شرح المفصل لابن يعيشفصل [أنواعُهما]

فصل [أنواعُهما]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: فالمتعدي على ثلاثة أضرب: متعد إلى مفعول به, وإلى اثنين وإلى ثلاثة.
فالأول نحو قولك: "ضربت زيداً"، والثاني نحو كسوت زيداً جبة، وعلمت زيداً فاضلاً.
والثالث نحو أعلمت زيداً عمراً فاضلاً وغير المتعدي ضربٌ واحد وهو ما تخصص بالفاعل كذهب زيد ومكث وخرج ونحو ذلك.

قال الشارح: اعلم أن الأفعال على ضربين: متعدّ وغير متعدّ، فالمتعدّي ما يفتقر وجودُه إلى محل غير الفاعل.
والتعدي التجاوُز، يُقال: "عدا طَوْرَه"، أي: تَجاوز حَدّه، أي: إن الفعل تجاوز الفاعلَ إِلى محل غيره، وذلك المحلّ هو المفعول به، وهو الذي يحسن أن يقع في جواب: "بمَن فعلتَ؟ " فيقال: "فعلتُ بفلان"، فكل ما أنْبأ لفظُه عن حلوله في حيزٍ غير الفاَعل، فهو متعدّ، نحوُ: "ضرب"، و"قتل".
ألا ترى أن الضرب والقتل يقتضيان مضروبًا ومقتولاً، وما لم يُنْبِىءْ لفظُه عن ذلك، فهو لازمٌ غير متعدّ، نحوُ: "قام"، و"ذهب".
ألا ترى أن القيام لا يتجاوز الفاعلَ، وكذلك الذهاب؟ ولذلك لا يقال: "هذا الذهابُ بمن وقع" وكذلك القيام، بخلافِ "ضرب" وأشباهه، فإنّه لا يكون ضربا حتى يوقِعه فاعلُه بشخص.
والمتعدّي على ثلاثة أضرب: متعدّ إلى مفعول واحد، يكون عِلاجًا، وغير علاج، فالعلاجُ ما يفتقر في إيجاده إلى استعمالِ جارحة أو نحوها، نحوُ: "ضربت زيدًا"، و"قتلت بكرًا".
وغيرُ العلاج ما لم يفتقر إلى ذلك، بل يكون ممّا يتعلّق بالقلب، نحوُ: "ذكرت زيدًا"، و"فهمت الحديثَ"، وذلك على حسب ما يقتضيه ذلك الفعلُ، نحوُ: "أكرمتُ زيدًا"، و"شربت الماءَ"، و"أرْوَى أخاك الماءُ".
ومن المتعدي إلى مفعول واحد أفعالُ الحواسّ، كلُها يتعدى إلى مفعول واحد،

نحوُ: "أبصرته"، و"شممته"، و"ذُقته"، و"لمسته"، و"سمعته".
وكل واحد من أفعال الحواس يقتضي مفعولًا ممّا تقتضيه تلك الحاسةُ، فالبصر يقتضي مُبْصَرًا، والشمّ يقتضي مشمومًا، والسمع يقتضي مسموعًا، فكل واحد من أفعال هذه الحواس يتعدّى إلى مفعول مما تقتضيه تلك الحاسّةُ، تقول: "أبصرت زيدًا"؛ لأنه مما يُبْصَر، ولو قلت: "أبصرتُ الحديث أو القيام"، لم يجز؛ لأنّ ذلك ممّا ليس يُدرَك بحاسّة، وكذلك سائرها.
وذهب أبو علي الفارسي إلى أن "سمعت" خاصة يتعدّى إلى مفعولين، ولا يكون الثاني إلا ممّا يُسْمَع، كقولك: "سمعتُ زيدًا يقول ذاك".
ولو قلت: "سمعت زيدًا يضربُ" لم يجز, لأنّ الضرب ليس مما يسمع، فإن اقتصرت على أحد المفعولين، لم يكن إلّا مما يسمع، نحوَ: "سمعت الحديث والكلام".
ولا أراه صحيحًا؛ لأنّ الثاني من قولنا: "سمعتُ زيدًا يقول" جملةَ، والجملُ لا تقع مفعولة إلّا في الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر، نحوِ: "ظننت"، و"علمت"، وأخواتهما.
و"سمعت" ليس منها، والحق أنه يتعدّى إلى مفعول واحد كأخواته، ولا يكون ذلك المفعول إلّا ممّا يُسْمَع، فإن عدّيته إلى غير مسموع، فلا بد من قرينة بعده من حال أو غيره تدل على أن المراد ما يسمع منه، فإذا قلت: "سمعت زيدًا يقول"، فـ "زيدٌ" المفعول على تقدير حذف مضاف، أي: قولَ زيد، و"يقول" في موضع الحال، وبه عُلم أن المراد قوله.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ 1، فالمفعول الضمير المتّصل به وهو ضمير المخاطَبين، وحسُن ذلك بقوله: "إذ تدعون"؛ لأنّ به عُلم أن المراد دعاؤهم.
فأمّا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ 2، فلا إشكالَ فيه، لأنّ الدعاء مما يسمع.
فأمّا "دخلتُ البيتَ"، فقد اختلف العلماءُ فيه: هل هو من قبيلِ ما يتعدّى إلى مفعول واحد، أو من اللازم؟ وسببُ الخلاف فيه استعمالُه تارة بحرف جرّ، وتارةً بغيره، نحوُ: "دخلت البيتَ" و"دخلت إلى البيت".
والصوابُ عندي أنه من قبيل الأفعال اللازمة.
وإنما يتعدّى بحرف الجرّ، نحوَ: "دخلت إلى البيت".
وإنما حذف منه حرف الجرّ توسّعًا لكثرة الاستعمال.
والذي يدلّ على ذلك أن مصدره يأتي على "فُعُولٍ"، نحوِ: "الدُخُول"، و"فُعُول" في الغالب إنما يأتي من اللازم، نحو: "القعود"، و"الجلوس"، وأن مثله وخلافه غير متعدّ، فـ "دَخَلْت" مثلُ "غبرت"، فكما أن "غبرت" غير متعدّ، فكذلك "دخلت".
وخلافُه "خرجت"، وهو لازم أيضًا.
وقلّ ما نجد فعلًا متعديا إلّا وخلافُه ومضادّه كذلك، ألا ترى أن "تَحركَ" لازم وضده "سَكَنَ"، وهو كذلك؟ و"اسود" و"ابيضّ" كذلك.

ومثلُ "دخلتُ البيتَ" "ذهبتُ الشأمَ" أمرُهما واحد، ولا يُقاس عليهما غيرُهما؛ لقلة ما جاء من ذلك.
واعلم أنه يجوز تقديم المفعول على الفاعل وعلى الفعل نفسه، نحوَ قولك: "ضرب زيدًا عمرو"، و"عمرًا ضرب زيدٌ"، كل ذلك عربي جيد، وذلك إذا لم يلتبس؛ لأن الإعراب يفصل بين الفاعل والمفعول، فإن لزم من ذلك لبس بأن يكون الاسمان مبنيين، أو لا يظهر فيهما الإعرابُ لاعتلال لامَيْهما، نحوِ: "ضرب هذا ذاك"، و"أكرم عيسَى موسَى"، فحينئذ يلزم حفظُ المرتبة؛ ليُعْرَف الفاعل بتقدّمه، والمفعول بتأخره.
وأمّا ما يتعدّي إلى مفعولَيْن، فهو على ضربين: أحدهما ما يتعدّي إلى مفعولَين، ويكون المفعول الأول منهما غير الثاني.
والآخر أن يتعدّي إلى مفعولين، ويكون الثاني هو الأولَ في المعنى.
فأما الضرب الأوّل، فهي أفعال مَؤَثرة تنفذ من الفاعل إلى المفعول، وتؤثر فيه، نحوَ قولك: "أعطى زيد عبدَ الله درهما"، و"كسا محمّد جعفرًا جبة"، فهذه الأفعالُ قد أثرت اعطاءَ الدرهم في عبد الله، وكسوَةَ الجبة في جعفر.
ولا بد أن يكون المفعول الأول فاعلًا بالثاني، ألا ترى أنك إذا قلت: "أعطيت زيدًا درهمًا" فـ"زيدٌ" فاعلٌ في المعنى لأنه آخذ الدرهم؟ وكذلك "كسوتُ زيدًا جبة"فـ"زيدٌ" هو اللابس للجبة.
ومن هذا الباب ما كان يتعدّي إلى مفعولين، إلّا أنه يتعدّي إلى الأول بنفسه من غير واسطة، وإلى الثاني بواسطة حرف الجرّ، ثم اتسع فيه، فحذف حرف الجرّ، فصار لك فيه وجهان، وذلك نحو قولك: "اخترْتُ الرجالَ بكرًا"، وأصله: "من الرجال".
قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ 1، أي: من قومه.
ومنه "استغفرت الله ذنبًا، أي: من ذنب.
قال الشاعر [من البسيط]: 997 - أستغفرُ الله ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ... [رب العِبادِ إِليهِ الوجهُ والعَمَلُ]2

ومن ذلك: "سميتُه بزيد"، و"كنيته بأبي بكر"، فإنه يجوز التوسّع فيه بحذف حرف الجر بقولك: "سمّيته زيدًا"، و"كنيته أبا بكر".
وكل ما كان من ذلك فإنه يجوز فيه التقديم والتأخير، نحوُ: "أعطيت زيدًا درهمًا"،و"أعطيت درهمًا زيدًا"، و"زيدًا أعطيت درهمًا".
كل ذلك جائز؛ لأنه لا لبس فيه من حيث كان الدرهم لا يأخذ زيدًا.
فإن كان الثاني ممّا يصح منه الأخذُ، نحوَ: "أعطيت زيدًا عمرًا"، وجب حفظُ المرتبة؛ لأنّ كل واحد منهما يصح منه الأخذُ.
وأما الثاني وهو ما يتعدّي إلى مفعولين، ويكون الثاني هو الأول في المعنى، وهذا الصنفُ من الأفعال لا يكون من الأفعال التي تنفذ منك إلى غيرك، ولا يكون في الأفعال المؤثرة، إنما هي أفعالٌ تدخل على المبتدأ والخبر، فتجعل الخبرَ يقينًا أو شكًّا.
وتلك سبعةُ أفعال، وهي: حسبت، وظننت، وخِلْت، وعلمت، ورأيت، ووجدت، وزعمت.
فـ"حسبت"، و"ظننت"، و"خلت" متواخيةٌ؛ لأنها بمعنى واحد، وهو الظنّ، و"علمت"، و"رأيت"، و"وجدت" متواخية؛ لأنّها بمعنى واحد، وهو اليقين، و"زعمت" مفردٌ؛ لأنه يكون عن علم وظن، وذلك قولك: "حسبت زيدًا أخاك"، و"ظنّ زيد محمدًا عالمًا"، و"خلت بكرًا ذا مالٍ"، و "علمت جعفرًا ذا حفاظ"، و"وجدت اللهَ غالبًا"، و"زعمت الأمير عادلًا".
فهذه الأفعال المفعولُ الثاني من مفعولَيها هو الأول في المعنى، ألا ترى أن زيدًا هو الأخ في قولك: "حسبت زيدًا أخاك"، وكذلك سائرها.
وإنما كان كذلك؛ لأنها داخلة على المبتدأ والخبر، وخبرُ المبتدأ إذا كان مفردًا، كان هو المبتدأ في المعنى، والذي يدل أنها داخلة على المبتدأ والخبر أنك لو أسقطت الفعل والفاعل، لعاد الكلام إلى المبتدأ والخبر، نحوِ قولك: "زيدٌ أخوك"، و"محمّدٌ عالمٌ" بخلافِ "أعطيت زيدًا درهما"؛ لأنّ المفعول الثاني في "أعطيت" غير الأول، فلا يكون خبرًا.
ولكونها داخلة على المبتدأ والخبر، لم يجز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وذلك أنك إذا قلت: "ظننت زيدًا منطلقًا"، فإنّما شككت في انطلاق زيد، لا = الإعراب: "أستغفر": فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا.
"الله": اسم الجلالة مفعول به أوّل.
"ذنبًا":مفعول به ثانٍ."لست": فعل ماضٍ ناقص.
والتاء: ضمير في محل رفع اسم "ليس".
"محصيه": خبر "ليس" منصوب، وهو مضاف.
والهاء: ضمير في محل جرّ بالإضافة.
"ربّ": بدل من "الله" منصوب، أو نعت "الله" منصوب، وهو مضاف.
"العباد": مضاف إليه مجرور.
"إليه": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر المبتدأ تقديره "حاصل"."الوجه": مبتدأ مؤخر مرفوع.
"والعمل": الواو: حرف عطف، "العمل": معطوف على "الوجه" مرفوع.
وجملة "أستغفر الله" الفعلية: لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية.
وجملة "لست محصيه" الفعلية: في محل نصب نعت "ذنبًا".
وجملة "إليه الوجه والعمل" الاسميّة: في محل نصب حال من "الله".
والشاهد فيه قوله: "أستغفر الله ذنبًا" حيث حذف الجارّ من ثاني مفعولي "أستغفر" الذي تعدى إليه بواسطة الحرف، والأصل: أستغفر الله من ذنب.

فيه؛ لأنّ المخاطَب يعرف زيدًا كما يعرفه المخاطِب، فالمخاطَب والمخاطِب في المفعول الأول سواءٌ، وإنما الفائدةُ في المفعول الثاني، كما كان في المبتدأ والخبر الفائدة في الخبر، ولذلك من المعنى لم يجز الاقتصار على أحد المفعولين دون الآخر، فلا تقول: "زيدًا" حتى تقول: "قائمًا"، ولا تقول: قائمًا حتى تقول: "زيدًا"؛ لأنّ الظنْ يتعلّق بالقيام ونحوه، إلّا أنك لو اقتصرت عليه، لم يُعْلَم القيام لِمَنْ هو، فاحتجتَ إلى ذكر المخْبَر عنه ليعلم أن القيام له، فصار بمنزلة قولك: "قائمٌ" في أنه لا فائدة فيه إلّا بعد تقدم المبتدأ، وبانَ بما ذكرنا تعلقُ هذه الأفعال بالمبتدأ والخبر.
وأمّا ما يتعدّي إلى ثلاثة، فهو أفعال منقولة مما كان يتعدّى إلى مفعولين، نحو: "أعلمت زيدًا عمرًا فاضلًا"، و"أرَيْتُ محمدًا خالدًا ذا حفاظ"، فـ"أعلم" منقول من "عَلِمَ"، وقد كان ممّا يتعدّي إلى مفعولين، الثاني منهما هو الأول، وصار بعد نقله بالهمزة يتعدّي إلى ثلاثة، وكذلك "أرَى".
وسيأتي الكلام على هذا الفصل بأوْضَحَ من هذا بعدُ، إن شاء الله.

جارٍ التحميل