فصل [المصدر على وزني اسم الفاعل واسم المفعول]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وقد يرد المصدر على وزن اسمي الفاعل والمفعول، كقولك قمت قائماً، وقوله [من الطويل]: ولا خارجاً من في زور كلام 1 وقوله [من الوافر]: 876 - كفى بالنأي من أسماء كاف... [وليس لحبها إن طال شافي] ومنه الفاضلة والعافية والكافية والدالة والميسور والمعسور,2
والمرفوع والموضوع والمعقول والمجلود والمفتون في قوله تعالى: ﴿بأيكم المفتون﴾ 1, ومنه المكروهة والمصدوقة والمأوية, ولم يثبت سيبويه 2 الوارد على وزن مفعول والمصبح والممسي والمجرب والمقاتل والمتحامل والمدحرج.
قال [من البسيط]:
877 - الحمد لله ممسانا ومصبحنا... بالخير صبحنا ربي ومسانا
وقال [من الطويل]:
878 - [وقد ذقتمونا مرة بعد مرة]... وعلم بيان المرء عند المجرب34
وقال [من الطويل]:
1 - [ترادي علي دمن الحياض فإن تعف]... فإن المندي رحلةٌ فركوب
وقال [من الرجز]:
2 - إن الموقي مثل ما وقيت = مضاف إليه مجرور، وهو مضاف.
"المرء": مضاف إليه مجرور.
"عند": ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وهو مضاف.
"المجرّب": مضاف إليه مجرور.
وجملة "قد ذقتمونا": بحسب ما قبلها.
وجملة "علم بيان المرء... ": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "المجرب" حيث ورد مصدرًا على وزن اسم المفعول، والمراد به المصدر، أي: التجربة، وهذا جائز.
وقال [من الطويل]:
1 - أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا... [وأنجو إذا حُمَّ الجبان من الكرب]
وما فيه متحامل وقال [من الرجز]:
2 - كأن صوت الصنج في مصلصله
= "ما" والفعل "وقيت" في محل جر بالإضافة.
"وُقيت": فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل.
وجملة "إنّ الموقى مثلما وقيت": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "الموقى" حيث ورد مصدرًا على وزن اسم المفعول من الفعل "وُقيَ".
وهو بمعنى "التوقية".
قال الشارح: اعلم أن المصدر قد يجيء بلفظ اسم الفاعل والمفعول كما قد يجيء المصدر، ويُراد به الفاعل والمفعول من نحو قولهم: "ماء غَوْرٌ"، أي: غائرٌ، و"رجلٌ عَدْلٌ"، أي: عادلٌ.
وقالوا: "درهم ضَرْبُ الأمير"، أي: مضروبُه، و"هذا خَلْقُ الله" والإشارةُ إلى المخلوق.
وقالوا: "أتيتُه رَكْضًا"، أي: راكِضًا، و"قتلته صَبْرًا"، أي: مصبورًا.
كذلك قالوا: "قُمْ قائمًا" فانتصب انتصابَ المصدر المؤكد، لا انتصابَ الحال، والمراد: قم قِيامًا، فأمّا قوله [من الطويل]:
ألَمْ تَرَنِي عاهدتُ ربي وإنني... لَبَيْنَ رِتاج قائم ومَقام
على حِلْفَ لا أشتِمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا... ولاخارِجًا من في زُورُ كَلامِ 1
فإئهما للفرزدق.
والشاهد فيه قوله: "ولا خارِجًا"، وضعه موضعَ "خروجًا"، والتقدير: لا أشتم شَتْمًا، ولا يخرج خروجًا.
وموضعُ "خارجًا" موضِعُ "خروجًا"؛ لأنّه على ذلك أقسمَ, لأنّ "عاهدت" بمعنى "أقسمت".
هذا مذهب سيبويه 2. وكان عيسى بن عمر يذهب إلى أن "خارجًا" حالٌ، وإذا كان حالًا، فلا بد أن يكون الفعل قبله في موضع الحال، لانّه معطوف عليه، والعاملُ فيهما "عاهدت"، والتقدير: عاهدتُ ربي لا شاتمًا ولا خارجًا من فيّ زورُ كلام، أي: في هذه الحال، ولم يذكر ما عاهد عليه، وأمّا قول الآخر [من الوافر]:
كَفَى بالنأْيِ من أسْماءَ كافِي... وليس لحُبّها إذ طَالَ شافِي
فيَا لكِ حاجةً ومَطالَ شَوْقٍ... وقَطْعَ قَرِينَة بعدَ ائتِلافِ
الشعر لبشْر، والشاهد فيه نصبُ "كاف" على المصدر، وإن كان لفظه لفظ اسم الفاعل، والمرَاد: "كافِيًا"، وإنّما أسكن الياء ضرورةً، جعله في الأحوال الثلاث بلفظ واحد كالمقصور، وقد جاء ذلك كثيرًا.
ومنه قوله [من الطويل]:
883 - ولو أن واش باليَمامَة دارُه... وداري بأعْلَى حَضْرَ مَوْتَ اهْتَدَى لِيَا3 = المعنى: صوت لجامه كصوت الصنوج يُضرب بعضها ببعض.
الإعراب: "كأنّ": حرف مشبه بالفعل.
"صوت": اسم "كأن" منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"الصنج": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"في مصلصله": جار ومجرور متعلقان بخبر "كأنّ" المحذوف، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإضافة.
وجملة "كأن صوت... " ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "مصلصله" حيث ورد مصدرًا على وزن اسم المفعول.
وهو بمعنى "الصلصلة".
وفاعلُ "كَفَى" ما بعد الباء ومثله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ 1.
وممّا جاء من المصادر على "فَاعِل" قولهم: "الفاضلة" بمعنى الفَضل والإفضال، و"العافِيَة" بمعنى المُعافاة، يُقال: "عافاه اللهُ، وأعفاه معافاةً وعافِيَةً".
و"العاقبة" من قولهم: "عَقَبَ فلان مكانَ أبيه"، أي: خَلَفَهُ، وعاقبةُ كل شيء: آخِرُه، وفي الحديث: "السَّيدُ والعاقِبُ" 2، فالعاقب: من يخلُف السّيدَ، وقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أنا العاقِبُ" 3، أي آخِرُ الأنبياء.
و"الدالَّةُ": الدَّلّ من قولهم: "فلانةُ حسنةُ الدَّلالِ والدَّل والدالَّةِ"، وهو كالغُنجِ.
و"الكاذِبَة" من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ 4 بمعنى الكِذب، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ 5، أي: من بَقَاءٍ، والحق أنها أسماء ؤضعت موضع المصادر.
وأمّا ما جاء بلفظ المفعول، قولهم: "المَيسُور"، و"المعسور"، و"المرفوع"، و"الموضوع"، و"المعقول"، و"المجلود"، فأكثرُ النحويين يذهبون إلى أنّها مصادر جاءت = المعنى: لحظي السيىء فإن كل وشاة العرب يتقصدون الإيقاع بيني وبين ليلى، ولا أدري لماذا؟! الإعراب: "ولو أن واشٍ": الواو: حسب ما قبلها، و"لو": حرف امتناع لامتناع، و"أن": حرف مشبه بالفعل، و"واشٍ": اسمها منصوب بالفتحة المقدرة للثقل على الياء المحذوفة شذوذًا لعلة تنوين المنقوص.
"باليمامة": جار ومجرور متعلقان بخبر مقدم محذوف.
"داره": مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل في محل جرْ بالإضافة.
"وداري": الواو: حالية، و"داري": مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل الياء لاشتغال المحل بالحركة المناسبة، و"دار": مضاف.
والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
"بأعلى": جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف، و"أعلى": مجرور بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف لأنه على وزن أفعل.
"حضرموت": مضاف إليه مجرور بالفتحة لأنه مركب مزجي ممنوع من الصرف.
"اهتدى": فعل ماضِ مبني على الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هو.
"ليا": جار ومجرور متعلقان بالفعل اهتدى، والألف: للإطلاق.
وجملة "لو أن واشٍ اهتدى": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "باليمامة داره": في محل نصب صفة لاسم (إن) والخبر محذوف والتقدير: قصدني.
وجملة "داري بأعلى حضرموت": حالية محلها النصب.
وجملة "اهتدى ليا": جواب شرط غير جازم لا محل لها.
والمصدر المؤول من "أن واش... " في محل رفع فاعل لفعل محذوف بعد لو تقديره "ثبت" وجملته فعل الشرط لا محل لها من الإعراب لأنها جملة الشرط غير الظرفي.
والشاهد فيه قوله: "لو أن واشٍ" فقد نون اسمها بالكسر والصواب التنوين فتحًا والتقدير "لو أن واشيًا".
على "مفعول"؛ لأن المصدر "مفعول"، فالميسور بمعنى اليُسر، والمعسور بمعنى العُسر، يُقال: "يُسْرٌ، ويُسُرٌ، ويَسَرٌ"، و"عُسْرٌ، وعُسُرٌ"، و"ميسور"، و"معسور"، وهما نقيضان في المعنى.
يُقال: "دَعْهُ إلى ميسوره، وإلى معسوره" أي: إلى زمن يُسْرِه وعُسْرِه، كما يُقال: "مَقدَمَ الحاجِّ، وخُفُوقَ النَّجْمِ".
و"المرفوع" و"الموضوع" بمعنى الرَّفْع والوضْع، وهما ضربان من السير.
يُقال: "رفع البعيرُ في السير" إذا بالَغَ، قال طَرَفَةُ [من السريع]:
1 - موضوعُها زَوْلٌ ومرفوعُها... كمَرِّصَوْبٍ لَجِبٍ وَسْطَ رِيحْ
ويُقال أيضًا: "وضعتُ" الشيء من يدي موضوعًا، ووَضْعًا".
ومثله "المعقول" بمعنى "العَقل"، يُقال: "ما له معقولٌ"، أي: عقلٌ.
و"المجلود" بمعنى الجَلادة، يُقال: "رجل جَلْدٌ بَين الجَلادة، والمجلودِ"، وبه قالوا في قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (2)، أي: بأيكم الفِتْنةُ، وكان سيبويه (3) لا يرى أن يكون "مفعول" مصدرًا، ويحمل هذه الأشياء على ظاهرها، ويجعل "الميسور"، و"المعسور" زمانًا يُوسَر، ويُعْسَر فيه، كما تقول: "هذا وقت مضروب"؛ لأن الضرب يقع فيه.
ومثله قوله [من الكامل]:
4 - حَمَلَت به في لَيلَةٍ مَزؤودَةٍ... [كَرْهًا وَعَقدُ نِطاقِها لَمْ يُخلَلِ]
في روايةِ من خفض، جعل الليلة مزؤودة من حيث كان الزُّؤْد فيها، فإذا قال: "دَعْهُ إلى ميسوره ومعسوره"؛ فكأنه قال: "إلى زمان يُوسَر فيه، ويُعْسَر فيه"، وجعل المرفوع والموضوع ما ترفعه وما تضعه، وجعل المعقول من "عَقَلْتُ الشيء" أي: حبسته وشددته كأنّه عقل له لُبَّه، وشَدَّ، وقيل في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: إن الباء زائدة على حدّ زيادتها في ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ 1 في أصحْ القولين، والمراد: فَسَتُبْصِرُ ويبصرونَ أيَّكم المفتون، واستغني بهذه المفعولات عن الفعل الذي يكون مصدرًا، لأن فيها دليلاً على الفعل، وقيل: المراد بالمفتون الجِنّيّ, لأن الجنّي مفتون، وذلك أن الكُفار قالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مجنون، وأن به جنّيًا، فقال سبحانه: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ 2 يعني الجِنّي.
ومن ذلك "المكروهة"، و"المصدوقة"، و"المأويّة" على التفسير المتقدّم.
فأمّا "المُصْبَح"، و"المُمْسَى" ونحوهما، فمصادرُ غيرُ ذي شكّ، وذلك أن المصدر إذا كان لفعل زائد على الثلاثة، كان على مثال المفعول؛ لأن المصدر مفعولٌ، تقول: "أدخلته مُدخَلًا"، و"أخرجته مُخرَجًا" كما قال تعالى: ﴿أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ 3، وقال اللهُ: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ 4، والمفعول به "مُدْخَل"، و"مُخْرَجٌ".
وكذلك لو بنيت من الفعل اسمًا للمكان والزمان، كان كلّ واحد منهما على مثال المفعول، لأن الزمان والمكان مفعولٌ فيهما، والفعلُ يعمل فيها كلّها عملًا واحدًا، فلمّا اشتركت في وصول الفعل إليها ونَصْبِها، اشتركت في اللفظ، فقالوا في المكان والزمان: "مُمْسى"، و"مُصْبَحٌ"، وكذلك إذا أرادوا المصدر.
= للمرزوقى ص 87، ولسان العرب 11/ 176 (حمل)؛ وله أو لابن جمرة في شرح شواهد المغنى 1/ 226، 2/ 964؛ ولسان العرب 11/ 267 (شمل).
اللغة: مزؤودة: مذعورة، خائفة.
النطاق: شقة تلبسها المرأة فتشد وسطها.
المعنى: إن الشاعر يقول: إنه ممن حملته أمه وهي مذعورة غير مستعدة للفراش، فنشأ محمودًا مرضيًا، وقد كانت العرب تستحسن إتيان المرأة وهي مذعورة لياتى الولد نجيبًا.
الإعراب: "حملت": فعل ماضٍ مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث، والفاعل: مستتر تقديره هى.
"به": جار ومجرور متعلقان بالفعل حملت.
"فى ليلة": جار ومجرور متعلقان بالفعل حملت.
"مزؤودة": صفة ليلة مجرورة منها.
"كرهًا": حال منصوب.
"وعقد": الواو: واو الحال، "عقد": مبتدأ مرفوع.
"نطاقها": مضاف إليه مجرور، و"ها": ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
"لم": حرف جازم.
"يحلل": فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وحرّك بالكسر للضرورة، ونائب الفاعل: ضمير مستتر جوازًا تقديره هو"نطاقها".
وجملة "حملت": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "لم يحلل": في محل رفع خبر المبتدأ، عقد.
وجملة "عقد.. لم يحلل": في محل نصب حال.
والشاهد فيه قوله: "ليلة مزؤودة" حيث جاءت مفعولة بمعنى المفعول فيها، أي حيث الزُّؤد فيها.
ومنه " المُجَرَّبُ"، و"المُقاتَل"، و"المُتَحامَلُ"، و"المُدَحْرَجُ"، فـ"المُفْعَل" في هذا كالمفعول في الثلاثي، إلَّا أنَّهم يضمون الأوّل فيما زاد على الثلاثة، كما ضمّوا أوّل الفعل منه، فـ"مُدْخَلٌ" كـ"يُدْخَلُ"، و"مُنْزَلٌ" كـ"يُنْزَلُ"، فأما قوله [من البسيط]:
الحمد لله مُمْسانَا ومُصْبَحَنَا 1... إلخ
فالبيت لأُمَيَّةَ بن أبي الصَّلْت، والشاهد فيه استعمال "الممسى"، و"المصبح" بمعنى الإمساء والإصباح، والمراد وقتَ الإمساء، ووقتَ الإصباح، كما يُقال: "أتيتُه مَقْدَمَ الحاجّ، وخُفُوقَ النجْم"، أي: وَقْتَه؛ فالممسى هاهنا، والمصبح نصبٌ على الظرف، وأمَّا قول الآخر [من الطويل]:
وعِلمُ بَيانِ المَرْء عند المُجَرَّبِ 2
فالبيت لرجل من بني مازِن، وقد أوقعت بنو مازن بقوم من بني عَجل، فقتلوهم، فغدت بنو عجل على جار من بني مازن، فقتلوه، وصدرُ البيت:
وقد ذُقْتُمونا مَرَّةً بعد مرّةٍ
والشاهد فيه وضعُ "المُجَرَّب" موضعَ "التجْرِبَة"، يريد أن بالتجربة يُعْرَف ما يُحْسِنه المرءُ، وقوله [من الطويل]:
فإن المُنَدَّى رِحْلَةٌ فَرُكُوبُ 3
الشعر لعَلْقَمَةَ بن عَبَدَةَ، وصدره:
تُرادَى على دِمْنِ الحِياضِ فإنْ تَعَفْ
وقبله:
فأوْردتُها ماءً كأن جِمامَهُ... من الأجْنِ حِنّاءٌ مَعًا وصَبِيبُ
والشاهد فيه وضع "المُندَّى" موضعَ "التَّنْدِيَة".
يُقال: "نَدَتِ الإبلُ" إذا رعت بين النَّهَل والعَلَل، تَنْدُو نَدْوًا، وأنْدَيْتُها أنا، وتَنْدِيةٌ، والمكان المُنَدَّى، وكذلك المصدر؛ يصف إبلًا ترعى على دمن المياه، فإن عافت الرَّعْيَ، استُعملت في الرحيل والركوب، فهو كقوله [من الكامل]:
886 - [بِسَوَاهِم لُحُقِ الأياطلِ شُزّبِ]... فعَلِيقُها الإسْراجُ والإلجامُ4
وإنّما عَطَف "الركوب" بالفاء دون الواو، ليؤْذِن بأن ذلك متَّصل لا ينقطع، كما يُقال: "مُطِرْنا ما بين زُبالَةَ فالثَّعْلَبِيةِ"، إذا أردت أن المطر انتظم الأماكنَ التي بين هاتَيْن القريتَين، يقروها شيئًا فشيئا بلا فُرْجة، ولو قلت: "مطرنا ما بين زبالة والثعلبيّة"، فإنَّما أفدت بهذا القول أن المطر وقع بينهما، ولم ترد أنه اتّصل في هذه الأماكن من أوّلها إلى آخرها.
وأمّا قول الراجز:
إنْ المُوَقَّى مِثْلُ ما وُقِّيتُ 1
فهو لرُؤْبَةَ بن العجّاج، وقبله:
يَارَبّ إنْ أخطَأت أو نَسِيتُ... فأنْتَ لا تَنْسَى ولا تَمُوتُ
الشاهد فيه استعمال "الموَقَّى" بمعنى "التوْقِيَة"، أي: أن التوقية مثلُ تَوْقِيَتِي، وكان قد وقع في أيدِي الحَرُورية، وأمّا قول الآخر [من الطويل]:
أُقاتِلُ حتى لا أرَى لي مُقاتَلًا
فإنّ هذا المِصْراع قد استعمله شاعران أحدهما مالك بن أبي كَعب، وتمامه:
وأنْجُو إذا حُمَّ الجَبانُ من الكَرْبِ 2
والشاهد فيه استعمال "مُقاتَل" بمعنى القِتال، أي: حتى لا تبقى لي قُدْرةٌ على القتال، وأنجو عند الغَلَبَة بالفِرار إذا هلك الجبان، وأُحِيطَ به لعَجْزه عن الدفع والنَّجاة، والآخر زيد الخَيْلِ، وتمامه [من الطويل]:
وأنْجُو إذا لم يَنْجُ إلَّا المُكَيَّسُ
أي: الكَيِّس العاقل؛ لأنَّه يعرِف وجه التخلص، وأما قوله [من الرجز]:
كأنّ صَوْت الصَّنْجِ في مُصَلصَلِهْ 3 = شُزب: ضوامِر.
الإعراب: "بسواهم": جار ومجرور متعلقان بالفعل "ملأ" في البيت السابق، وصرف الشاعرُ "سواهم" للضرورة الشعرية.
"لحق": نعت مجرور بالكسرة، وهو مضاف.
"الأياطل": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"شزب": نعت ثان مجرور بالكسرة الظاهرة.
"فعليقها": الفاء حرف استئناف، و"عليق": مبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف، و"ها": ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإضافة.
"الإسراجُ": خبر مرفوع بالضمة.
"والالجامُ": حرف عطف واسم معطوف مرفوع بالضمة.
وجملة "فعليقها الإسراجُ والإلجام" استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وليس في البيت شاهد نحوي، ولكنه أتى به توكيدًا على كثرة سفر الرواحل.
الشعر، فالشاهد فيه استعمال "المصلصل" بمعنى "الصَّلْصَلَة".
شبّه صَهِيل الفرس بصوت الصنج، والصنج الذي تعرفه العرب، فهو الذي يُتّخذ من صُفْر يُضرَب أحدهما بالآخر، وأمّا ذو الأوتار فهو للعَجَم.
والصلصلة: الصوت، يُقال: "تَصَلصَلَ الحَلْيُ على صدر المرأة"، أي: صَوَّتَ.
ويجوز أن يكون شبه عَلْكَ اللجام لجَرْيه بصوت الصنج، وصلصلةُ اللجام: صوتُه.
فصل
[المصدر على "تَفْعال"]
قال صاحب الكتاب: و"التفعال" كالتهدار والتلعاب والترداد والتجوال والتقتال والتسيار، بمعنى الهدر واللعب والرد والجولان والقتل والسير، مما بني لتكثير الفعل والمبالغة فيه.
قال الشارح: هذا الفصل قد اشتمل على ما جاء مصدرُ "فَعَلْتُ" فيه على غيرِ ما يجب له، بأن زِيدَ فيه زوائدُ للإيذان بكثرة المصدر وتكريره، كما جاءت "فَعَّلْتُ" بتضعيف العين لتكثير الفعل وتكريره، وذلك قولك في "الهَدْر": "التَّهْدار".
يُقال: "هَدَرَ الشَّرابُ يَهْدِرُ هَدْرًا وتَهْدارًا" إذا غَلَى، فالتهدارُ: الهَدْرُ الكثير.
وقالوا في اللعْب: "التلْعاب" وفي "الصَّفْق": "التَّصْفاق" وفي "الرَّدْ": "التَّرْداد"، وفي "الجَوَلان": "التَّجْوال"، وفي "القَتْل": "التَّقْتال" وفي "السير" "التَّسْيار"، فليس في هذه المصادر ما هو جارٍ على "فَعَلَ" لكن لما أردت التكثير؛ عدلتَ عن مصادرها، وزدتَ فيها ما يدل على التكثير؛ لأنّ قوّة اللفظ تُؤذِن بقوّة المعنى، ألا ترى أنّهم يقولون: "خَشُنَ الشيءُ"، وإذا أرادوا الكثرة والمبالغة، قالوا: "اخْشَوْشَنَ"، وقالوا: "عَشُبَت الأرضُ"، وإذا أرادوا الكثرة، قا لوا: "اعْشَوْشَبَت"، فهي مصادرُ جرت على غير أفعالها.
وقال الكوفيون: "التفْعال" هنا بمنزلة التَّفْعِيل، ولا بأسَ به لأنّ "التفعيل" مصدرُ "فَعَّلَ"، وهو بناءُ كثرة فلم يأتوا بلفظه؛ لئلّا يُتوهّم أنّه منه، فغيّروا الياء بالألف، وبقّوا التاء مفتوحةً.
فأما "التِّبْيان"، فلم ترد التاءُ فيه للتكثير، ولو كانت كذلك، لفُتحت، لكنّها زيدت لغير علّة، و"البَيان" و"التِّبْيان" واحدٌ، وكذلك "التِّلْقاء" و"اللقاء" واحدٌ، وليس في المصادر "تِفْعالٌ" بكسر التاء إلَّا هذَيْن المصدرَيْن، وما عداهما "تَفْعالٌ" بالفتح.
وقد جاءت أسماءٌ يسيرةٌ غيرُ مصادر على "تِفْعال" تبلغ نحوَ ستّةَ عشرَ اسمًا، قالوا: "تِهْواءُ"، و"تِبْراكُ"، و"تِعْشارُ"، و"تِرْباعُ" لمواضعَ، و"تِمْساحٌ" للدابّة المعروفة، و"تِمْساحٌ" للرجل الكذاب، و"تِجْفافٌ" لِما يُلْبَس الفرس عند الحرب، والجمع تَجافِيفُ، و"تِمْثالٌ" للصورة، و"تِمْرادٌ" بيت صغيرٌ للحَمام، والجمع تمارِيدُ، و"تِلْفاقٌ" ثوبان
يُلْفَقان، و"تِلقامٌ" سريع اللَّقْم، و"تِضرابٌ" لوقت الضراب، و"تِلْعابَ" كثير اللَّعْب، و"تِقْصارٌ"، و"تِنْبالٌ" للقصير.
فصل
[المصدر على "فِعّيلى"]
قال صاحب الكتاب: والفعيلي كذلك، تقول كان بينهم رميا وهي الترامي الكثير، والحجيزي والحثيثي كثيرة الحجز والحث، والدليلي كثرة العلم بالدلالة والرسوخ فيها، والقتيتي كثرة النميمة.
قال الشارح: اعلم أن هذه المصادر جاءت على "فِعيلَى" مُضَعفةَ العين للمبالغة والتكثير، يُقالَ: "كان بينهم رميّا"، أي: تَرامٍ، ولا يريد مطلق الرَّمْي، بل الكثرة، وكذلك "الحِجِّيزَى"، و"الحِثِّيثَى" المراد كثرة الحجْز، والحَث، كما أن الرِّميَّا كذلك، ولا يكون من واحد؛ لأن المراد الترامي والتحاجُز والتحاثُث، وقد يجيء هذا الوزنُ لواحد، قالوا: "الدلِّيلَى" والمراد بها كثرة العِلْم بالدَّلالة، وقالوا: "القِتِّيتَى" بمعنى النَّميمة، و"الهِجِّيرَى" كثرة الكلام السيىء.
وعن عُمَرَ، رضي الله عنه: "لولا الخِليفَى لأذنْتُ"، أي: لولا الخلافة والاشتغالُ بأمرها عن تعهُّد أوْقات الأذان، لأذنْتُ، يشير بذلك إلى فضل الأذان.
وهذه الألفاظ من المصادر جاءت مؤنّثةَ بالألف، ولم تاتِ إلَّا مقصورة، نحوَ: "الدَّعْوَى" و"الرُّجْعَى" و"خَصَّه بالشيء خُصُوصًا، وخُصُوصِيةً، وخِصِّيصَى"، وحكى الكسائي: "خِصيصاءُ" بالمد، و"الأمرُ بينهم فَيضُوضَى"، والفَيْضُوضَى: الأمر المشترَك، وأجاز المدّ في جميع الباب قياسًا، وخالفه جميع البصريين في ذلك، والفرّاءُ من أصحابه.
فصل
[صِياغة مصدر المرّة]
قال صاحب الكتاب: وبناء المرة من المجرد على فعلة تقول قمت قومة وشربت شربة, وقد جاء على المصدر المستعمل في قولهم أتيته إتيانة، ولقيته لقاءة, وهو مما عداه على المصدر المستعمل كالإعطاءة والانطلاقة والابتسامة والترويحة والتقلبة والتغافلة؛ وأما ما في آخره تاء, فلا يتجاوز به المستعمل بعينه تقول قاتلته مقاتلة واحدة، وكذلك الاستعانة والدحرجة.
قال الشارح: قد تقدّم أن أصل مصدر الفعل الثلاثي المجرّد من الزيادة أن يأتي على
"فَعْل"، فإذا أرادوا المرّة الواحدة، ألحقوه التاء، وجاؤوا به على "فَعْلَةَ"، قالوا: "ضربتُه ضَرْبَة"، و"قتلتُه قَتْلَة"، و"أتيتُه أتْيَة"، و"لقيتُه لَقيَةً"، وكذلك لو كان في المصدر زيادة، نحوُ "جلس جُلُوسًا"، و"قعد قُعُودًا"، فإنّك تُسقِط الزيادة إذا أردت المرّة الواحدة، وتأتي به على "فَعْلَةَ"، نحوِ: "جلس جَلْسَةً"، و"قعد قَعدَةً"؛ لأن الأصل "جَلْسٌ"، و"قَعْدٌ".
وقولهم: "الجُلُوس"، و"الذهاب" ونحوهما ليست الزيادة فيه من الأصل, لأنّها لم تكن في الفعل، ولم تلزم الزيادةُ فيه لزومَها ما كانت موجودة في فعله، نحوَ: "الإفْعال" في باب "أفْعَلَ"، و"الاستفعال" في باب "استفعل"، فالضَّرْبُ والقَتْلُ ونحوهما جمع "فَعْلَةَ"، نحوِ: "تَمْرَةٍ"، و"تَمْرٍ"، و"نَخْلَةٍ"، و"نَخْلٍ"؛ لأن المصدر يدل على الجنس، كما أن "النخل" و"التمر" يدلان على الجنس، فـ"ضَرْبَةٌ" نظير "تمرةٍ"، و"ضَرْبٌ" نظير "تمرٍ".
وقد يزيدون التاء على المصدر المزيد فيه، فيريدون به المرّة الواحدة، قالوا: "أتيتُه إتْيانَةً"، و"لقيتُه لِقاءَةً"، جاؤوا به على المصدر المستعمل، كأنّهم نزلوا الزيادة غير اللازمة منزلةَ اللازمة، فكما يقولون: "أعْطَيْتُه إعْطاءَةً"، و"استغفرتُه استغفارةً"، كذلك قالوا: "أتيته إتيانةً"، و"لقيته لقاءةً".
"وهو فيما عداه على المصدر المستعمل"، يعني ما عدا الفعلَ الثلاثى المجرّدَ من الزيادة، والمرادُ أنّ ما كان من الفعل زائدًا على الثلاثة، فإنّ المرّة الواحدة تكون بزيادة الهاء على مصدره المستعمل، نحوِ قولك: "استغاث استغاثة"، و"أعْطاه إعْطاءةً"، و"كَسرَه تَكْسِيرَةً" يراد بذلك كله المرّة الواحدة، وسَواء ما كان زائدَا على الثلاثة بحروفِ كلّها أُصول، نحوُ: "الدَّحْرَجَة"، و"السَّرْهَفَة" أو بزيادة علي بنات الثلاثة، نحوِ: "أعطيتُه إعطاءةً"، و"انطَلَقَ انطِلاقةً".
فإن كان فيه هاءٌ، لم يُجتلب للمرة هاءٌ، واكتُفي بالهاء التي فيه عن هاء تجتلبها، وذلك قولك: "قاتلتُه مُقاتَلَةً"، ولا تقول في المرة: "قِتالَةً"؛ لأن أصل المصدر في "فَاعَلَ" "المُفاعَلَةُ" لا "الفِعال"؛ لأنّه على وزن "الدحْرَجَة"، ومثله "أقَلْتُه إقالَةً"، و"اسْتَعَنتُ به استعانةً".
ولو قيل- في قولك إذا قلت: "استعنتُ به استعانةً"، وأراد المصدر، ثم قال: "استعانةً" وأراد المرّة الواحدة- إنّ هذه التاء غير تلك التاء الأوُلى، كما أنّك إذا قلت: "يا مَنْصُ" في لغةِ من قال: "يا حارُ"، فإن الضمة فيه غير ضمة الصاد التي كانت فيه؛ لكان قولاً قويًا.
فصل
[مصدر النوع]
قال صاحب الكتاب: وتقول في الضرب من الفعل هو حسن الطعمة والركبة,
والجلسة والقعدة، وقتلته قتلة سوء، وبئست الميتة، والعذرة ضربٌ من الاعتذار.
قال الشارح: إنّما قال: "في الضرب من الفعل"؛ لأن المصدر يدل على جنس الفعل، فإذا قلت: "ضَربٌ"، أو "قَتلٌ"، دل على الضرب والقتل الذي يتناول جميعَ أنواع الضرب والقتل، وأنت هنا لم تُرِد به الجنس ولا العدد، إنما أردت نوعًا من الجنس، فإذا قلت: "الطِّعمَة"، و"الرِّكْبَة"، و"الجِلْسَة" ونحوها، فإنّما تريد الحالة التي عليها الفاعلُ، والمراد أنّه إذا ركب؛ كان ركوبُه حسنًا، أي: ذلك عادتُه في الركوب والجلوس.
وكذلك "هو حسنُ الطعْمَةِ"، المراد أن ذلك لما كان موجودًا فيه لا يُفارِقه؛ صار حالة له.
والقِعْدَةُ حالةُ وقتِ قعودِه، ومثله "القِتْلة" للحالة التي قُتل عليها.
و"بِئسَتِ المِيتَةُ"، أي: أنّه مات مِيتَةَ سَؤءٍ، أي: حالةُ وقت الموت كانت سيئةً.
و"العِذرَةُ": حالةُ وقت الاعتذار، وهذا البناء يكون على ضربين: أحدهما للحالة على ما ذكرنا، والآخر أن يكون مصدرًا لا يُراد به الحالةُ، وذلك نحوُ: "دَرَيْتُ دِرْيَة"، و"لفلانٍ شِدَّة وبَاسٌ"، و"شَعُرْتُ بالأمر شِعْرَةً"، وقولهم: "لَيْتَ شِعْرِي"، المراد: "ليت شِعْرَتِي" أي: عِلْمِي ومَعْرِفَتِي، وإنّما حذفوا التاء تخفيفًا لكثرة الاستعمال.
فصل
[بناء المصدر من المعتلّ العين من "أَفْعَل" والمعتل اللام من "فَعّل"]
قال صاحب الكتاب: وقالوا فيما اعتلت عينه من "أفْعَلَ", واعتلت لامه من "فَعَّلَ": إجازة وإطاقة وتعزية وتسلية، معوضين التاء من العين واللام الساقطتين, ويجوز ترك التعويض في أفعل دون فعَّل قال الله تعالى: ﴿وإقام الصلاة﴾ 1, وتقول أريته إراء، ولا تقول تسليا ولا تعزيا, وقد جاء التفعيل فيه في الشعر، قال [من الرجز]: 887 - فهي تنزي دلوها تنزياً... كما تنزي شهلة صبيا 2
قال الشارح: أما ما كان من الأفعال على "أفعَلَ" معتلَّ العين، نحوُ: "أجاز يُجِيزُ"، و"أطاق يطِيقُ" ونظائرهما من نحوِ "أقام"، و"أقال"، فإنّ المصدر منها على "إجازَةٍ"، و"إطاقة"، و"إقامة"، و"إقالة"، والأصل: "إجْواز"، و"إطواقٌ"؛ لأنه من "أجاز يجيز"، و"أطاق يطيق"، فهو كقولك: "أكرَمَ يُكرِمُ إكرامًا"، إلَّا أنّه لمّا اعتلّت العين من "أجاز يجيز"، و"أطاق يطيق" بقلبها ألفًا؛ أعلوا المصدر حملًا على الفعل بنقل حركتها إلى ما قبلها، ثم قلبت العين ألفًا؛ لتحرُّكها في الأصل وانفتاحِ ما قبلها الآنَ، وكانت الألف بعدها ساكنةً، فحذفت الألف لالتقاء الساكنَين، وعُوّض من المحذوف التاء.
فالخليل وسيبويه يذهبان إلى أن المحذوف ألفُ "إفعال" لأنّها زائدةٌ، فهي أولى بالحذف، وأبو الحسن الأخفش والفرّاء يذهبان إلى أن المحذوف الألف المبدلة من العين، وهو القياس، ولذلك اختاره صاحب الكتاب، فقال: "معوِّضين من العين واللام"، يريد العين من "إطاقة"، واللام من "تَعْزِيَةٍ" وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه، ومن ذلك "استَعنته استِعانةً"، و"استخار استخارةً"، والأصل: "استِعوانًا"، و"استِخيارًا".
فأمّا قولهم: "أرَيْتُه إراءَةً" فإنّه، وإن لم يكن معتل العين لأن الأصل "أرْأيتُه"، عينُه همزة لأنه "أفْعَلَ" من "رَأيتُ"، فالهمزة حرف صحيح، لكنه دخله نقصٌ بتخفيف الهمزة، ولزومِ ذلك حتى صار الأصل مرفوضًا، وذلك أنّهم ألقوا حركة الهمزة على الراء، وأُسْقطت الهمزة، فأتوا بالهاء عوضًا من ذلك النقص.
والذي يدلّ على أن الهاء عوضٌ من المحذوف أنك تقول: "اخترتُ اختِيارًا"، و"انقاد إنقِيادًا"، فلا تلحِق الهاء, لأنّه لم يسقط من المصدر شيءٌ؛ لأنه لم يلتق فيه ساكنان.
وأجاز سيبويه 1 أن لا يأتوا بالعوض، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ 2. والفراءُ يجيز حذفها فيما كان مضافًا، نحوِ الآية؛ فكأن الإضافة عوضٌ من التاء، وسيبويه لم يفصل بين ما كان مضافًا وغير مضاف، فهو يجيز "أقامَ إقامًا"، والفرّاء لا يجيزه.
= الإعراب: "فهي": الفاء: بحسب ما قبلها، و"هي": ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
"تنزي": فعل مضارع مرفوع بالضمّة المقدرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي.
"دلوها": مفعول به منصوب، وهو مضاف، و"ها": ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة.
"تنزيًّا": مفعول مطلق منصوب.
"كما": الكاف: حرف جر، و"ما": مصدريّة.
والمصدر المؤول من "ما" والفعل في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بصفة لـ"تنزيًّا" محذوفة.
"تنزّي": فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل.
"شهلة": فاعل مرفوع.
"صبيًّا": مفعول به منصوب.
وجملة "هي تنزي... ": بحسب ما قبلها.
وجملة "تنزي دلوها": في محل رفع خبر المبتدأ "هي".
والشاهد فيه قوله: "تنزيا" حيث ورد مصدر الفعل الذي على وزن "فعّل" المعتلّ اللام على "تفعيل" كما جيء في الصحيح اللام، وهذا شاذ، وقياسه: "تفعلة"، نحو: "تسمية"، و"ترضية".
وأمّا "فَعَّلَ"، فله في الصحيح مصدران: "التَّفْعِيل"، و"التَفْعِلَة"، نحوُ: "كرّمته تَكرِيمًا وتَكْرِمَةً"، و"عظّمته تعظيمًا وتعظَمة"، و"التفعيل"، هو الأصل, لأنّه هو اللازم، فأمّا إذا كان معتلّ اللام بالياء أو الواو؛ ألزموه "تَفْعِلَةَ" ولم يأتوا بالمصدر الآخر، لئلّا يجتمع في آخره ياءان قبلهما كسرةٌ، فيُحتمل ثقلٌ، وعنه مندوحةٌ إلى المصدر الآخر، وذلك قولك: "عَزيْتُه تَعْزِيَة"، و"غَذيْتُه تَغْذِيَة".
قال أبو بكر بن السرّاج: الأصل "تَعْزِيا"، و"تَغْذِيًّا"، فحذفت ياءٌ من الياء المشدّدة، ودخلت التاء عوضًا من المحذوف.
وكلامُ الشيخ يُصرَّح فيه بأن المحذوف اللام، وأن يكون المحذوف الياء الزائدة أوْجَهُ عندي, لأن اللام باقية في الصحيح من نحو "تَكْرِمَةٍ"، فكذلك يكون في المعتل، ولا يجوز إسقاط التاء من هذا، فيقالَ في "تغزية": "تَغْزٍ"، كما جاز في "إقامة"، فقالوا: "إقامٌ"، والفرقُ بينهما أن نحوَ "أقامَ"، و"أقالَ" و"استَحاذَ" قد استُعمل على الأصل، فقالوا: "أطْوَلْتُ إطْوالًا"، و"استحوَذْتُ استِحْواذًا".
فلمّا كان قد ورد تامًّا على الأصل، جاز أن لا يعوض منه؛ فأمّا نحو"تَعْزِيَة"، و"تَغْذِيَة"، فلم يرد الأصل البتّة، فلزم العوض لذلك، وقد جاء "التَفْعيل" فيه في الشعر، قال [من الرجز]:
فَهِي تُنَزي دَلْوَهَا تَنْزِيًّا... إلخ
والشاهد فيه قوله: "تَنْزِيًّا"، والقياس: "تَنْزِيَةً"، لكنه راجَعَ الأصلَ ضرورة, لأن الشاعر له مراجَعةُ الأصُول المرفوضة، يُقال: "امرأةٌ شَهْلَةٌ" إذا كانت نَصَفًا، وصار كالاسم لها بالغَلَبَة، ولا يُقال ذلك للرجل.
يصف امرأة تستقي ماء، والمراد أنّها ترفع دَلْوَها كما ترفع المرأةُ الصبى عند ترقيصه.
فصل
[إعمال المصدر]
قال صاحب الكتاب: ويعمل المصدر أعمال الفعل مفرداً، كقولك عجبت من ضربٍ زيدٌ عمراً، ومن ضربٍ عمراً زيدٌ، ومضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول كقولك أعجبني ضرب الأمير اللص، ودق القصار الثوب، وضرب اللص الأميرُ، ودق الثوب القصارُ, ويجوز ترك ذكر الفاعل والمفعول في الإفراد والإضافة, كقولك عجبت من ضرب زيداً، ونحو قوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً﴾ 1 ومن ضربٍ عمروٌ ومن ضرب زيدٍ أي من ضرب زيد أو ضرب, ونحوه قوله تعالى: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ 2, ومعرفاً باللام كقوله [من المتقارب]: 888 - ضعيف النكاية أعداءه... يخال الفرار يراخي الأجل3
وقوله [من الطويل]: [لقد علمت أُولي المغيرة أنني]... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا 1
قال الشارح: والمصدر يعمل عملَ الفعل المأخوذِ منه: إن كان الفعل غير متعدّ، كان المصدر غير متعدّ، فكما تقول: "قام زيدٌ"، ولا تجاوِز الفاعلَ، كذلك تقول: "أعجبني قيامُ زيدٍ".
وإن كان يتعدّى إلى واحد، يتعدّى مصدره إلى واحد، فتقول: "أعجبني ضربُ زيدٍ عمرًا".
وتقول: "أعجبني إعطاءُ زيدٍ عمرًا درهمًا"، فتُعدّيه إلى مفعولَيْن كما يفعل ذلك الفعلُ، نحوُ:"أعطيتُ زيدًا درهمًا".
وإن كان يتعدّى فعلُه بحرِف جرّ؛ كان المصدر كذلك، فتقول: "أعجبني مرورُك بزيدٍ".
وإنّما يعمل من المصادر ما كان مقدرًا بـ"أنْ" والفعلِ، نحوُ قولك: "أعجبني ضربُ زيد عمرًا"، وتقديره: أن ضَرَبَ زيدٌ عمرًا.
فأمّا إذا كان مؤكدًا لفعله، أو عاملًا فيه الفعلُ الذي أُخذ منه على وجه من الوجوه، لم يعمل؛ لأنه لا يقدَّر بـ"أن" والفعلِ، وذلك نحو قولك: "ضربتُ زيدًا ضَرْبًا والضربَ الشديدَ"؛ لأنه لا يحسن أن تقول فيه: "ضربتُ زيدًا أن ضربتُ زيدًا".
فأمّا قولهم في الأمر: "ضَرْبًا زيدًا"، فكثيرٌ من النحويين يقولون: العاملُ في "زيد": "ضربًا".
والذي عليه المحققون أن العامل فيه الفعل الذي نصب المصدرَ، وتقديره: اضْرِبْ = 5/ 252؛ وشرح أبيات سيبويه 1/ 394؛ وشرح الأشموني 1/ 333؛ وشرح التصريح 2/ 63؛ وشرح شواهد الإيضاح ص 136؛ وشرح ابن عقيل ص411؛ والكتاب 1/ 192؛ والمقرب 1/ 131؛ والمنصف 3/ 71؛ وهمع الهوامع 2/ 93. اللغة: النكاية: إغضاب الغير وقهره.
الفرار: الهرب.
يراخي الأجل: يبعد الموت.
المعنى: أنه جبان، لا يقهر الأعداء، ويعتمد على الهرب ظنًّا منه بأنّه يبعد الموت.
الإعراب: "ضعيف": خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو، وهو مضاف.
"النكاية": مضاف إليه مجرور.
"أعداءه": مفعول به للمصدر "النكاية" منصوب، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة.
"يخال": فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"الفرار": مفعول به منصوب.
"يراخي": فعل مضارع مرفوع بالضمّة المقدّرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"الأجل": مفعول به منصوب، وسكن للضرورة الشعرية.
وجملة "... ضعيف النكاية": لا محل لها من الإعراب لأنّها ابتدائية.
وجملة "يخال الفرار": في محل رفع خبر ثانٍ.
وجملة "يراخي الأجل": في محلّ نصب مفعول به ثاني لـ"يخال".
والشاهد فيه قوله: "النكاية أعداءه" حيث نصب المصدر المقترن بـ"أل"، وهو قوله: "النكاية"، مفعولًا به، وهو قوله: "أعداءه".
ضربًا زيدًا، ولا يبعد عندي أن يكون هذا المصدر عاملًا في "زيد" لنِيابته عن الفعل، لا بحكمِ أنّه مصدرٌ، وجاء كقولك: "زيدٌ في الدار قائمًا"، فالعاملُ في الحال الظرف الموجود لا الفعل العامل فيه، وذلك لنيابته عن الفعل؛ كذلك هاهنا، ويكون فيه ضميرُ فاعل نُقل إليه من الفعل، وهو ضمير المخاطب، كما نقل الضمير من الفعل إلى الظرف في "زيدٌ في الدار قائمًا".
ولو أظهر الفعل، وقلت: "اضْرِب ضَربًا زيدًا"، لم يكن العامل في "زيدًا" إلَّا الفعلَ دون المصدر، كما أنّك لو أظهرت العامل في الظرف، وقلت: "زيد استقرَّ في الدار قائمًا"، لم يكن العامل في الحال إلَّا الفعلَ دون الظرف، وكان خاليًا من الضمير، ولو قلت: "أنكرتُ ضَرْبَك زيدًا"، لكان في معنَى "أنْ" والفعلِ, لأنّه يحسن أن تقول: "أنكرتُ أن تضرب"، إذ العامل فيه من غير لفظه.
ولك أن تقدره بـ "أن" والفعلِ المسند إلى الفاعل، نحوَ قولك: "أعجبني ضَرْبُك زيدًا"، والتقدير: "أن ضربت زيدًا".
ولك أن تقدّره بالفعل الذي لم يسمّ فاعله، نحوَ: "ساءَني ضربُك"، والتقدير: "أن ضُرِبتَ"، والفرقُ بينهما بالقرائن.
وإنّما عمل المصدر إن كان على هذه الصفة, لأنّه في معنى الفعل على ما ذكرنا، ولفظُه متضمن حروف الفعل، فجرى مجرى اسم الفاعل، فعمِل عملَه، ألا ترى أنّ "أنْ" وما بعدها من الفعل، لمّا كانت في تأويل المصدر، أُعطيت حُكمَه، فوقعت فاعلةً ومفعولةً ومضافًا إليها، نحوَ قولك: "أعجبني أن قمتَ"، فـ"أنْ" وما بعدها من الفعل في موضع مرفوع بأنه الفاعل.
وتقول: "أكرَهُ أن تقوم"، والمعنى: أكره قيامَك، كذلك المصدَر إذا كان مقدرًا بـ"أنْ" والفعلِ؛ كان له حكمُ الفعل من العمل.
وإنما اشتُرط أن يكون لفظ المصدر العامل متضمنًا حروفَ الفعل ليدل على الفعل، فلذلك تقول: "مُروري يزيد حسنٌ، ومروري بعمرٍو قبيحٌ"، ولو قلت: "وهو بعمرو قبيحٌ"، لم يجز؛ لزوال حروف الفعل من لفظه.
وهذا المصدر يعمل على ثلاثة أضرب: إذا كان مفردًا منونا، وإذا كان مضافًا، وإذا كان معرَّفًا بالألف واللام.
فأمّا الأول، وهو ما كان منونًا، فهو أقيسُ الضروب الثلاثة في العمل، وذلك من قِبَل أن المصدر إنّما عمل لشَبَهه بالفعل، والتنوينُ يدّل على التنكير، فهو في المعنى موافق لمعنى الفعل، وإن كان في اللفظ من زيادات الأسماء.
وأمّا المضاف، فإعمالُه في الجر بعد الأوَل, لأن الإضافة وإن كانت من خصائص الأسماء وبابُها التعريف والتخصيص، وذلك ممّا لا يكون في الأفعال، إلَّا أن الإضافة قد تقع منفصلة، فلا تفيد التعريفَ على حد وقوعها في اسم الفاعل، فلمّا كان التعريف قد يتخلّف عن الإضافة؛ لم تكن الإضافة منافِيةً لمعنى الفعل من كل وجه، إذ قد توجَد غيرَ معرّفة.
وأما ما عمِل من المصادر، وفيه الألف واللام، فهو أضعفُها؛ لأن الألف واللام لا تكون في أسماء الأجناس التي هي الأُصول إلَّا معرّفة، فلذلك ضعُف إعمالها.
وإنّما قلنا: "في أسماء الأجناس" تحرزًا من الأعلام، فإن الألف واللام قد تدخلها لا لمعنى التعريف، نحوَ: "الحَسَنُ"، و"العَباس"، ونحوِ قوله [من الرجز]:
باعَدَ أُمَّ العَمْرِو من أسِيرِهَا 1
فمثال ما عمل من المصادر منوَّنًا قولك: "أعجبني ضربٌ زيدٌ عمرًا"، وإن شئت قلت: "أعجبنى ضربٌ عمرًا زيدٌ" فتُقدّم المفعول على الفاعل، وذلك قليل في الاستعمال.
وإنّما جاز أن تأتى بعد المصدر بالفاعل والمفعول، ولم يجز أن تأتي بعد اسم الفاعل إلَّا بالمفعول، وذلك من قِبَل أن المصدر غيرُ الفاعل والمفعول، فلم تستغن بذكره عن ذكرهما.
وليس كذلك اسم الفاعل، فإنّه هو الفاعل، فلم تحتج إلى ذكره بعده، فلذلك لم تجز إضافتُه إلى الفاعل, لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.
وجملة الأمر أن الفرق بين اسم الفاعل والمصدر من وجوه ستّة:
أوَّلُها: أن الألف واللام في اسم الفاعل تفيد التعريف مع كونها بمعنى "الذِي"، والألف واللام في المصدر تفيد التعريف لا غيرُ.
الثاني: أن اسم الفاعل يتحمل الضميرَ كما يتحمّل الفعل؛ لأنه جارٍ عليه، والمصدر لا يتحمّل ضميرًا؛ لأنه بمنزلة أسماء الأجناس، والفاعل يكون معه منويا مقدَّرًا غيرمستتِر فيه.
الثالث: أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، واسمُ الفاعل لا يضاف إلَّا إلى
المفعول لا غيرُ، وقد ذُكر.
الرابع: أن المصدر يعمل في الأزمنة الثلاثة، واسم الفاعل يعمل عمل الفعل في الحال والاستقبال.
الخامس: أن المصدر لا يتقدّم عليه ما يعمل فيه، سواء كانت فيه الألف واللام، أو لم تكن، واسم الفاعل يتقدّم عليه ما ينصبه إذا لم تكن فيه الألف واللام.
السادس: أن اسم الفاعل لا يعمل حتى يعتمد على كلام قبله، والمصدر يعمل معتمدًا، وغير معتمد.
فممّا جاء مُعْمَلًا من المصادر منونًا قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ 2، فـ"يَتِيمًا" منصوب بالمصدر الذي هو "إطعام"، والتقدير: أو إطعامٌ هو، فيكون الفاعل مقدرًا محذوفًا.
فإن صرّحت بالفعل، كان الفاعل مستترًا، نحو
قولك: "أو أن أطعم يتيمًا"، ومن ذلك قول الشاعر [من الطويل]:
1 - فلولا رَجاءُ النَّصْرِ منك ورَهْبَة... عِقابَك قد صاروا لنا كالمَوارِد
فأعمل "رهبة" في "عقابك"، ومن ذلك قول الآخر [من الوافر]:
2 - بضَرْبٍ بالسُّيُوف رُؤوسَ قومٍ... أَزَلنا هامَهُنَّ على المَقِيلِ
فنصب "الرؤوس" بـ"ضرب".
وأمّا إعماله وهو مضاف، فإنّه يضاف إلى الفاعل، وإلى المفعول لتعلُّقه بكل واحد منهما، فتعلّقُه بالفاعل وقوعُه منه.
وتعلّقه بالمفعول وقوعه به، وإضافتُه إلى الفاعل
أحسن، لأنّه له، وإضافتُه إلى المفعول حسنة لأنّه به اتّصل، وفيه حَلَّ، وذلك نحو قولك: "سَرَّني ضربُ زيد عمرًا"، إذا أضفتَه إلى الفاعل، و"ضرب زيد عمرٌو"، إذا أضفته إلى المفعول تخفض ما تضيفه إليه إن كان فاعلًا، وإن كان مفعولًا، فإن أضفته إلى الفاعل، جررت الفاعلَ، ونصبت المفعول؛ وإذا أضفته إلى المفعول، جررتَه أيضًا ورفعت الفاعل.
وممّا جاء من ذلك مُعمَلًا، وهو مضاف، قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ 1 أضافه إلى الفاعل، ونصب "الناس"؛ لأنه مفعول.
ومنه قول الشاعر [من الكامل]:
891 - عَهدِي بها الحَىَّ الجميعَ وفيهِمِ... قَبْلَ التفرُّقِ مَيسِرٌ ونِدامٌ
أضاف "العهد" إلى الياء، وهو في موضع الفاعل، ونصب، "الحي" لأنه مفعول، و"عهدى": مبتدأ، وقوله: وفيهم إلى آخر البيت في موضع الحال، وقد سد مَسَدَّ الخبر، كقولك.
"قيامُك ضاحكًا"، و"ضَربي زيدًا قائمًا".
وقد يضاف إلى الفاعل، ولا يؤتَى له بمفعول، وذلك، نحو: "عجبت من ضربِ زيدٍ"، أي: من أن ضَرَبَ زيدٌ، أو ضُرِبَ زيدٌ.
إن شئت قدّرته بما سُمّي فاعله، وإن شئت قدّرته بما لم يسمّ فاعله.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ 3، أي:2
من بعد أن غُلِبُوا.
ومن إضافته إلى المفعول قوله [من الطويل]:
1 - أمِنْ رَسْمِ دارٍ مُرْبِعٌ ومُصِيفُ... لعينَيْك من ماء الشُّؤُونِ وَكِيفُ
والتقدير أمِنْ أن رَسَمَ دارًا مربعٌ ومصيفٌ.
وقد يضاف إلى المفعول من غير ذكر الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ (2)، والأصل: من دعاء الخير هو، والتقدير: من أن يدعو الخيرَ، ومثله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ (3)، أي: بسؤال نعجتك هو، وحذف الفاعل للعلم به، ودلالةِ الحال عليه, لأن المصدر لا يتحمّل ضميرًا بخلاف الصفة.
فأمّا قوله [من الطويل]:
4 - فلا تُكْثِرَا لَوْمي فإن أخاكما... بِذكْراهُ لَيْلَى العامِريةَ مُولَعُ
ففي البيت مصدران:
أحدهما: "اللوم" والآخر "الذكرَى" فـ "اللوم" مضاف إلى المفعول، والمراد: لا تكثر لومَك إيّاي، و"الذكرى" مضاف إلى الفاعل، وهو الهاء، و"ليلى" المفعول في محل منصوب.
وأمّا الضرب الثالث: وهو إعمال المصدر، وفيه الألف واللام، فنحو قولك: "عجبت من الضرب زيدٌ عمرًا"، أي: من أن ضرب زيدٌ عمرًا، ولا أعلمُه جاء في التنزيل.
فأمّا قوله [من المتقارب]:
ضعيفُ النِّكَايةِ أَعْداءَه 1... إلخ
أنشده سيبويه 2 غُفْلًا، ولم يذكر شاعرَه، والشاهد فيه نصب "الأعداء" بـ"النكاية"، لمنع الألف واللام الإضافة كمنع التنوين، وبعضهم ينصبه بمصدر منكور منوّن محذوفٍ تقديره: ضعيفُ النكايةِ نكايةٍ أعداءه، وذلك لضعفِ إعمال المصدر، وفيه الألف واللام.
يهجو رجلاً يقول: هو ضعيف عن أن يَنْكَأَ أعداءه، وجَبانٌ فلا يثبت لقِرْنه، فيلجأ إلى الفِرار، ويخاله مؤخرًا لأجله.
وأمّا قول الآخر [من الطويل]:
لقدْ عَلِمَتْ أُولَى المُغِيرة أنّني... كررتُ فلم أَنْكُلْ عن الضرب مِسْمَعا 3
فهو في الكتاب 4 منسوب إلى المَرّار الأَسَدي، ورواه بعضهم في شعر مالك بن زُغبة الباهليّ، وبعده:
وإنْي لأُعدِي الخَيْلَ تَعثرُ بالقَنَا... حفاظًا على المَوْلى الحديدِ لِيُمْنَعَا
ورواية البيت في كتاب سيبويه "لحقتُ" مكانَ "كررت"، والاحتجاج على رواية من روى "كررت"، فيكون "مسمع" منصوبًا بـ"الضرب"؛ وأمّا من روى "لحقت"، يجوز أن يكون "مسمع" منصوبًا به لا بالمصدر، فلا يكون فيه حجّةٌ.
فإن قيل: ولا يكون أيضًا في رواية من روى "كررت" حجّةٌ؛ لاحتمالِ أن يكون المراد: كررت على مسمع، فلم أنكل عن ضربه، بحذف الجارّ؛ قيل: لا يحسن ذلك؛ لأن حذف حرف الجرّ وإعمال الفعل اللازم قبله بابٌ ضرورة، وطريقُه السماع، فلا يُحمَل عليه ما وُجد عنه مندوحةٌ.
= المقدّرة على الألف.
"العامرية": صفة منصوبة بالفتحة.
"مولع": خبر "إن" مرفوع بالضمّة.
وجملة "لا تكثرا": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "إن أخاكما مولع": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "بذكراه ليلى" حيث أضاف "الذكرى"- وهي هنا اسم مصدر يدلّ على معنى المصدر ويعمل عمله- إلى فاعلها وهو ضمير الغيبة العائد على"الأخ"، ثم أتى بعدها بمفعول المصدر "ليلى".
يقول: قد علم أوَّلُ من لقيتُ من المُغِيرين أني صرفتهم عن وجوههم هازمًا لهم، ولحقتُ عَمِيدَهم، فلم أنكل عن ضربه بسيفي.
والنكولُ: الرجوع عن القِرْن جُبنًا، وكانت بنو ضُبَيعَةَ قد أغارت على باهِلَةَ، فلحقتهم باهلةُ فهزمتهم.
و"المُغِيرة": اسم فاعل من "أغار".
و"أُولاها" بضم الهمزة وهي مُقدمتها، وهي تأنيث "أوَّل".
وقد تقدّم القول: إن إعمال المصدر وفيه الألف واللام ضعيف، ولذلك ذهب بعضهم إلى أنّك إذا قلت: "أردتُ الضرب زيدًا"؛ فإنّما تنصبه بإضمار فعل لا بـ" الضرب".
وبعضُهم يقدّره بمصدر ليس فيه ألف ولام، كأنّه قال: "ضعيفُ النكايةِ نكاية أعداءه".
والصوابُ أنّه منصوب بالمصدر المذكور على ضَعْفه، وذلك لأن الألف واللام بمنزلة التنوين، فعمِل وفيه الألف واللام، كما يعمل وفيه التنوين، فاعرفه.
فصل
[شاهد على نصب المعطوف حَمْلًا على محلّ المعطوف عليه المجرور]
قال صاحب الكتاب: وبيت الكتاب [من الرجز]: 1 - قد كنت داينت بها حساناً... مخافة الإفلاس والليّانا إنما نُصب فيه المعطوف محمولاً علي محل المعطوف عليه, لأنه مفعول، كما حمل لبيد الصفة على محل الموصوف في قوله [من الكامل]:
[حتي تهجر في الرواح وهاجه]... طلب المعقب حقه المظلوم 1 أي كما يطلب المعقب المظلوم حقه.
قال الشارح: إذا عطفت على ما خُفض بالمصدر، جاز لك في المعطوف وجهان:
أحدهما: أن تحمله على اللفظ، فتخفضه، وهو الوجه.
والآخر: أن تحمله على المعنى؛ فإن كان المخفوض مفعولًا في المعنى، نصبت المعطوف؛ وإن كان فاعلاً، رفعته، فتقول: "عجبت من ضرب زيدٍ وعمرو"، وإن شئت: و"عمرًا"، فهو بمنزلة قولك: "هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو، وعمرًا".
وإنّما كان الوجه الجرّ لتشاكُل اللفظين واتفاق المعنيين، وإذا حملته على المعنى، كان مردودًا على الاوّل في معناه، وليس مُشاكلًا له في لفظه.
وإذ حصل اللفظُ والمعنى، كان أجود من حصول المعنى وحدَه، وإذا نصبت؛ قدّرت المصدر بالفعل، كأنّك قلت: "عجبت من أن ضرب أو من أن يُضْرب"، ليتحقق لفظُ الفاعل والمفعول.
فأمّا قوله [من الرجز]:
قد كنتَ دايَنْتَ بها حَسّانا... مَخافَةَ الإفْلاسِ واللَّيانَا
يُحْسِنُ بَيعَ الأَصْلِ والقِيانا
الشعر لزِياد العَنْبَري، والشاهد فيه نصب "اللّيان" بالعطف على المعنى، وذلك كأنّه قال: "وتخافُ الليانَ".
ويجوز أن يكون معطوفًا على "مخافة"، والتقدير: مخافةَ الإفلاس ومخافةَ الليّان، ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وكذلك "القيان" هو منصوب على معنى الأصل, لأن المراد: يحسن أن يبيع الأصلَ والقيانَ.
والقَيْنَةُ: الأَمَةُ مُغَنْيَة كانت أو غيرَ مغنية، يريد أنَّه دايَنَ بها -يعني الإبل- حسّان؛ لأنه مَلِيءٌ لا يُماطِل مخافَة أن يُدايِن غيرَه ممّن ليس بمَلِيء، فيُماطِل لإفلاسه.
واللَّيانُ: مصدر بمعنى "اللَّي".
ومنه قوله عليه السلام: "لَيُّ الغَنِي ظُلْمٌ" 2.
والنعت في ذلك كالعطف في جواز العمل على اللفظ والمعنى، تقول فيه: "عجبت من ضرب زيدٍ الظريف" بالخفض على اللفظ، و"الظريفُ" بالرفع على المعنى.
ومنه قول لَبِيد [من الكامل]:
حتى تَهَجَّرَ في الرَّواح وهاجَه... طَلَبَ المعقِّبِ حَقَّهُ المظلومُ
يصف عَيْرًا، يقول: حتى تهجر في الرواح، أي: سار في الهاجِرة، وهاجه: يعني
أثاره، أي: العيرَ، و"طلبَ" منصوب على المصدر بما دلّ عليه المعنى، أي: طَلَبَ الماء طَلَبًا مثلَ طلب المعقّب حقّه المظلوم، ثمّ حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
والمعقِّب: المَمطول بدَينه، قيل له ذلك لأنه يتبع عَقِبَ المَدِين، و"المظلوم": نعتٌ له على المعنى.
ولو خفض، لكان أجود، لو ساعدتِ القافيةُ.
فصل
[عمل المصدر ماضيًا ومستقبلًا]
قال صاحب الكتاب: ويعمل ماضياً كان أو مستقبلاً.
تقول "أعجبني ضربٌ زيدًا أمسِ"، و"أُريد إكرام عمرو أخاه غداً".
قال الشارح: يشير بذلك إلى الفرق بين