شرح المفصل لابن يعيشفصل [استخدام "دُنيا" و"جُلّي" بغير "ألْ"]

فصل [استخدام "دُنيا" و"جُلّي" بغير "ألْ"]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وقد استعملت "دُنيا" بغير ألف ولام, قال العجاج [من الرجز]: 928 - في سعي دُنيا طالما قد مُدت1234

لأنها غلبت, فاختلطت بالأسماء, ونحوها جلى في قوله [من البسيط]: 1 - وإن دعوت إلى جلى ومكرمة... [يومًا سراة كرام الناس فادعينا وأما "حسنى" فيمن قرأ ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (2), و"سُوءى" فيمن أنشد [من الوافر]: 3 - ولا يجزون من حسن بسوءى... [ولا يجزون من غلط بلين] = شواهد الإيضاح ص 350؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب 8/ 316. اللغة: مُدَّت: تطاولت وامتدت.
المعنى: إن النفوس سترى حصِيلة أمورها الي أخذت أبعادها ومداها في هذه الدنيا المديدة.
الإعراب: "في سعي": جار ومجرور متعلّقان بالفعل "غَبَّت" المذكور في بيت سابق.
"دنيا": مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
"طالما": كافة.
مكفوفة "قد": حرف تحقيق.
"مُدَّت": فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث لا محل لها، وحرّكت لضرورة القافية، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي.
وجملة "مُدَّت": صفة لـ "دنيا" محلها الجر.
والشاهد فيه: أن "دنيا" قد جُرِّدت من الألف اللام والإضافة لكونها بمعى العاجلة.

فليستا بتأنيثي أحسن وأسوأ بل هما مصدران كالرجعى والبشرى.
وقد خطيء ابن هانيء في قوله [من البسيط]: 1 - كأن صغرى وكبرى من فواقعها... [حصباء در علي أرض من الذهب] وقول الأعشى [من السريع]: ولست بالأكثر منهم حصى... [وإنما العزة للكاثر] (2) ليست "مِنْ" فيه بالتي نحن بصددها, هي نحو "مِنْ" في قولك: "أنت منهم الفارس الشجاع" أي: من بينهم.
= الحماسة للمرزوقي ص 40؛ والشعر والشعراء 1/ 436؛ وللطهوي في لسان العرب 1/ 96 (سوا).
اللغة: السُّوءى: مصدر كالرُّجعى.
يجزون: يحاسبون عقابًا أو مكافأة.
المعنى: إنهم قوم يحسنون إِلى من يحسن إِليهم، ويردون على المسيء بمثل صنيعه.
الإعراب: "ولا": الواو: بحسب ما قبلها، و"لا": نافية.
"يجزون": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنّه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
"من حسن": جار ومجرور متعلقان بـ "يجزون".
"بسوءى": كإعراب "من حسن".
"ولا": الواو: حرف عطف، و"لا": نافية.
"يجزون": كإعراب السابق.
"من غلظ": جار ومجر ور متعلّقان بـ "يجزون"، وكذلك "بلين".
وجملة "يجزون" الأولى: بحسب ما قبلها، وعطف عليها جملة "يجزون" الثانية.
والشاهد فيه: أن "سُوءَى" مصدر كـ "الرُّجعى" و"البشرَى"، وليست مؤنث "أَسوأ".

قال الشارح: القياس في "دُنْيَا" أن يكون بالألف واللام, لأنّه صفة في الأصل على زنةِ "فُعلَى" ومذكّره "الأدنَى"، مثلُ "الأكبر" و"الكبرى"، وهو من "دَنَوْتُ"، فقلبت الواو في "الأدنى" ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وذلك بعد قلبها ياء لوقوعها رابعة.
وقد تقدَّم أن الألف واللام تلزم هذه الصفة، إلّا أنّهم استعملوا "دنيا" استعمالَ الأسماء، فلا يكادون يذكرون معه الموصوف، ولذلك قلبوا اللام منه ياء لضرب من التعادل والعوض، كأنّهم أرادوا بذلك الفرق بين الاسم والصفة، فلمّا غلب عليها حكمُ الأسماء؛ أجروها مجرى الأسماء، وكانت الألف واللام لا تلزم الاسم، فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء.
فأمّا قول العجّاج [من الرجز]: يومَ ترى النفوسُ ما أَعَدَّتِ... في سَعْيِ دُنْيَا طالَمَا قد مُدَّتِ فالشاهد استعمالها نكرة من غير ألف ولام، إجراء لها مجرى الأسماء؛ لكثرة استعمالها من غير تقدّم موصوف.
يصف أمر الآخرة، ويُرغب في السعي لها، والسعي يسُتعمل في الخير، والسِّعاية في الشرّ؛ فأمّا "جُلَّى" من قوله [من البسيط]: وإن دَعَوْتِ إلى جُلَّى ومَكْرُمَةٍ... يومًا سَراةَ كِرامِ الناسِ فادْعِينا البيت من شعر الحماسة لبعض بني قَيْس بن ثَعْلَبَةَ، وقيل: إنّه لَبشامَةَ بن حَزْن النَّهْشَلي.
والشاهد فيه قوله: "جُلَّى" من غير ألف ولام، ولا إضافه، فالجيد أن يكون مصدرًا، كـ "الرُّجعَى" بمعنى الرجوع، و"البُشْرَى" بمعنى البِشارة، وليس بتأنيث "الأجلّ" على حد "الأكبر"، و"الكبرى"؛ لأنّه إذا كان مصدرًا، جاز تعريفه وتنكيره، فتقول: "بشرته بُشرَى والبشرى"، و"رجعتُه رُجعَى والرُّجعَى"، فلذلك حملناه على المصدر، ولم نحمله على الصفة.
يقول إن أشدتِ بذكر خيار الناس لجليلةٍ نابت، أو مكرمةٍ عرضتْ؛ فأشيدي بذكرنا.
وظاهرُ هذا الكلام استعطافٌ لها.
وسَراةُ القوم: سادتُهم، والجمع السَّرَوات، ورجلٌ سَرِيّ: بين السَّرْوِ، والكِرام هنا: الذين يحمون، ويدفعون الضَّيْم، ومثله ما حكى أن بعضهم قرأ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ 1 فإن حُمل على الصفة؛ كان شاذًّا، والجيد أن يحمل على المصدر لما ذكرناه من أن المصدر يكون معرفة ونكرة، وكذلك "سُوءَى" من قول أبي الغُول الطهويّ [من الوافر]: ولا يَجْزُون من حَسَنٍ بسُوءَى... ولا يجزون من غِلظٍ بلِينِ الشاهد فيه قوله: "بسوءى"، ويروى على ثلاثة أوجه: بسَوْءٍ، وبسَيْءٍ، وبُسوءَى، فمن رواه: "بسَوء" فهو مصدرُ "ساءَه يَسُوؤُه سَوءًا، وسُوءًا"، وهو نقيضُ "سَرَّه يَسُرَّه سُرُورًا" ومن قال: "بسَيءٍ" جعله صفة، وأصله "سَيِّىءٌ" بالتشديد على حدّ "جيّد"، و"سيّد" وإنّما خفّفه

بحذف إحدى الياءين كما يقولون: "هَيْنٌ"، و"لَيْنٌ" ومن قال: "سُوءَي" ففيه نَظَرٌ: إن جعلته صفة، كان شاذًّا، وصحّةُ مَحَله أن تجعله مصدرًا على ما تقدَّم.
والمعنى أنهم يجزون كُلًّا بفعله، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌّ، وهو خلاف قول العَنْبريّ [من البسيط]: 1 - يجزون من ظُلْمِ أهلِ الظُّلْم مَغْفِرَة... ومن إساءة أهل السوْء إحسانَا فأمّا قول ابن هانِيء [من البسيط]: كان صُغْرَى وكُبْرَى من فَواقِعها... حَصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ من الذَّهَبِ فقد عابه بعضهم؛ لكونه استعملها نكرة، وهذا الضرب من الصفات لا يُستعمل إلّا معرّفًا.
والاعتذار عنه أنّه استعمله استعمالَ الأسماء؛ لكثرة ما يجيء منه بغير تقدّم موصوف، نحو: "صغيرة"، و"كبيرة"، فصار كـ "الصاحب"، و"الأجرع"، و"الأبطح"، فاستعمله لذلك نكرةً.
ويجوز أن يكون لم يُرِد فيه التفضيل، بل معنى الفاعل، كأنّه قال: "كأنّ صغيرة وكبيرة من فواقعها" على حد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (2) في أحد القولَيْن.
يقال: "فاقِعَةٌ وفُقاعَةٌ"، وجمع "الفُقّاعة": "الفَقاقِيعُ" وهي النفّاخات التي تكون على وجه الماء.
يصف خَمْرًا، وما عليه من الحَبَب، شبّه الحبب بالدرّ، وهو اللؤئؤ، والخمرَ تحته بأرض من ذهب، ولقد أحسن.
وأما قول الأعشى [من السريع]: ولستَ بالأكثرِ منهم حَصّى... وإنّما العِزةُ للكاثرِ (3) فقد تَعلّق بظاهره الجاحظُ، وزعم أنّ في ذلك نقضًا لِما أصّله النحويون من امتناع الجمع بين الألف واللام و"مِنْ" في هذا الضرب من الصفات.
والوجه في ذلك أن يكون "منهم" في موضع الحال من تاء "لستَ"، كقولك: "لست منهم بالكثير مالًا"، و"ما أنت

منهم بالحسن وَجْها"، أي: لست من بينهم، وفي جملتهم بهذه الصفة، وليست "من" التي تصحب "أفعل" هذه لتخصيص, لأن لام المعرفة تُغْنِي عنها، ألا ترى أن "مِنْ" إنّما تُخصص ما يُخصص باللام، فتقول: "زيدٌ أفضل من عمرو"، فإذا قلت: "الأفضل"، دخل فيه "عمرو" وغيرُه؟ فـ "مِنْ" تقتضي تفضيلَه على المجرور بها لا غيرُ، واللام تقتضي تفضيله عليه وعلى غيره، فعلى هذا يكون العامل في "منهم" نفسَ "ليس" لا الأكثر، والحروفُ الجارّة تعمل فيها المعاني، وما ليس بفعل، وإذا كان يعمل فيها ما هو أبعدُ شَبَهَا من "ليس"، كان عملُ "ليس" فيها أَوْلى.
ونظيرُ هذا تعلّقُ الظرف بـ "كَانَ" في قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (1). فقوله: "للناس" متعلّقٌ بـ "كان"، وذلك أنّه لا يخلو إمّا أن يكون متعلقًا بـ "عجبًا"، أو بـ "أوحينا"، أو بـ "كان"، فلا يجوز أن يتعلق بـ "عجبًا" نفسها, لأنّه مصدرٌ، ومعموله من صلته، فلا يتقدّم عليه، ولا يكون صفة لـ "عجبًا" على أنَّه يتعلق بمحذوف لتقدُّمه عليه، والصفةُ لا تتقدّم على الموصوف، ولا يجوز أن يتعلّق بـ "أوحينا"؛ لأنّه في صلته، ولا يجوز تقديمه عليه، وإذا بطل تعلُّقه مما ذكرنا؛ تَعين أن يكون متعلّقًا بـ "كان" نفسها، تعلقَ الظرف بالفعل، وكذلك الظرف في البيت، ويجوز أن يكون متعلّقًا بـ "الأكثر" على حد ما يتعلّق به الظرف لا على حد "هو أفضل من زيد"، كأنّه قال: "ولست بالأكثر فيهم"؛ لأن "أفعل" بمعنى الفعل أظهرُ منه في "ليس"، يدل على ذلك نصبُه الظرفَ في قوله [من الطويل]: فإنّا رأينا العِرْضَ أَحْوَجَ ساعة... إلى الصَّوْن من رَيْطٍ يَمانٍ مُسَهَّمِ (2) ألا ترى أن الظرف هنا لا يتعلق إلّا بـ "أحوج"، وتعليقُ الظرف بـ "ليس" ليس بالسهل؛ لجَرْيه مجرى الحروف، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (3). ولو كان كالفعل، لدخل بينه وبيّن "أنْ" حاجزٌ كالذي في قوله: عَلِمَ ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ (4)، ونظائره كثيرة.
و"الحَصَا" من قوله [من السريع]: ولست بالأكثر منهم حَصًا (5) العدد الكثير، قال يعقوب: وأصله مثل الحصا، وموضعه نصب على التمييز.

جارٍ التحميل