شرح المفصل لابن يعيشالمُصَغَّرُ

المُصَغَّرُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[صياغته]

قال صاحب الكتاب: الاسم المتمكن إذا صُغّر, ضُم صدره, وفُتح ثانية, وأُلحق ياء ساكنة ثالثة، ولم يتجاوز ثلاثة أمثلة: "فُعيْلٌ", و"فُعيعلٌ", و"فُعيعيلٌ"، كـ "فُليسٍ", و"دُريهم", و"دنينير".

قال الشارح: اعلم أنّ التصغير والتحقير واحدٌ، وهو خلافُ التكبير والتعظيم.
وتصغيرُ الاسم دليلٌ على صِغَر مسمّاه، فهو حِلْيَةٌ وصفةٌ للاسم؛ لأنّك تريد بقولك: "رُجَيْلٌ" رجلاً صغيرًا، وإنّما اختصرتَ بحذف الصفة، وجعلتَ تغييرَ الاسم والزيادةَ عليه عَلَمًا على ذلك المعنى، كما جُعل تكسيرُ الاسم علامةً تنوب عن تَحْلِيَته بالكثرة.
والذي يدل على أنّ التصغير أصلُه الصفة أنّ حُكم الصفة قائمٌ، ألا ترى أنّ مَن أعمل اسمَ الفاعل، فقال: "هذا ضاربٌ زيدًا"، لم يستحسن إعمالَه إذا صغّره، فلا يقول: "هذا ضُوَيْرِبٌ زيدًا"، كما لم يستحسن إِعماله إذا وَصَفَه؟ ولذلك لا يُصغَّر من الأعلام إلَّا ما يجوز وصفُه ممّا يُتوهّم فيه الشرْكةُ، ولذلك قال أصحابنا: إِنّه ليس البابُ أن يُصَغَّرَ الأعلام.
وله ثلاثةُ معان: أحدها: تصغير ما يجوز أن يُتوهّم أنّه عظيمٌ، كقولك: "رُجَيْلٌ"، و"جُمَيْلٌ".
الثاني: تقليلُ ما يجوز أن يُتوهّم أنّه كثيرٌ، كقولنا: "دُرَيْهِماتٌ"، و"دُنَيْنِيراتٌ".
الثالثُ: تقريبُ ما يجوز أن يُتوهّم أنّه بَعِيدٌ، كقولهم: "بُعَيْدَ العَصْرِ"، و"قُبَيلَ الفَجْرِ"، و"السَّقْفُ فُوَيقَنا".
لا يخلو معناه من هذه الأقسام الثلاثة، وأضاف الكوفيون قِسْمًا رابعًا يسمّونه تصغير التعظيم، كقول الشاعر [من الطويل]: 1 - وكلّ أُناسٍ سَوْفَ تدخل بينهم... دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ منها الأنامِلُ

فقال: "دُوَيْهِيَةٌ"، والمرّاد تعظيم الداهية، إذ لا داهية أعظمُ من الموت.
وقال الآخر [من الطويل]: 1 - فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شاهِقِ الرأْسِ لم تكن... لِتَبْلُغَه حتَّى تَكِلَّ وَتَعْمَلا = 197؛ والمقاصد النحوية 1/ 8، 4/ 535؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب 1/ 94، 6/ 155؛ وديوان المعاني 1/ 188؛ وشرح شافية ابن الحاجب 1/ 191؛ وشرح شواهد المغني 1/ 402، 3/ 537؛ ومغني اللبيب 1/ 48، 2/ 626؛ وهمع الهوامع 2/ 185. اللغة: دويهية: تصغير داهية وهي المصيبة.
الأنامل: جمع أنملة وهي عقدة الإِصبع أو التي فيها الظفر، وأراد الأظافر هنا فهي التي تصفرّ عند الموت.
المعنى: سوف يأتي الموت على كلّ الناس، فتصفرّ أظفارهم حينها.
الإعراب: "وكلّ": الواو: بحسب ما قبلها "كلّ": مبتدأ مرفوع بالضمّة.
"أناس": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"سوف": حرف تسويف واستقبال.
"تدخل": فعل مضارع مرفوع بالضمة.
"بينهم": مفعول فيه ظرف مكان منصوب بالفتحة، و"هم": ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة متعلق بحال مقدمة محذوفة من "دويهية".
"دويهية": فاعل مرفوع بالضمّة.
"تصفرُّ": فعل مضارع مرفوع بالضمّة.
"منها": جار ومجرور متعلّقان بـ"تصفرّ"."الأنامل": فاعل مرفوع بالضمّة.
وجملة "كلّ أناس... ": بحسب ما قبلها، وجملة "تدخل دويهية": في محلّ رفع خبر "كلُّ".
وجملة "تصفرّ": في محل رفع صفة لـ "دويهية".
والشاهد فيه قوله: "دويهية" على أنّ التصغير هنا للتعظيم لا للتحقير، بينما يرى ابن يعيش أنّها للتحقير، وأن المراد: أصغر الأشياء قد يفسد الأصول العظام.

فقال: "جُبَيْلٌ"، ثم قال: "شاهق الرأس" وهو العالي، فدلّ على أنّه أراد تفخيم شأنه.
وقالوا: "يا بُنَيَّ"، و"يا أُخَيَّ"، ويريدون المبالغة.
وهذا ليس من أُصول البصريين.
وجميعُ ما ذكروه راجعٌ إلى معنى التحقير.
فأمّا قولهم: "دُوَيْهِيَةٌ"، فالمراد أنّ أصغر الأشياء قد يُفْسِد الأُصول العِظَام، فحَتْفُ النفوس قد يكون تصغير الأمر الذي لا يُؤْبَهُ له.
وأمّا قوله: "فُوَيْقَ جُبَيْلٍ"، فالمراد أنّه صغيرُ العَرْض، دقيقُ الرأس، شاقُّ المصعد لطُوله وعُلُوِّه.
وأمّا "بُنَيّ"، و"أُخَيّ"، فالمراد تقريبُ المنزلة ولُطْفُها؛ لأنه قد يصل بلَطافةِ ما بينهما إلى ما يصل إليه العظيمُ.
فإذا صغّرتَ الاسم المتمكّن، ضممتَ أوّله، وفتحتَ ثانيه، وزدتَ عليه ياء ثالثة ساكنة، وتكسر ما قبل آخِره فيما زاد على الثلاثة.
وإنما قلنا: "المتمكّن" تحرُّزًا ممّا ليس بمتمكّنِ من الأسماء، نحوِ أسماء الإشارة، مثل: "ذَا"، و"تَا"، والموصولِ، نحو: "الذِي"، و"الَّتِي"، فإنّك إذا صغّرتَ هذه الأسماء، لا تضمّ أوّلَها، بل تُبْقِيها على حالها في المُكبَّر، وسيوضَح أمرُها إذا انتهينا إليها.
فإن قيل: ولِمَ كان إذا صغّروا الاسم، يُضَمّ أوّله؟ قيل: لأنّا إذا صغّرنا الاسم، فلا بدّ من تغييره بعلامةٍ تدلّ على المصغَّر، وكان الضمُّ أولى؛ لأنّ الفتحة للجمع في نحو: "مَساجِدَ"، و"ضَوارِبَ"، فلم يبق إلَّا الكسرُ والضمُّ، فاختاروا الضمّ؛ لأنّ الياء علامةٌ للتصغير، وما بعدها مكسور فيما زاد على الثلاثة، فكرهوا كسرَ الأول لثِقَل اجتماع كسرتَيْن مع الياء، وكانت عنه مندوحةٌ إلى الضمّة.
وقال بعضهم: إنّما ضمّوا الأوّل من المصغّر تشبيهًا بفعلِ ما لم يُسَمَّ فاعله، فكما ضمّوا أوّلَ "ضُرِبَ"، كذلك ضمّوا الأولّ من المصغّر في نحو: "حُجَيْر".
والجامعُ بينهما أنّ المكبّر يكون على أبنية مختلفة، وهو الأصل، ولم يفتقر الكلامُ معه إلى علامة تدلّ على التكبير؛ لأنّ العلامات إنّما يؤتَى بها عند تغيير الكلام عن أصله.
وأمّا التصغير، فيفتقر إلى علامة؛ لانّه حادثٌ لنِيابَته عن الصفة على ما قدّمنا.
وكذلك فعلُ ما لم يسمّ فاعله من حيث إن ما سُمّي فاعله على الأصل، ولا يفتقر إلى علامة تدلّ عليه، وهو على أبنية مختلفة، نحوِ: "صرَبَ"، و"عَلِمَ"، و"ظَرُفَ"، فإذا لم يسمّ فاعله، ألزموه بناءً واحدًا, وضمّوا أوّله ليدلّ التغييرُ على المعنى الحادث فيه، فقالوا: "ضُرِبَ"، و"عُلِمَ"، = وجملة "لم تكن لتبلغه": في محلّ جرّ صفة لـ "جبيل".
وجملة "لتبلغه": في محلّ نصب خبر "تكن".
وجملة "تكلّ": صلة الموصول الحرفي لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "تعمل": معطوفة على جملة "تكل".
والشاهد فيه قوله: "جبيل" حيث أفادت معنى التفخيم، وليس هذا شأن التصغير عادة.
بينما تفيد (ربّ) التكثير عادة.

و"ظُرِفَ في هذا المكان".
فالمكبَّرُ كالفعل المسمّى فاعلُه، والمصغَّرُ كالفعل الذي لم يسمّ فاعله.
والمعتمَدُ أنّ الغرض صيغةٌ تخلُص للتصغير من غيرِ مشارَكة، ولم يوجَد سوى هذه الصيغة.
فإن قيل: فلِمَ كان التصغير بزيادةِ حرف؟ وهلّا كان بنقصِ حرف، إذ الغرضُ تغييرُ صيغة المكبّر عن حاله.
وكما يحصل التغييرُ بالزيادة، كذلك يحصل بالنقص، مع أنّ النقص يُناسِب معنى التصغير إذ كان التصغيرُ نقصًا.
قيل عنه جوابان: أحدهما: أنّ التصغير لمّا كان صفةً وحِلْيَةً للمصغّر بالصغَر، والصفةُ إنما هي لفظٌ زائدٌ على الموصوف؛ جُعل التصغير الذي هو خَلَفٌ عنه بزيادةٍ، ولم يُجعَل بنقصٍ؛ ليُناسِب حالَ الصفة.
والثاني: أنّهم لمّا أرادوا الدلالة على معنى التصغير والإيذانَ بذلك؛ جعلوا العلامة بزيادةِ لفظ, لأنّ قوّة اللفظ تُؤذِن بقوّة المعنى.
ووجهٌ ثالثٌ: أنّ أكثر الأسماء ثلاثية، فلو كان التصغيرُ بنقصٍ؛ لَخرج الاسم عن منهاج الأسماء، ونقص عن البناء المعتدِل.
فإن قيل: ولِمَ كان المَزِيد ياءً دون غيرها من الحروف؟ فالجواب أنّ الدليل كان يقتضي أن يكون المزيد أحدَ حروف المدّ واللين لخفّتها وكثرةِ زيادتها في الكِلَم، فَنَكَّبوا عن الألف؛ لأن التكسير قد استبَدَّ بها في نحو: "مساجد"، و"دراهم"؛ ولأنّه قد لا يخلص البناءُ للتصغير؛ لأثه يصير على "فُعَالِ" كـ"غُرابٍ"، فعدلوا إلى الياء؛ لأنّها أخفُّ من الواو.
وله ثلاثة أبنية: "فُعَيْلٌ"، و"فُعَيْعِل"، و"فُعَيْعِيلٌ".
والمراد بها الوزنُ لا المثالُ نفسُه؛ لأنه قد يكون المثال "أُفَيْعِلَ"، نحوَ: "أُحَيْمِدَ"، و"مُفَيْعِلٌ"، نحو: "مُكَيْرِمٍ"، و"فُعَيْلِينٌ"، نحو: "سُرَيحِينٍ." فأمّا "فُعَيْلٌ"، فهو تصغير ما كان على ثلاثة أحرف من أيّ بناء كان، كقولك في "فَلْسٍ": "فُلَيسٌ"، وفي "قَلَمٍ": "قُلَيْمٌ"، وكذلك بقيةُ أبنية الثلاثيّ.
وأمّا "فُعَيْعِلٌ"، فهو تصغيرُ ما كان على أربعة أحرف من أيّ بناء كان، كقولك في "جَعْفَرٍ": "جُعَيْفِرٌ"، وفي "زِبْرِجٍ": "زُبَيْرِجٌ"، وكذلك سائرُ أبنية الرباعيّ.
وسواءٌ في ذلك الأصُولُ وما فيه زيادةٌ، فكما تقول: "جُعَيْفِرٌ"، و"سُبَيْطِرٌ"، كذلك تقول في "جَهْوَرٍ": "جُهَيِّرٌ"، وفي "صَيْرَفٍ": "صُيَيرِفٌ"، وفي "غُلامٍ": "غُلَيِّمٌ"، وفي "عَجُوزٍ": "عُجَيِّزٌ".
وأمّا "فُعَيْعِيلٌ"، فهو على وجهَيْن: أحدُهما: أن يكون تصغيرَ ما كان من الأسماء على خمسة أحرف، والرابعُ منها واوٌ

أو ألفٌ أو ياءٌ، فالواو نحو: "صُنْدُوقٍ"، و"صُنَيْديقٍ"، والألف نحوُ "شِمْلالٍ"، و"شُمَيلِيلٍ"، والياء نحو: "قِندِيلٍ"، و"قُنَيْدِيلٍ".
لا يختلف بناءُ المصغّر وإن اختلفت أبنيةُ المكبّر.
والثاني: أن تُصغر خماسيًّا, وليس رابعُه شيئًا من حروف المدّ، فيحتاج إلى أن تحذف منها حرفًا ليرجع إلى الأربعة، ثم تُصغِّره تصغيرَ ما كان على أربعة أحرف، ثمّ تُعوّض من المحذوف ياءً رابعةً، نحوَ قولك في "سَفَرْجَلٍ": "سُفَيْرِجٌ"، وإن شئت "سُفَيْرِيجٌ"، فتُعوِّض الياء من اللام المحذوفة.
وكذلك نظائرُه من نحو: "فَرَزْدَقٍ"، و"فُرَيْزِدٍ"، و"فُرَيْزِيدٍ" إن شئت.
هذا نصُّ سيبويه 1 في أصل الباب أنّ المصغّر على ثلاثة أمثلة.
وقيل للخليل: لِمَ تُثْبِت التصغير على هذه الأمثلة الثلاثة؟ فقال: وَجَدْت معامَلة الناس على "فَلْسٍ"، و"درهمٍ"، و"دينارٍ"، فصار "فلسٌ" مثالًا لكلّ اسم على ثلاثة أحرف، و"درهمٌ" مثالًا لكلّ اسم على أربعة أحرف، و"دينارٌ" مثالًا لكلّ اسم على خمسة أحرف، رابعُها حرفُ علّة.

قال صاحب الكتاب: وما خالفهن فلعلة، وذلك ثلاثة أشياء: محقر أفعال, كأجيمال، وما في آخره ألف تأنيث كحبيلى وحميراء؛ أو ألف ونون مضارعتان ككسيران.

قال الشارح: قد جاءت هذه الأمثلةُ الثلاثة الأُخَر في التصغير، وهو مخالفةٌ للأمثلة المذكورة، وهي "أُفَيْعالٌ" تحقيرُ "أفْعالٍ"، نحوُ قولك في تحقير: "أجْمالٍ": "أُجَيْمالٌ"، وفي تحقير "أنْعامٍ": "أُنَيْعامٌ"، وسائرِ ما يجمع على "أفْعالٍ".
وإنما لم يذكر سيبويه هذا البناء؛ لأنه جمعٌ، والتصغيرُ ليس قعيدًا في الجمع، وذلك من قِبَل أنّ المراد من الجمع الدلالةُ على الكثرة، والتصغيرِ تقليلٌ، فكان بينهما تَنافٍ.
فلذلك لم يذكره إذ كان الدليلُ يأباه.
والذي حسّنه ههنا أنّه من أبنية القلّة.
قال السِّيرافيّ: ولو أضاف مثالًا رابعًا؛ لكان يشتمل على التصغير كلّه، وهو"أُفَيعالٌ"، نحو: "أُجَيْمالٍ".
وأمّا "حُبَيلَى"، و"حُمَيْراءُ"، و"سُكَيرانُ"، فصدورُها من الأبنية المتقدّمة، والزيادةُ في اَخِرها كتاء التأنيث، فاعرفه.

[تصغير الخماسي]

قال صاحب الكتاب: ولا يصغر إلا الثلاثي والرباعي؛ وأما الخماسي, فتصغيره

مستكره كتكسيره؛ لسقوط خامسه، فإن صُغّر قيل في فرزدق: فريزدٌ وفي "جحمرش" 1: "جحيمرٌ".

قال الشارح: اعلم أنّ التصغير إنّما هو للثلاثيّ والرباعيّ من الأسماء؛ فأمّا الثلاثيّ، فهو أقعدُ في التصغير من الرباعيّ لأنه أعدلُ الأبنية وأخفّها, ولذلك كثرت أبنيتُه، وكان له في التكسير بناءانِ: بناءُ قلّة وبناءٌ كثرة، فكان أقبلَ للتغيير وأحملَ للزيادة؛ وأمّا الرُّباعيّ، فهو متوسِّطٌ بين الثلاثيّ والخماسيْ وأثقلُ من الثلاثيّ، ولذلك قلّ التصرّفُ فيه، فلم يكن له في التكسير إلَّا بناءٌ واحدٌ، وهو للكثير والقليل.
وأمّا الخُماسيّ، فثقيلٌ جدًّا لكثرة حروفه، فلم يُزَدْ ثِقَلًا بزيادة ياء التصغير، وتغييرٍ بضمّ أوّله وكسرِ ما بعد يائه، وذلك ممّا يزيده ثِقَلًا.
فإذا أُريد تصغيُره، حُذف منه حرفٌ حتى يرجعَ إلى الأربعة، ثمّ يُصغَّر بمثال الرباعيّ، وهو"فُعَيْعِلٌ"؟ نحوُ: "سُفَيْرَجٍ"، كما كُسر على مثال الرباعيّ وهو"فَعَالِلُ"، نحوُ: "سَفارجَ" كـ"جَعافِرَ".
فلذلك كرهوا تضغيرَه وتكسيرَه لِما يلزمه من حذف خامسه.
وقيل: أصلُ الحذف في التكسير، وحُمل التصغير عليه في الحذف؛ وذلك أنّه ثقُل عليهم إذا جمعوا أن يأتوا بالحروف كلّها مع كثرتها، وثِقَلِ الجمع، وأنّه جمعٌ لا ينصرف، فحذفوا منه حرفًا تخفيفًا.
وحُمل التصغير عليه؛ لأنّهما من واد واحد.
وإنّما حذفوا الخامس لأنّ الثقل به حصل، ولئلاّ يصير عَجُزُ الكلمة أكثرَ من صدرها.
واعلم أنّك إذا حذفت حرفًا ممّا زاد على الأربعة في التصغير أو التكسير، فإنّك تُقدِّر بناءَه علي بناءٍ من أبنية الرباعيّ، ثم تُصغِّره تصغيرَ ذوات الأربعة من نحو: "جَعْفَرٍ"، و"زِبْرِجٍ"، وسائرِ أمثلة الرباعيّ، فإذا قلت في "فَرَزْدَقٍ": "فُريْزِدٌ"، فكأنّك صغّرت " فَرْزَدًا"، نحوَ: "جعفَر"، أو"فرزِدًا"؛ نحو: "زِبْرِجٍ"، وكذلك "جحْمَرِشٌ"، تقول فيه "جُحَيْمِرٌ".

قال صاحب الكتاب: ومنهم من يقول "فريزقٌ", و"جحيرش" يحذف الميم؛ لأنها من الزوائد، والدال لشبهها بما هو منها وهو التاء.
والأول الوجه، قال سيبويه: "لأنه لا يزال في سهولة حتى يبلغ الخامس، ثم يرتدع، فإنما حذف الذي ارتدع عنده" 2، وقال الأخفش: سمعت من يقول: "سفيرجلٌ" متحركاً والتصغير والتكسير من واد واحد.

قال الشارح: اعلم أنّ من العرب من يقول في تصغير "خَدَرْنَقٍ" 3، و"فَرَزْدَقٍ":

"خُدَيْرِقٌ"، و"فُرَيْزِقٌ" فيحذف النون من "خدرنق"؛ لأنّها وإن لم تكن زائدة في "خدرنق"، فهي من حروف الزيادة، وهي مُجاوِرةٌ للطرف، وهم كثيرًا ما يُعْطُون الجارَ حكمَ مُجاوِره.
ألا ترى أنّهم قالوا: "صُيَّمٌ"، و"قُيَّمٌ" في "صُوَّمٍ" و"قُوَّمٍ"، فقلبوا الواو ياءً على حدّ قلبها في "عُصِيٍّ"، وَ"دُليٍّ".
ونظائرُ ذلك كثيرةٌ، فلمَّا كانت النون من حروف الزيادة، ولها حكمُ الطرف، وكانت القاف حرفًا قويًّا بعيدًا من حروف الزيادة، حذفوها كما يحذفون ما هو زائد في بنات الخمسة، نحوَ قولك في "مُغْتَسِلٍ": "مُغَيْسِلٌ"، وفي "مُقْتَدِرٍ": "مُقَيْدِرٌ"، وحذفوا الدال من "فرزدق"؛ لأنه مُجاوِرٌ للطرف ومُشابِهٌ للتاء التي هي من حروف الزيادة، فحذفوه كما يحذفون ما هو من حروف الزيادة.
فأما قول صاحب الكتاب في "جَحْمَرِشٍ": "جُحَيْرِشٌ" بحذف الميم؛ فليس بصحيح، وأظنّه سَهْوًا؛ لأنّ الميم، وإن كانت من حروف الزيادة، فهي بعيدةٌ من الطرف غيرُ مجاوِرة له، فلم يحسن إلَّا حذفُ الشين، نحوُ: "جُحَيْمِرٍ"؟ لفَواتِ أحد وصفي العلّة؛ ولأنّ الميم في "جحمرش" ثالثةٌ، والثالثُ في التصغير يؤتى به ضرورة، والدالُ في "فرزدق" رابعٌ، وكذلك النون في "خَدَرْنَقٍ".
وقد يكون في المصغر ما ليس له رابعٌ كالثلاثيّ، فلمّا كان الحرف الرابع قد يوجَد، وقد لا يوجد، شُبّه بالحروف الزوائد إذ كان من جنسها، فمن قال: "فُرَيْزِدٌ"، بحذف القاف، وهو القياس، قال: "خُدَيرِنٌ"، ومن قال: "فُرَيْزِقٌ"، قال: "خُدَيْرِقٌ"، وذلك شاذّ قليلٌ.
فلذلك قال صاحب الكتاب: "والوجه الأوّل.
قال سيبويه: لأنّه لا يزال في سُهُولة حتى يبلغَ الخامسَ، ثمّ يرتدع" إشارة إلى أنّ الثقل إنمّا حصل بالخامس، فهو الذي أوجب الحذفَ؛ لأنّ الحرفَيْن اللذَيْن في الصدر مضيا على القياس المطّرد في تصغير الثلاثيّ والرباعيّ، والحرفُ الذي بعد الياء موجودٌ في الثلاثيّ والرباعيّ، والحرفُ الرابعُ موجود في الرباعيّ والخماسيّ، وهو الذي لا نظيرَ له فيما تقدّم من التصغير، فكان أوّلى بالحذف.
وذكر سيبويه عن بعض النحويين: "سُفَيْرِجِلٌ"، و"سَفارِجِلُ" 1. قال الأخفش: سمعتُ من يقول: "سُفَيْرِجِلٌ" متحرِّكًا يعني بتحريك الجيم، وفي الجمع "سَفارِجِلُ"، فهذا يأتي به على الأصل، ولا يُبالي الثقلَ.
وقال الخليل 2: لو كنتُ محقِّرًا لهذه الأسماء ولا أحْذِفُ منها شيئًا، كما قال بعض النحويين؛ لسَكّنتُ الحرفَ الذي قبل الآخِر، فقلتُ: "سُفَيرجلٌ" بتسكين الجيم حتى يصيرَ بوزن "دُنَيْنِير"؛ لأنّ قبل الآخِر الياءَ ساكنةً حتى تصير الجيم مثلَ الياء الساكنة.
وقوله: و"التصغير والتكسير من واد واحد" يريد أن العمل فيهما واحدٌ، وذلك أنّك تغيِّر الأوّل منهما، إلَّا أنّ تغيير أوّل المكسّر بالفتح، وتغييرَ أوّل المصغّر بالضمّ، فإذا

قلت: "مساجِدُ"، فليست الفتحة في الميم هي الفتحةَ في ميم "مَسْجِدٍ".
يدلّك على ذلك أنّك تقول: "بُرْثُنٌ"، و"بَراثِنُ"، و"زِبْرِجٌ"، و"زَبَارجُ"، فكما لا تشُكّ أنّ الأول من "براثن"، و"زبارج" فتحٌ لأجل الجمع، فكذلك في "مَساجِدَ".
وتزيد فيهما حرفًا من حروف المدّ ثالثًا، إلَّا أنّ المَزيد في التكسير ألفٌ، وفي التصغير ياءٌ, وتكسر ما بعد الياء في المصغّر، كما تكسر ما بعد الألف في المكسّر، فلمّا كان بينهما من المناسَبة ما ذكرنا، قيل: إنّهما من واد واحد، فاعرفه.

جارٍ التحميل