتحة.
"فدعاهما": الفاء: حرف عطف، و"دعا": فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، و"هما": ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
وجملة "هما أخوا من... ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة: "لا أخَا له": صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وجملة "خاف": في محل جر بالإضافة.
وجملة "دعاهما": معطوفة على جملة "خاف".
والشاهد فيه قوله: "أخوا في الحرب عن أخَا له" حيث فصل بين المضاف "أخوا" والمضاف إليه "من" بالجار والمجرور "في الحرب".

وقول الأعشي [من مجزوء الكلام]: 1 - إلا علالة أو بدا... هةَ سابح [نهد الجزاره] فعلى حذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني وما يقع في بعض بنسخ الكتاب من قوله [من مجزوء الكامل]: 2 - فزججتها بمزجةٍ... زج القلوص أبي مزاده فسيبويه برئٌ من عهدته.
= ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا."به": جار ومجرور متعلقان بالفعل "أسر".
"بين": مفعول فيه ظرف مكان منصوب متعلق بالفعل" رأى"، وهو مضاف.
"ذراعي": مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة.
"وجبهة": الواو: عاطفة.
"جبهة": اسم معطوف على "ذراعي" مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو مضاف "الأسد": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
وجملة" يا من رأى": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "رأى": صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أسرّ به": في محل نصب صفة لـ "عارضًا".
والشاهد فيه قوله: "بين ذراعي وجبهة الأسد" حيث حذف المضاف إليه الأول مع قرينة دالة على المحذوف وهي المضاف إليه الثاني، وقد جاز هذا مع أن المضافين مختلفان، والتقدير: بين ذراعي الأسد وجبهته.

قال الشارح: الفصل بين المضاف والمضاف إليه قبيح، لأنّهما كالشيء الواحد.
فالمضافُ إليه من تمامِ المضاف، يقوم مقامَ التنوين، ويُعاقِبُه، فكما لا يحسُن الفصلُ بين التنوين والمنوَّنِ، كذلك لا يحسن الفصل بينهما.
وقد فُصل بينهما بالظرف في الشعر ضرورةَ، فمِما جاء في الشعر من ذلك قولُ عمرو بن قمِيئَةَ [من السريع]: لمّا رَأَت سَاتِيدَمَا اسْتَعْبَرَت... لِلهِ دَرُ اليَوْمَ مَنْ لَامَهَا 1 سَاتِيدَمَا: جَبَلٌ بعَينه، قيل: لا يَمُرُّ عليه يوم من الزمان، لا يُسفَك فيه دَمُ، فسُمّي: ساتيدما.
يصف امرأة أنها مرّت بهذا الجبلِ، فذكرتْ بِلادَها لقُرْبه من بلادها، فبَكَتْ، فقال: "لله درُ اليومَ مَن لامها على بُكائها وشَوْقِها".
فـ "مَنْ" في موضعِ خَفْض بإضافةِ "دَرُّ" إليه، و"اليوم" نصبُ على الظرف، وقد فُصل به بينهما، ولا يجوز إضافةُ "دَرّ" إلى "اليومَ" على سبيلِ الاتساع في الظروف، وجَعْلُه مفعولًا به، لأنك لو خفضتَ "اليوم" بالإضافة، لم يكن لـ "مَن" ما يعمل فيه، بخلاف قول الآخر [من الرجز]: رُبّ ابنِ عَم لِسُلَيْمَى مُشمَعِلْ... طَباخِ ساعاتِ الكَرَى زادَ الكَسِلْ 2 فهذا يُنشد بنصبِ "الزاد"، وإضافةِ "طباخ" إلى "ساعات".
وساغ ذلك لأنه لما أضفتَ "طباخ" إلى "ساعات"، صار بمنزلةِ المنوَّن، وكان ممّا يَنصِب لِما فيه من معنى الفعل، فنَصَبَ "الزادَ".
وليس كذلك "دَرّ"من قوله: "لله دَرُّ اليوم من لامها"؛ لأنك لو نوّنت "دَرًّا"، لم يكن له أن ينْصِب، فلذلك لزم نصبُ "اليوم" على الظرف، والحكمُ على "مَن" بالخفض.
ويجوز في "طَباخ ساعات الكرى" خفضُ "الزاد"، ويكون "ساعات الكرى" منصوبًا على الظرف، وقد فصلتَ به مُضطرًّا.
اللغة: زججتها: طعنتها بالزُّج، والزُّج: الحديدة التي تركب في أسفل الرّمح.
المزجّة: الرمح القصير.
القلوص: الناقة الشابة.
أبو مزادة: كنية رجل.
المعنى: فطعنتها بأسفل الرّمح مثلما يطعن أبو مزادة القلوص.
الإعراب:"فزججتها": الفاء: بحسب ما قبلها، و"زججتها": فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، و"ها": ضمير متصل مبنى في محل نصب مفعول به.
""بمزخة": جار ومجرور متعلقان بالفعل "زج"."زجّ": مفعول مطلق منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"القلوصَ": مفعول به للمصدر "زجّ" المضاف إلى "أبي"، منصوب بالفتحة.
"أبي": مضاف إليه مجرور بالكسرة، والياء: ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
"مزاده" مضاف إليه مجرور بالفتحة عوضًا من الكسرة لأنه ممنوع من الصرف، ووقف عليه بالسكون لضرورة الشعر.
وجملة "زججتها": بحسب ما قبلها.
والشواهد فيه قوله: "زج القلوصَ أبي مزادة" حيث فصل بين المضاف الذي هو قوله: "زجّ"، والمضاف إليه الذي هو قوله: "أبي مزادة" بمفعول المضاف الذي هو قوله: "القلوص".

ومما جاء الفصلُ فيه أيضًا قولُ دُرْنَا بنتِ عَبْعَبَةَ، من بني قيْسٍ بن ثَعْلَبَةَ [من الطويل]: هما أَخَوَا في الحَرْب من لا أَخَا له... إذا خافَ يومًا نَبوَة فَدعَاهما الشاهد فيه إضافةُ "الأخوَين" إلى "مَن" مع الفصل بالجارّ والمجرور، وهو كالذي تقدّم تَرْثِي أخَوَيْها.
تقول: كانا لمَن لا أخَ له في الحرب، ولا ناصرَ كالأخوَين ينصُرانه.
وأمّا قول الفَرزدَق [من المنسرح]: يا مَن رَأَى عارِضًا أَرِقْتُ له... بَينَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأَسَدِ فأنشده سيبويه 1 على أنّه فصل بين المضاف والمضاف إليه، وأن المعنى بين ذراعَي الأسدِ، والجَبهَةُ مُقْحَمةٌ على نية التأخير.
وقد رد ذلك عليه محمدُ بن يزيدَ 2، وقال: لو كان كما ظن؛ لقال: "وجبهَتِه"، لكنه من بابِ العطف، والتقديرُ: بين ذراعَي الأسدِ، وجبهةِ الأسدِ.
ومثلُه في حذفِ المضاف إليه من الأوّل لدلالةِ الثاني عليه قوله [من البسيط]: يا تَيمَ تَيمَ عَدِي [لا أبالكُمُ... لا يُلْقيَنكُمْ في سَوْأه عُمَرُ] 3 والمراد: يا تيم عدي تيم عديّ، فهو من قبيلِ "مررتُ بخيرِ وأفضلِ من ثم".
والمرادُ: بخيرِ مَن ثم، وأفضل مَن ثم، وقد اختار صاحبُ هذا الكتاب هذا الوجه، وهذا لا يقدَح فيما ذهب إليه سيبويه؛ لأنه يجوز أن يكون المراد ما ذكره، ويكون الفصلُ صحيحًا بالجبهة، ويجوز أن يكون كما ذكره أبو العباس، ولا يخرج عن الفصل، وإن كان المضافُ إليه مقدرًا؛ لأن المضاف إليه، لما حُذف من اللفظ؛ وَلِيَ المضافُ شيئًا غيرَ المضاف إليه.
وهذه صورةُ الفصل بين المضاف والمضاف إليه، ألا ترى أنّه استُقبح "علمتُ أن يقومُ زيدٌ"، وإن كانت الهاءُ مقدّرة، لأنها لم تخرج إلى اللفظ؛ وَلِيَ الحرفُ الفعلَ، فقبح عندهم، حتى تَعرضوا السينَ، أو"سَوْفَ"، أو"قَدْ".
فكما أن هذا المحذوف لمّا لم يخرج إلى اللفظ؛ لم يُعتدّ به، كذلك المضافُ إليه إذا حُذف، لم يقع به اعتدادٌ، فحصل الفصل بين المضاف، والمضاف إليه.
وأما قوله: كان يلزم أن يقول 4: "وجبهته"؛ فتقول: وعلى ما ذهب إليه أبو العباس يلزمه أن يقول: "وجبهته" أيضًا، فعُذرُه عن ذلك عُذرُ سيبويه.
وأما معنى البيت؛ فإنه وصفُ عارضِ سَحاب، اعترض بين نَوْءِ الذراع، ونَوءِ الجبهة، وهما من أنواء الأسد.
وأنواؤه من أحمد الأنواء، وذَكَرَ الذراعَيْن، والنوْء للذراع المقبوضةِ منهما، لاشتراكهما في أعضاء الأسد والتسمية، ونظيره قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا

اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} 1، يريد: من البحرَيْن، وإنّما يخرج اللؤلؤُ والمرجان من أحدهما، وأما قول الأعشى [من الكامل]: ولا نُقاتِلُ بالعِصِيْ... يـ ولا نُرامِي بِالحجارَهْ إلا عُلالَةَ أو بُدا... هة سابِح نَهْدِ الجُزارَهْ 2 فالشاهد فيه الفصلُ بين المضاف والمضاف إليه، مثل الذي قبلَه، والخلافُ فيه كالذي قبله.
والتقديرُ فيه: إلَّا عُلالَةَ سابح، أو بُداهتَه.
فأما الفصل بغير الظرف؛ فلم يَرِد به بيتٌ، والقياسُ يَدْفَعُه، فأما قوله [من مجزوء الكامل]: فَزَجَجتُها بمِزَجَّةِ... إلخ فإنّه أنشده الأخفشُ في هذا الباب، والشاهدُ فيه أنه أضاف المصدرَ إلى الفاعل، وفصل بينهما بالمفعول.
وذلك ضعيف جدًّا، لم يصح نَقْلُه عن سيبويه، على أن ابن كَيسانَ قد نقل عن بعض النحويين أنه يجوز أن يُفرَق بين المضاف والمضاف إليه، إذا جاز أن يُسكَت على الأول منهما، لأنه يصير ما فرق بينهما كالسكْتَة التي تقع بينهما، وقد قرأ ابنُ عامرٍ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ 3 بنصبِ "الأولا"، وخَفْضِ "الشركاء"، فهذا فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول.
وحكى الكِسائيُّ: "أخذتُه بأدَّى ألْفِ درهم".
وهذا أفحشُ ممّا تقدّم, لأنه أدخلَ حرفَ الجرّ على الفعل، وفصل به بين الجارّ والمجرور.
ولا يُقاس على شيءِ من ذلك.
وإنّما جاز بالظرف, لأن الأحداث وغيرَها لا تكون إلَّا في زمانِ أو مكان، فكانت كالموجودة، وإن لم تُذكَر، فكأن ذِكرَها وعدمَها سِيان، فلذلك جاز إقحامُها فاعرفه.

فصل

[حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه]

قال صاحب الكتاب: وإذا أمنوا الإلباس, حذفوا المضاف, وأقاموا المضاف إليه مقامه وأعربوه بإعرابه.
والعلم فيه قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ 4؛ لأنه لا يلبس أن المسؤول أهلها لا هي, ولا يقال: "رأيت هنداً", يعنون رأيت غلام هندٍ.
وقد جاء الملبس في الشعر قال ذو الرمة [من الطويل]: 391 - عشية فر الحارثيون بعد ما... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر5

وقال [من الطويل]: 1 - [فَهَلْ لكُمُ فيها إلَي فإنني... بَصيرٌ] بمَا أَعْيَا النطاسِي حِذْيَمَا أي: ابنُ هَوْبَرٍ وابنَ حِذْيَمِ.
= العرب 5/ 248 (هبر)؛ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 1327، والمقرب 1/ 214، 2/ 205؛ وهمع الهوامع 2/ 51. اللغة: قضى نحبه: مات.
ملتقى القوم: مكان التقائهم.
هوبر: يزيد بن هوبر الحارثي.
الإعراب: "عشية": مفعول فيه ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة، متعلق ببيت سابق." فرّ": فعل ماض مبني على الفتح الظاهر.
"الحارثيون": فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
"بعدما": "بعد" مفعول فيه ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة، متعلق بالفعل "فرّ"، و"ما": مصدرية.
"قضى": فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
والمصدر المؤول من "ما" والفعل "قضى" في محل جرّ بالإضافة."نحبه": مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والهاء: ضمر متصل مبني في محل جر بالإضافة.
"في": حرف جر.
"ملتقى": اسم مجرور بالكسرة المقدرة على الألف للتعذر، وهو مضاف.
والجار والمجرور متعلقان بـ "قضى" "القوم": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
"هوبر": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
وجملة "فرّ الحارثيّون": في محل جر بالإضافة.
والشاهد فيه: حذف المضاف "ابن" وإقامة المضاف إليه "هوبر" مقامه.
وهذا من الملبس؛ لأنه عن المحتمل أن السامع لا يعرف ابن هوبر هذا، وليس هناك قرينة تشير إلى ذلك.

قال الشارح: اعلم أن المضاف قد حُذف كثيرًا من الكلام، وهو سائغُ في سعةِ الكلام، وحالِ الاختيار، إذا لم يُشكِل.
وإنّما سوّغ ذلك الثقَةُ بعلم المخاطَب، إذ الغرضُ من اللفظ الدلالةُ على المعنى، فإذا حصل المعنى بقرينةِ حالٍ، أوَ لفظٍ آخرَ، استُغنى عن اللفظ الموضوع بإزائه اختصارًا.
وإذا حُذف المضاف، أقيم المضافُ إليه مُقامَه، وأعرب بإعرابه، والشَاهد المشهور في ذلك قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ 1. والمراد: أَهْلَ القريةِ؛ لأنه قد عُلم أن القرية من حيثُ هي مَدَرٌ وحَجَر، لا تُسأَل؛ لأن الغرض من السؤال رَدُّ الجواب، وليس الحجرُ والمدرُ مما يُجِيب واحدٌ منهما.
وقوله: و"العَلَمُ فيه" يريد أنّ الآية قد اشتهر أمرُها بذلك، حتى صارت عَلَما على جوازِ حذفِ المضاف، إذ الأمرُ واضح فيها من جهة المعنى.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ 2، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ 3. تقديره: برُّ مَن، وإن شئت؛ كان تقديرُه: ولكن ذا البر من اتقى، فلا بد من حذفِ المضاف؛ لأن البر حَدَثٌ، و"من اتقى" جُثَّةٌ، فلا يصح أن يكون خبرًا عنه؛ لأنّ الخبر إذا كان مفردًا، كان هو الأول، أو منزَّلًا منزلته؛ فلذلك حُمل على حذفِ المضاف.
والأول أشبهُ, لأن حذفَ المضاف ضربٌ من الاتساع، والخبرُ أَوْلى بالاتساع من المبتدأ؛ لأن الاتساع بالأعجاز أَوْلى منه بالصُّدور، ومن ذلك قولهم: "الليلةُ الهِلال"، لا بد من حذفِ المضاف، رفعتَ "الليلة" أو نصبتَها، فإن رفعتَ، كان التقديرُ: الليلةُ ليلةُ الهلال، وإن نصبتَ، كان التقديرُ: الليلةَ حُدوثُ الهلال، أو طلوعُه، ومن ذلك قول الشاعر [من البسيط]: 393 - المالُ يُزْرِي بأقوامٍ ذَوِي حَسَبٍ... وقد يُسَوَّدُ غير السَيدِ المالُ4 = والشاهد فيه قوله: "حذيم" على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مع اللبس، إذ إن اسم هذا الطبيب هو ابن حذيم.
وهذا الحذف للضرورة.
وقيل: إن اسمه حذيم كما أورده الشاعر، فلا ضرورة ولا شاهد في البيت.

أي: فَقْدُ المال يُزْرِي.
وهو كثير واسع، وكان أبو الحسن، مع كثرته، لا يَقِيسه، بل يَقصره على المسموع منه.
فأمّا ما يُلبِس فلا يجوز لنا استعمالُه، ولا القياسُ عليه.
لو قلت: "رأيتُ هِنْدًا"، وأنتَ تريد غلامَ هند، لم يجز؛ لأنّ الُرؤية يجوز أن تقع على هند، كما تقع على الغلام.
وقد جاء من ذلك شيءٌ يسيرٌ للثقة بدلالةِ الحال عليه، وإخبار القائل أو معرفةِ المخاطب، قال الشاعر [من الطويل]: عَشِيَّةَ فرَّ الحارِثِيونَ... إلخ قال ابن الكَلْبي: الهَوْبَرُ هو يزيد بن هوبر، كان قُتل في المَعْرَكَة، فحذف المضافَ, لأن المخاطب مُشاهِد لذلك في الحرب، فلا يُشْكِل عليه المقتولُ.
يُؤيد صحّةَ ما قلناه قولُ عمر بن لَجَأ [من الطويل]: 1 - ونَحْنُ ضَرَبْنَا بالكُلَاب ابنَ هَوْبَر... وجَمْعَ بني الديان حتّى تَبَددُوا فصرّح بابن هوبر.
ومثله قوله [من الطويل]: كَمَا أَعْيَا النِطاسِي حِذْيَمَا هكذا يقع في نُسَخِ المفضل: "كَمَا" بالكاف، وإنما هو بالباء.
وصَدْرُه: فَهَلْ لَكُمُ فيما إلي فإنّني... بَصيرٌ بما أَعْيَا النطاسِي حِذْيَمَا = وجملة "المال يزري": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "يزري": في محل رفع خبر "المال".
وجملة في "يسوّد المال": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "المال يزري" حيث حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وأصل الجملة "قلة المال تزري" أو"فقد المال يزري" كما أشار.

والنطاسِي: الطبيب، يقال: "نِطيس"، مثلُ فِسّيق، ونِطاسى، بكسر النون.
وقال أبو عُبَيْدَةَ: هو بفتح النون.
والمرادُ: ابنُ حِذْيَمٍ، فحذف المضافَ.
ومن ذلك قولُ كُثَير [من الخفيف]: 1 - حُرْيَتْ لي بحَزْمِ فَيْدَةَ تُحْدَى... كاليَهُودِيّ من نَطاةَ الرّقالِ فَيدَةُ: موضعُ.
ونَطاةُ: قَصَبَةُ خَيْبَرَ.
والمرادُ: كنَخْلِ اليهوديّ.
والرقْلُ: طِوالُ النخل.
وحُزِيَت: قُدرَتْ.
يقال: "حَزَيْتُ النخلَ أَحْزِيها"، إذا قدرتَ ما عليها.
وقد جاء من ذلك في الشعر أبياتٌ مع ما فيه من الإلباس، كأنّ ذلك لثقةِ الشاعر بعِلْم المخاطب، أو نَظَرًا إلى كثرةِ حذفِ المضاف الذي لا لَبْسَ فيه، فلم يَعْبَأْ بالإلباس، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: وكما أعطوا هذا الثابت حق المحذوف في الإعراب؛ فقد أعطوه حقه في غيره قال حسان [من الطويل]: 2 - يسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفق بالرحيق السلسل

فذكر الضمير في "يصفق" حيث أراد ماء بردي وقد جاء قوله عز وجل: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون﴾ 1. على ما للثابت والمحذوف جميعًا.

قال الشارح: قد أعربوا المضافَ إليه بإعراب المضاف؛ لوُقوعه موقعَه، ومُباشَرتِه العاملَ، نحو قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ 2. فاَلأصلُ: فاسألْ أهلَ القرية، "فالقريةُ" مخفوضةٌ، كما ترى، بإضافة "الأهل" إليها.
فلمّا حُذف المضاف، أقيم المضاف إليه مُقامَه، فباشَرَه العاملُ، فانتصب انتصابَ المفعول به، وإن لم يكن إياه في الحقيقة.
كذلك أعطوه حُكْمَه في غير الإعراب من التأنيث والتذكيرِ، فمن ذلك قولُ حَسّانَ بن ثابت [من الكامل]: يَسْقُونَ مَن وَرَدَ البَرِيصَ... إلخ الشاهد فيه تذكيرُ الضمير الراجع إلى "بَرَدَى"، وهو مؤنّثٌ.
ألا ترى أن ألفه كألفِ "حَمْراءَ"، و"بَشَكَى" 3. وهذا البناءُ لا تكون ألفُه إلَّا للتأنيث، هذا ظاهرُ اللفظ، ويجوز أن يكون المضمرُ عائدًا إلى المحذوف، وهو الماء، فيكون المحذوف مُرادًا من وَجْهٍ، وغيرَ مراد من وجه.
فمن جهةِ عَوْدِ الضمير إليه كان ملحوظًا مرادًا، ومن جهةِ الإعراب غيرَ مراد.
والبَرِيصُ هاهنا: موضعْ بِدِمَشْقَ بالصاد المهملة.
وبَرَدَى: نهرٌ بها.
وتصفيق الشراب: تحويلُه من إناء إلى إناء.
والرحيقُ: صَفْوَةُ الخمر.
والسلْسَلُ الطيبُ.
يقال: "ماءٌ سَلْسَلٌ"، أي: سَهْلُ المَشْرَب عَذْبٌ.
وأما قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ 4 فالمراد: وكم من أهلِ قرية، ثم حُذف المضاف، وعاد الضميرُ على الأمرَيْن، فأُنث في قوله: "فجاءها بأسُنا" = فاعل.
"من": اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أوّل.
"ورد": فعل ماض مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"البريص": مفعول به منصوب.
"عليهم": جار ومجرور متلعقان بـ "ورد"."بردى": مفعول به ثانٍ منصوب.
"يصفق": فعل مضارع للمجهول مرفوع بالضمة ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"بالرحيق": جار ومجرور متعلقان بـ "يصفق".
"السلسل": نعت "الرحيق" مجرور.
وجملة "يسقون... ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ورد... ": صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وجملة "يصفّق": في محل نصب حال من "ماء بردى".
والشاهد فيه قوله: "بردى يصقق" حيث حذف المضاف وهو"ماء"، وأبقى المضاف إليه "بردى" وأقامه مقام المضاف من حيث التذكير، بدليل الضمير المذكر في "يصفق".

نظرًا إلى التأنيث في اللفظ، وهو القريةُ، وذُكر في قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ مُلاحَظةَ للمحذوف

جارٍ التحميل