فصل [نوعا أسماء الأفعال]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: هي على ضربين ضرب لتسمية الأوامر وضرب لتسمية الأخبار, والغلبة للأول وهو ينقسم إلى متعد للمأمور, وغير متعد له.
فالمعتدي نحو قولك: "رويداً زيداً", أي: أروده,وأمهله.
ويقال: "تيد زيداً" بمعنى رويد, و"هلم زيداً", أي قربه, وأحضره, و"هات الشيء" أي: أعطنيه, قال تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ 1. و"ها زيداً", أي خذه, و"حيهل الثريد", أي: إيته, و"بله زيداً" أي: دعه, و"تراكها" و"مناعها" أي: "اتركها" و"امنعها", و"عليك زيداً" أي: الزمه, و"علي زيدًا" أي: أولنيه.
قال الشارح: اعلم أن معنَى قول النحويين: "أسماءُ الأفعال" المرادُ به أنها وُضعت لتدل على صِيَغِ الأفعال، كما تدل الأسماءُ على مُسمَّياتها، فقولُنا: "بَعُدَ" دالٌ على ما تحته من المعنى، وهو خِلاف القُرب.
وقولُك: "هَيْهَاتَ" اسم للفظِ "بَعُدَ" " دال عليه، وكذلك سائرها.
والغرض منها الإيجاز والاختصار، ونوعٌ من المبالغة، ولولا ذلك، لكانت الأفعالُ التي هذه الألفاظُ أسماءٌ لها، أوْلى بموضعها.
ووجهُ الاختصار فيها مجيئُها للواحد والواحدة، والتثنية والجمعِ بلفظ واحد وصورةِ واحدةِ، ألا ترى أنك تقول في الأمر للواحد: "صَهْ يا زيد"، وفي الاثنين: "صَهْ يا زيدان"، وفي الجماعة: "صَه يا زيدون"، وفي الواحدة: "صَه يا هِندُ"، و"صَة يا هندان"، و"صَه يا هنداتُ"، ولو جئت بمُسَمَى هذه اللفظة، وهو "اسكُت"، و"اسكتا" للاثنين، و"اسكتوا" للجماعة، و"اسكتي"، للواحدة المخاطبة، و"اسكتنَ" لجماعة المؤنث؟ فتَرْكهم إظهارَ علامةِ التأنيث والتثنية والجمع مع أن في كل واحد من هذه الأسماء ضميرًا للمأمور، والمَنهيّ بحكم مشابهةِ الفعل، ونِيابتِه عنه دليلٌ على ما قلناه من قصدِ الإيجاز والاختصار.
وأما المبالَغة، فإنّ
قولنا: "صَهْ" أبلغُ في المعنى من "اسْكُتْ"، وكذلك البَواقي.
واعلم أن هذه الأسماء، وإن كان فيها ضميرٌ تستقِل به، فليس ذلك على حدّه في الفعل، ما فيها ألا ترى الفعل يصير بما فيه من الضمير جملةً، وليست هذه الأسماءُ كذلك، بل هي مع ما فيها من الضمير أسماءٌ مفردةٌ على حدّه في اسم الفاعل، واسم المفعول والظرفِ؟ والذي يدل على أن هذه الألفاظ أسماء مفردة إسنادُ الفعل إليها.
قالَ زُهَيْر [من الكامل]:
1 - ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا... دُعِيَتْ نَزالِ ولُجَّ في الذعْرِ
فلو كانت "نَزالِ" بما فيها من الضمير جملة، لَما جاز إسنادُ "دُعِيَتْ" إليها من حيث كانت الجمل لا يصح كونُ شيء منها فاعلًا.
وإنما لم يصحّ أن تكون الجملةُ فاعلًا؛ لأنّ الفاعل يصحّ إضمارُه، والجملة لا يصحّ إضمارها؛ لأن المضمر لا يكون إلَّا معرفةً، والجمل ممّا لا يصح تعريفُها من حيث كانت معاني الجمل مستفادة.
ولو كانت معرفة، لم تكن مستفادةً، فلما تَدافع الأمران فيها (2) وتَنافيا، لم يجتمعا.
والذي يدلّ أن هذه الألفاظ أسماءٌ أُمورٌ:
الأوّل منها: جوازُ كونها فاعلةٌ ومفعولةٌ، فمن الفاعل ما ذكرناه من إسنادِ الفعل
إليها في قوله: "إذا دعيتْ نزال"، والفعلُ لا يُسنَد إلَّا إلى اسم مَحْض.
ومن المفعول قُولُ الآخَر [من الكامل]:
1 - فدَعَوْا نَزالِ فكُنْت أوّلَ نَازِلٍ... وعَلَامَ أرْكَبُهُ إذا لم أنْزِلِ
فإن قيل: فقد قال الشاعر [من الطويل]:
2 - وما راعَنِي إلَّا يَسِيرُ بشُرْطَةٍ... وعَهْدِي به قَيْنًا يَفُشُّ بِكِيرِ
فجعل "يسير" فاعلًا، وهو فعل مضارعٌ، وقال جَمِيل [من الطويل]:
1 - جَزِعْتُ حِذارَ البَيْنِ يومَ تَحَمَّلُوا... وحُقَّ لِمثْلِي يا بُثَيْنَةُ يَجْزَعُ
فأسند "حُقَّ" إلى "يجزع" وهو فعلٌ، قيل: إن مراده ها هنا معنى الفعلَيْن، والتقديرُ: "أن يسيرَ" و"أن يجزعَ".
فالفعلُ فيهما مسند إلى المصدر المنوي، لا إلى الفعل؛ لأن "أن" والفعلَ مصدرٌ.
والمرادُ: وما راعني إلَّا سَيْرُه، وحُق لمثلي الجَزَعُ.
وقد اطّرد حذفُ "أن" وإرادتُها نحوُ قوله [من الطويل]:
ألَا أيهَذا الزاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى... وأن أشْهَدَ اللذاتِ هل أنتَ مُخْلِدِي (2)
والمراد "أن أحضرَ" فلما حُذف "أنْ" ارتفع الفعل، وإن كانت مرادة.
ومثلُه قوله [من الوافر]:
فقالوا: ما تَشاءُ فقلتُ: ألْهُو (3) = محذوف.
"قينًا": مفعول به للمصدر "عهدي" منصوب بالفتحة الظاهرة.
"يَفُش": فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
"بكير": جار ومجرور متعلقان بالفعل يَفش.
جملة "راعني": بحسب الواو.
وجملة "يسير بشرطة": حالية محلها النصب.
وجملة "يَفُش بكير": في محل نصب صفة لـ"قين".
وجملة "عهدي به قينًا": حالية محلها النصب.
والشاهد فيه قوله: "يسير بشرطة" فقد أولت الجملة إلي مصدر في محل رفع فاعل عند بعضهم، والصواب أنها حالة، وفاعل "راعني" ضمير على من سبق ذكره.
والمراد: أن ألْهُوَ، أي اللهْوَ.
والثاني: حكايةُ بنائه إذا نُقل إلى العَلَمية، وسُمّي به، وفي آخِره الراءُ، فإنه يجتمع القبيلان: بنو تميم وأهل الحجاز علي بنائه، نحوِ قولك: "حَضارِ"، و"سَفارِ"، فحالُه بعد التسمية كحاله قبل التسمية في بنائه؛ لأنه اسمٌ نُقل فبقي علي بنائه، ولم يُعرَب.
ولو كان فعلًا، لوجب إذا نُقل إلى العلمية أن يُعرب، نحوَ: "كَعْسَبَ"، و"تَغْلِبَ"، و"اضرب".
فإن قيل: فهلّا كان إعرابُ بني تميم من ذلك في التسمية ما لم يكن آخرُه راءً، نحوَ: "نَزالِ"، و"دَراكِ" دليلًا على أنّه فعل.
قيل: لا يدلّ ذلك على كونه فعلًا؛ لأنهم أجروا ذلك مُجْرَى "أيْنَ"، و"كَيْفَ"، و"كَمْ" إذا سُمّي به، وإجماعُهم مع الحجازيين على بناءِ ما كان آخره راءٌ بعد التسمية به دلالةٌ على أنّه اسمٌ عندهم.
الثالث: إنّه يُنون فَرْقا بين المعرفة والنكرة، وذلك إذا قلت: "صَهْ"، كان معرفة، وإذا قلت: "صَهٍ"، كان نكرة، والتعريفُ من خصائص الأسماء، ويؤيّد ما قلناه جُمودُها، وعدمُ تصرّفها.
فإن قيل: هذه تعمل عملَ الأفعال، وتُفيد فائدةَ الأفعال من الأمر والنهي والزمان الخاص، ألا تراك إذا قلت: "هَيْهاتَ"، فهمتَ البُعدَ في زمانٍ ماضٍ، وهذه دلالةُ الفعل، فهلاّ قلت: إنها أفعالٌ، وتكون من قبيل الألفاظ المترادِفة، فـ "صَهْ"، و"اسْكُتْ" بمنزلةِ: "ذَهَبَ"، و"مَضَى"، و"قَعَدَ"، و"جَلَسَ".
قيل: قد تقدّمت الدلالةُ على اسميةِ هذه الكِلَم بما فيه مَقْنَعٌ، وأمّا إعمالها عملَ الأفعال؛ فللشَبَه الواقع بينها وبين الأفعال، وأمّا دلالتُها على ما تدلّ عليه الأفعال من الأمر والنهي والزمان الخاص؛ فإنّما استُفيد من مدلولها لا منها نفسِها، فإذا قلت: "صَهْ"، دل ذلك على "اسْكُتْ"، والأمرُ مفهوم منه، أي: من المسمى الذي هو "اسكت".
و"هَيْهاتَ" اسم، ومسمّاه لفظ آخَر، وهو بعُدَ، فالزمانُ معلومٌ من المسمى لا من الاسم.
ولمّا كانت هذه الألفاظ أسماءٌ للأفعال كالأعلام عليها؛ كان فيها كثير من أحكام الأعلام، وذلك أن فيها المرتجَلَ والمنقول والمشتقّ، فالمرتجلُ، نحوُ: "صَهْ"، و"مَهْ"، والمنقول كـ" عَلَيْكَ" و"إلَيْكَ"، و"دُونَكَ"، والمشتقّ كـ" نَزالِ"، و"حَذارِ"، و"بَدادِ".
وهذه الأسماء على ضربين كما ذُكر: ضرب لتسمية الأوامر، وضرب لتسمية الأخبار، والغَلَبَةُ للأول.
وإنما كان الغالب فيها الأمرَ، لِما ذكرناه من أنّ الغرض بها الإيجاز مع ضرب من المبالغة.
وذلك بابُه الأمر؛ لأنه الموضع الذي يُجْتزأ فيه بالإشارة، وقرينةِ حال، أو لفظٍ عن التصريح بلفظ الأمر.
ألا ترى أنّك تقول لمَن أشال سَوْطًا، أو سدد سَهْمًا، أو شهر سيفًا: "زيدًا"، أو"عمرًا"، فتستغني بشاهدِ الحال عن أن تقول: "أوْجِعْ "، أو "ارْمِ"، أو"اضْرِبْ".
ويكفي من ذلك الإشارةُ وشاهد الحال، وقامت
المخاطبةُ وحُضورُ المأمور مقامَ اللفظ بالأمر.
وإذا جاز حذفُ فعل الأمر من غيرِ خَلَفٍ لشاهدِ حالٍ، كان حذفُه لقيام غيره مقامَه أوْلى بالجواز.
وليس كذلك الغائب والخبرُ، فلذلك قل استعمالُ هذه الكِلَمَ في الخبر، وكثُر في أمرِ الحاضر.
ووجهٌ ثانٍ أنّ الأمر لا يكون إلَّا بالفعل، فلمّا قويت الدلالةُ على الفعل، حسُن حذفُه وإقامةُ الاسم المُناب عنه خَلَفًا منه.
ولما كانت هذه الأسماء عِوَضًا عن اللفظ بالفعل ونائبة عنه، أُعملت عَمَلَه، ولما كانت الأفعال التي هي مسمَّياتُ هذه الأسماء، منها ما هو متعد للفاعل متجاوِزٌ له إلى غيره، نحوُ: "خُذ زيدًا" و"الْزَمْ عمرًا"، ومنها ما هو لازم له لا يتجاوزه إلى مفعول، نحوُ: "اسْكُتْ"، و"اكْفُفْ"، كانت هذه الأسماء كذلك على حسبِ مسمياتها، منها ما هو متعد للمأمور، ومنها ما لا يتجاوزه إلى غيره.
فمن المتعدى قولُهم: "رُوَيْدَ زيدًا"، أي: أرْوِدْه، وأمْهِلْه، فهو اسمٌ لهذا اللفظ، وهو مشتق من مسماه الذي هو "أرْوِدْ".
وأصلُه المصدر الذي هو "إرْوادٌ".
وصُغر بحذفِ الزوائد تصغيرَ الترخيم، فقالوا: "رُوَيْد"، كما قالوا: "سُوَيْدٌ" في "أسْوَدُ"، و"زُهَيْرٌ" في "أَزْهَرُ".
وقال الفراءُ: "رُوَيْدَ" تصغيرُ "رُودِ"، و"الرُودُ": المَهْل، يُقال: فلانٌ يمشي على رُودٍ، أي: على مهل، قال الشاعر [من البسيط]:
1 - [تكادُ لا تَثلِمُ البطحاءَ وَطْأتُها]... كأنّها ثَمِلْ يَمْشِي على رُودِ
وقالوا: "تَيْدَ زيدًا" في معنَى "رُوَيْدَ زيدًا"، فهو اسمٌ لقولك: "أرْوِدْ"، و"أمْهِلْ"،
وهو مبني لوقوعه موقعَ فعل الأمر، وتضمنِه معنَى لام الأمر.
وكان الأصلُ أن يكون ساكنَ الآخِر، إلَّا أنه التقى في آخره ساكنان: الياءُ والدال، ففُتحت الدال لالتقاء الساكنين لثِقَل الكسرة بعد الياء، على حد صَنِيعهم في "رُوَيْدَ"، و"أيْنَ"، و"كَيفَ".
وحكى البَغْداديون: "تَيْدَك زيدًا"، ويحتمل أن يكون الكاف اسمًا في موضع خفض، ويكون انتصابُه على المصدر بمنزلهَ: "ضَرْبَ زيدٍ عمرًا".
ويجوز أن تكون للخَطاب مُجرَّدة من معنَى الاسميّة بمنزلةِ: "رُوَيْدَك زيدًا".
والأقربُ في هذه اللفظة أن تكون مأخوذةً من "التؤَدَة"، الفاءُ واوٌ، أُبدل منها التاءُ، ولزم البدلُ على حد "تَيْقُورٍ" و"تَوْراةٍ"، والعينُ همزة، أُبدلت ياء لضربٍ من التخفيف على غيرِ قياس، كما قالوا في "قَرَأْتُ": "قَرَيْتُ"، وفي "بَدَأْتُ"، "بَدَيْتُ"، وفي "تَوَضأتُ": "تَوَضيْتُ".
ومن ذلك "هَلُم زيدًا"، أي: قَربْه، وأحْضِرْه، وليس المراد أنّها دالّة على ما يدل عليه "قربه"، و"أحضره"، وإنما "هَلُم" اسم لهذا اللفظ الذي هو"قَربْ"، و"أَحْضِرْ"، وله موضعٌ يُذكر فيه.
ومن ذلك: "هَاتِ الشيءَ"، أي: أعْطِنِيه، وهو اسمٌ لـ "أعْطِني" و"نَاوِلْنِي"، ونحوِهما.
وهو مبنِي لوقوعه موقعَ الأمر، وكُسر لالتقاء الساكنين: الألف والتاء، وكأته من لفظِ "هَيْتُ" ومعناه.
وقال بعضهم: هو من "آتَى يُؤَاتِي"، والهاءُ فيه بدل من الهمزة، ويُعزَى هذا القول إلى الخليل 1، واستدل على ذلك بتَصْرِيفه، نحوِ قوله [من الرجز]:
519 - لله ما يُعْطي وما يُهاتي
من "المُهاتاة" ويُلحِقونه ضميرَ التثنية والجمع لقوة شَبَهِ الفعل.
قال الله تعالى: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ 3. وفي الحديث: "هاتوا2
رُبعَ عُشورِ أموالكم" 1. كما فعلوا ذلك في "هَلُم" حين قالوا: "هلما"، و"هلموا"، وفي "هاءَ" حين قالوا: "هاؤُمَا"، و"هاؤُم".
قال الله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ 2.
ومن ذلك قولهم: "حَيهَلَ الثرِيدَ"، جعلوا "حَيَّ" و"هَلْ" بمنزلةِ شيء واحد، وفتحوهما كـ "خمسةَ عشرَ"، وسمّوا بهما الفعلَ، فـ "حيهل الثريد" بمنزلة: "ايتوا الثريدَ".
وقالوا: "بَلْهَ زيدًا"، والمراد: دَعْ زيدًا، وقالوا: "تَرَاكِها"، و"مَنَاعِها"، والمراد: اتْرُكْها، وامْنَعْها.
وقالوا: "عَلَيْكَ زيدًا"، أي: الْزَمْه.
وقالوا: "عَلَى زيدًا" أي: أوْلِنِيهِ.
فهذه كلّها أسماءٌ لِما ذكرناه من الدلالة، وكلّها مُتعدية ضميرَ المأمور إلى المفعول، كما كانت مسمياتُها كذلك، فاعرفه.
[اسم الفعل غير المتعدّي]
قال صاحب الكتاب: وغيرُ المتعدي نحوُ قولك: "صَهْ"، أي: اسْكُتْ، و"مَهْ"، أي: "كْفُفْ، و"إيهِ"، أي: حَدِّثْ، و"هَيتَ"، و"هَلْ"، أي: أسْرِعْ، و"هَيكَ"، و"هَيْكَ"، و"هَيا"، أي: أَسْرِعْ فيما أنت فيه.
قال [من الرجز]:
520 - [لتَقْرَبِن قُرْبَا جُلْذِيا...... ما دامَ فيهن فصِيلٌ حيّا]
فقَدْ دَجَا الليلُ فهَيا هَيَّا3
و" نَزالِ"، أي: انزلْ، و" قَدْكَ"، و"قَطْكَ"، أي: "اكْتَف"، و"انْتَه"، و"إلَيْكَ"، أي: تَنَحَّ.
وسمع أبو الخَطاب مَن يُقال له: "إليكَ"، فيقول: "إليّ" كأنه قيل: له "تَنَحَّ"، فقال: "أتَنَحى".
و"دَعْ"، أي: "انتَعِش"، يُقال: "دَعَا لك", وَ"دعدعا"، و"أمِينَ", و"آمِينَ"، بمعنَى: استَجب.
قال الشارح: هذه الألفاظ كلها ممّا سمي به الفعل في حال الأمر، وهي لازمةٌ لا تُجاوِز مأمورَها؛ لأنّها نائبةٌ عن أفعال لازمة غيرِ متعدّية.
وإذا كان الأصلُ الذي هو المسمّى لازما، كان الاسمُ الذي هو فرعٌ باللزوم وعدم التعدي أوْلى.
فمن ذلك "صَهْ" بمعنَى "اسْكُت"، و"مَهْ" بمعنى "اكْفُف"، و"إيهِ" بمعنى "حَدث"، فكلها أسماءٌ لِما تقدّم بيانُه، وكلها لازمةٌ؛ لأنها اسمٌ لفعلٍ لازمٍ, وكلها مبنيةٌ لوقوعها موقعَ الفعل المبني، وهو الأمرُ.
فإن قيل: فعلُ الأمر مختلف في بنائه وإعرابه على ما هو معلومٌ، فما بالُ الإجماع وَقَعَ علي بناءِ هذه الكِلَم؟ قيل: فعلُ الأمر مبني عند المحققين، على أنا نقول: إن وقوعَ هذه الأسماء موضعَ ما أصلُه البناءُ، وجَريَها مجراه في الدلالة سبب كافٍ في البناء.
ولا خلافَ عند الجميع في أنّ أصلَ ما وقعتْ هذه الكلمُ موقعَه البناءُ، وهو الفعلُ على الإطلاق، فكان مبنيًا لهذه العلّة.
فَـ "صَهْ" و"مَهْ" مبنيّان، لِما ذكرناه، ولأنهما صوتان سُمي بهما، وحُكي حالهما قبل التسمية.
وبعد التسمية، وهما لازمان على حسب مُسمّاهما، فـ "صَهْ" نائبٌ عن "اسْكُتْ"، و"مَهْ" نائبٌ عن "اكفُفْ"، وهما مبنيان علىَ الوقف، وذلك هو الأصل في كل مبني، وإنّما حُرّك منه ما حُرّك لعلةٍ.
وحالُ "إيهِ" كحالِ "صَهْ"، و"مَهْ" في البناء، وكان القياسُ أن تكون ساكنةَ الآخِر كـ "صَهْ"، و"مَهْ"، إلا أنه التقى في آخِرها ساكنان: الياء والهاء، فكُسرت الهاء لالتقاء الساكنين.
واحتُمل ثقل الكسرة بعد الياء، إذ لو فُتحت، لالتبس بـ "إِيها" التي للكَف، وهي نائبة عن "زدْ" أو"حَدث".
وذَكَرَها مع اللازمة نظرًا إلى الاستعمال، إذ لا يكادون يقولون: "إيهِ الحديثَ"، وإن كان القياسُ لا يأباه، بل يقتصْيه؛ لأنه اسم ناب عن فعل = خبر "دام" منصوب بالفتحة.
"فقد": الفاء: حرف استئناف، و"قد": حرف تحقيق.
"دجا": فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف.
"الليل": فاعل مرفوع بالضمة.
"فهيا": الفاء: حرف استئناف، و"هيّا": اسم فعل أمر بمعنى "أسرعْ"، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنتِ.
"هيّا": توكيد للأولى.
وجملة "أقسم" المحذوفة: ابتدائية لا محل لها من الإعراب وجملة "تقربن": واقعة في جواب قسم محذوف لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ما دام فصيل حيا": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملهْ "دجا": استئنافية أيضًا لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه مجيء "هيا" بمعنى: "أسرعي فيما أنت فيه".
متعد، نحوِ: "حَدث"، أو"زِدْ".
وكل واحد من هذَيْن الفعلَيْن متعد، فوجب أن يكونْ كذلك؛ لأنه عبارةٌ عنهما.
قال ذو الرمة [من الطويل]:
1 - وَقَفْنا وَقُلْنَا إيهِ عن أُم سالمٍ... وما بالُ تَكْلِيمِ الدِّيار البَلاقِعِ
وكان الأصمعي يُنْكِر على ذي الرمة هذا البيتَ، ويزعم أن العرب لم تقل إلَّا: "إيهٍ" بالتنوين، وجميعُ النحويين صوبوا قولَ ذى الرمّة، وقسموا "إيه" إلى قسمَين: معرفةٍ ونكرةٍ، فإذا استزادوا منكورًا، قالوا: "إيه" بالتنوين، وإذا استزادوا معرفةً، قالوا: "إيهِ" من غيرٍ تنوين على حد "صَهِ" و"صَهْ".
ومن ذلك "هَيْتَ"، وهو اسمٌ للفعل، وفيه ضميرُ المخاطب كـ"صَهْ" و"مَهْ"، ومسماه "أسْرعْ".
يُقال: "هَيْتَ" إذا دعاه.
قال الشاعر [من مجزوء الكامل]:
2 - أبلِغ أميرَ المؤمنين... أخَا العِراقِ إذا أتَيتَا
أن العِراقَ وأهْلَهُ... سلَمٌ إليك فهَيتَ هَيْنا
يريد عليّ بن أبي طالب، رضوانُ الله عليه، وهو لازمٌ لا يتعدّى إلى مفعول، كما أن مسمّاه كذلك.
وفيه ثلاث لغات: هَيْت بالفتح، و"هَيت" بالضم، و"هَيْتِ" بالكسر.
وأصلُه البناء على السكون كـ"صهْ"، إلَّا أنه التقى في آخِره ساكنان: الياء والتاء، فحُركت التاء لالتقاء الساكنين.
فَمن فتح، فطَلَبًا للخِفة لثقَل الكسرة بعد الياء، كما قالوا: "أيْنَ"، و"كَيْفَ".
ومَن ضم، فإنه شبهه بالغايات، نحوِ: "قَبْل"، و"بَعْدُ".
وذلك لأنّ معنَى "هَيتَ": دُعائي لَكَ، فهو في معنى الإضافة، واستعماله من غيرِ إضافة كقَطعه عن الإضافة، فيُبْنَى على الضم كبناءِ "قَبْلُ"، و"بَعْد".
ومَن كسر، فقال: "هَيْتِ"، وهي أقلها، فكَسَرَ على أصل التقاء الساكنين، ولم يبالِ الثقلَ، لقلةِ استعمالها ونُدرتِها في الكلام، فجاؤوا بها على الأصل كـ "جَيرِ".
و"لَكَ" من قولك: "هَيْتَ لك" تبيين للمخاطب جيءَ به بعد استغناءِ الكلام عنه، كما كان كذلك في "سَقيًا لَكَ"، ألا ترى أن "سقي" غير محتاج إلى "لَكَ"؛ لأن معناه: "سَقاك الله سَقيًا"، وإنّما جيءَ بـ "لَكَ" تأكيدًا وزيادةً، فهي في "هَيْتَ لك" كذلك.
وأما "هَل" فهو من الأصوات المسمى بها أيضًا، ومعناها "أشرع" و"تَعالَ"، يُقال "هَلْ" و"هَلٍ" وهو مبني, لأنّه صوت وقع موقعَ الفعل المبنيّ، وسكن على أصل البناء، وتنوينُه يدل على أنه صوت كـ"صَه"، و"إيه"، قال الشاعر [من الرمل]:
1 - فَظَنَنَّا أنّه غالِبُه... فدَعَوْنَاه بِهَابِ ثُم هَلْ = مجرور بالكسرة.
"إذا": ظرف متعلق بالفعل "أبلغ".
"أتيتا": فعل ماضٍ مبنى على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرّك، والتاء: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والألف للإطلاق."أن": حرف مشبه بالفعل.
"العراق": اسم "أنّ" منصوب بالفتحة.
"وأهله": الواو للعطف.
"أهل": اسم معطوف على "العراق" منصوب بالفتحة، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
"سلم": خبر "أن" مرفوع بالضمّة.
"إليك": جارّ ومجرور متعلقان بالخبر.
"فهيت": الفاء للاستئناف.
"هيت": اسم فعل أمر بمعنى أسرع، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت.
"هيتا": توكيد للسابقة، والألف للإطلاق.
وجملة "أبلغ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة النداء: استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أتيت": في محل جرّ مضاف إليه.
والمصدر المؤول من "أن العراق": في محل نصب مفعول به ثان لـ "أبلغ".
وجملة "هيت": استئنافية لا محل لها.
والشاهد فيهما قوله: "فهيت هيتا" حيث جاء باسم فعل الأمر بمعنى: أسرع.
وأصله زجرٌ للفرس، ثم سُمي به الفعلُ، قال الشاعر، أنشده أبو عُبَيدَةَ [من الرمل]:
1 - فَعَرَفنَا هِرةً تَأخُذُهُ... فزَجَرْنَاه وقُلنا: هَلَ هلْ
وقالوا: "هَيكَ" مضعَّفَ الياء، والمرادُ: أسرع، والاسمُ "هَي"، والكاف حرفُ خطاب كالتي في "رُوَيْدَكَ زيدًا".
وهو مبنى، وحُرك آخِره لالتقاء الساكنين، وفتح لثقلِ التضعيف، ويُخفف بحذف إحدى الياءَيْن، فيقال: "هَيْك"، كما قالوا في "بَخٍّ": "بَخٍْ"، فحذفوا إحدى الخاءَيْن، وكما قالوا في "أُفٍّ": "أُفٍْ"، فحذفوا إحدى الفاءَيْن.
فإذا لم يُلْحِقوا الكاف، جاؤوا بالألف للوقف، فقالوا: "هَيَّا"، كما جاؤوا بها للوقف في "أنَا".
قال ابن مَيادَةَ [من الرجز]:
لَتَقرُبِن قَرَبًا جُلذِيا... ما دَامَ فيهن فَصِيل حيًا
وقد دَجَا الليل فَهَيا هَيا (2)
أي: أسرعِي.
يخاطب ناقتَه، ولذلك كسر الباءَ مِن "لتقربنّ"، و"جلذيا" أي: سريعًا.
يحثها على سرعة السير.
ومن ذلك قولهم: "نَزَالِ" في الأمر، والمرادُ: انْزِلْ، فهو لازم غيرُ متعدّ على حد لزوم مسمّاه، وهو"انزِل"، وسيوضَح أمره في موضعه بعدُ.
= ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
"بهاب": جاز ومجرور متعلقان بـ "دعوناه".
"ثم": حرف عطف.
"هل": اسم فعل أمر مبني على السكون، ومعناه: أسرع.
وجملة "ظننا": استئنافية لا محل لها من الإعراب، والمصدر المؤول من "أنه غالبه": سدّ مسدّ مفعولين لـ (ظن).
وجملة "دعوناه": معطوفة على الأولى لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "هل" حيث جاء به صوتًا سُمي به الفعل، وسُكّن على أصل البناء.
ومن ذلك "قَدْكَ"، و"قَطكَ"، وهما اسمان، ومسماهما "اكْتَفِ"، و"انْتَهِ"، فهما لازمان على حسب ما سُميا به من الأفعال، وهما مبنيّان لوقوعهما موقع الفعل المبني، وجَريهما مجراه فيَ الدلالة.
وسُكّن آخِرهما على حد التسكين في "صَهْ"، و"مَهْ"؛ لأنه الأصلُ في البناء، ولم يلتق في آخِرهما ساكنان، فتجبَ الحركةُ لاجتماعهما.
والكافُ فيهما ليست اسمًا، وإنما هي حرفُ خطاب على حدّها في، النجاءَكَ"، و"رُوَيْدَكَ"، و"قَدْ" مُخففةٌ، وأصلُها "قَد" مثقلةَ، فحُذفت إحدى الدالَين تخفْيفًا على حد قولهم: "بَخْ" خفيفة في "بَخٍّ" مثقّلةً, لأنه مأخوذ من "قددتُ الشيءَ" إذا قصعتَه طُولًا.
وكذلك "قَطْكَ" مخفّفةٌ من "قط" مأخوذة من "قططتُ الشيءَ"، أي: قطعتُه عرْضًا كأن الاكتفاء قطعٌ عمّا سِواه، فاعرفه.
ومن ذلك "إلَيْكَ" بمعنَى "تَنَحَّ".
قال الأعشى [من الخفيف]:
1 - فاذْهَبِى ما إليكِ أدْرَكَنِي الحِلمُ... عَداني عن هَيْجِكمْ أشْغالي
وأنشد ثَعْلَبٌ [من البسيط]:
2 - اذهَبْ إليك فإني من بني أسَدٍ... أهْلِ القِبابِ وأهلِ الخَيْل والنادِي
كأنه قال: اذهبْ تَنَح.
فالكافُ في محلِّ خفض بحرف الجرّ، والتسميةُ وقعت بالجارّ والمجرور.
ولذلك حُكي لفظهما، وجَرَيَا في التسمية مجرى الأصوات المسمى بها من نحوِ: "صهْ"، و"مَهْ".
وحكى أبو الخطاب أنّه سمع مَن يُقال له: "إلَيْكَ"، فيقول: "إليَّ"، كأنّه قيل له: "تَنَحَّ"، فقال: "أتَنَحى".
لم يأت ذلك ألَّا في هذا الحرف وحدَه، فلا يُقال: "دُونِي" ولا "عَلَيَّ".
وذلك من قِبَل أن بابَ هذا الأمرُ، فإذا قلت: "إليك"، فقال: "إليّ"، فقد جعل "إليّ" بمعنَى: "أتنحّى"، وهذا خبرٌ ليس بأمرٍ.
وقد تقدم أن بابَ هذه الأسماء إنما الأمرُ للمخاطَب؛ لأن أمر المخاطب يُكتفى معه بشاهدِ الحال على ما سبق.
ومن قولهم: "دَعْ"، ومعناه: انْتَعِشْ، يقال ذلك للعاثر، أو لمَنْ أصابتْه حادثةٌ.
قال الشاعر [من الطويل]:
1 - لَحَى الله قَوْمًا لم يقولوا لعاثِرٍ... ولا لابْنِ عَم نالَهُ الدَهْرُ: دَعْدَعَا
وهو صوتٌ سُمي به، يُقال: "دَعْدَعْتُ بالمَعْز"، إذا دعوتَها، وهو مبني على السكون، وعلةُ بنائه كعلةِ "صَهْ"، و"مَهْ".
فأمّا قولهم: "دَعَا لك"، و"دَعْدَعَا"، فهو مصدرٌ معربٌ، كقولهم: "سَقْيًا لك".
= بالكسرة.
"والنادي": الواو: حرف عطف، "النادي": اسم معطوف على "الخيل" مجرور بالكسرة.
جملة "اذهب": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "إليك": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "فإني من بني أسد": استئنافية كذلك لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "إليكَ" حث جاء بالجارّ والمجرور اسمًا لفعل أمر بمعنى: "تنحَّ"، فكأنه قال: اذهبْ، تنحَّ.
ومن ذلك قولهم في الدُّعاء: "أمِينَ"، ومعناه: اسْتَجِبْ، فهو اسمٌ لهذا الفعل.
وفيه لغتان "أمِينَ" بالقصر على زنةِ "فَعِيل"، و"آمِينَ" بالمدّ على زنةِ "فَاعِيل".
قال الشاعر [من البسيط]:
1 - يا رَب لا تَسْلُبَني حُبهَا أبَدًا... ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قال: آمِينَا
فجاء بها ممدودةً، وقال الآخر في المقصورة [من الطويل]:
2 - تَبَاعَدَ عَني فَطْحَلٌ إذ رأيتُه... أمِينَ فزادَ اللهُ ما بَيْنَنَا بُعْدَا
والأصل القصر، والمد إشباعُ فتحةِ الهمزة، ومنه قولُ الهُذَليّ [من الكامل]:
530 - بَيْنَا تَعَنقِه الكُماةَ ورَوْغِه... يَوْمًا أُتِيحَ له جَرِيءٌ سَلْفَعُ
والمراد: بينَ أوقاتِ تعنقه.
قالوا في "بَيْنَ": "بَيْنَا"، وهي مبنية لوقوعها موقعَ فعلِ الأمر، وفُتحت لالتقاء الساكنين على حد "رُوَيْدَ"، و"أيْنَ"، و"كَيْفَ".
فأمّا قول أبي العباس في "آمِينَ": بمنزلةِ "عَاصِينَ"، فإنّه إنّما يريد به أنّ الميم خفيفة كصادِ "عاصين" لا أنه جمعٌ.
وقال أبو الحسن: "آمِينَ" اسمٌ من أسماء الله تعالى.
والوجهُ الأول، إذ لو كان كذلك، لم يكن مبنيًا، ويؤيد ذلك قولُه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (1)، كما جاء في الخبر أن موسى كان يدعو، وأخاه كان يُؤمِّن، والاسمُ الواحد لا يُقال له دعاءٌ.
[أسماء الفعل التي هي أسماء أخبار]
قال صاحب الكتاب: وأسماءُ الأخبار، نحوُ: "هَيهاتَ ذاك" أي: بَعُدَ، وَ"شَتّانَ زيد وعمرو"، أي: افْتَرَقَا، وتَبايَنَا، و"سَرْعانَ ذا إهالة" (3)، أي: سَرُعَ، و"وَشْكانَ ذا12
خُروجًا"، أي: وَشُكَ، و"أُفٍّ" بمعنَى " أتَضَجرُ"، و"أوَّه" بمعنَى "أتَوَجعُ".
قال الشارح: قد ذكرنا أن بابَ أسماء الأفعال الأغلبُ فيها الأمرُ؛ لأنّ الغرض منها مع ما فيها من المبالغة الاختصارُ، والاختصار يقتضي حذفًا، والحذفُ يكون مع قوّةِ الحلم بالمحذوف.
وهذا حكمٌ مختصٌّ بالأمر لِما ذكرناه, لأنّ الأمر يُستغنى فيه في كثير من الأمر عن ذكرِ ألفاظِ أفعاله بشواهدِ الأفعال.
والخبرُ ليس كالأمر في ذلك، فلذلك قل في الخبر، إلَّا أنه لمّا كان الحذف أيضًا قد يقع في بعض الأخبار لدلالة الحال على المراد، ووُضوحِ الأمر فيه، وكَونِهِ محذوفًا كمنطوقٍ به لوجودِ الدليل عليه، استُعمل في الخبر بعضُ ذلك، فجاءت فيه كما جاءت في الأمر، ألَّا أنّها قليلة بالإضافة إلى ما جاء في الأمر.
وبابُه السماع دون القياس.
فمن ذلك قولهم: "هَيْهاتَ"، وهو اسم لـ "بَعُدَ"، وإن ما عدلوا عن لفظ الفعل لضرب من المبالغة، فإذا قال: "هيهات زيدٌ"، فكأنه قال: "بَعُدَ جِدًّا"، أو"بَعُدَ كُل البُعْدِ".
ولعله يخرج في كثيرِ من الأمر إلى أن يُؤيس 1 منه، وهو مبني لوقوعه موقع الفعل المبني، وهو "بَعُدَ"، ويقع الاسمُ بعدها مرفوعًا بها ارتفاع الفاعل بفعله, لأنها جارية مجرى الفعل، فاقتضت فاعلًا كاقتضائه الفعلُ.
قال جَرِير [من الطويل]:
531 - فهيهاتَ هيهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ... وهيهاتَ خِلٌّ بالعقيق نُواصِلُهْ2 = و"سرعان"، بضم السين وفتحها وكسرها: بمعنى: ما أسرعَ! والإهالة: الشحم.
وأصل المثل أن رجلًا التقط شاة عجفاء ضعيفة، فألقى بين يديها كلأ، فرأى رعامها يسيلُ من منخريها، فظنه شحمًا، فقال هذا القول.
يضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته.
العقيق: وادٍ بالمدينة، وقال أيضًا [من الكامل]:
1 - هيهات مَنْزلُنَا بنعْفِ سُوَيْقَةٍ... كانت مُبارَكة من الأيامِ
فـ "العقيق" و"منزلُنا" مرتفعان بأنهما فاعل "هيهات", فأمّا قوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (2)، فَقيل: اللامُ زائدة، و"مَا" الفاعلةُ، والتقدير: هيهات هيهات ما توعدون.
وقيل: الفاعلُ محذوف، والتقدير: بعُد الصدْقُ لمِا توعدون، فاللامُ على بابها؛ لأنّه لم تُؤلَف زيادةُ اللام في نحوِ هذا.
وإنّما تُزاد لتمكينِ معنى الإضافة، نحوِ قوله [من مجزوء الكامل]:
بَا بُؤْسَ للحَرْب التِي... وَضَعَت أراهِطَ فاسْتَراحُوا (3) = عطف، "هيهات": اسم فعل ماضٍ بمعنى "بَعُد".
"خلّ": فاعل مرفوع.
"بالعقيق": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف نعت لـ"خل".
"نواصله": فعل مضارع مرفوع، والفاعل: نحن، والهاء: في محل نصب مفعول به.
جملة "هيهات هيهات العقيق" الفعليّة لا محل لها من الإعراب لأنّها استئنافية أو معطوفة على جملة سابقة.
وجملة "هيهات خل" الفعلية معطوفة على جملة "هيهات هيهات... " لا محل لها من الإعراب.
وجملة "نواصله" الفعلية في محل رفع نعت لـ"خل".
والشاهد فيه قوله: "هيهات"، وهو اسم فعل ماضٍ بمعنى "بَعُد"، يعمل كما يعمل الفعل الماضي الذي بمعناه، وقد رفَعَ فاعلًا هنا هو"العقيق".
وقوله [من البسيط]:
يا بُؤْسَ للحَرْب ضَرارًا لأقْوامِ 1
وقد استبعد بعضُهم القولَ بحذف الفاعل، وزعم أنه مضمرٌ فيه، والتقديرُ: هيهات بَعْثُكم، وإخراجُكم، لتقدُّمِ ذكرِ الإخراج.
ومما سُمي به الفعل في حال الخبر "شَتَّانَ"، ومسمّاه "افْتَرَقَ"، و"تَباعَدَ".
وهو مبني على الفتح، وربما كسروا نونَه، والفتحُ المشهور.
وإنما بُني لوقوعه موقع الفعل المبني، وهو الماضىِ، نحو: "افترقَ"، و"بُعد".
وقال الزجاج: إنّما بُني لأنّه على زنةِ "فَعْلَان"، فهو مخالفٌ لأخواته، إذ ليس في المصادر ما هو على هذه الزنة، فبُني لذلك.
وهذا ضعيفٌ؛ لأنه قد جاء عنهم: "لَوَاهُ لَيانًا".
قال الشاعر [من الطويل]:
533 - تُطِيلِينَ لَيانِي وأنْتِ مَلِيئَةٌ... وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوِشاحِ التقاضِيَا
وتحريكه لالتقاء الساكنين، وهما النون والألف قبلها، وإنّما فُتح إتباعًا للفتحة قبله، وقيل: إنّما فُتح لأن الفتحة حركةُ مسمّاه، وهو الفعل الماضي.
وزعم أبو حاتِم أن "شتان" كـ"سُبْحَانَ" وهو وَهْم؛ لأن "شتان" مبني، و"سبحان" معربٌ، لكنه لا ينصرف للتعريف والألفِ والنونِ، ولذلك لما نكر في قوله [من البسيط]:
سُبْحانَهُ ثُمّ سُبْحانًا نَعُوذُ به... وقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِي والجُمُدُ 3
انصرف، ونُوّن.
ولفظُه مأخوذ من "الشت"، وهو التفرق والتباعد.
يُقال: "شَتَّ2
الشمْلُ يَشت"، إذا تَفرَّق، وقيل: إن "شَت" الذي "شَتان" مصدرُه: "فَعُلَ" مضمومَ العين.
وإنما حُذفت الضمة للادّغام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ 1. ولا بدّ له من فاعلٍ، فيقال: "شَتَّانَ زيدٌ وعمرْو"، قال الشاعر [من الرجز]:
534 - شتّانَ هذا والعِناقُ والنوْمْ... والمَشرَبُ البارِدُ في ظِلِّ الدَّومْ
ويُقال: "شتان ما زيدٌ وعمرّو"، والمراد: شتان زيدٌ وعمرّو، و"مَا" زائدةٌ.
قال الأعشى [من السريع]:
535 - شتانَ ما يَوْمِي على كُورِهَا... ويَوْم حَيانَ أخِي جابِرِ23
وربّما قالوا: "شتّان ما بين زيد وعمرو"، قال رَبِيعةُ الرقيُّ [من الطويل]:
1 - لَشتانَ ما بين اليَزِيدَيْن في الندَى... يَزِيدِ سُلَيْم والأغَرِّ ابن حاتِمِ
وكان الأصمعيّ يُنْكِر هذا الوجه ويأباه، وحجّتُه أنّ "شتان" نابَ عن فعلٍ تقديرُه: "تَفرق" و"تَباعَد"، وهو من الأفعال التي تقتضي فاعلَيْن؛ لأن التفرّق لا يحصل من واحد.
والقياسُ لا يأباه من جهة المعنى؛ لأنه إذا تَباعد ما بينهما، فقد تباعد كل واحد منهما من الآخَر.
ولو قال: "شتان زيدٌ أو عمرو"، لم يجز؛ لأنّ "أو" لأحدِ الشيئَيْن، والافتراقُ لا يكون من واحد.
ومن ذلك "سَرْعَانَ"، والمراد: سَرُعَ، وفُعل به ما فُعل بـ "شتان" من البناء والفتح.
وفي المَثل: "سَرعَانَ ذا إهالة" (2)، أي: ما أسرعَ هذه الإهالةَ! والإهالةُ: الشحْم المُذاب.
زعموا أن بعضَ حَمْقَى العرب اشترى شاة، فسال رُعامُها، فتَوهمه شَحْمًا مُذابًا، فقال لبعضِ أهله: خُذْ من شاتنا إهالتَها، فنظر إلى مُخاطها، فقال: سرعان ذا إهالة! فـ "إهالةً" منصوبٌ على التمييز.
وقيل: إنّ بعضهم استضاف بقومٍ، فعجّلوا له إهالة، فقال: سَرْعانَ ذا إهالةَ!
وقالوا: "وَشكانَ وأشْكانَ ذا خروجًا"، أي: سرُع، وقرُب، و"خروجًا" نصب على التمييز، أي: مِن خُروجٍ.
= والشاهد فيه قوله: "شتان ما يومي ويوم حيان" فـ "شتان" اسم فعل ماضٍ بمعنى افترق، وقد رفع فاعلًا كما كان يرفعه فعل "افترق"، وزاد "ما" بين اسم الفعل وفاعله.
ومن ذلك قولهم: "أُفّ"، ومعناه: أتضجَّرُ، فهو اسمٌ لهذا الفعل ونائب عنه، وهو مبني لوقوعه موقعَ الفعل مطلقًا، إذ الفعلُ أصلُه البناء، ومن يقول إنما بُني بالحمل على أسماء الأفعال المأمور بها, لم يحتج إلى اعتذار عن "أُف" وأصلُه أن يكون بناؤُه على السكون، وإنما الحركةُ فيه لالتقاء الساكنين، وهما الفاءان، وفيه لغاتٌ، قالوا: "أُف"، و"أُفٍّ"، و"أفُّ"، و"أُفٌّ"، و" أُفَّ"، و"أُفًّا"، وتُمال، فيقال: "أُفِّي".
والعامةُ تُخْلِصها ياءً، فتقول: "أُفِّي".
وتُخفف، فيقال: "أُفُ" 1. فالحركةُ في جميعها لالتقاء الساكنين، فمَن كسر فعلى أصل الباب، ومن ضم فللإتباع، ومن فتح فللاستخفاف، ومن لم يُنوِّن، فإنه أراد المعرفة، أي: أتضجرُ التضجّرَ، ومَن نون، أراد النكرة، أي: تضجرًا، ومَن أمال، أدخل فيها ألفَ التأنيث، وبناها على "فُعْلَى".
وجاز دخولُ ألف التأنيث مع البناء كما جاءت تاؤُه مع "ذَيّةَ"، و"كَيةَ".
وقد قالوا: "هَنا"، فأدخلوا فيها ألفَ التأنيث، ووَزْنُها "فَعْلَى"، وليس من لفظِ "هُنَا"، بل هو مثلُ "سِبَطْر"، و"سَبِطٍ"، ويجوز أن يكون من لفظه، ويكون وزنُه "فَنْعَلًا" كـ"عَنْبَسِ" و"عَنْسَلٍ"، فيمن جعله من العَسْلان.
ومن ذلك "أوّهْ" بمعنَى "أتَوَجعُ"، وفيه لغات.
قالوا: "أوه مِن كذا"، بسكون الواو، وكسر الهاء، قال الشاعر [من الطويل]:
537 - فأوْهِ لذِكْراها، إذا ما ذكرتُها... ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنَا وسَماءِ
وقالوا: "آهِ"، بمَدّةٍ بعد الهمزة وكسرِ الهاء.
وربما شدّدوا الواو وكسروها، وسكنوا الهاء، فقالوا: "أوهْ مِن كذا".
وربما كسروا الهاء مع التشديد.
أنشد2
أحمد بن يحيى، قال: أنشدتني امرأة من بني قُرَيْظ [من الطويل]:
1 - أوّهِ مِن ذِكْرَى حُصَيْنا ودُونَهُ... نَقًا هائلٌ جَعْدُ الثرَى وصَفِيحُ
وقالوا فيه: "آوهْ"، بالمد وتشديد الواو وفتحِها ساكنةَ الهاء، وكل ذلك من "التأوهِ"، ومنه قوله [من الوافر]:
2 - إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بلَيْل... تَأوّهُ آهَةَ الرّجُلِ الحَزِينِ
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (3)، فالهمزةُ فاءٌ، والواو عين، والهاء لامٌ، فَمن قال: "أَوْهِ"، فإنه كسر الهاءَ لسكون الواو قبلها.
ومن قال: "آهِ"، فإنه قلب الواو ألفًا للفتحة قبلها، كما قالوا في "الدوّ": "داوِي".
ومن قال: "أَوِّهْ"، بتشديد الواو،
وسكون الهاء، فإنه ضعّف العينَ للمبالغة، وكسرها لالتقاء الساكنين، وسكن الهاءَ لتحرُّكِ ما قبلها.
ومن قال: "أوهِ"، فكسر الهاءَ مع كسرِ الواو وتشديدِها، فقد كان القياسُ أن تسكن الهاءُ التي هي لامٌ؛ لأن ما قبلها متحرك، إلَّا أنه حُرك الآخِر إتباعًا لكسر الواو، وقد فعلوا نحوًا من ذلك ببعضِ المُعرَب، نحوِ: "أُخوكَ"، و"أُبُؤُكَ"، و"امْرُؤٌ"، و"ابْنُمٌ"، ومن قال: "آوَّهْ" بالمد، فيحتمل أن يكون أشبعَ فتحة الهمزة، فصارت ألفًا، كما قالوا: "آمِينَ" في "أمِينَ"، وفتحوا الواوَ إتباعًا للفتحة قبلها.
وقد قالوا: "أوّت" في معنَى "أوه"، وجاؤوا فيها بلغاتٍ قريبةٍ من لغاتِ "أوه"، وينبغي أن لا تكون من لفظها، بل من معناها, لأن "أوْهِ" صحيحُ اللام، فهو من باب "حَوْضٍ"، و"فَوْزٍ"، و"أوتٍ" الهمزةُ فاءٌ، والعينُ واللام واوٌ، فهو من باب "الهُوَّة"، و"القُوَّة"، فهي كِلَمٌ تَقاربتْ ألفاظُها، واتَحدت معانيها.