فصل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ُ على ضروب من الأمر والتحذير.
تقول إذا كنت تُحذِّر: "إيَّاكَ".
ومثلُه أن تقول: "نفسَك"، وهو منصوب بفعل مضمر، كأنك قلت: إياك باعِدْ، وِإياك نحّ واتق نفسك، فحذف الفعل، واكتفى بـ "إِياك" عنه.
وكذلك "نفسَك" لدلالة الحال عليه، وظهورِ معناه.
وكثُر ذلك محذوفًا حتى لزم الحذفُ، وصار ظهورُ العامل فيه من الأصول المرفوضة.
فمن ذلك قولهم: "إياك والأسدَ"، فـ "إيّاك" اسمٌ مضمر منصوبُ الموضع، والناصبُ له فعلٌ مضمرٌ، وتقديره: إياك باعِدْ وإيّاك نَحّ، وما أشبهَ ذلك، و"الأسدَ" معطوف على "إياك" كما تقول: "زيدًا اضرب وعمرًا".
فإن قيل: كيف جاز أن يكون "الأسد" معطوفًا على "إيّاك" والعطفُ بالواو يقتضي الشركة في الفعل والمعنى؟ ألا تراك تقول: "ضربتُ زيدًا وعمرًا" فالضربُ واقعٌ بهما جميعًا، وأنتَ ها هنا لا تأمُر بمباعَدةِ الأسد على سبيل التحذير كما أمرتَه بمباعدة نفسه على سبيل التحذير، فيكون المخاطَبُ محذورًا مخوفًا كما كان الأسدُ محذورًا مخوفًا؟ فالجوابُ أنّ البُعد والقُرب بالإضافة، فقد يكون الشيء بعيدًا بالإضافة إلى شيء، وقريبًا بالإضافة إلى شيء آخر غيرِه، وههنا إذا تَباعدَ عن الأسد، فقد تباعد الأسدُ عنه.
فاشتركا في البُعد.
وأمّا اختلافُ معنيَيْهما، فلا يمنع من عطفِ الأسد عليه، لأنّ العامل قد يعمل في المفعولَيْن، وإن اختلف معناهما، ألا تراك تقول: "أعطيتُ زيدًا درهمًا"، فيتعدّى الفعلُ1
إليهما تعدَّيًا واحدًا، وإن كان زيد آخذًا، والدرهم مأخوذًا، فهما مختلفان من جهة المعنى.
فكذلك ها هنا، إذا عطفتَ "الأسد" على "إيَّاك"، شَارَكَه في عمل الفعل المحذوف، وإن اختلف معناهما.
فالمخاطبُ حَذِرٌ خائفٌ، والأسدُ محذورٌ منه مخوفٌ، وإن كان الفعل قد تعدَّى إليهما، إلّا أنّ تعدِّيه إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرفٍ.
فإن قيل: هل يجوز حذفُ الواو من "الأسد"، فتقولَ: "إيّاك الأسدَ"؟ قيل: لا يجوز ذلك لأن الفعل المقدَر لا يتعدّى إلى مفعولَيْن، ملم يكن بدٌّ من حرف العطف، أو حرفِ الجرّ، نحو: "إيّاك والأسدَ"، و"إياك من الأسد"، فتكون قد عدّيتَه إلى الأوّل بنفسه، ثمّ عدّيته إلى الثاني بحرفِ جرّ.
فإن قيل: فهلاّ جاز حذفُ حرف الجرّ، فقلتَ: "إيّاك الأسدَ"؟ قيل: ليس ذلك بالسهْل، ولا يقدم عليه السماعُ من العرب، وربّما جاء مثل ذلك بغير واو في ضرورة الشعر، نحو قوله [من الطويل]:
1 - فإيّاك إيّاك المِراءَ فإنّه... إلى الشَرّ دَعّاءٌ وللشَّرّ جالِبُ
والمراد: والمِراءَ بحرف العطف، أو مِن المراء، بحذف حرف الجرّ، وسيبويه (2) ينصب "المراء" بفعلٍ غيرِ الفعل الذي نصب "إيّاك" كأنّه لمّا قال: "إيّاكَ إيّاكَ"، اكتفى، ثمّ قال: "اتَّقِ المراءَ"، أو"جانِبِ المراءَ".
وقوله: "أي اتّقِ نفسَك أن تتعرّض للأسد، والأسدَ أن يُهْلِككَ"، فهو تفسيرُ المعنى، والإعراب على ما ذكرتُه.
ومن ذلك قولهم: "رأسَك والحائطَ"، فينتصب "الرأس" هاهنا بفعل مضمر، و"الحائطَ" مفعول معه، والتقدير: دَعْ رأسَك والحائطَ، أي: مع الحائط، كقولك: "استوى الماءُ والخَشَبَة".
ويجوز أن يكون التقدير: اتّقِ رأسَك والحائطَ، وهو تحذير، كأنّه على تقديرَيْن: أي اتّق رأسَك أن يدُقّ الحائطَ، واتّق الحائطَ أن يُصيب رأسَك، فينتصب كلُّ واحد منهما بفعل مقدَّر.
فإذا كُرّرت هذه الأسماء، ازداد إظهارُ الفعل قُبْحًا، لأن أحد الاسمَيْن كالعوض من الفعل، فلم يُجمع بينهما.
ومن ذلك قولهم: "مازِ رأسَك والسيفَ"، فهذا كقولهم: "رأسَك والحائطَ"، وهو تحذير.
والمرادُ بقوله: "مازِ": "مازنُ"، ثمّ رخّم، ولم يكن اسمُ الذي خُوطِبَ بهذا "مازنًا"، ولكنّه من بني مازن بن العَنْبَر بن عمرو بن تميم، وكان اسمُه كِرامًا أسَرَ بُجَيْرًا القُشَيْريَّ، فجاءه قَعْنَبٌ اليَرْبُوعيُّ ليقتلَه، فمَنَعَه المازنيّ منه، فقال للمازني: "مازِ رأسَك والسيفَ"، سمّاه مازنًا إذ كان من بني مازن.
ويحتمل أن يكون أراد: مازنيُّ، ولمّا غلبت عليه هذه النسبةُ صارت كاللَّقَب، فرخّم بحذف ياءَي النسبة كما تقول: "يا طائِفِ" في "يا طائفيُّ"، فبقي "مازن"، ثمّ رخمه ثانيًا.
ومثلُه في الترخيم كثير.
وقالوا: "إيايَ والشرَّ"، وليس الخطابُ لنفسه، ولا يأمرها، وإنّما يخاطب رجلًا، يقول له: "إيايَ باعِدْ عن الشرّ"، ويوقِع الفعلَ المقدّرَ عليه، فيجيء بالواو ليجمَع بينهما في عمل الفعل، إذ كان الفعل عاملًا في الأوّل.
ومثله: "إيايَ وأن يحذف أحدُكم الأرنبَ" يعني يَرْمِيَه بسيف، أو ما أشبهَه،
فـ "أَنْ" في موضع نصب، كأنّه قال: "إيايَ وحَذْفَ أحدِكم الأرنبَ".
وقال الزجّاج: إِنّ معناه: إيايَ وإيّاكم، ودلّ عليه قوله: "وأن يحذف أحدكم الأرنب".
ولو حُذف الواو هنا، لجاز مع "أَنْ"، فيقال: "أن يحذف أحدكم الأرنب".
ولو صرّح بالمصدر، لم يجز حذفُ الواو ولا "مِنْ".
والفرقُ بينهما أن "أَنْ" وما بعدها من الفعل وما يعمل فيه مصدرٌ، فلمّا طال جوّزوا فيه من الحذف ما لم يجز في المصدر الصريح، فاعرفْه.
ونفسه" أي: دعه مع نفسه, و"أهلك والليل" 1، أي بادرهم قبل الليل.
ومنه "عذيرك" أي: أحضر عذرك أو عاذرك, ومنه: "هذا ولا زعماتك"أي: ولا أتوهم زعامتك, وقولهم: "كليهما وتمرًا" 2, أي إعطني, و"كل شيء ولا شتيمة حر" 3,أي: إيت كل شيء, ولا ترتكب شيتمة حر".
قال الشارح: اعلم أن قولهم: "شأنَك والحَجَّ" هو بمنزلةِ "رأسَك والحائطَ" في تقدير العامل، أي: خَلّ رأسَك مع الحائط، ودَعْ شأنَك مع الحج.
وكذلك "امرَأ ونفسَه" كأنّك قلت: "دعْ امرأ ونفسَه"، فيكون انتصابُه انتصابَ المفعول معه على حَد "ما صنعتَ وزيدًا؟ "
وأمّا قولهم: "أهلَك والليلَ"، فمعناه: بادِرْ أهلَك قبل الليل؛ وأمّا تقديرُ الإعراب، فكأنّه قال: "بادِرْ أهلَك، وسابِق الليلَ"، فيكون كل واحد من الاسمَيْن منصوبًا بفعل مقدّر، وقد عطف جملةً على جملةٍ.
ويجوز أن يكون التقدير: بادِرْ أهلَك والليلَ، فيكون الليلُ معطوفًا على الأهل عطفَ مفرد على مفرد وجعلهما مبادَرَيْن، لأن معنى المبادَرة مسابَقتُك الشيءَ إلى الشيء، فكأنه أمر المخاطَبَ أن يسابقَ الليلَ إلى أهله ليكون عندهم قبل الليل، ومعناه تحذيرُه أن يُدْرِكه كتحذيره من الأسد.
وأمّا قولهم: "عذيرَك"، فهو مصدرٌ كـ "العُذْر"، يقال لمن جَنَى جِنايةً واحتُملت منه: "عذيرَك من فلان"، قال الشاعر [من الوافر]:
240 - أُرِيدُ حِباءَه وُيرِيدُ قَتْلِي... عَذِيرُكَ من خَلِيلكَ من مُرادِ4
وهو مصدرٌ بمعنى "العُذْر" وقد ورد منصوبًا ومرفوعًا، فالنصبُ بفعل مقدّر، كأنه قال: "هاتِ عذيرَك، أو أَحْضِرْه" ونحوَ ذلك، وُوضع موضعَ الفعل، فصار كالعوض من اللفظ به، ولذلك قُبح إظهارُ الفعل، لأنّه أُقيم مُقامَ الفعل، ودخولُ فعل على فعل محالٌ.
والرفع بالابتداء، والخبرُ ما في الجارّ والمجرور بعده، ومعناه مَن يعذرني في احتمالي إيّاه.
وقال بعضهم: ليس العذير مصدرًا، وإنّما هو بمعنَى عاذرٍ، يقال: عاذرٌ، وعذيرٌ كـ "شاهد"، و"شهيد"، و"قادر"، و"قدير".
وضعُف أن يكون مصدرًا بمعنى العُذْر، قال: لأن "فَعِيلًا" لم يأت في المصادر إلّا في الأصوات، نحو: "الصهِيل"، و"الصرير".
فإذا قال: "عذيرَك" على معنَى "عاذَرك"، فكأنّه قال: "هاتِ عاذرَك، أو أحضِرْ عاذَرك".
وهو مذهب سيبويه، وهو الصواب، لأنّه وُضع موضعَ الفعل، والمصدرُ يطّرِد وضعُه موضعَ الفعل، نحو: "رُوَيْدَكَ"، و"حَذَرَكَ"، ولا يطّرِد ذلك في اسم الفاعل، على أنّهم قد قالوا: "وَجَبَ القَلْبُ وَجِيبًا"، فجاء المصدرُ على "فَعِيلٍ" في غير الأصوات، فجاز أن يكون هذا منه.
وأمّا قولهم: "هذا ولا زَعَماتِك" قال ذو الرُّمَّة [من الطويل]:
1 - لَقَدْ خَط رُومِىٌّ ولا زَعَماتِه... لعُتْبَةَ خَطَّا لم تُطَبُّقْ مَفاصِلُهْ = الإعراب: "أريد": فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنا.
"حباءه ": مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة.
"ويريد": الواو: حالية، ويريد: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر جوازًا تقديره "هو".
"قتلي": مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وهومضاف، والياء: ضمير مضاف إليه محلها الجر.
"عذيرك": مفعول مطلق لفعل محذوف، وقيل مفعول به، والتقدبر: هاتِ عذرك، والكاف: مضاف إليه محلها الجر.
"من خليلك": جار ومجرور متعلقان بـ "عذيرك"، والكاف: مضاف إليه محله الجر.
"من مُراد": شبه جملة بدل من "من خليلك".
وجملة "أريد": ابتدائية لا محل لها، وجملة "يريد": معطوفة على "أريد".
والراجح دلاليًا أن تكون حالية، ويضعف ذلك صناعيًا بسبب اقتران الجملة بالواو, لأنها مضارعية مثبة.
والشاهد فيه قوله: سيوضحه الشارح.
فهذا مَثَلٌ، يقال لمن يزعم زَعَماتٍ، ويصحّ غيرُها، فلمّا صحّ خِلافُ قوله قيل: "هذا ولا زعماتِك" أي: هذا هو الحقُّ، ولا أتوهّمُ زعماتِك، أي: ما زعمتَه.
والزعْمُ قولٌ عن اعتقاد، ولا يجوز ظهورُ هذا العامل الذي هو"أتوهّم" وشِبْهُه، لأنّه جرى مَثَلًا، والأمثالُ لا تُغيَّر، وظهورُ عامله ضربٌ من التغيير.
وقالوا: "كِلَيْهما وتَمْرًا"، ويُروى: كلاهما وتمرًا، وكثُر ذلك في كلامهم حتى جرى مَثَلًا، وأصله أنّ إنسانَا خُيّر بين شيئَيْن، فطَلَبَهما المخيَّرُ جميعًا وزيادةً عليهما.
فمَن نصب فبإضمارِ فعل، كأنّه قال: "أعطني كليهما وتمرًا" ومَن رفع كليهما فبالابتداء، والخبرُ محذوف كأنّه قال: "كلاهما لي ثابتٌ وزِدْني تمرًا" والنصبُ أكثر.
وقالوا في مَثَل: "كل شيء ولا شَتِيمَةَ حُرّ"، ويُروى بنصبهما جميعًا، وبرفعِ الأول ونصب الثاني.
فَمن نصبهما فبإضمارِ فعلَيْن، كأنّه قال: "إِيتِ كلَّ شيء، ولا ترتكِبْ شتيمة حرّ".
ومَن رفع الأولَ فبالابتداء، كأنّه قال: "كلُّ شيء أَمَمٌ، ولا تَشْتِمَنْ حُرًّا"، أي: كلُّ شيء محتَملٌ، ولا تشتمن حرًّا، ومثلُه "كلَّ شيء ولا هذا"، أي: إِيتِ كلَّ شيء ولا هذا.
ولم تظهر الأفعالُ في هذه الأشياء كلها لأنّها أمثال.
قال صاحب الكتاب: "ومنه قولهم انته أمراً قاصداً لأنه لما قال انته علم أنه محمول على أمر يخالف المنهي عنه قال الله تعالى: ﴿انتهوا خيراً لكم﴾ 1. ويقولون حسبك خيراً لك، و"وراءك أوسع لك" 2, ومنه "من أنت زيدًا"؟ أي: تذكر زيدًا, أو ذاكرًا زيدًا"؟
قال الشارح: أمّا قولهم: "انتهِ أمرًا قاصدًا"، فإنّ "أمرًا" منصوبٌ بفعل مضمر تقديرُه: انته، وائْتِ أمرًا قاصدًا.
فلمّا قال: "انته"، عُلم أنّه محمولٌ على أمر يخالف المنهي عنه, لأن النهْي عن الشيء أمرٌ بضِدّه، إلّا أنّه ها هنا يجوز لك إظهارُ الفعل العامل، لأنّه لم يكثُر استعمالُه كثرةَ الأول.
= أتوهّم، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ مضاف إليه.
"لعتبة": جار ومجرور متعلّقان بحال محذوفة من "خَطا".
"خطَّا": مفعول مطلق منصوب بالفتحة.
"لم": حرف جزم ونفي وقلب.
"تطبّق": فعل مضارع مجزوم بالسكون.
"مفاصلُه": فاعل "تطبق" مرفوع بالضمّة، وهو مضاف، والهاء: ضمير متصل مبني في محل جرّ مضاف إليه.
وجملة "خطّ": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "ولا زعماته": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "لم تطبق": في محلّ نصب صفة لـ"خَطّا".
والشاهد فيه قوله: "ولا زعماته" حيث نصب "زعماته" بفعل محذوف، ولا يجوز إظهاره.
فأمّا قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ 1، وما كان مثلَه، نحو قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ 2، فإنّه يجوز فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدُها: أن يكون كالمسألة التي قبلها، فيكون التقديرُ- والله أعلمُ- انتهوا، وائْتُوا خيرًا لكم.
وآمِنوا وائتوا خيرًا لكم، هذا مذهبُ سيبويه، والخليلِ.
قال سيبويه 3: لأنّك حين قلت: "انته" فأنتَ تريد أن تُخْرِجه من أمر، وتُدْخِله في أمر آخر، فكأنّه أمرٌ أن يكُفّ عن الشرّ والباطلِ ويأتي الخيرَ.
الثاني: وهو مذهبُ الكسائي، أنّه منصوبٌ، لأنه خبرُ "كان" محذوفة، والتقدير: انتهوا يكن الانتهاءُ خيرًا لكم.
الثالث: وهو مذهبُ الفرّاء، أن يكون "خَيْرًا" متّصِلًا بالأول ومن جملته، ويكون صفة لمصدر محذوف، كأنّه قال: "انتهوا انتهاءً خيرًا لكم، وآمنوا إيمانًا خيرًا لكم".
ومن ذلك "حَسْبُك خيرًا لك"، و"وراءَك أوسعَ لك"، فهذان المثلان من قبيل الأوّل، فقولُك: "حسبك" أمرٌ، كأنّك قلت: "اكْفُفْ عن هذا الأمر، واقْطَعْ، وائتِ خيرًا لك".
وقولُهم: "وراءك أوسعَ لك" معناه: خَلِّ هذا المكانَ الذي هو وراءك، وائْتِ مكانًا أوسعَ لك.
فالأوّل منهيٌّ عنه والثاني مأمورٌ به، إلاّ أنّ أفعالَ هذه الأشياء لا تظهر، لأنّه كثُر استعمالها، وعلِم المخاطَبُ أنّه محمول على أمرِ غيرِ ما كان فيه، فصارت هذه الأسماءُ عِوَضًا من اللفظ بالفعل.
وممّا جاء منصوبًا بإضمار فعل لم يُستعمل إظهارُه قولُهم: "من أنتَ زيدًا"؟ وأصلُه: أنّ رجلًا غيرَ معروف بفضل تسمَّى بـ "زيد"، وكان زيدٌ مشهورًا بالفضل والشجاعة، فلمّا تسمَّى الرجل المجهول باسم ذي الفضل، دُفع عن ذلك، فقيل له: "من أنت زيدًا"؟ على جهةِ الإنكار، كأنّه قال: "من أنت تذكر زيدًا، أو ذاكرًا"، لكنه لا يظهر ذلك الناصبُ, لأنّه كثُر في كلامهم حتى صار مَثَلاَ، ولأنّه قد عُلم أنّ "زيدًا" ليس خبرًا، فلم يكن بُدٌّ من حَمْله على فعلٍ، ولا يقال ذلك إلّا جَوابًا، كأنّه لما قال: "أنا زيدٌ" قيل: "من أنت تذكر زيدًا، أو ذاكرًا زيدًا؟ ".
وبعضُ العرب يرفع ذلك، فيقول: "من أنت زيدٌ"؟ فيكون خبرًا عن مصدر محذوف، كأنّه قال: "من أنت، كلامُك زيدٌ؟ " فإن قيل: كيف يجوز أن يكون خبرَ المصدر، والخبرُ إذا كان مفردًا يكون هو المبتدأَ في المعنى، وليس الخبرُ ها هنا المبتدأَ؟ قيل: ثمّ مضافٌ محذوفُ، والتقديرُ: من أنت كلامُك كلامُ زيد، أو ذكرُك ذكرُ زيد، ثمّ حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامَه توسُّعًا على حدِّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ 4.
والنصب أجودُ، لأنه أقل إضمارًا، وتجوُّزا, لأنّك تُضْمِر فعلًا لا غيرُ، وفي الرفع تضمر مبتدأً، وتحذف مضافًا، فكان مرجوحًا لذلك.
ويجوز أن تقول: "من أنت زيدًا"؟ لِمن ليس اسمُه زيدًا على سبيل المَثَل، أي: أنت بمنزلةِ الذي يقال له ذلك، كما قالوا: "أَطِرِّي فإنّكِ ناعِلةٌ" 1، و"الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ " 2، فتخاطِب الرجلَ بهذا، وإن كان اللفظُ للمؤنّث، وإنّما يقال للرجل ذلك على معنَى: أنتَ عندي بمنزلةِ التي قيل لها هذا.
وربّما صُرّح باسمه، فقيل: من أنت عمرًا؟ على التشبيه بالمَثَلَ.
قال صاحب الكتاب: "ومنه مرحباً وأهلاً وسهلاً، أي أصبت رحباً ضيقاً، وأتيت أهلاً لا أجانب، ووطئت سهلاً من البلاد لا حزناً.
وأن تأتني فأهل الليل وأهل النهار أي فإنك تأتي أهلاً لك بالليل والنهار.
قال الشارح: وقالوا: "مرحبًا وأهلًا وسهلًا" فانتصابُ هذه الأسماء بأفعال مقدّرةٌ.
فقدّرها سيبويه 3، فقال: تقديرُها: رحُبتْ بلادُك وأُهِلَتْ.
وإنّما قدّرها بالفعل، لأنّ الدعاء إنّما يكون بفعل، فرَدَّه إلى فعل من لفظ المدعوّ به، كما يقدّرون "تُرْبًا وجَنْدَلًا" بـ "تَرِبَت يداك وجُنْدِلَتْ".
وإنّما الناصب له "أصبتَ تربًا وجندلًا" على حسبِ المعنى المقصود، وهذا إنّما يُستعمل فيما لا يُستعمل الفعل فيه، ولا يحسن إلا في موضع الدعاء به.
ألا ترى أنّ الإنسان الزائر إذا قال له المزورُ: "مرحبًا وأهلًا"، فليس يريد رحبتْ بلادُك، وأهلتْ، وإنّما يريد أصبتَ رُحْبًا، وسَعَةً، وأُنْسًا عندنا، لأنّ الإنسان إنّما يأنَس بأهله.
وإذا قال: "سهلًا" كأنّه قال: أصبتَ سهلًا: أي: مكانًا سهلًا لا حَزْنًا وخُشُونَةً.
ونظير ذلك أنّك إذا رأيت رجلًا يُسدد سَهْمًا، فتقول: "القِرطاسَ واللهِ"، أي:
أصبتَ القرطاسَ على طريق التفاؤُل والحَدْسِ لصحّةِ التسديد.
فكذلك إذا رأيت رجلًا قاصدًا مكانًا وطالبًا أمرًا، قلت: "مرحبًا وأهلًا وسهلًا"، أي: أدركتَ ذلك، وأصبتَه، فحذفوا الفعل لكثرة الاستعمال، ودلالةِ الحال عليه.
ويقول الرادّ: "وبِكَ وأهلًا وسهلًا"، فإذا قال: "وبك وأهلًا وسهلًا"، فكأنّه لَفَظَ بـ "مرحبًا بك وأهلًا وسهلًا"، ولذلك عطف.
وإذا قال: "وبك أهلًا"، فإنّما اقتصر في الدعاء على الأهل فقط من غيرِ أن يعطِفه على شيء قبله، كأنَّ الرُّحْب والسَّعة قد استقّرا استقرارًا يغْنِيه عن الدعاء.
فإذا رددتَ، فإنّما تعني أنّك لو جئتني لكنتَ بمنزلةِ من يقال له هذا، إذ لا يحسن أن يقول الزائر للمزور: "أهلًا"، لأن الحال لا تقتضي من الزائر أن يصادِف عنده المزورُ ذلك، وإنّما جئتَ بـ "بك" في قولك: "وبك وأهلًا" لِيتبيّن أنّه المعنيُّ بالدعاء لا لأنّه متّصل بالفعل المقدّر كما كان في قولك: "سَقْيًا لك" كذلك، وتقديرُه: سقاك اللهُ سَقْيًا ولَكَ، كأنّه قال: "هذا الدعاءُ لك"، فيجيء "لَكَ" على تقدير آخَر لا على تقديرِ: سقاك الله.
ومن العرب من يرفع، فيقول: "مرحبٌ وأهلٌ"، أي: هذا مرحبٌ، فيكون "هَذَا" مبتدأً محذوفًا، و"مرحب" الخبرَ.
قال طُفَيْلٌ الغَنَويّ [من الطويل]:
1 - وبالسَّهْب مَيْمُونُ النقِيبَةِ قولُه... لمُلْتَمِسِ المعروفِ أَهْلٌ ومَرْحَبُ
قال سيبويه (2): ومنهم من يرفع، فيجعل ما يُضْمَر هو ما يُظْهَر.
يريد أنّه إذا رفع أضمر مبتدأً، فيكون ذلك المبتدأ هو الخبرَ المظهَر في المعنى بخلافِ ما إذا نصبتَ، لأنّك في حال النصب تُضْمِر فعلًا، والفعلُ ليس بالاسم الظاهر.
وقالوا: "إن تأتِني فأهلَ الليل، وأهلَ النهار" على معنَى "فإنّك تأتي أهلَ
الليل، وأهلَ النهار"، أي: تأتي من يكون لك كالأهل بالليل والنهار، فاعرفه.