شرح المفصل لابن يعيشفصل [تعدادُها]

فصل [تعدادُها]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وهي لام التعريف، ولام جواب القسم، واللام الموطئة للقسم، ولام جواب "لو", و"لولا"، ولام الأمر، ولام الابتداء، واللام الفارقة بين "إن" المخففة والنافية, ولام الجر.
فأما لام التعريف, فهي اللام الساكنة التي تدخل على الاسم المنكور, فتعرفه تعريف جنس, كقولك: "أهلك الناس الدينار والدرهم" و"الرجل خيرٌ من المرأة"، أي: هذان الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار, وهذا الجنس من الحيوان من بين سائر أجناسه, أو تعريف عهد, كقولك: "ما فعل الرجل"، و"أنفقت الدرهم" لرجل ودرهم معهودين بينك وبين مخاطبك.
وهذه اللام وحدها هي حرف التعريف عند سيبويه 1، والهمزة قبلها همزة وصل مجلوبة للابتداء بها كهمزة "ابن", و"اسم", وعند الخليل 2 أن حرف التعريف "أل" كـ "هل" و"بل" وإنما استمر بها التخفيف للكثرة.
وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم، ومنه "ليس من أمبر امصيام في امسفر" 3. وقال [من المنسرح]: 1187 - [ذاك خليلي وذو يعاتبني]... يرمي ورائي بامسهم وَامْسَلِمَهْ 4

قال الشارح: اللام من حروف المعاني، وهي كثيرةُ الاستعمال متشعبةُ المواقعِ، وقد أكثر العلماءُ الكلام عليها، وأفرد بعضُهم لها كُتُبًا تختصّ بها 1. فمنهم من بَسَطَ حتى تداخلت أقسامُها، ومنهم من أوجز حتى نَقَصَ، ونحن نقتصر في هذا الكتاب على شرح ما ذكره المصنّفُ، وإن لم تكن القسمة حاصرةً.
فمن ذلك لام التعريف، والمراد القصدُ إلى شيء بعينه ليعرفه المخاطبُ كمعرفة المتكلّم، فيتساوى المتكلّم والمخاطبُ في ذلك، وذلك نحو قولك: "الغلام" و"الجارية"، إذا أردتَ غلامًا بعينه وجاريةً بعينها.
واللامُ هي حرف التعريف وحدها، والهمزةُ وصلةٌ إلى المَنْطِق بها ساكنةٌ، هذا مذهبُ سيبويه، وعليه أكثرُ البصريين والكوفيين ما عدا الخليلَ، فإنّه كان يذهب إلى أنّ حرف التعريف "أل" بمنزلةِ "قَدْ" في الأفعال، فهي كلمةٌ مركّبةٌ من الهمزة واللام جميعًا، كتركيبِ "هَلْ", و"بَلْ" وأصلُ الهمزة أن تكون مقطوعة عنده.
وإنّما حُذفت في الوصل تخفيفًا لكثَرة الاستعمال، = الداني ص 140؛ وشرح الأشموني 1/ 72؛ وشرح عمدة الحافظ ص 121؛ ولسان العرب 12/ 36 (أمم)؛ ومغني اللبيب 1/ 48؛ وهمع الهوامع 1/ 79. والبيت ملفَّق من البيتين: ذاك خليلي وذو يُعاتبني... لا إحْنَةٌ عِنْدَهُ ولاجَرِمَه يَنْصُرُني منك غير مُعْتَذِرٍ... يرمى ورائي بامْسَهْمِ وامسَلِمَه اللغة: ذو: الذي.
بامسهم: أي: بالسهم.
وامسلمة: أي: والسلمة في لغة حمير، والسلمة: الحجارة الصغيرة.
المعنى: يقول: إن خليلي الذي يواصلني يدافع عني بالسهام والحجارة.
الإعراب: "ذاك": اسم إشارة مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ.
"خليلي": خبر المبتدأ مرفوع بالضمّة المقدَّرة منع من ظهورها اشتغال المحلّ بالحركة المناسبة للياء، وهو مضاف، والياء: ضمير متصل مبنيّ في محلّ جر بالإضافة.
"وذو": الواو: حرف عطف، و"ذو": اسم موصول مبنيّ في محلّ رفع اسم معطوف.
"يعاتبني": فعل مضارع مرفوع بالضمّة الظاهرة، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متّصل مبنيّ في محلّ نصب مفعول به، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هو"."يرمي": فعل مضارع مرفوع بالضمّة المقدّرة على الياء للثقل، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: "هو".
"ورائي": ظرف مكان مبنيّ في محلّ نصب مفعول فيه، متعلّق بالفعل "يرمي"، وهو مضاف، والياء: ضمير متّصل مبنيّ في محلّ جرّ بالإضافة.
"بامسهم": الباء حرف جر، و"امسهم": اسم مجرور بالكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل "يرمي".
"وامسلمة": الواو: حرف عطف، و"امسلمة" معطوف على "امسهم" مجرور بالكسرة، وحرّك بالسكون للضرورة الشعريّة.
وجملة "ذاك خليلي... ": ابتدائيّة لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "يعاتبني": لا محلّ لها من الإعراب لأنّها صلة الموصول.
وجملة "يرمي... ": في محلّ نصب على الحال.
والشاهد فيه قوله: "بامسهم" و"امسلمة" حيث استعمل "أم" بدل "أل" التعريف على لغة حمير.

واحْتجّ بقطع الهمزة في أنصاف الأبيات، نحوِ قول عَبِيد بن الأبْرَص [من الرمل]: 1 - يَا خَلِيلَيَّ ارْبَعا واسْتخبِرَا الْ... مَنْزِلَ الدارِسَ عن أهْلِ الحِلالِ مِثْلَ سَحقِ البُردِ عَفى بَعدَكِ الْقَطرُ... مَغْناه وتأويبُ الشمالِ ألا ترى أنّ هذا الشعر من الرَّمَل، واللامُ من الجُزْء الذي قبلها، فهي بإزاءِ النون في "فَاعِلُنْ"؟ فلو كانت اللام وحدها في التعريف، لم يجز فصلُها ممّا بعدها لا سيّما وهي ساكنةٌ والساكنُ لا يُنْوى به الانفصال، ففصلُ "ألْ" هنا كفصلِ "قَدْ" من الفعل بعده من قول النابغة [من الكامل]: وكأن قَدِ (2) والمراد: قد زالتْ.
ويؤيّد ذلك أنّهم قد أثبتوا هذه الهمزة حيث تُحذف همزات الوصل، نحوَ قوله تعالى: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (3) وَ ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (4)، ونحوَ

قولهم في القَسَم: "أفَأللهِ"، و"لا هَا أللهِ ذا"، ولم تَرَ همزةَ الوصل تثبت في مثل هذا.
والصوابُ ما قاله سيبويه، والدليلُ على صحّته نفوذُ عمل الجارّ إلى ما بعد حرف التعريف.
وهذا يدلّ على شدّة امتزاج حرف التعريف بما عرّفه.
وإنّما كان كذلك لقلّته وضُعْفه عن قيامه بنفسه، ولو كان على حرفَيْن، لَمَا جاز تجاوُزُ حرف الجرّ إلى ما بعده.
ودليلٌ آخر يدلّ على شدّة اتّصال حرف التعريف بما دخل عليه، وهو أنّه قد حدث بدخوله معنى فيما عرّفه لم يكن قبل دخوله، وهو معنى التعريف، وصار المعرَّف كأنّه غيرُ ذلك المنكور وشيءٌ سِواه.
ولهذا أجازوا الجمعَ بين "رجل" و"الرجل" و"غلام" و"الغلام" قافِيَتَين من غيرِ استكراه ولا اعتقادِ إيطاءٍ 1، فصار حرفُ التعريف للزومه المعرَّفَ كأنّه مبنى معه كياء التحقير، وألف التكسير.
ويؤيّد ما ذكرناه أنّ حرف التعريف نقيضُ التنوين؛ لأنّ التنوين دليلُ التنكير، كما أنّ اللام دليلُ التعريف.
فكما أنّ التنوين حرفٌ واحدٌ، فكذلك المُعرّف حرفٌ واحدٌ.
وأمّا ما احتجّ به الخليل من انفصاله منه بالوقوف عليه في الشعر، فلا حجّةَ فيه، ولا دليلَ؛ لأنّ الهمزة لمّا لزمت اللامَ لسكونها، وكثُر اللفظُ بها، صارت كالجُزْء منها من جهة اللفظ لا المعنى، وجرت مجرى ما هو على حرفَين، نحو "هَلْ"، و"بَلْ"، فجاز فصلُها في بعض المواضع لهذه العلّة.
وقد جاء الفصلُ في الشعر بين الكلمة وما هو منها ألبتّة، وجاؤوا بتَمامه في المِصْراع الثاني، نحوَ قول كُثَيِّرٍ [من مجزوء الكامل]: 1189 - يَا نَفسِ أكْلاَ واضطِجا... عًا نَفسِ لَستِ بخالِدَهْ2

وإذا جاز ذلك في نفس الكلام، كان ذلك فيما جاء بمعنى أوْلى.
فأمّا قطعُ هذه الهمزة في قوله تعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ 1، ونحوِ ذلك في القسم: "أفأللهِ" و"لا ها أللهِ ذا"، فلا دلالةَ له فيه لأنّه إذا جاز قطعُ همزة الوصل التي لا خلاف بينهم فيها في قوله [من الطويل]: 1190 - ألا لا أرَى إثْنَيْنِ أحْسَنَ شِيمَةً... على حَدَثانِ الدَّهْرِ مِنّي ومِن جُمْلِ وقول الآخر [من الطويل]: 1191 - إذا جاوَزَ الإثْنَينِ سِرٌّ فإنّه... بنَشْرٍ وتَضْيِيعِ الحدِيثِ قَمِينُ23 = الشاهد فيه قوله: "واضطجاعًا" حيث فصل بين حروف الكلمة الواحدة في مصراعي البيت فجعل "واضطجا" في الشطر الأوّل، و"عًا" في الشطر الثاني.

فأن يجوز قطعُ الهمزة التي هي مختلَفٌ في أمرها، وهي مفتوحةٌ كالهمزة التي لا تكون إلَّا قطعًا نحوِ همزةِ "أحْمَرَ" و"أصْفَرَ"، أوْلى وأجْوَزُ.
فإن قيل: فلِمَ كان حرف التعريف حرفًا واحدًا ساكنًا؟ فالجوابُ أنّهم أرادوا مَزْجَه بما بعده لِما يُحْدِثه فيه من المعنى، فجعلوه على حرف واحد؛ ليضعف عن انفصاله ممّا بعده، وأسكنوه ليكون أبلغ في الاتصال؛ لأنّ الساكن أضعفُ من المتحرّك.
واعلم أنّ لام التعريف تشتمل على ثلاثة أنواع: تكون لتعريف الجنس، ولتعريف العهد، ولتعريف الحضور.
فأما تعريف الجنس، فأن تدخل اللام على واحد من الجنس لتعريف الجنس جميعِه لا لتعريف الشخص منه، وذلك نحو قولك: "المَلَكُ أفضلُ من الإنسان"، و"العَسَلُ حُلْو"، و "الخَلُّ حامضٌ"، و"أهلك الناس الدرهم والدينار".
فهذا التعريف لا يكون عن إحاطةٍ به؛ لأن ذلك متعذَّرٌ؛ لأنّه لا يمكن أحدًا أن يُشاهِد جميعَ هذه الأجناس، وإنّما معناه أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسّة المشاهدة أفضلُ من كل واحد من الجنس الآخر، وأنّ كلّ جزء من العسل الشائع في الدنيا حلوٌ، وأن كلّ جزء من الخل حامضٌ.
فأمّا تعريف العهد، فنحوُ قولك: "جاءني الرجلُ"، تخاطب بهذا مَن بينك وبينه عهدٌ في رجلٍ تشير إليه، ولولا ذلك لم تقل: "جاءني الرجلُ"، ولقلتَ: "جاءني رجلٌ".
وكذلك: "مرّ بي الغلامُ"، و"ركبتُ الفرسَ" كلُّها معارفُ؛ لإشارتك إلى أشخاصٍ معيّنةٍ، فأدخلتَ عليها الألفَ واللامَ لتعريف العهد، ومعنى العهد أن تكون مع إنسان في حديثِ رجل أو غيرِه، ثمّ يُقْبِل ذلك، فتقول: "وافى الرجلُ"، أي: الذي كنّا في حديثه وذكرِه قد وافى.
وأمّا تعريف الحضور، فهو قولك لمن لم تره قطّ، ولا ذكرتَه: "يا أيُّها الرجلُ أقْبِل"، فهذا تعريفٌ لإشارتك إلى واحد بعينه، ولم يتقدّمه ذكرٌ ولا عهدٌ.
وأمّا الألف واللام في "الَّذِي" و"الَّتِي"، فهي لتعريف اللفظ وإصلاحِه لأن يكون وصفًا للمعرفة، وإنّما هما زائدان، وحقيقةُ التعريف بالصلة، ألا ترى أن نظائرها من نحو "مَنْ"، و"ما" كلّها معارفُ، وليست فيها لامُ المعرفة؟ ويؤكّد زيادةَ اللام هنا لزومُها ما = إن.
"وتضييع": الواو: حرف عطف، "تضييع": اسم معطوف على مجرور، مجرور، مثله بالكسرة.
"الحديث": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"قمين": خبر إن مرفوع بالضمة.
وجملة "جاوز سر": في محل جر بالإضافة.
وجملة "إنه قمين": جواب شرط غير جازم لا محلّ لها، وجملة "إذا جاوز سر... فإنه قمين": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
الشاهد فيه قوله: "الإثنين" حيث قطع ألف "الاثنين" الوصلية للضرورة.

دخلتْ عليه، واللامُ المُعرِّفةُ يجوز سقوطُها ممّا دخلت فيه، فلزومُ هذه اللام هنا وعدمُ جواز سقوطها دليل على أنها ليست المعرّفة.
وقومٌ من العرب يُبْدِلون من لام المعرفة ميمًا، وهي يَمانيةٌ، فيقولون: "اَمْرَجُل" في "الرجل".
ويُرْوَى أن النَّمِرَ بن تَوْلَبٍ قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليس مِن امْبِرّ امْصِيامُ في امْسَفَر" (1)، يريد: ليس مَن البرّ الصيامُ في السفر، ويُقال: إنّ النمر لم يرو عن النبيّ عليه السّلام إلَّا هذا الحديثَ.
وذلك شاذّ قليل لا يُقاس عليه، وقد تقدّم الكلام على ذلك في أوّل الكتاب، وأمّا قوله [من المنسرح]: يَرْمِي وَرَائي بِامْسَهْمِ وامْسَلِمَهْ (2) فصدرُه: ذاك خَلِيلِي وذو يعاتِبُني الشاهد فيه إبدالُ الميم من اللام في "السهم" و"السلمة", على أنّ الرواية بـ "السّهم" بسين مشدّدة لادّغام اللام فيها، و"امسلمه" بميم بعد الواو، فاعرفه.

جارٍ التحميل