شرح المفصل لابن يعيشفصل [الأبنية التي تلحقها ألف التأنيث المقصورة]

فصل [الأبنية التي تلحقها ألف التأنيث المقصورة]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: والأبنية التي تلحقها ألف التأنيث المقصورة على ضربين: مختصةٌ بها, ومشتركةٌ.
فمن المختصة "فُعلى", وهي تجيء على ضربين: إسماً وصفة.
فالاسم على ضربين: غير مصدر كـ "البهمى", و"الحمى", و"الرؤيا", و"حزوى"، ومصدرٌ كـ "البشرى", و"الرجعى".
والصفة نحو: "حُبلى", و"خُنثى", و"رُبى".

قال الشارح: لمّا فرغ من الكلام على المؤنّث بالتاء، انتقل إلى الكلام على المؤنّث بالألف.
وألفُ التأنيث على ضربَيْن مقصورة وممدودة.
ومعنى قولنا: "مقصورة" أن تكون مفردة ليس معها ألفٌ أخرى، فتُمَدَّ، إنّما هي ألف واحدة ساكنة في الوصل والوقف، فلا يدخلها شيء من الإعراب لا رفعٌ ولا نصبٌ ولا جرٌّ، كأنّها قُصرَتْ عن الإعراب كلّه؛ من القَصْر؛ وهو الحَبْس.
والألفُ تُزاد آخِرًا على ثلاثة أضرب: أحدها: أن تكون للتأنيث، والثاني: أن تكون مُلْحِقةً، والثالث: أن تكون لغير تأنيث، ولا إلحاقٍ، بل لتكثير 1 الكلمة وتَوْفِير لفظها.
والفرقُ بين ألف التأنيث وغيرها أنّ ألف التأنيث لا تُنوَّن نكرةً، نحو: "حُبلَى"، و"دُنْيَا"، ويمتنع إدخال علم التأنيث عليها، فلا يقال: "حُبْلاةٌ"، ولا "دُنْياةٌ"؛ لئلّا يُجْمَع بين علامتَي تأنيث.
والضربان الآخَران يدخلهما التنوينُ، ولا يمتنعان من علم التأنيث من نحو: "أَرْطى"، و"مِعْزى"، فـ "أَرْطى" ملحقٌ بـ "جَعْفَرٍ"، و"سَلْهَبٍ"، و"مِعْزى"، ملحق بـ "دِرْهَمٍ" و"هِجْرَعٍ".
والذي يدلّ على ذلك أنّك تنوّنه، فتقول: "أرطَى" و"معزًى"، وتُدْخِلهَما تاء التأنيث للفرق بين الواحد والجمع من نحو: "أَرْطاةٍ".
وأمّا الثالث فهو إلحاقُها لغير تأنيثٍ ولا إلحاقٍ، نحو: "قَبَعْثَرى"، و"كُمَّثْرى"، فهذه الألف ليست للتأنيث لأنّها منوّنة، ولا للإلحاق؛ لأنّه ليس لنا أصل "سُداسىٌّ"، فيُلْحَقَ "قبعثرى" به، فكان زائدًا لتكثير الكلمة.
وأمّا الألف التي للتأنيث، فهي على ضربَيْن: ألف مفردة، وألف تُلحَق قبلها ألفٌ للمدّ، فتنقلب الآخرةُ منهما همزةً؛ لوقوعها طرفًا بعد ألف زائدة.
فأمّا الألف المفردة، فإذا لحقت الاسم، لم تخل من أن تلحق بناءً مختصًّا بالتأنيث، أو بناءً مشتركًا للتأنيث

وغيره.
فمن المختصّ ما كان على "فُعْلَى" بضمّ الأوّل وسكون الثاني، نحو: "دُنْيَا"، و"حُبْلَى"، فهذا البناء لا يكون إلّا مؤنّثًا.
والمرادُ بقولنا: "لا يكون إلّا مؤنّثًا" أن ألفه لا تكون للإلحاق ولا لغيره؛ لأنّه ليس في الكلام مثلُ "جُعْفَرٍ" بضمّ الفاء، فيكونَ هذا ملحقًا به.
وزيادتها للتكثير قليلةٌ، لا يُصار إليه ما وُجد عنه مندوحةٌ، مع أنّ غالب الأمر في الزيادة لغير الإلحاق أن تكون فيما زاد على الأصول على حدّها في "قَبَعْثَرى"، و"كُمَّثْرى".
هذا رأيُ سيبويه وأصحابه، فأمّا على قياس مذهب أبي الحسن، فيجوز أن يكون للإلحاق بـ "جُخْدَبٍ".
وقد أجاز السِّيرافي الإلحاقَ بـ "جُخدَبٍ"، وإن لم يكن من الأصول؛ لأنّ حروفه كلّها أصولٌ، ذكر ذلك في باب الجمع فيما كان ملحقًا بالأربعة.
وقد حكى سيبويه 1 على سبيل الشذوذ: "بُهْماةٌ"، وقياسُ ذلك عند سيبويه أن تكون الألف فيه للتكثير؛ لتعذُّّرِ أن تكون للتأنيث، إذ علمُ التأنيث لا يدخل على مثله.
وهذا البناء يجيء على ثلاثة أضرب: اسمًا ليس بمصدر، ومصدرًا، وصفة.
فالأوّل: نحو: "البُهْمَى" وهو نبتٌ، و"الحُمَّى"، و"الرُّؤْيَا" لما يراه في مَنامه الإنسانُ من الأَحْلام، و"حُزْوَى" موضع بالدَّهْناء من بلاد تَمِيم.
ومنه "طُغْيَا" اسمٌ للصغير من بقر الوحش، حكاه الأصمعيّ بضمّ الأوّل، وحكاه ثَعْلَبٌ بفتحه.
والثاني: وهو المصدر كـ "الرُّجْعَى"، بمعنى الرُّجُوع، و"البُشْرَى"، بمعنى "البِشارة".
ومن ذلك "الزُّلْفَى" بمعنى "الإزْلاف"، وهي القُرْبة والمَنْزِلة من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ 2، أي: إزْلافًا.
ومن ذلك "الشُّورَى" بمعنى المَشْوَرَة، و"السُّوأَى"، بمعنى المساءة، و"الحُسْنَى"، بمعنى الحُسْن، و"الغُمَّى"، بمعنى الغَمّ.
والثالث: وهو الصفة، نحو: "حُبْلَى" للحامل، و"خُنْثَى"، لمن أشكل أمرُه بأن يكون له ما للرجال والنساء جميعًا، مأخوذٌ من "التخنّث"، وهو الانعطاف والتكسّر، و"رُبَّى" وهي الشاة التي وضعت حديثًا، وجمعُها "رُبابٌ".

قال صاحب الكتاب: ومنها "فعلى", وهي على ضربين: اسم كـ "أجلى", و"دقرى", و"بردى"، وصفة كـ "جمزى", و"بشكى" و"مرطى".

قال الشارح: يريد من المختصّ بالمؤنّث "فَعَلَى" بفتح الفاء والعين؛ لأنّ ألفه لا تكون للإلحاق؛ لأنّه ليس في الرباعي مثلُ "جَعَفَرٍ" بفتح الفاء والعين، فكانت للتأنيث لِما ذكرنا، فمن ذلك "أجَلَى"، وَ "دَقَرَى"، وَ "بَرَدَى"، وهي أسماءُ مواضع.

وقالوا في الصفة: "جَمَزَى"، و"بَشَكَى"، و"مَرَطَى"، فـ "الجمزى" من السرْعة، يُقال: "هو يعدو الجمزى"، أي: هذا الضربَ من العَدْو، وقالوا: "حِمارٌ جَمَزَى"، أي: سريعٌ.
قال الشاعر [من المتقارب]: 1 - كَأنِّي وَرَحْلِي إذا رُعْتُها... على جَمَزى جازِىءٍ بالرِّمالِ وذلك كما يُقال: "رجلٌ عَدْلٌ"، و"ماءٌ غَوْرٌ".
وَ"البَشَكَى" مثله، يُقال: "عَدَا البَشَكَى"، و"ناقةٌ بَشَكَى"، أي: سريعةٌ.
وكذلك "المَرَطَى" ضربٌ من العَدْو سريعٌ، قال الأصمعيّ: هو فوق التقريب ودون الإهداب.

قال صاحب الكتاب: ومنها فعلى كشعبى وأُربى.

قال الشارح: كذلك هذا البناء يختصّ بالتأنيث لامتناعِ أن يكون للإلحاق، إذ ليس فى الأُصول ما هو على هذا المثال، فـ "شُعَبَى" مكان، و"أُرَبَى" من أسماء الداهية.

قال صاحب الكتاب: ومن المشتركة فعلى, فالتي ألفها للتأنيث أربعة أضرب: إسم عين كسلمى ورضوى وعوى، واسم معنى كالدعوى والرعوى والنجوى واللومى، ووصف مفرد كالظمأى والعطشى والسكرى، وجمع كالجرحى والأسرى.

قال الشارح: المراد بالمشترَك أن يكون البناء ممّا يشترِك فيه المذكّرُ والمؤنّثُ، وذلك بأن يكون الاسمُ الذي في آخِره ألفٌ زائدةٌ على وزن الأُصُول، نحوِ: "فَعْلَى"، فإنّه يكون على مثال "جَعْفَرٍ"، فيجوز أن يكون ألفُه للإلحاق، ويجوز أن يكون للتأنيث، فيحتاج حينئذ إلى نَظَرٍ واستدلالٍ.
فإن كان ممّا يسوغ إدخالُ تاء التأنيث عليه، لم تكن الألفُ في آخِره للتأنيث، وكذلك إن سُمع فيها التنوين، فليست للتأنيث؛ لأنّ ألف التأنيث لا يدخلها تنوينٌ؛ لأنّها تمنع الصرفَ.
ولا يدخل عليها علمُ التأنيث، إذ علمُ التأنيث لا يدخل على مثله، وإن امتنعت من ذَيْنك؛ فهي للتأنيث.
وإذا كانت للتأنيث، فلها أربعةُ مواضعَ: أحدهما: أن يكون اسمَ عين، وهو ما كان شخصًا مَرْئيًّا، نحوَ: "سَلْمَى" وهو اسم رجل، و "سَلْمَى" أحدُ جَبَلَيْ طَيِّىء، وكأنّ العَلَم منقولٌ منه.
ومن ذلك "رَضْوَى" وهو اسم جبل بالمدينة، وَ"عَوَّى" من منازل القمر، وهي خمسةُ أنْجُم يُقال لها: "وَرِكُ الأسَد".
الثاني: أن يكون اسمَ معنى، وهو ما كان مصدرًا كـ "الدَّعْوَى" بمعنى الادّعاء، و"الرّعْوَى" أيضًا مصدرٌ بمعنى الارْعِواء، يُقال: "ارْعَوَى عن القبيح" إذا رجع عنه، وهو حَسَنُ الرَّعْوِ والرَّعْو والرَّعْوَى.
ومن ذلك "النَّجْوَى" بمعنى المُناجاة، وهي المُسارَّة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ 1، ولذلك وُحّد، و"هم" جماعة، لكونه مصدرًا، جُعلوا نفسَ النجوى مبالغةً، كما يُقال: "رجلٌ عدلٌ"، و"قومٌ رِضى".
وكذلك "اللَّوْمَى" بمعنى اللَّوْم.
أنشد أبو زيد [من الوافر]: 816 - أمَا تَنفَكُّ تَرْكَبُنِي بِلَوْمَى... بَهِجْتَ بها كما بَهِجَ الفَصِيلُ2

أي: تَعْلوني باللَّوْم، إلَّا أنّه أنّث، فقال: "بها"؛ لأنّ الألف للتأنيث.
الثالث: أن يكون صفةً، وهي على ضربين: تكون مفردًا، وتكون جمعًا، فالمفردُ يكون مؤنّثَ "فَعْلانَ"، وهو نظيرُ "أفْعَلَ" "فَعْلاء"، نحوِ: "أحمر"، و"حمراء" في أنّ مؤنَّثه على غير بناء مذكّره.
والجمع أن يكون جمعَ "فَعِيلٍ" بمعنى "مفعول" ممّا هو آفةٌ وداءٌ، نحوَ: "جَرِيحٍ"، و"جَرْحَى"، و"أسِيرٍ"، و"أسْرَى"، و"كَلِيمٍ" و"كَلْمَى"، وقد تقدّم الكلام عليه في الجمع.

قال صاحب الكتاب: والتي ألفها للإلحاق, نحو: "أرطى", و"علقى" لقولهم: "أرطاة", و"علقاة".

قال الشارح: قد تقدّم القول: إنّ هذا البناء يكون مذكّرًا، ويكون مؤنّثًا، فإذا امتنعت ألفُه من التنوين ودخولِ التاء عليها دلّ ذلك على أنها للتأنيث.
وإذا سُمع فيها التنوين، وساغ دخولُ التاء عليها، نحوُ: "أرْطى"، و"عَلْقى"، و"أرْطاةٍ"، و"علقاةٍ"، فإنّ تنوينه يدلّ على انصرافه.
ولو كان الألف فيه للتأنيث، لكان غير مصروف كـ "حُبْلَى"، و"سَكْرَى".
وإذا لم تكن للتأنيث، كانت للإلحاق، وذلك لأنّه على أبنية الأُصول، والإلحاق معنى مقصودٌ، ويفيد فائدةَ ما هو مَزِيدٌ للتكثير، ولم يُرَد به الإلحاقُ؛ لأنّ كلَّ إلحاق تكثيرٌ، وليس كلُّ تكثير إلحاقًا، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: ومنها "فعلى", فالتي ألفها للتأنيث ضربان: اسم عين مفرد كالشيزى والدفلى وذفرى فيمن لم يصرف؛ وجمع كالحجلى, والظربى في جمع الحجل والظربان، ومصدر كالذكرى.
والتي للإلحاق ضربان: اسم كمعزى وذفرى فيمن صرف، وصفة كقولهم رجل كيصى وهو الذي يأكل وحده وعزهى عن ثعلب وسيبويه 1 لم يثبته صفة إلا مع التاء نحو: "عزهاة".

قال الشارح: قوله: "ومنها" يريد: ومن المشترَكة "فِعْلَى" بكسر الفاء وسكون العين، فهذا البناءُ يكون أيضًا مؤنّثًا ومذكّرًا.
فالمؤنّثُ ما كانت ألفُه للتأنيث، واعتبارُه =وجملة "ما تنفك تركبني": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "تركبني": في محلّ نصب خبر "ما تنفك".
وجملة "بهجت": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "بلومَى بهجت بها" حيث أراد "اللوم" ولكنه أنّث بإعادة الضمير في "لها" بالتأنيث.

بامتناع الصرف وامتناعِ علامة التأنيث من الدخول عليه.
وذلك على أربعة أضرب: اسمُ عين، ومصدرٌ، وصفةٌ، وجمعٌ.
فالأوّل: وهو العين، نحو: "الشِّيزَى"، وهو خشبٌ أسودُ يُتَّخذ منه القِصاع، و"الدِّفْلَى" وهو نبتٌ، وفيه لغتان: الصرف، وتركُه.
فَمَن صرفه جعل ألفَه للإلحاق بـ "دِرْهَم"، ومن لم يصرفه جعله مؤنّثًا.
وكذلك "ذِفْرَى"، وهو من القَفا ما وراءَ الأذُن، وهو أوّلُ ما يَعْرَق من البعير، يُقال: "ذِفْرَى أسِيلَةٌ".
وفيه أيضًا لغتان: الصرف وتركه.
وأما الثانّي: وهو المصدر، فقالوا: "ذكرتُه ذِكْرَى" بمعنى الذِّكْر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ 1، وقال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ 2، فامتناعُ تنوينه مع أنّه نكرةٌ دليلٌ على أنّ ألفه للتأنيث.
الثالث: وهو الصفة، زعم سيبويه أنْ "فِعْلَى" لم يَرِد صفة إلَّا وفيه تاءُ التأنيث، نحوُ قولهم: "رجلٌ عِزْهاةٌ"، وهو الذي لا يُطْرَب للَّهْو تكبُّرًا، و"سِعْلاةٌ"، وهي أخبثُ الغُول.
وحكى أحمد بن يحيى ثَعْلَبٌ: "عِزْهى" بغير تاء.
وقالوا: "رجلٌ كِيصًى" للذي يأكل وحدَه.
وسيبويه 3 منع أن يكون "فِعْلَى" صفة إذا كانت ألفُه للتأنيث، فأمّا ما ذكروه، فإنّ ألفُه للإلحاق بدليل دخول التاء عليه.
وأمّا الرابع: وهو ما كان جمعًا من هذا البناء، فلم يأتِ إلَّا في حرفَيْن، قالوا: "حِجْلى" في جمع "حَجَلٍ"، و"ظِرْبَى" في جمع "ظَرِبانٍ".
وقد تقدّم الكلام عليهما في الجمع.
وقالوا: "الدِّفْلَى" يقع للواحد والجمع، وهو بالجنس أشبهُ منه بالجمع.

[الأبنية التي تلحقها ألف التأنيث الممدودة]

قال صاحب الكتاب: والأبنية التي تلحقها ممدودة فعلاء، وهي على ضربين: اسم وصفة.
فالاسم على ثلاثة أضرب: اسم عين مفرد كالصحراء والبيداء، وجمع كالقصباء والطرفاء والحلفاء والأشياء، ومصدر كالسراء والضراء والنعماء والبأساء.

قال الشارح: لمّا فرغ من الكلام على أبنية الألف المقصورة، انتقل إلى الكلام على أبنية الممدودة، وقد تقدّم بيان معنى المقصورة والممدودة.
فمن أبنية الممدودة "فَعْلاءُ" بفتح الفاء منها.
وهي على ضربين: اسمٌ وصفةٌ، فالاسمُ على ثلاثة أضرب: مفردٌ واقعٌ على عين، كـ "الصَّحْراء" و"البَيْداء"، فالصحراء البَرّيّة، وقيل لها ذلك لاتّساعها، وعدمِ

الحائل فيها، ومنه: "لقيتُه صَحْرَةَ بَحْرَةَ" 1، أي: من غيرِ حائل.
والبَيْداءُ: المَفازة، مأخوذٌ من "بادَ يَبِيدُ" إذا هلك؛ لأنّها مُوحِشةٌ مُهْلِكةٌ، وقيل لها: "مَفَازةٌ" على طريق التفاؤل بالسلامة، كما قيل للمُعْوَجّ: "أحْنَفُ"، والحَنَفُ الاستقامة، وقيل: "المفازةُ" مأخوذ من قولهم: "فَوَّزَ" إذا هلك، فيكون إذًا كالبيداء.
والأوّلُ أمثلُ؛ لاحتمالِ أن يكون "فَوَّزَ" مأخوذًا من "المفازة"، كأنّه رَكِبَ مفازةٌ، فهلك.
وقالوا: "الجَرْباء" للسماء، كأنّهم جعلوا الكواكب كالجَرَب لها، فعلى هذا أصلُها الصفة، وإنّما غلبتْ فصارت اسمًا بالغَلَبَة.
وقالوا: "الجَمَّاءُ" من قولهم: "الجَمْاءُ الغَفِيرُ"، أي: جماعتُهم لم يتخلّف منهم أحدٌ، فهو اسمٌ، وليس بمصدر.
وأمّا الجمع، فنحو " القَصْباء"، و"الطَّرْفاء"، و"الحَلْفاء"، و"الأشْياء"، وهذه الأسماءُ مفردةٌ واقعةٌ على الجمع، فلفظُها لفظُ الإفراد، ومعناها الجمع.
هذا مذهب سيبويه 2، وحكى أبو عثمان عن الأصمعيّ أنّه قال: واحد الطرفاء طَرَفَةٌ، وواحد القَصْباء قَصَبَةٌ، وواحد الحَلْفاء حَلِفَةٌ، فهذا وحدَه مكسورُ العين، وليس الخلافُ في تكسيرها وعدم تكسيرها، إنّما مَوْضعُ الخلاف أنّ هذه الأسماء هل هي بمنزلة "القوم" و"الإبل" لا واحدَ لها من لفظها، أو هي بمنزلة الجامِل والباقِر في أنّ لها واحدًا من لفظها، وهو جَمَلٌ، وَبَقَرَةٌ.
وأما "أشْياءُ"؛ فإنّ أصلها "شَيْآءُ" على زنة "فَعْلاء" كـ "قَصْباءَ" و"طَرْفاءَ" إلا أنّهم كرهوا تقارُبَ الهمزتَيْن، فحوّلوا الأُولى إلى موضع الفاء، فقالوا: "أشْيَآءُ" على زنة "لَفْعَآءَ"، والأصلُ: فَعْلآءُ.
والذي يدلّ على أنّه مفردٌ تكسيرُهم إيّاه على "أشاوَى".
وفيه خلافٌ 3 قد ذكرتُه في شرح المُلُوكيّ، وقد استقصيتُ الكلامَ فيه هناك.
وأمّا المصدر؛ فنحو "السَّرّاء"، و"الضَّرّاء" بمعنى المَسَرَّة والمَضَرَّة، و"النَّعْماء" بمعنى النَّعْمَة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ 4. والصواب أنّها أسماءٌ للمصادر، وليست أنفسَها، فالسرّاءُ: الرخَاءُ، والضرّاءُ: الشدّة، والنعْماءُ: النعْمة،

فهي أسماءٌ: لهذه المعاني.
فإذا قلنا: إِنّها مصادرُ، كانت عبارةً عن نفس الفعل الذي هو المعنى، وإذا كانت أسماءً لها، كانت عبارةً عن المحصِّل لهذه المعاني.

قال صاحب الكتاب: والصفة على ضربين: ما هو تأنيث أفعل، وما ليس كذلك, فالأول نحو سوداء, وبيضاء, والثاني نحو امرأة حسناء وديمة هطلاء وحلة شوكاء والعرب العرباء.

قال الشارح: هذه الأسماء كلّها صفاتٌ؛ لأنّها جاريةٌ على الموصوفين، نحوَ: "هذه امرأةٌ حَسْناءُ"، و"رأيت امراة حسناءَ"، و"مررت بامرأةٍ حسناءَ"، وكذلك البقيةُ.
والغالبُ على هذا البناء أن يكون مؤنّثَ "أفْعَلَ"، وبابُه الألوانُ والعيوب الثابتةُ بأصل الخِلْقة، نحوُ: "أبْيَضَ"، وَ "بَيْضاءَ"، و"أسود"، و"سَوْداء"، و"أزرق"، و"زَرْقاء"، وقالوا في العيوب: "أعْمَى"، و"عَمْياءُ"، و"أعرجُ"، و"عَرْجاءُ"، و"أعورُ"، و"عَوْراء".
وقد جاء لغير "أَفْعَل"، قالوا: "امرأةٌ حسناءُ" أي: جميلة، ولم يقولوا: "رجلٌ أحسنُ" حتى يَقرِنوه بـ "مِنْ"، فيقولوا: "رجلٌ أحسنُ من غيره".
وقالوا: "دِيمَةٌ هَطْلاءُ"، أي: دائمةُ الهَطْلِ، ولا يكادون يقولون: "مَطَرٌ أهطلُ"، وقالوا: "حُلَّةٌ شَوْكاءُ" للجديدة، هكذا قال أبو عُبَيْدة، كأنّها تشوك لجدَّتها؛ لأنّ الجديد يوصَف بالخُشونة.
وقالوا: "العَرَبُ العَرْباءُ"، أي: الخالِصة، كما يُقال: العارِبةُ.
وقالوا: "امرأةٌ عَجْزاءُ" للكبيرةِ العَجُز، وإذا أرادوا المذكّر، قالوا: "رجلٌ ألِيٌّ"، ولم يقولوا: "أعْجَزُ".
وقالوا: "داهِيَةٌ دَهْياءُ"، كأنّهم رفضوا "أفْعَلَ" في هذه الصفات؛ لقلّة وصف المذكّر بها.
فهذا البناء أعني "فَعْلآء" المفتوحَ الأوْل على اختلاف ضروبه لا تكون الهمزةُ في آخِره إلَّا للتأنيث، فلا ينصرف لذلك، وهي بدل من ألف التأنيث بخلاف المضموم أوّله والمكسورِ، نحوِ: "قُوباءٍ"، و"عِلْباءٍ"، وذلك لأنّه ليس في الكلام "فَعْلالٌ" بفتح الَفاء، فيكونَ هذا ملحقًا به، إلَّا فيما كان مضاعفًا، نحوَ: "الزَّلْزال"، و"القَلْقال".
وحكى الفرّاء: "ناقةٌ بها خَزْعالٌ"، أي: ظَلْعٌ.
وروى ثَعْلَبٌ: "قَهْقارٌ" للحَجَر الصُّلْب.
وزاد أبو مالك: "قَسْطالٌ" للغُبار.
فإن صحّت الرواية، حُمل على أنّ المراد: "خَزْعَلٌ"، و"قَهْقَرٌ"، و"قَسْطَلٌ"، والألفُ إشباعٌ عن الفتحة قبلها على حدِّ "تَنْقادُ الصَيارِيفِ" 1.

قال صاحب الكتاب: ونحو رحضاء ونفساء وسيراء وسابياء وكبرياء وعاشوراء وبراكاء وعقرباء وبروكاء وخنفساء وأصدقاء وكرماء وزمكاء.

قال الشارح: وقد جاءت ألف التأنيث في أبنية مختلفة غيرِ "فَعْلاء"، فمن ذلك "الرُّحَضاءُ"، وهو عَرَقُ الحُمَّى مأخوذٌ من "رَحَضَ الثوبَ"، إذا غسله، كأنّ عرق الحمّى يغسل المحمومَ، وهو بضمّ الفاء وفتح العين، وهمزتُه للتأنيث، وليست للإلحاق؛ لأنّه ليس في الكلام مثلُ "فُعَلالٍ" فيكونَ ملحقًا به.
ومثله "العُرَواءُ" وهي قِرَّةُ الحُمَّى وَمَسُّها أوّلَ ما تأخذ، مأخوذٌ من "عَرَا يَعْرُو".
وقالوا: "نُفَساءُ" للمرأة حين تضع حَمْلَها، ومن ذلك "سِيَراءُ" بكسر الأوّل وفتح الثاني، وهو من البُرود، فيه خطوطٌ كالسُّيُور، وقيل: هو الذَّهَب.
قال النابغة [من الكامل]: 1 - صَفْراءُ كالسِّيرَاءِ أُكْمِلَ خَلْقُها... كالغُصْن في غُلَوائه المُتَلوِّد وقالوا: "سابياء" للمَشِيمَة التي تخرج مع الولد.
وإذا كثُر نَسْلُ الغنم، فهي السابياءُ، وهو مأخوذ من "سَبَيْتُ الخَمْرَ"، إذا حملتَها من بلد إلى بلد لخروجها من مكان إلى مكان.
ويجوز أن يكون من "أسابي الدم" وهو طرائقُه؛ لأنّ المشيمة لا تنفكّ من دَم.
و"الكِبْرِياءُ" مصدر كالكِبْر بمعنى العَظَمَة، و"عاشُوراءُ": اليوم العاشر من المحرَّم خاصّةٌ،

وهو "فاعُولاءُ" من "العَشَرَة".
و"بَراكاءُ" معناه الثبات في الحرب، وهو من البُرُوك، يُقال: "بَراكِ براك" وكذلك "بَرُوكاءُ".
و"العَقرَباءُ": الأُنثى من العَقارب، و"الخُنْفُساء" من حَشَرَات الأرض معروفةٌ.
يُقال: "خُنْفُسٌ"، و"خُنْفُسَاءُ"، و"أصْدِقاءُ"، و"كُرَماءُ" من الجموع التي وقعت ألفُ التأنيث في آخِرها كما وقعت المقصورةُ في آخِرِ "حَبالَى"، و"سُكَارَى".
وهو كثيرٌ في "فَعِيلٍ"، نحو: "شَقِيٍّ"، و"أشقِياءَ"، "وتَقِيٍّ"، و"أتْقِياءَ"، ومثلِ "كَرِيم"، "وكُرَماءَ"، و "حَنِيفٍ"، و"حُنَفاءَ"، وقالوا: "شاهدٌ"، و"شُهَداءُ"، و"صالحٌ"، و"صُلَحاءُ"، و"شاعرٌ"، و"شُعرَاءُ"، وأمّا "زِمِكّاءُ"، فهو ذنبُ الطائر.
والقصرُ فيها الفاشي.

قال صاحب الكتاب: وأما فِعْلاءٌ وفُعْلاءٌ كعلباء وحرباء وسيساء وحواء ومزاء وقوباء فألفها للإلحاق.

قال الشارح: أمّا ما كان على "فِعْلاءٍ"، و"فُعْلاءٍ" بكسر الأوّل وضمّه وسكون الثاني منه، فإنّه مصروفٌ منوّنٌ؛ لأنّ همزته ليست للتأنيث، بخلاف الهمزة في نحو: "صَحْراءَ"، و"بَيْداءَ".
فالمكسورُ الأوّلِ، نحوُ: "عِلْباءٍ"، و"حِرْباءٍ"، و"سِيساءٍ".
و"العِلباء": عصَبُ العُنْق، يُقال منه: "عَلِبَ البعيرُ"، و"ناقةٌ مُعَلَّبَةٌ" إذا داءَ جانبا عنقها.
و"الحِرْباءُ": دُوَيْبّةٌ أكبرُ من العَظاءَة تستقبل الشمسَ، وتدور معها حيث دارت، وتَتلوّن ألوانًا بحَرّ الشمس، قيل: هو ذكَرُ أُمّ حُبَيْنٍ.
و"السِّيساءُ": الظَّهْر.
قال أبو عمرو: "السيساء" من الفرس: الحارِكُ، ومن الحمار الظهْرُ.
ومنه "القِيقاء"، و"الزِّيزاء" للأرض الغليظة.
فهذا كلّه ملحق بـ "سِرْداحٍ"، ولذلك انصرف، كما أنّ "سرداحًا" منصرفٌ.
والهمزةُ فيه بدلٌ من ياء، والأصلُ "عِلْبايٌ"، و"حِرْبايٌ"، و"سِيسايٌ"، فوقعت الياءُ طرفًا بعد ألف زائدة، فقُلبت ألفًا، ثمّ قُلبت الألف همزة، كما قلنا في "كِساءٍ"، و"رِداء"، بخلاف همزة "فَعْلاء"، نحوِ: "صَحْراءَ"، و"حَمْراءَ"، فإنّ الهمزة فيه بدلٌ من ألف التأنيث.
فإن قيل: ما الدليل على أنّ الأصل "عِلْبايٌ"، و"حِرْبايٌ" بالياء دون أن يكون "عِلْباوًا" و"حِرْباوًا" بالواو؟ فالجواب أنّ العرب لمّا أنْثت هذا الضربَ، وأظهرتْ هذا الحرف المنقلبَ، لم تُظْهِر إلَّا ياءً، وذلك نحو: "دِرْحايَة" للضخْم القصير، و"دِعْكايَةٍ"، فظهورُ الياء في المؤنّث بالهاء دلالةٌ على أنَّ الهمزة في "حِرْباءٍ"، و"عِلْباءٍ" منقلبةٌ عن ياء لا عن واو.
وكذلك المضموم الأوّلِ؛ نحو: "الحُوّاءِ"، و"المُزّاء"، و"القُوباء"، كلّه مصروف؛ لأنّه ملحق بـ "قُرْطاسٍ"، و"قُرْطاطٍ".
فـ "الحُوّاء": نبتٌ يُشْبِه لونه لونَ الذئب، الواحدةُ "حُوّاءَةٌ".
و"المُزّاء": من أسماء الخَمْر، يُقال: "مَزَّةٌ"، و"مُزّاءٌ" للّذِيذ الطَّعْم، وهو من

أسمائها، وليس بصفة.
و"القُوباء": داءٌ معروفٌ يتقشَّر، فإذا تُفل عليه يَبْرَأُ.
وفيه لغتان: "قُوَبَاءُ" بفتح العين، وقُوباءٌ بالإسكان.
فمَن فتح العين، كان من باب "الرُّحَضاء" و"العُرَواء"، لا ينصرف؛ لأنّه ليس في الأبنية فُعَلالٌ بضمّ الفاء وفتح العين، فيُلْحَقَ به، فكانت همزتُه للتأنيث، فلم ينصرف لذلك.
ومن أَسكن، وقال: "قُوباءٌ"، كان ملحقًا بـ "قُرْطاسٍ"، فهو منصرف لذلك.
ومثله "الخُشّاء" وهو العَظم الناتىء وراءَ الأذُن.
قال ابن السِّكِّيت: ليس في الكلام "فُعْلاءٌ" بضمّ الفاء وسكون العين إلَّا حرفان: "الخُشّاءُ" و"القُوباءُ"، فاعرفه.

ومن أصناف الاسم

جارٍ التحميل