شرح المفصل لابن يعيشفصل

فصل

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: منه المُنادَى, لأنّك إذا قلت: "يا عبدَ الله"، فكأنّك قلت: "يا أُرِيدُ، أو أَعْنِي عبدَ الله"، ولكنّه حُذف لكثرةِ الاستعمال، وصار "يَا" بَدَلًا منه.
ولا يخلو من أن ينتصبَ لفظًا، أو مَحَلاً.
فانتصابُه لفظًا إذا كان مضافًا كـ "عبدِ الله"، أو مضارعًا له كقولك: "يا خيرًا من زيد"، و"يا ضاربًا زيدًا"، و"يا مضروبًا غلامُه"، و"يا حَسَنًا وَجْهَ الأخ"، و"يا ثلاثة وثلاثين"؛ أو نكرة كقوله [من الطويل]: 1 - فَيَا رَاكِبًا إما عرضتَ فبَلّغَنْ"... [ندامايَ من نَجْرانَ ألّا تلاقيا]

قال الشارح: اعلم أنّ المنادَى عند البصريين أحدُ المفعولات، والأصلُ في كلّ منادى أن يكون منصوبًا، وإنّما بنوا المفردَ المعرفةَ على الضّم لعلّةٍ نذكرها، والذي يدلّ على أنّ الأصل في كل منادى النصبُ قولُ العرب: "يا إيّاك" لما كان المنادى منصوبًا، وكنُّوا عنه؛ أتوا بضمير المنصوب، هذا استدلالُ سيبويه.
وقد قالوا: "يا أَنْتَ" أيضًا، فكنوا عنه بضمير المرفوع نَظرًا إلى اللفظ، كما قالوا: "يا زيدُ الظريفُ".
فأتبعوا النعتَ على اللفظ.
قال الشاعر [من الرجز]: 1 - يا مُرَّ يا ابنَ واقع يا أَنتَا... أنْتَ الّذي طلّقتَ عامَ جُعْتَا فإذا قلت: "يا إيّاك"، كان تقديرُه: يا إيّاك أعني.
ومن قال: إنّ "إيّاك" مضافٌ على ما يشرح في موضعه، قال: لم ينصب "أنت" لأنه مفرد، ونصب "إِياك" لأنه مضاف.
وممّا يدلّ على أنّ أصلَ المنادى النصبُ؛ نَصبُهم المضافَ في قولهم: "يا عبدَ الله"، والمشابِهَ له من نحو "يا خيرًا من زيد"، والمنكورَ من نحو "يا رجلاً"، و"يا راكبًا".
والناصبُ له فعلٌ مضمرٌ تقديرُه: أُنادِي زيدًا، أو أُريد، أو أَدْعو، أو نحو ذلك.
ولا يجوز إظهارُ ذلك، ولا اللفظ به, لأن "يا" قد نابت عنه؛ ولأنّك إذا صرّحتَ بالفعل، وقلتَ: "أُنادي"، أو"أريد"، كان إخبارًا عن نفسك، والنداءُ = وجملة "فيا راكبًا": بحسب ما قبلها.
وجملة "فبلّغن": في محل جزم جواب الشرط.
وجملة "لا تلاقيا": في محل رفع خبر "أن" المخففة.
والشاهد فيه قوله: "فيا راكبًا" حيث نصب المنادى لأنه نكرة.
والفراء والكسائى لا يجيزان ذلك إلا أن يكون وصفًا لموصوف مقدّر، أو لكونه معرفة، أمّا البصريون فلا يرون بأسًا في ذلك.

ليس بإخبار، وإنّما هو نفسُ التصويت بالمنادى، ثمّ يقع الإخبارُ عنه فيما بعدُ، فتقول: "نادَيْتُ زيدًا".
وكان أبو العبّاس المبرّدُ يقول الناصبُ نفسُ "يا" لنيابتها عن الفعل، قال: "ولذلك جازت إمالتُها".
وكان أبو عليّ يذهب في بعض كلامه إلى أنّ "يا" ليس بحرف، وإنما هو اسمٌ من أسماء الفعل.
والمذهبُ الأول، فالمنصوب في اللفظ على ثلاثة أضرب: مضافٌ، ومشابةٌ للمضاف، ونكرةٌ؛ فأمّا المضاف فهو منصوبٌ على أصلِ النداء الذي يجب فيه النصبُ كما بَيَّنَّا، المعرفةُ والنكرةُ في ذلك سواءٌ، فتقول في المعرفة: "يا عبدَ الله أقْبِلْ، ويا غلامَ زيد افْعَلْ"، وتقول في النكرة "يا عبدَ امرْأةٍ تَعالَ، ويا رجلَ سَوْءٍ تُبْ".
وأمّا المضارع للمضاف، فحكمُه النصبُ أيضًا كما كان المضافُ كذلك، وذلك قولُك: "يا خيرًا من زيد"، و"يا ضاربًا زيدًا"، و"يا مضروبًا غلامُه"، و"يا حَسَنًا وَجْهَ الأخ"، و"يا ثلاثةً وثلاثين" كلُّه منصوبٌ لما ذكرناه من شَبَهِ المضاف، ووجهُ الشبه بينهما من ثلاثةِ أَوْجُه: أحدُها: أن الأوّل عاملٌ في الثاني، كما كان المضافُ عاملاً في المضاف إليه.
فإن قيل: المضافُ عاملٌ في المضاف إليه الجرَّ، وهذا عاملٌ نَصْبًا، أو رَفْعًا، فقد اختلفا؛ قيل: الشيءُ إذا أشبهَ الشيءَ من جهةٍ، فلا بد أن يُفارِقه من جهاتٍ أخرى، ولولا تلك المفارقةُ، لكان إياه، فلم تكن المفارقةُ قادِحة في الشَّبَه.
الوجه الثاني: من المشابهة أنّ الاسم الأول مختصٌّ بالثاني، كما أنّ المضاف يتخصص بالمضاف إليه، ألا ترى أنّ قولنا: "يا ضاربًا رجلًا" أخصُّ من قولنا: "يا ضاربًا".
الثالث: أنّ الاسم الثاني من تَمامِ الأوّل، كما أنّ المضاف إليه من تمام المضاف، ألا ترى أن الجارّ والمجرور في قولك: "يا خيرًا من زيد" من صلةِ "خير"، وإذا كان من صلته ومتعلِّقًا به، كان من تمامه.
وكذلك "يا ضاربًا زيدًا" فـ "زيدٌ" منصوبٌ بـ "ضاربٍ"، فهو من تمامه، وكذلك "يا مضروبًا غلامُه"، فالغلامُ مرتفعٌ باسم المفعول الذي هو"مضروبٌ".
وكذلك "يا حسنًا وجهَ الأخ" نصبتَ "الوجه" على الشَّبَه بالمفعول، ولا يحسن رفعُه لأنّه يفتقر إلى عائدٍ.
فهذه كلُّها منصوبةٌ، سَواء جعلتَها أعلامًا، أو لم تجعلها.
فإن جعلتها أعلامًا، نصبتها لشَبَهها بالمضاف، وإن جعلتها معرفةً بالقصد فهي منصوبةٌ لذلك، وإن كانت نكرةً، كانت منصوبةً كسائر النكرات.
والتنوين في جميع ذلك كحرفٍ من وسط الاسم، إذ كان ما بعده من تَمامه،

وصلتِه، فصارت "الراءُ" من "خير" و"الباءُ" من "ضارب" بمنزلة "الياء" من "الذي".
وأمّا قوله: "يا ثلاثةً وثلاثين" فإن سمّيت بهما وجعلتَهما عَلَمًا، نصبتَهما كما لو سمّيتَ بـ "زيد" و"عمرو"، لأنّك جعلتهما بإزاءِ حقيقة واحدة، فكان الثاني من تمام الأوّل، وتابعًا له في إعرابه بإشراكِ الواو، فصار كأن الأوّل عاملٌ في الثاني، فانتصب كما ينتصب "يا خيرًا من زيد" فحرفُ النداء نَصَبَ الاسمَ الأوّلَ، والثاني يتبعه في الإعراب لزومًا لطريقته التي كان عليها قبل التسمية، وهي متابعَةُ المعطوف المعطوفَ عليه في الإعراب.
فإن ناديتَ جماعةً، هذه عدّتُهم، قلت: "يا ثلاثةُ وثلاثون، وإن شئتَ نصبتَ الثانيَ، فقلتَ: "يا ثلاثةُ وثلاثين"، كما تقول: "يا زيدُ والحارثُ، والحارثَ"، فالرفعُ عطفٌ على اللفظ، والنصبُ عطفٌ على المحل، لأنّهما اسمان متغايران، كلّ واحد منهما بإزاءِ حقيقةٍ غير الأخرى، وليس كذلك إذا سمّيتَ بهما، وجعلتَهما عبارةَ عن حقيقة واحدة.
الثالث: النكرة وهي منصوبةٌ أيضًا في النداء، وذلك قولك: "يا رجلاً"، و"يا غلامًا" فـ "غلامٌ"، و"رجلٌ" في هذا الموضع يُراد به الشائعُ؛ لأنّه لم يُوَجَّه الخطابُ نحوَهما مختصًّا بالنداء.
ومثالُ ذلك الأَعْمَى يقول: "يا رجلاً خُذْ بيدي"، و"يا غلامًا أَجرني"، فلا يقصِد بذلك غلامًا بعينه، ولا رجلاً بعينه، فالنصبُ في هذه الأقسام الثلاثةِ من جهة واحدة، وأمّا قول الشاعر، وهو عبدُ يَغُوثَ [من الطويل]: فَيَا رَاكبًا إمّا عرضتَ فبَلِّغَنْ... نَدامايَ من نَجْرانَ أنَ لا تَلاقِيَا 1 فالشاهد فيه نصبُ "راكب" لأنه منادى منكورٌ، إذ لم يقصِد قصدَ راكب بعينه، إنّما أراد راكبًا من الرُّكْبان، يُبلِّغ خبرَه، ولو أراد راكبًا بعينه لَبَناه على الضمّ، وإنّما قال هذا لأنّه كان أَسيرًا.

قال صاحب الكتاب: "وانتصابه محلاًّ إذا كان مفردًا معرفةً، كقولك: "يا زيدُ"، و"يا غلامُ"، و"يا أَيُّهَا الرجلُ" أو داخلة عليه لامُ الاستغاثة أو التعجبِ كقوله [من الخفيف]: 186 - يا لَعَطافِنا ويا لَرِياحِ... [وأَبي الحَشْرَج الفَتَ النّفّاحِ]2

وقولِهم: "يا للماء"، و"يا للدَّواهي" أو مندوبًا، كقولك: "يا زيدَاه"".

قال الشارح: وأمّا انتصابه محلاًّ فإذا كان المنادَى مفردًا معرفةً؛ فإئه يُبْنَى على الضمّ، ويكون موضعُه نصبًا، وذلك على ضربَيْن: أحدُهما ما كان معرفةً قبل النداء، والثاني ما كان متعرِّفًا في النداء، ولم يكن قبلُ كذلك، وذلك، نحو "يا زيدُ" و"يا رجلٌ"، فـ "رجلٌ" نكرةٌ في الأصل، وإنّما صار معرفةً في النداء.
وذلك أنّك لما قصدتَ قَصْدَه، وأقبلتَ عليه، صار معرفةً، باختصاصك إيّاه بالخطاب دون غيره.
قال الأعشى [من البسيط]: 1 - قالت هُرَيْرَةُ لما جئتُ زائرَها... وَيْلِي عليك ووَيْلي منك يارَجُلُ لمّا أرادتْ رجلاً بعينه.
بناه على الضمّ؛ وأمّا "يا زيدُ"، و"يا حَكَمُ"، فهي معارفُ أيضًا.
فإن قيل: هل التعريف الذي في "يا زيدُ" و"يا حكمُ" في النداء تعريفُ العَلَميّة بقي على حاله بعد النداء كما كان قبلَ النداء، أم تعريفٌ حَدَثَ فيه غيرُ تعرِيف = لعطاف".
"وأبي": الواو: حرف عطف، و"أبي": معطوف على "رياح" مجرور بالياء لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف.
"الحَشْرجِ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"الفتى": بدل من "أبي الحشرج".
"النَّفَّاح": صفة لـ "الفتى" مجرورة مثله بكسرة.
وجملة "يا لعطافنا": ابتدائية لا محل لها من الإعراب، وعطف عليها جملة "يا لرياح".
والشاهد فيه: دخول لام الاستغاثة على المنادى، ونصبه محلاً.

العلمية 1؟ فالجوابُ أنّ المعارف كلها إذا نُوديتْ تنكّرتْ، ثمّ تكون معارفَ بالنداء.
هذا قولُ أبي العباس المبرّد.
وقد خالَفَه أبو بكر بنُ السرّاج، أي: خِلافَ الصَّواب، وزعم أنّ قول أبي العبّاس فاسدٌ، قال: وذلك أنَّه قد وقع في الأسماء المفردةِ ما لا يشارِكه فيه غيرُه، نحو: "فَرَزْدَقٍ"، وزعم أنّ معنى تنكيرٍ اللفظ أن تجعله من أُمَّةٍ كلُّ واحد منهم له مثلُ اسمه.
والقول ما قاله أبو العبّاس، وما أورده أبو بكر فغيرُ لازم, لأنّه ليس ممتنعًا أن يسمّي الرجلُ ابنَه، أو عبدَه الساعةَ فرزدقًا، فتحصل الشركةُ بالقُوّة والاستعدادِ.
ونظيرُ ذلك أن الشمس والقمر من أسماء الأجناس، فتعرُّفُهما بالألف واللام، وإذا نزعناهما منهما، صارا نكرتَيْن، وإن لم يكن لهما شريكٌ في الوجود، فإنّما ذلك بالاستعداد, لأنه ليس مستحيلاً أن يخلُق اللهُ مثلهما.
وإذا جاز ذلك في أسماء الأجناس، كان في الأعلام أَسْوَغَ، فصحَّ بما ذكرناه أنّك إذا ناديتَ العَلَمَ، تَنكَّر، ثمّ جُعل فيه تعريفٌ آخرُ قَصْديٌّ غيرُ التعريف الذي كان فيه، وصار ذلك كإضافة الأعلام، ومن المعلوم أنّك لمّا أضفتَها؛ فقد ابتززتَها تعريفَها، وحصل فيها تعريفُ الإضافة، وذلك نحو "زيدكم"، و"عمركم"، فكذلك ها هنا في النداء.
وإن قيل إذا قلت: "يا زيدُ" و"يا خالدُ" أمبنىٌّ هو أم معربٌ 2؟ وهل الضمّةُ فيه حركةُ بناء أو حركةُ إعراب؟ فالجوابُ أنّه مبنيٌّ على الضمّ، والذي يدلّ على ذلك حذفُهم التنوينَ منه، ولو كان معربًا لَمَا حُذف التنوين منه، كما لم يُحْذَف من النكرة، نحوَ [من الطويل]: فيا راكبًا إمّا عرضتَ 3 وممّا يدلّ أنّه غيرُ معرب أن موضعه نصبٌ، ألا ترى أنّ المضاف إذا وقع موقعَه، يكون منصوبًا، نحوَ: "يا عبدَ الله"، وأنّ نَعْتَ المفرد والمعطوفَ يجوز فيهما 4 الرفعُ على اللفظ والنصبُ، نحو: "يا زيدُ الظريفُ، والظريفَ"، و"يا زيدُ، والحارثُ، والحارثَ".
قال الشاعر [من الوافر]: 188 - ألا يا قَيْسُ والضَّحّاكُ سِيرَا... فقَدْ 5 جاوزتُما خَمَرَ الطريقِ6

يُروى برفع "الضحّاك" ونصبه، ولولا أنّ موضعه نصبٌ، لَمَا جاز النصبُ في نَعْته وما عُطف عليه.
وذلك أنّ العامل إذا عمِل من رفعٍ، أو نصب، أو جرٍّ، لم يكن لذلك الاسم موضعٌ سِوَى ما ظهر، ألا ترى أنّ المضاف لمّا لم يكَن له موضعٌ سوى ما هو عليه، لم يجز في نعته غيرُ النصب، فبَانَ بذلك أنّه مبنيٌّ مضمومٌ.
وقد ذهب قومٌ إلى أنّه بين المعرب والمبني، والمذهبُ الأوّلُ، إلا أنّ حركتَه، وإن كانت حركةَ بناء، إلّا أنها مشبَّهةٌ بحركةِ الإعراب من أجلِ أنّ كلّ اسم متمكِّن يقع في هذا الموضع يُضَمّ، فأشبه من أجلِ ذلك المرفوعَ بـ "قَامَ" ونحوِه من الأفعال، لأنّ كلَّ اسم متمكِّن يُسْنَد إليه الفعلُ، فهو مرفوعٌ، ولذلك حسن أن يتبعه النعتُ على اللفظ، فتقولَ: "يا زيدُ الطويلُ"، كما تقول: "قام زيدٌ الطويلُ".
فإن قيل: فلِمَ بُني وحقُّ الأسماء أن تكون معربةً؟ فالجوابُ أنّه إنّما بُني لوقوعه موقعَ غير المتمكِّن، ألا ترى أنّه وقع موقعَ المضمر، والمتمكّنةُ من الأسماء إنّما جُعلت للغَيْبة، فلا تقول: "قام زيدٌ" وأنتَ تُحدِّثه عن نفسه، إنّما إذا أردتَ أن تُحدِّثه عن نفسه فتأتي بضميره، فتقول: "قُمْتَ".
والنداءُ حالُ خِطابٍ، والمنادَى مخاطَبٌ، فالقياسُ في قولك: "يا زيدُ" أن تقول: "يا أنتَ" والدليلُ على ذلك أن من العرب من ينادِي صاحبَه إذا كان مُقْبِلاً عليه، وممّا لا يلتبِس نداؤه بالمكْني فيُناديه بالمكني على الأصل، فيقول: "يا أنت".
قال الشاعر [من الرجز]: يا مُرَّ ابنَ واقعٍ يا أَنْتَا... أنتَ الذي طلّقتَ عامَ جُعْتَا 1 = المعنى: يخاطب الشاعر صديقيه بأن يسرعا في سيرهما لأنّهما تجاوزا ما كان يسترهما من شجر وغيره، وصارا بحيث يراهما من يطلبهما.
الإعراب: "ألا": حرف استفتاح.
"يا": حرف نداء.
"قيس": منادى مبني على الضمّ في محلّ نصب.
"والضحّاك": الواو حرف عطف، الضحاك: معطوف على "قيس" ويجوز فيه الرفع إتباعًا له على اللفظ، أو النصب إتباعًا له على المحلّ الإعرابي.
"سيرا": فعل أمر مبني على حذف النون، والألف ضمير متّصل مبنيّ في محلّ رفع فاعل.
"وقد": الواو حرف عطف، أو تعليل، قد: حرف تحقيق.
"جاوزتما": فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء ضمير متصل مبنيّ في محل رفع فاعل، والميم حرف عماد.
والألف: حرف دالّ على تثنية المخاطب.
"خمر": مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"الطريق": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
وجملة "ألا يا قيس... ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "قد جاوزتما... ": تعليلية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "يا قيس والضحّاك" فإنّ "قيس" منادى مبنيّ على الضمّ، و"الضحّاك": اسم معطوف على "زيد" عطف نسق، وهو مقترن بـ "أل" غير مضاف، وقد روي بالرفع والنصب، فدلّ ذلك على أنّ المعطوف على المنادى، إذا كان بهذه المنزلة، جاز فيه الوجهان.

غيرَ أنّ المنادى قد يكون بعيدًا منك، أو غافلاً، فإذا ناديتَه بـ "أنتَ" أو "إياك"، لم يعلم أنّك تخاطِبه، أو تخاطب غيرَه، فجئتَ بالاسم الذي يُخصّه دون غيره، وهو "زيدٌ"، فوقع ذلك الاسم موقعَ المكني، فتبنيه لِما صار إليه من مشاركةِ المكني الذي يجب بناؤه.
فإن قيل: فالمنادى المنكور والمضافُ قد وقعا الموقعَ الذي ذكرتَه من حيثُ أنّهما مخاطَبان، فالجوابُ عنه من وجهَيْن: أحدُهما: أنّ المنادى المفرد المعرفةَ إنّما بُني مع وُقوعه الموقع الذي وصفناه، لأنّه في التقدير بمنزلةِ "أنتَ"، و"أنتَ" لا يكون إلّا معرفةً غيرَ مضاف، فخرج المنكورُ، إذ كان مخالِفًا لـ "أنتَ" من جهةِ التنكير، والمضافُ, لأنّ "أنتَ" غير مضاف، فلم يُبْنَ لذلك مع تمكُّنه بالإضافة.
والوجه الثاني: أنّ المفرد يُؤثِّر فيه النداءُ ما لم يؤثر في المضاف والنكرةِ، فالمضافُ معرفةٌ بالمضاف إليه، كما كان قبل النداء، والنكرةُ في حال النداء كما كانت قبل ذلك و"زيدٌ"، وما أشبَهه في حال النداء معرفة بالإشارة، والإقبالِ عليه منتقلٌ عنه ما كان فيه قبل ذلك من التعريف، فلمّا لم يؤثر النداءُ في معناه لم يؤثّر في بنائه.
فإن قيل: فلِمَ بُني على حركة؟ ولِمَ كانت حركتُه ضمّةً؟ فالجوابُ: أمّا تحريكُه، فلأنّ له أصلاً في التمكن، فوجب أنّ يُميز عن ما بُني، ولا أصلَ له في التمكّن، فبُني على حركةٍ تمييزًا له عن مثلِ "مَنْ" و"كَمْ" وغيرهما ممّا لم يكن له سابِقةُ إعراب، وخُصّ بضمّ لوجهَيْن: أحدُهما: شبَهُه بالغايات، نحو: "قَبْلُ"، "وبَعْدُ"، ووجهُ الشَبَه بينهما أنّ المنادى إذا أضيف، أو نُكّر، أُعرب؛ وإذا أُفرد بُني كما أنّ "قبل"، و"بعد" تُعْرَبان مضافتَيْن ومنكورتَيْن، وتُبْنَيان في غيرِ ذلك فكما بُني "قبل" و"بعد" على الضمّ كذلك المنادى المفرد يُبْنَى على الضمّ.
والثاني: أنّ المنادى إذا كان مضافًا إلى مُنادِيه، كان الاختيارُ حذفَ ياء الإضافة والاكتفاءَ بالكسر منها، وإذا كان مضافًا إلى غائب، كان منصوبًا، وكذلك إذا كان منكورًا.
فلمّا كان الفتحُ والكسرُ في غير حال البناء، وبُني، جُعل له في حال البناء من الحركات ما لم يكن له في غير حال بنائه، وهو الضمُّ، فذلك علّةُ بنائه على الضمّ.
وانتصابه محلاًّ قولُهم: "يا أيُّها الرجلُ" فـ "أي" منادى مبهمٌ مبنيٌّ على الضمّ لكونه مقصودًا مشارًا إليه بمنزلةِ "يا رجلُ"، و"هَا" تنبيهٌ، و"الرجلُ" نَعْتٌ.
والغرضُ نداءُ الرجل، وإنّما كرِهوا إيلاء أداةِ النداء ما فيه الألفُ واللامُ، فأتوا بـ "أي" وُصْلةً إلى نداء ما فيه الألفُ واللامُ، فصار "أيُّ" و"هَا" وصفتُه بمنزلةِ اسم واحد، ولذلك كانت صفةً لازمةً.

وكان الأخفش يذهب إلى أنّ "أَيًّا" من قولك: "يا أيها الرجل" موصولةٌ، وأنّ "الرجل" بعدها صلتُها، قال: لأنّ "أَيًّا" لا تكون اسمًا في غير الاستفهام والجزاءِ إلّا بِصِلةٍ، وهو قولٌ فاسدٌ، لأنه لو كان الأمرُ على ما ذكر؛ لَمَا جاز ضمُّه؛ لأنَّه لا يُبْنَى في النداء ما كان موصولاً، ألا ترى أنّه لا يقال: "يا خيرُ من زيد" بالضمّ، إنّما تقول: "يا خيرًا من زيد" بالنصب, لأن "من زيد" من تمامِ "خير"، فكذلك "الرجلُ" من تمامِ "أَيّ".
واعلم أنّ حقيقةَ هذا النعت، وما كان مثلَه في نحو: "هذا الرجلُ" إنّما هو عطفُ بيان، وقولُ النحويين إِنه نعتٌ تقريبٌ، وذلك لأن النعت تَحْلِيَةُ الموصوف بمعنى فيه، أو في شيء من سَبَبه، وهذه أجناسٌ، فهي شرحٌ، وبيانٌ للأوّل كالبَدَل، والتأكيدِ، فلذلك كان عطفَ بيان، ولم يكن نعتًا.
وممّا هو منصوبٌ في التقدير والموضعِ، وإن لم يكن لفظُه منصوبًا، ما دخل عليه لامُ الاستغاثة، نحو: "يا لزيدٍ"، إذا استغثتَ به لغيره، ودعوتَه لنُصْرته، وحقٌّ هذه اللام أنّ تكون مكسورةً لأنّها لامُ الإضافة، ولامُ الإضافة تكون مكسورةً مع الظاهر، نحوَ قولك: "المالُ لزيد"، غيرَ أنّه وقعت هذه اللامُ لمعنيَيْن: أحدُهما المستغاثُ به، والآخرُ المستغاثُ من أجله، فلم يكن بُدٌّ من التفْرِقة بينهما، ففُتحت لامُ المستغاث به، وتُركت لامُ المستغاث من أجله مكسورةً بحالها للفرق، فإذا قلت: "يا لَزيد" بالفتح، عُلم أنّه مستغاثٌ به، وإذا قلت: "يا لِزيد" بالكسر، عُلم أنه مستغاثٌ من أجله.
قال الشاعر [من الوافر]: 1 - تَكَنَّفَنِي الوُشاةُ فأَزْعَجُوني... فَيَا لَلنَّاسِ لِلواشِي المُطاعِ

فتح اللامَ الأوُلى من "الناس"، لأنّهم مستغاث بهم، وكسر الثانية لأنّه مستغاثٌ من أجله.
ومنه ما يُرْوَى أنّ عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، لمّا ضربه العَلْجُ قال: "يا لَلَّهِ لِلمسلمين".
وموضعُ هذه اللام المفتوحة نصبٌ، والعاملُ فيها العاملُ في المنادَى المضافِ النصبَ، وهو ما ينوب عنه حرفُ النداء من الفعل، فإذا قال: "يا لِزيد"، فكأنّه قال: أدعوكم لِزيد، وكانت 1 اللامُ المكسورةُ مفعولاً ثانيًا، وأمّا قوله [من الخفيف]: يا لَعَطّافِنا ويا لَرِياحِ فهو إشارةٌ إلى قول الشاعر، وهما من أبيات الكتاب: يا لَقَوْمِي مَنْ لِلعُلا والمَساعِي... يا لَقَوْمي مَن للنَّدَى والسَّماح يا لَعَطافِنا ويا لَرِياحِ... وأبي الحَشْرَجِ الفَتَى النَفّاحِ 2 يَرْثِي رجالاً من قومه، هذه أسماؤُهم، يقول لم يَبْقَ: للعُلا والمساعي مَن يقوم بهما بعدَهم.
والنَّفّاح: الكثيرُ العَطاءِ، ويُروى الوَضاح من الوَضَح، وهو البَياض، كأنّه أبيضُ الوجهِ لكَرَمِه.
وأمّا دخول اللام للتعجّب، فنحو قولهم: "يا لَلماء"، كأنّهم رأوا عَجَبًا وماء كثيرًا، فقالوا: "تَعالَ يا عجبُ ويا ماءٌ فإنّه من إبّانك ووَقْتِك".
وقالوا: "يا لَلدواهِي"، أي: تَعالَيْنَ، فإنّه لا يُستنكر لكُن لأنّه من أحْيانِكنّ، وكلُّ قولهم هذا في معنَى التعجّب والاستغاثةِ، ومثلُه قول الشاعر [من الطويل]: 190 - لَخُطّابُ لَيْلَى يا لَبُرْثُنَ مِنْكُمُ... أَدَلُّ وأَمْضَى من سُلَيْكِ المَقانِبِ3 = من الإعراب.
وجملة الاسغاثة: استئنافية لا محلّ لها من الإعراب، وهي "يا للناس للواشي".
والشاهد فيه قوله: "يا للناس للواشي" حيث فتح لام المستغاث به "للناس" وكسر لام المستغاث من أجله " للواشي".

كأنّه رأى عجبًا من كثرةِ خُطّاب لَيْلَى، وإفسادها عليه، فقال: "يا لبرثن" على سبيلِ التعجّب، أي: مثلُكم من يُدْعَى للعظَيم.
وقال الخليل 1: هذه اللامُ بدلٌ من الزيادة اللاحِقةِ في النُّدْبة آخِرَ الاسم من نحوِ "يا زيدَاهْ"، ولذلك تتعاقبان، فلا تدخل اللامُ مع ألفِ النُّدْبة، ومَجْراهما واحدٌ، لأنّك لا تدعو أحدًا منهما ليستجيبَ في الحال كما في النداء.
وقال الفراء: أصلُ "يا لفلانٍ": "يا آلَ فلانٍ"، وإنّما خُفّف بالحذف، وهو ضعيفٌ، لأن "الآل" و"الأَهْلَ" واحدٌ، فلو كان الأصلُ ما ذكره، لجاز أن يقع موقعه الأهلُ في بعضِ الاستعمال، ولم يَرِدْ ذلك، فاعرفه.
ومن ذلك قولهم في الندبة: "وَا زيداهْ"، و"وَا عمراهْ" موضعُه نصبٌ، وهو في تقدير مضموم حيث كان معرفةً مفردًا.
وإنّما فُتح آخِره لمجاورة ألف الندبة كما يُكْسَر لمجاورةِ ياء الإضافة في قولكم: "يا زيدِي"، وسيوضَح ذلك في موضعه.
= الاعراب: "لخطّاب": اللام: لام الابتداء للتوكيد، خطاب: مبتدأ مرفوع.
"ليلى": مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة على الألف للتعذر.
"يا": حرف نداء وتعجُّب هنا.
"لبُرثن": جار ومجرور متعلقان بـ "يا" أصالة لتضمنها معنى "أدعو"، أو نيابة عن هذا الفعل، أو به مقدرًا على اختلاف بين النحاة، وعلامة جرّ "بُرثن" الفتح لأنه ممنوع من الصرف.
"منكم": جار ومجرور متعلقان بحال من "برثن" أو بخبر محذوف لمبتدأ محذوف والتقدير: تعجبي منكم.
"أدلُّ": خبر للمبتدأ "خطّاب".
"وأمضى": الواو: حرف عطف، أمضى: اسم معطوف على "أدلُّ" مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر.
"من سُليك": جار ومجرور متعلقان بـ "أمضى".
"المقانب": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وجملة "لخطاب ليلى أدلُّ": أبتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "يا لبرثُن": اعتراضية اعترضت بين المبتدأ والخبر.
والشاهد فيه: إدخال لام التَّعَجُّب على "برثن" متعجبًا منهم لا مستغيثًا بهم.

جارٍ التحميل