فصل [استفهام الواقف عن نكرة بـ "من"]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وإذا استفهم بها الواقف عن نكرة, قابل حركته في لفظ الذاكر من حروف المد بما يجانسها, يقول إذا قال "جاءني رجل": "منو"؟ وإذا قال "رأيت رجلاً": "منا"؟، وإذا قال: "مررت برجلٍ": "مني"؟ وفي التثنية: "منان"؟ و"منين"؟ وفي الجمع: "منون"؟ و"منين"؟ وفي المؤنث: "منه"؟ و"منتان"؟ و"منتين"؟ و"منات"؟ والنون والتاء ساكنتان.
1234
قال الشارح: اعلم أن الاستفهام هنا استثباتٌ، وهو ضربٌ من الحكاية، والغرضُ به إعلامُ السامع أنه قد تقدم كلام هذا إعرابُه، خَوْفًا من أن يكون عرض له غفلةٌ من استماعِ الكلام المتقدّم.
وكان القياسُ أن تُعاد الكلمة جَمْعاءَ بالألف واللام، أو تُضمَر؛ لأنها تصير معهودة لتقدمِ ذكرها.
قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ 1، إلَّا أنهم عدلوا عن ذلك، لئلّا يُتوهم فيه أنه معهود غيرُ الأول، فزادوا على "مَنْ" في الوقف زيادة تُؤذِن بأنه قد تقدم كلامٌ هذا إعرابُه، وأن القصد إليه دون غيره.
وكانت تلك الزيادةُ من حروف المدَّ واللين؛ لأنها تُجانِس الحركاتِ.
فقابلوا كل حركة في لفظ المُذكر بما يُجانِسها من هذه الحروف.
فإن كان مرفوعًا، زدتَ في أداة الاستفهام واوًا.
وإن كان منصوبًا، زدت ألفًا.
وإن كان مجرورًا، زدت ياءً.
فإذا قال القائلُ: "هذا رجلٌ"، قلت في جوابه: "مَنُو"؟ وإذا قال: "رأيت رجلًا"، قلت في جوابه: "مَنَا"؟ وإذا قال: "مررت برجل"، قلت: "مَنِي"؟ وتُثني، وتجمع، وتُؤنث، فتقول إذا قال: "هذان رجلان": "مَنَانْ"؟ وإذا قال: "رأيت رجلَيْن"، أو"مررت برجلَيْن"، قلت: "مَنَيْنْ"؟ وإذا قال: "هؤلاء رجالٌ"، قلت: "مَنُونْ"؟ وإذا قال: "رأيت رجالًا" أو"مررت برجالٍ"، قلت: "مَنِينْ"؟ فإن قال: "رأيت امرأةً"، قلت: "مَنَهْ"؟، و"مَنْتْ"؟، كما يقال: "ابْنَهْ"، و"بِنْتْ".
وإذا قال: "هاتان امرأتان"، قلت:"مَنْتَانْ"؟ وإذا قال: "رأيت امرأتَيْن"، أو"مررت بامرأتَيْن"، قلت: "مَنْتَيْنْ"؟ بإسكان النون، كأنه ثنى "مَنْت"، فقال: "مَنْتَان"، كما يقال: "بِنْتَان"، و"ثِنْتَان".
وإذا قال في الجمع: "رأيت نساء"، قلت: "مَنَاتْ"؟ بإسكان التاء.
واعلم أنك إذا قلت في الاستثبات "مَنُو"، أو"مَنَا"، أو"مَنِي"، فـ "مَنْ" في موضعِ رفع بالابتداء، والخبرُ محذوف، والتقديرُ: مَن المذكور؟ أو مَن المستفهَمُ عنه؟ أو يكون خبرًا، والمحذوفُ هو المبتدأُ، وهذه الزياداتُ ليست إعرابًا لما دخلتْ عليه، وإنما هي علامات يُحكَى بها حالُ الاسم المتقدّم.
وإنما قلت ذلك لأمرَيْن: أحدُهما: أن "مَنْ" مبنية لتضمنها حرفَ الاستفهام، وذلك مستمِرٌ فيها.
وإذا كان مستمرًا فيها، استمر البناءُ لاستمرارِ سَبَبه.
والأمرُ الثاني: أن هذه العلامات لا تثبُت إلَّا في الوقف، والإعرابُ لا يثبت في الوقف.
وقد اختلف العُلماء في كَيْفِيةِ دخولِ هذه الحروف، فقال قومٌ: إنما دخلت الحركات التي هي الضمةُ والفتحة والكسرة "مَنْ" في حال الوقف حكايةً لإعراب الاسم المتقدّم، ولم تكن الحركةُ ممّا يُوقَف عليها، فوصلوها بهذه الحروف لتبيينِ ما قصدوه من الدلالة، فوصلوا الضمّةَ بالواو، والفتحةَ بالألف، والكسرةَ بالياء،
كوَصْلهم القافيةَ المُطْلَقة بهذه الحروف، نحو قوله [من الوافر]:
1 - [متي كان الخيامُ بذي طلوح]... سُقِيتِ الغَيْثَ أيتُهَا الخِيامُو
ونحو قوله [من الوافر]:
أَقِلي اللَوْمَ عَاذِلَ والعِتابَا... [وقولىِ إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصابا] (2)
ونحو [من الطويل]:
[قِفا نبْكِ من ذكرى حبيب ومَنزِلِ... بِسقْطِ اللوى] بَيْنَ الدخُولِ فَحَوْمَلِي (3)
وقال المبرّد: أدخلوا هذه الحروف قبل الحركات، فالواوُ في "مَنُو" قبلَ ضمّة النون، والألفُ في "مَنَا" قبل الفتحة، والياءُ في "مَنِي" قبل الكسرة.
وإنّما حركوا النون، وأصلُها البناء على السكون لعِلتَيْن: إحداهما: أنّك تقول في النصب: "مَنَا"، فتفتح النون, لأن ما قبل الألف لا يكون إلَّا مفتوحًا.
فلمّا وجب تحريكُها في النصب، حركوها في الرفع والجرّ، ليكون الجميعُ على منهاج واحد، لا يختلف.
والعلةُ الثانية أن الواو
والياء خَفِيتان، فإذا جعلوا قبل كل واحد منهما الحركةَ التي هي منها، ظهرتا وتَبينتا.
وأما "مَنَهْ" فإنّما فُتحت النون, لأنّ هاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا، وأمّا تحريكُها في التثنية والجمع فمن قبل أنّهم أرادوا أن يكون الاستثباتُ في التثنية والجمع على منهاجِ التثنية والجمع الحقيقيّ، فلمّا كان ما قبل حرف التثنية مفتوحًا، فتحوا النون في حكايته، ولمّا كان ما قبل الواو في الجمع مضمومًا، وما قبل الياء مكسورًا اعتمدوا، مثلَ ذلك في حكايته إذا استثبتوا.
فأمّا "مَنْتَانْ"، و"مَنْتَيْنْ" بسكون النون في حكايةِ تثنية المؤنث، فكأنّه ثُني "مَنْتْ"، بسكون النون، كما تقول "بِنْتَانِ"، و"أخْتَانِ" جَعل التاء للإلحاق بـ "فَلْسٍ" و"كَعْبٍ"، كما كانت في "بِنْت"، و"أخْت" ملحقتَيْن بِـ "عِدْلٍ"، و"بُرْد".
قال صاحب الكتاب: وأما الواصلُ، فيقول في هذا كله: "مَنْ يا فَتَى؟ " بغيرِ علامة، وقد ارتكب من قال [من الوافر]:
1 - أَتَوْا نارِي فقلتُ مَنُونَ أَنْتُمْ... [فقالوا: الجن.
قلت: "عِمُوا ظلامًا"]
شُذوذَيْن: إلحاقَ العلامة في الدَّرْج، وتحريكَ النون.
قال الشارح: قد تقدم القول: إن هذه العلامات إنما تلحق في حال الوقف فقط، فإذا وصلت، عادت إلى حالها من البناء على السكون، ومقتضى القياس فيها.
فلذلك إذا قال في الوقف: "مَنُو"، و"مَنَا"، و"مَنِي" يقول إذا وصل: "مَن يا فتى؟ " وكذلك إذا قال: "رأيتْ نساءً"، فقال في الوقف: "مَنَاتْ؟ "، وإذا قال: "رأيت رجالًا"، فقال: "مَنِينْ؟ "، وإذا قال: "رأيت امرأةً" فقال "مَنَهْ؟ "، أو"مَنتْ؟ " فإنه إذا وصل قال: "مَن يا فتى؟ " بإسكان النون وكذلك إذا قال: "رأيت رجلًا"، وامرأةً"، فبَدَأَ بالمذكر، قلت في السؤال: "مَنْ ومَنَهْ؟ " وإن بدأ بالمؤنث، قلت: "مَنْ ومَنَا؟ " لأن العلامة إنّما تلحق الذي تقف عليه، وهو الثاني، والأولُ لا تلحَقُه علامةٌ، لأنه موصول بالثاني.
هذا مذهبُ الخليل وسيبويه 1، وأما يونس 2، فكان يُجيز "مَنَة"، و"مَنَةٌ" و"مَنَةٍ" في الوصل كما يكون مع الوقف، ويَقِيسه على "أي"، وزعم أنَّه سمع عربيًا يقول: "ضرب مَن مَنا" 3. وعلى هذا ينبغي إذا ثَنى، أو جمع فقال: "منان"، أو"منون" أن لا يُغيره، ويُثْبِته وصلًا، ووقفًا.
واستدل على ذلك بقولِ شَمِر بن الحارث الطائي الشاعر [من الوافر]:
أَتَوا نارِى فقلتُ: مَنُونَ أَنتُمْ؟... فقالوا: الجِن قُلْتُ: عِمُوا ظلامًا
فقلت: إلى الطعامِ فقال منهم... زَعِيمٌ: نَحسُدُ الأنَسَ الطعامَا
وبعضهم يرويه: "عِمُوا صَباحًا"، والأكثرُ "ظَلامًا".
ويؤيده البيتُ الثاني.
وهو شاذ، وشذوذُه من وجهَيْن: أحدهما: أنه أثبتَ الزيادة في الوصل، وهي إنما تكون في الوقف لا غيرُ.
والثاني: أنه فتح النونَ، وحقها السكون.
وكان أبو إسحاق يقول فيه: إِن الشاعر اعتقد الوقفَ على "منون"، ثم ابتدأ بما بعده.
وأما قياسُ "مَنْ" على "أي" فليس بصحيح, لأن "أَيا" معربةٌ، و"مَنْ" مبنيّةٌ.
وأما ما حكاه من قولهم: "ضرب مَن مَنَا"، فهي حكايةٌ نادرةٌ لا يُؤخَذ بها، وقد استبعدها = مبنيّ على حذف النون، والواو: ضمير متصل في محلّ رفع فاعل، والألف: فارقة.
"ظلامًا": ظرف زمان منصوب متعلّق بـ "عم".
وجملة "أتوا": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "قلت لهم": معطوفة على الجملة السابقة فهي مثلها لا محل لها من الإعراب.
وجملة "منون أنتم": في محل نصب مفعول به.
وجملة "قالوا": معطوفة على "قلت"، فهي مثلها لا محل لها من الإعراب.
وجملة "نحن الجن": في محل نصب مفعول به.
وجملة "قلت": استئنافيّة لا محل لها من الإعراب.
وجملة "عموا": في محل نصب مفعول به.
والشاهد فيه قوله: "منون أنتم" حيث وقع فيه شذوذان: الأول: زيادة الواو والنون في الوصل، والثاني: تحريك النون التي من حقها أن تكون ساكنة.
سيبويه 1، فقال: لا يتكلّم به العربُ.
ووجهُه من القياس أنّه جرّد "مَنْ" من الدلالة على الاستفهام، حتى صارت اسمًا كسائرِ الأسماء، يجوز إعرابُها، وتثنيتُها، وجمعُها، كما جرّدوا "أيا" من الاستفهام حين وصفوا بها، فقالوا: "مررت برجلٍ أي رجلٍ"، أي: كاملٍ.
وقد فعلوا ذلك في مواضعَ، فمن ذلك قول الشاعر [من البسيط]:
510 - [هل ما عَلمتَ وما استُودعْتَ مكتومُ... أمْ حَبْلُها إذْ نَأَتْكَ اليومَ مَصْروم؟]
أَمْ هَلْ كَبِيرٌ بَكَى لم يَقْضِ عَبْرَتَهُ... إثْرَ الأحِبةِ يومَ البَيْنَ مشكومُ2
فهذا اعتقد خَلْعَ الاستفهام من "هَلْ"، ولولا ذلك، لم يجمع بين استفهامَيْن، وهي "أَمْ"، و"هَلْ".
وإنما حكمنا على خلع دليلِ الاستفهام من "هَلْ" دون "أمْ"؛ لأنّ "هَلْ" قد استُعمل غير استفهام، نحو: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ 1، أي: قد أتى، ونحو قوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ 2، والمرادُ النفي، أي: ما جزاءُ "الإحسان إلَّا الإحسانُ، فكان اعتقادُ نَزْع الاستفهام منها أسهلَ من اعتقادِ نزعه من "أَمْ"، فأمّا قول الشاعر [من البسيط]:
511 - أَمْ كيف يَنْفَعُ ما تُعْطِي العَلُوقُ به... رِئْمانَ أَنْفٍ إذا ما ضُنَّ باللبَن3 = مضاف إليه مجرور.
"مشكوم": خبر للمبتدأ "كبير".
جملة "هل ما علمت مكتوم": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "علمت": صلة الموصول الاسمي لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ما استودعت مكتوم": معطوفة على جملة "ما علمت مكتوم".
وجملة "استودعتَ": صلة الموصول الاسمي لا محل لها من الإعراب.
وجملة "حَبْلها مصروم": استئنافية لا محل لها.
وجملة "نأتك": اعتراضية لا محل لها من الإعراب، اعترضت بين المبتدأ "حبل" والخبر "مصروم".
وجملة "هل كبير مشكومٌ": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "بكى": صفة لـ"كبير" محلها الرفع.
وجملة "لم يَقْضِ": حال من فاعل "بَكَى" محلها النصب، أو صفة ثانية لـ"كبير" محلها الرفع.
والشاهد فيه قوله: "أم هَل" حيث خَلَع الاستفهامَ من "هَلْ" فجَمع بين استفهامين هما "أَمْ" و"هَل".
فإنه ينبغي أن يُعتقد نَزْعُ دليل الاستفهام من "أَمْ"، وقَصْرُها على العطف لا غيرُ، ألا ترى أنّا لو نزعنا الاستفهام من "كَيْفَ"، للزم إعرابُها كما أُعربتْ "مَنْ" في هذا الوجه، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: ومنهم من لا يزيد إذا وَقَفَ على الأحرف الثلاثة، وَحَّدَ، أم ثَنى، أم أنثَ، أم جَمَعَ.
قال الشارح: قوم من العرب لا يحكون إلَّا الإعرابَ لا غيرُ، فيقولون في الرفع: "مَنُو"، وفي النصب: "مَنَا"، وفي الجرّ: "منِي"، سَواءٌ في ذلك الواحدُ، والاثنان، والجمع، والمذكر، والمؤنث.
حكى سيبويه 1 عن يونس أن قومًا من العرب يقولون ذلك، وكأنّ الذين يقولونه اكتفوا بما ضمّنوه من علامات الإعراب، ويُجْرون "مَنْ" على أصلها من كونها تصلُح للواحد، والاثنين، والجمع بلفظ الواحد المذكر، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: وأما المعرفة، فمذهبُ أهلِ الحجاز فيه إذا كان عَلَمًا أن يَحْكِيَه المستفهِمُ كما نُطق به، فيقولَ لمَن قال: "جاءني زيدٌ": "من زيدٌ؟ "، ولمَن قال: "رأيت زيدًا": "من زيدًا؟ " ولمَن قال: "مررت بزيد": "مَن زيد؟ "، وإذا كان غيرَ عَلَم رَفَعَ لا غيرُ، يقول لمَن قال: "رأيت الرجلَ" "مَنِ الرجلُ؟ " ومذهبُ بني تَميم أن يرفعوا في المعرفة ألبَتةَ.
قال الشارح: قد اختلف العربُ في الاسم المعروف، فذهب أهلُ الحجاز إلى حكايةِ لفظه، وهي أن يجري الاسمُ على إعراب الاسم المتقدّم ذكرُه، فإذا قال الرجل لرجلِ: "جاءني زيدٌ"، قلت في جوابه متثبتًا: "من زيدٌ؟ "، وإذا قال: "رأيت زيدًا"، قلت: "من زيدًا؟ " وإذا قال: "مررت بزيدٍ"، قلت: "مَن زيد؟ " و"إنما يفعلون ذلك في العَلَم خاصة.
وأما بنو تميم، فيرفعون على كل حال، ويقولون: "من زيدٌ؟ " بالرفع لا = "باللبن": جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل.
وجملة "ينفع": استئنافيّة لا محل لها من الإعراب.
وجملة "تعطي العلوق": صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ضن باللبن": في محل جرّ بالإضافة.
والشاهد فيه مجيء "أمْ" بمعنى "بَل" وحدها.
غيرُ، سواء قالوا: "جاءني زيد" أو "رأيت زيدًا"، أو"مررت بزيد".
فأمّا أهلُ الحجاز،
فتَحرزوا بالحكاية لِما قد يعرِض في العَلَم من التنكير بالمشاركة في الاسم، فجاؤوا بلفظه، لئلا يتوهم المسؤولُ أنّه يُسأل عن غيرِ مَن ذَكَرَه من الأعلام، وخصّوا الأعلامَ بذلك لكثرة دَوْرها وسعةِ استعمالها في الإخبارات، والمعامَلات، ونحوهما, ولأنّ الحكاية ضربٌ من التغيير، إذ كان فيها عدولٌ عن مقتضَى عمل العامل، والأعلامُ مخصوصةٌ بالتغيير.
ألا ترى أنهم قالوا: "رجاء بن حَيْوَةَ"، وقالوا: "مَحْبَب"، و"مَكْوَزةُ"؟ وساغ فيها الترخيمُ دون غيرها من الأسماء؛ لأنها في أصلها مغيرةٌ بنَقْلها إلى العَلَمية، والتغييرُ يُؤْنِس بالتغيير.
ووجهٌ ثانٍ أن الأعلام إنما سوغوا الحكايةَ فيها لما تَوهموه من تنكيرها، ووُجودِ التزاحم لها في الاسم، فجاؤوا بالحكاية لإزالةِ توهمِ ذلك.
وهذا المعنى ليس موجودًا في غيرها من المعارف؛ لأنه لا يصح اعتقادُ التنكير فيما فيه الألفُ واللام مع وجودهما, ولا فيما هو مضاف مع وجودِ الإضافة، وكذلك سائرُ المعارف.
وكان يونسُ 1 يُجْرِي الحكاية في جميع المعارف، ويرى بابَها، وبابَ الأعلام واحدًا.
وحكى سيبويه 2 عن بعض العرب: "دَعْنا مِن تَمْرتانِ" كأنه قال: "ما عنده تمرتان"، فحكى قوله.
وقال: سمعتُ عربيًا يقول لرجل سأله: "أليس قُرَشيا"؟ فقال: "ليس بقُرَشيًا"، حكايةٌ لقوله.
فعلى هذا، إذا قال: "رأيتُ أخا زيدٍ"، جاز أن يقول: "من أخا زيدٍ".
وليس ذلك بالمختار، والوجه الرفع في جميع المعارف ما خلا الأعلام، نحوُ قولك في جواب "جاءني أخو زيدٍ": "من أخو زيد؟ " و"رأيت أخا زيد": "من أخو زيد؟ "، و"مررت بأخي زيد": "من أخو زيد؟ "، وكذلك باقي المعارف.
فإن قيل: إذا كان الغرض من حكاية العَلَم إزالةَ توهم أن الاسم الثاني غير الأول، فهلّا زادوا على "من" زيادة تُنْبِىء عن حالِ الاسم المذكور، فيُعْلَمَ أنّه المراد دون غيره، كما فعل بالنكرة حيث قالوا: "مَنُو"، و"مَنَا"، و"مَنِي".
قيل: كان القياس في النكرة الحكايةَ كالعَلَم لِما ذكرناه، غير أن إعادةَ لفظ النكرة، لم تجز؛ لأنه يلزم فيها، إذا أُعيدت، إدخالُ الألف واللام فيها؛ لأنها تصير معهودة، نحو قولك: "جاءني رجلٌ"، و"فعل الرجل كذا".
وإذا أُدخل عليه الألف واللام، لم تمكن إعادةُ لفظ الأول، فلمّا لم تسغ الحكايةُ في النكرة، عدلوا إلى ما فعلوه من زيادة على لفظ "مَنْ" لتنوبَ منابَ الحكاية.
وأمّا العَلَمُ المعرفة، فلا يلزم فيه ما لزم في النكرة من الإتيان بالألف واللام لتعرفه، فساغت منه الحكايةُ.
وأمْ بنو تميم، فإنهم جروا في ذلك على القياس في غيرِ هذا الباب، إذ لا خلافَ أن مستفهِمًا لو ابتدأ السؤالَ، لقال: "من زيدٌ؟ " فـ "مَنْ" مبتدأٌ، و"زيدٌ" الخبر، أو"زيد" مبتدأ، و"من" الخبر.
فكذلك إذا وقع السؤال جوابًا لا فَرْقَ بينهما, ولأن الحكاية إنّما كانت في النكرة لتُنْبِىءَ أنّ الاستفهام إنما كان عن الاسم المتقدّم، لا عن غيره ممّا يُشارِكه في اسمه، وليس هذا المعنى في المعرفة، فكان منزلةُ بني تميم منزلةَ من أتى بالكلام من غيرِ تأكيد، نحو قولك: "أتاني القومُ".
ومنزلةُ أهل الحجاز منزلةَ من أتى بالتأكيد، نحو قولك: "أتاني القومُ كلهم"؛ لأن التأكيد يُزيل توهُّمَ اللبس كما تُزيله الحكاية.
فإن جئت مع "مَنْ" بواوِ عطف، أو فاء، نحو قولك: "فَمَنْ"، أو"وَمَنْ"؛ لم يكن فيما بعده إلَّا الرفعُ، وبطلت الحكايةُ، وذلك قولك إذا قال القائل: "رأيت زيدًا": "وَمَنْ زيدٌ" أو"فمَنْ زيدٌ؟ " وإنما كان كذلك من قِبَل أنك لمّا أتيتَ بحرف العطف، علم المسؤولُ أنّك تعطِف على كلامه، وتنحو نحوه، فاستغنيتَ عن الحكاية، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: لماذا استُفهم عن صفةِ العَلَم، قيل إذا قال: "جاءني زيدٌ": "المَني"، أي: الْقُرَشِي، أم الثقَفِي، و"المَنِيّتانْ"، و"المَنِيونْ".
قال الشارح: قد يحتاج الإنسان إلى معرفةِ نَسَب مَنْ يُذكَر له، وإن كان معروفَ العين عنده.
فإذا أراد ذلك، أدخل الألفَ واللام على "مَنْ" من أولها، وأتى بياء النسب من آخِرها، وأعربها بإعرابِ الاسم المسؤول عنه، فإذا قال: "جاءني زيدٌ"، قال: "المَنِي؟ " وإذا قال: "رأيت زيدًا" قال: "المَنِي؟ " وإذا قال: "مررت بزيد"، قال: "المَنِي؟ " كأنه قال: "الثقَفي، أم القُرَشي؟ "، وإذا قال: "جاءني الزيدان"، قلت: "المَنِيانْ؟ " وفي النصب والجرّ: "المَنِيين؟ " فجئت بـ "مَنْ"؛ لأن "مَنْ " يُسأل بها عن الرجل المنسوب، أو الموصوف، وأمّا علامةُ النسب التي هي الياء، فلِيُعْلَمَ أنه يُسأل عنه منسوبًا، وأمّا الألفُ واللام.
فلأنه إنما يُسأل عن صفةٍ العبارةُ عنها بالألف واللام.
ولو صرحتَ مكان "المَنى" بـ "الثقفي"، أو"القرشي"، لكان إعرابُه إعرابَ "المنيّ" على حسبِ الاسم المتقدّم.
ويجوز رفعُه ألبتّة على إضمارِ مبتدأ، تقديره: "أهو الثقفي، أو القرشي؟ " كما إذا قيل: "كيف أنتَ؟ " قلت: "صالحٌ"، أي: "أنا صالحٌ".
ولا يحسن أن يقع في جوابِ "المني" غيرُ النسب إلى الأب، نحو: "الثقفي"، و"القرشيّ"، ولا يحسن "البصري" أو"المكّي"؛ لأن أكثرَ أغراض العرب في المسألة عن الأنساب 1. وحُكي عن المبرد أنه سُئل عن الرجل يقولُ: "رأيت زيدًا"، فأردتَ أن تسأله عن صفته،
فقال: أقول: "المني" كأني أقوله: "الظريفيّ" أو"العالمي"، فعلى هذا يجوز في كل صفة.
والأول أكثرُ، فعلى هذا لو قيل: "رأيت لاحِقًا"، وأريد البعير، وأردتَ أن تسأله عن صفته، فالقياسُ أن تقول: "المائِي؟ "، أو"الماوِيَّ؟ " لأنّ "ما" تختص بما لا يعقل، فاعرفه.