شرح المفصل لابن يعيشفصل [إبدال الياء]

فصل [إبدال الياء]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: والياء أبدلت من أختيها، ومن الهمزة، ومن أحد حرفي التضعيف، ومن النون والعين والعين والباء والسين والثاء.
فإبدالها من الألف في نحو: "مفيتيح", و"مفاتيح", وهو مطردٌ, ومن الواو في نحو: "ميقاتٍ" و"عصىّ", و"غازٍ", و"غازيةٍ", و"أدلٍ", و"قيام" و"انقياد" و"حياض" و"سيد", و"لية" و"أغزيت", و"استغزيتُ", وهو مطرد, وفي نحو: "صبية" و"ثيرة" و"عليانٍ" و"ييجل"، وهو غير مطرد.

قال الشارح: إنّما كثُر إبدالُ الياء؛ لأنّه حرفٌ مجهورٌ، مخرجُه من وسط اللسان، فلمَّا توسّط مخرجُه الفمَ، وكان فيه من الخفّة ما ليس في غيره، كثُر إبدالُه كثرةً ليست لغيره.
وإبدالُها وقع على ضربين: مطردٌ وشاذٌ، فالمطرد إبدالُها من ثلاثة أحرف: الألف والواوِ والهمزةِ، فإبدالُها من الألف إذا انكسر ما قبلها، نحو قولك في تصغير "حِملاقٍ": "حُمَيلِيقٌ"، وفي تصغير "قِرْطاسٍ": "قُرَيطِيسٌ"، وفي تصغير "مِفتاح": "مُفَيتِيحٌ".
وكذلك التكسير، نحو: "حَمالِيقُ"، و"قَراطِيسُ"، و"مَفاتِيحُ".
ومن ذلك: "قاتلتُه قِيتالًا"، و"ضاربته ضِيرابًا".
قُلبت الألف في ذلك كلّه لانكسار ما قبلها.
وإنّما وجب قلبُها ياء إذا انكسر ما قبلها, لضُعْفها بسَعَة مخرجها، فجرت مجرى المدّة المُشْبَعة عن حركةِ ما قبلها، فلم يجز أنّ تُخالِف حركةُ ما قبلها مخرجَها، بل ذلك ممتنعٌ مستحيلٌ.
وأمّا إبدالُها من الواو، فإذا سكنت وانكسر ما قبلها, ولم تكن مدّغمةً؛ نحو: "مِيقاتٍ"، و"مِيزانٍ"؛ لأنّه من "الوقت" و"الوزن".
ومن ذلك "رِيحٌ"، و"دِيمَةٌ"؛ لأنّه من "الرَّوْح"، و"دَوَّمَت السحابةُ".
فأمّا "عُصِيٌّ"، و"حُقِيٌّ"، و"دُليٌّ"، ونحوها، فإنّ عَقْدَ ذلك أنّ كلّ جمع يكون على "فُعُولٍ" ولامه واوٌ، فإنّ اللام تنقلب ياءً، فيصير "عُصُويٌ"، فيجتمع الواو والياء، والأوّلُ ساكنٌ، فتُقْلَب الواو ياءً، وتُدّغم الواو في الياء على حدّ "طَيّ"، و"ليّ".
والعلّةُ في ذلك قريبةٌ من حديث "رِداءٍ" و"كِساءٍ".
وذلك أنّ الواو فيها طريقان: أحدهما: أنّ الواو الأولى مَدّةٌ زائدةٌ، فلم يُعتدّ بها كما كانت الألفُ في "كساءٍ" كذلك، فصارت الواو التي هي لام الكلمة كأنّها وليت الضمّةَ، وصارت في التقدير "عُصُوٌ"، فقلبوا الواو ياء على حدّ قلبها في "أحْقٍ"، و"أَدْلٍ".

والآخرُ: أنّهم نزلوا الواو الزائدة منزلةَ الضمّة، فكما قلبوا في "أَدْلٍ"، و"أَحَقٍ"، كذلك قلبوا في نحو: "عُصِيٍّ"، و"دُنيٍّ"، وانضاف إلى ذلك كونُ الكلمة جمعًا، والجمعُ مستثقَل، فصار "عُصِيًّا".
ومنهم من يُتبع ضمّةَ الفاء العينَ ويكسرها، ويقول: "عِصِيٌّ"، بكسر العين والصاد، ليكون العملُ من وجه واحد.
ولو كان المثال "عُصُوًّا" اسمًا واحدًا غيرَ جمع، لم يجب القلبُ؛ لخفّة الواحد.
ألا تراك تقول: "مَغْزُوٌّ"، و"مَدْعُوٌّ"؟ و"عُتُوٌّ" مصدرُ "عَتَا يَعتُو"، فيقرّ الواو، هذا هو الوجه، ويجوز القلبُ، فتقول: "مَغْزِيٌّ"، و"مَدْعيٌّ".
قال الشاعر [من الطويل]: وقد عَلِمَتْ عِرْسي مُلَيكَةُ أنّني... أنا اللَّيثُ مَعْدُوًّا عَليّ وعادِيا 1 يروى بالوجهين معًا.
فأمّا نحو: "عُصِيٍّ"، و"حُقِيٍّ"، فلا يجوز فيها إلّا القلبُ لكونها جموعًا.
فأمّا "النُّجُوُّ" في جمع "نَجْو"، وهو السحاب، و"النُّحُوُّ" للجهات، فهو جمع "نَحْوٍ"، وهو المصدر، فشاذّ، كأنّه خرج تَنبيهًا 2 على أصل البناء، نحو: "القَوَد" و"الحَوَكَة".
قال أبو عثمان: هذا شاذّ ومشبَّهٌ بما ليس مثلَه.
فأمّا "غازٍ" فالياء فيه من الواو, لأنّه من "غَزَا" "يَغزُو"، وإنّما وقعت الواو طرفًا، وقبلها كسرةٌ، والطرفُ في حكم الساكن, لأنّه بعَرَضيّةِ الوقف، والموقوفُ عليه ساكنٌ، فقُلبت ياء على حدّ قلبها في "ميزان"، و"ميعاد"، ونظائرُ ذلك كثيرة.
نحو: "داع"، و"دانٍ" وما أشبه ذلك.
فأمّا "غازِيَةٌ" و"مَحْنِيَةٌ"، فأصلهما: "غازِوَةٌ"، و"مَحْنِوَةٌ"، وإنّما قُلبت الواو وإن كانت متحرّكة من قِبَل أنّها وقعت لامًا، فضعُفت، وكانت التاء كالمنفصلة، فإن قيل: فقد قالوا: "حُنْذُوَةٌ"، فصحّحوا الواو، قيل: إنّما صحّت فيه الواو - وإن كانت آخِرًا- من قِبَل أنّهم لو قلبوها، فقالوا: "حُنْذِيَةٌ"، لم تعلم "أفُعْلُوَةُ" هي أم "فُعْلِيَة"، فجرت مجرى "حِذرِيَةٍ"، و"عِفْرِيَةٍ".
وأمّا "أَدْلٍ" في جمع "دَلوٍ" و"أَحْقٍ" في جمع "حَقْوٍ"، فهما من جموع القلّة على حدّ "أَفْلُسٍ" و"أكعُبٍ" في جمع "فَلْسٍ" و"كَعْبٍ"، ولكنّه لمّا وقعت الواو طرفًا بعد ضمّة، وليس ذلك في الأسَماء المتمكّنة، عدلوا عنهَ إلى أنّ أبدلوا من الضمّة كسرةً، فانقلبت الواو ياءً، فصار من قبيل المنقوص.
ومنه قول الشاعر [من البسيط]: لَيثٌ هزَبرٌ مُدِلٌّ عند خِيسَتِه... بالرّقمَتَين له أَجرٍ وأَعْراسُ 3 والأصل: "أجرُوٌ"، فأبدلوا من الضمّة كسرةً، ومن الواو ياءً على ما تقدّم.

وأمّا "قِيامٌ" و"انقِيادٌ"، فإنّما اعتلّت العين فيهما مع انكسارِ ما قبلها لاعتلال فعلَيهما, ولولا ذلك لمِ يجب الاعتلالُ لتحرُّك الواو، ووقوعِها حشوًا، ألا ترى أنّه لمّا صحّت العين في "لَاوَذ"، صحّت في "لِواذٍ" من قوله تعالى: ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ 1، فكذلك لمّا اعتلّت في "قَامَ"، وجب اعتلالُها في "قِيام".
وكذلك "انْقِيادٌ" اعتلّت العين في المصدر لاعتلال العين في "انْقادَ".
وكذلك "ثِيابٌ" و"حِياضٌ" أصلُ الياء فيهما الواوُ؛ لأنّ الواحد "حَوْضٌ" و"ثَوْبٌ"، فأشبهت لسكونها الألفَ في "دار"، فكما تقول: "دِيارٌ"، كذلك تقول: "ثِيابٌ" و"حِياضٌ".
وإنّما اعتلّت في "دِيارٍ" لاعتلالها في "دار".
قال ابن جِنِّي: إنما قُلبت الواو في نحو: "حِياض" لأمور خمسة، منها أنّ واو الواحد فيها ضعيفةٌ ساكنةٌ، ومنها أنّ قبل الواو كسرةً, لأنّ الأصل "ثِوابٌ" و"حِواض"، ومنها أنّ بعد الواو ألفًا، والألفُ قريبة الشَّبَه بالياء، ومنها أنّ اللام صحيحة غيرُ معتلّة، والجيّد أن تكون هذه الأمور مأخوذةً في الشَّبَه بـ "دارٍ" و"دِيارٍ", ولذلك لم يُعِلّوا نحو: "طِوالٍ" لتحرُّك الواو في نحو: "طَوِيلٍ"، ولم يُعِلّوا نحو "عَوْد"، و"عِوَدَة"، و"زَوْج"، و"زِوَجَة"؛ لأنّ الجمع ليس علي بناء "فِعال" كـ "دِيار", ولم يعلّوا نحو: "طِواء" و"رِواءٍ"، في جمع "طَيّان" و"رَيّانَ"، لاعتلال لامه، فاعرفه.
وأمّا "سَيِّدٌ" و"لَيَّةٌ"، فأصلُ "سيّد": "سَيْوِدٌ" "فَيْعِلٌ" من "سادَ يَسُودُ"، وأصل "لَيَّةٍ": "لَوْيَةٌ" "فَعْلَةُ" من "لَوَى يَدَه" و"لوى غَرِيمَه" إذا مطله، فاجتمعت الواو والياء، وهما بمنزلةِ ما تَدانت مخارجُه، وهما مشتركان في المدّ واللين، والأولى منهما ساكنةٌ، فقُلبت الواو ياءً، ثم ادُّغمت الياء في الياء؛ لأنّ الواو تُقلَب إلى الياء، ولا تقلب الياء إلى الواو، لأنّ الياء أخفُّ، والادّغام نقلُ الأثقل إلى الأخفّ، وقد استقصيتُ هذا الموضعَ في "شرح المُلوكيّ".
وأمّا "أَغْزَيْتُ" و"اسْتَغزَيتُ"، فالياء فيهما بدلٌ من الواو, لأنّه من "الغَزو"، وإنّما قُلبت ياءً لوقوعها رابعةً، وإنّما فعلوا ذلك حملًا على المضارع، نحو: "يُغزِي" و"يَسْتَغْزِي".
وإنما قلبوها في المضارع لانكسار ما قبلها، وذلك مَقيِسٌ مطّردٌ.
وقد أبدلوا الياء من الواو، إذا وقعت الكسرة قبل الواو وإن تراخت عنها بحرفٍ ساكنٍ, لأنّ الساكن لضُعْفه ليس حاجزًا قويًّا، فلم يُعتدُّ حاجزًا، فصارت الكسرة كأنّها باشرتِ الواوَ، وذلك قولهم: "صِبْيَةٌ" و"صبيانٌ"، والأصل "صِبْوَةٌ" و"صِبوانٌ"؛ لأنّه من "صَبَوْت أَصْبُو"، فقُلبت الواو ياءً لكسرة الصاد قبلها, ولم تفصل الباء بينهما لضعفها بالسكون.
وربّما قالوا: "صِبوانٌ"، فأخرجوها على الأصل.
وقد قال بعضهم: "صُبْيانٌ" بضمّ الصاد مع الياء، وذلك أنّه ضمّ الصادَ مع الياء، وذلك أنَّه ضمّ الصادَ بعد أن قلبت الواو ياءً في لغةِ مَن كسر، فأُقرّت الياء على حالها.

وأمّا "ثِيَرَةٌ" فشاذّ، والقياس: "ثوَرَةٌ".
قال أبو العبّاس محمَّد بن يزيد: إنّما قالوا: "ثِيَرَةٌ" في جمع "ثَور" للفرق بين هذا الحيوان، وبين "ثِوَرَةٍ" جمع "ثَورٍ" وهي القطعة من الأقَط.
وقالوا: "ناقةٌ بِلوُ أَسفارٍ، وبِلْيُ أسفار"، وهو من "بَلوتُ".
وقالوا: "ناقةٌ عِليانٌ وعَليانةٌ"، أي: طويلة جسيمة، فهو من "عَلَوْتُ"، فقلبوا الواو ياءً لما ذكرناه من الكسرة قبلها, ولم يعتدّوا بالساكن بينهما لضعفه.
فأمّا "يَيْجَلُ" فقد تقدّم الكلام عليه.

قال صاحب الكتاب: ومن الهمزة في نحو: "ذيبٍ" و"ميرٍ" على ما قد سلف في تخفيفها.

قال الشارح: قد تقدّم الكلام على الهمزة أنّها تقلب ياءً إذا انكسر ما قبلها ساكنةً كانت أو مفتوحةً بما أغنى عن إعادته.

قال صاحب الكتاب: ومن أحد حرفي التضعيف في قولهم: "أمليت"، و"قصَّيت أظفاري"، و"لا وربيك لا أفعل"، و"تسرَّيت", و"تظنَّيتُ"، و ﴿لم يتسن﴾ 1، و"تقضى البازي", وقوله [من الطويل]: 1289 - نزور امرأ أما الإله فيتَّقي... وأما بفعل الصالحين فيأتمي و"التَّصديةِ" فيمن جعلها من "صدَّ يَصدُّ"، و"تلعيت" من "اللُّعاعة"، و"دَهْدَيْتُ",2

و"صهصيتُ", و"مكاكيَّ" في جمع "مكُّوكٍ"، و"دياج" في جمع "ديجوج"، و"ديوانٍ" و"ديباج" و"قيراط"، و"شيراز", و"ديماس" فيمن قال: "شراريز" و"دماميسُ", وقوله [من الرجز]: 1 - [قام بها ينشد كل منشد]... وايتصلت بمثل ضوء الفرقد أبدل الياء من التاء الأولى في "اتصلت", ومما سوى ذلك في قولهم: "أناسي" و"ظرابيُّ", وقوله [من الرجز]: 2 - ومنهل ليس له حوازق... ولضفادي جمه نقانق وقوله [من البسيط]: 3 - لها أشارير من لحم متمَّرة... من الثَّعالي ووخزٌ من أرانيها

وقوله [من الوافر]: 1 - إذا ما عُدَّ أربعة فسالٌ... فزوجك خامسٌ وأبوك سادي وقوله [من الرجز]: 2 - قد مرَّ يومان وهذا الثالي... وأنت بالهجران لا تبالي = (رنب)، 4/ 93 (تمر)، 401 (شرر)، 5/ 428 (وخز)؛ ولرجل من بني يشكر في الكتاب 2/ 273؛ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص 327؛ وجمهرة اللغة ص 395، 1246؛ وسرّ صناعة الإعراب 2/ 742؛ وشرح شافية ابن الحاجب 3/ 212؛ وشرح المفصّل 10/ 24؛ والشعر والشعراء 1/ 107؛ وكتاب الصناعتين ص 151؛ ولسان العرب 1/ 237 (ثعب)، 11/ 84 (ثعل)، 12/ 66 (تلم)؛ والمقتضب 1/ 247؛ والممتع في التصريف 1/ 369؛ وهمع الهوامع 1/ 181، 2/ 157. اللغة: الأشارير: قطع قديد من اللحم.
متمّرة: مجفَّفة.
الثعالي: الثعالب.
الوخز: الشيء القليل.
الأراني: الأرانب.
الإعراب: "لها": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدّم.
"أشارير": مبتدأ مؤخّر مرفوع.
"من لحم": جار ومجرور متعلّقان بـ"تتمّره"."مُتَمَّرة": نعت "أشارير" مرفوع بالضمَّة.
"من الثعالي": جار ومجرور متعلّقان بـ"متمّرة".
"ووخز": الواو حرف عطف، و"وخز" معطوف على "أشارير" مرفوع.
"من أرانيها": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة لِـ"وخز"، وهو مضاف، و"ها" ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإضافة.
وجملة "أشارير": ابتدائيّة لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "الثعالي" و"أرانبها" حيث أبدل الباء ياءً، وأصلهما: "الثعالب"، و"أرانب".

قال الشارح: قد أُبدلت الياء من حروف صالحةِ العدة على سبيل الشذوذ، ولا يقاس عليه، ونحن نسوق الكلام على حسب ما ذكره.
من ذلك قولهم: "أَمْلَيْتُ الكتابَ"، قال الله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ 1، والأصل: "أَمْلَلتُ".
وقال الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ 2. والوجهُ أنّهما لغتان, لأنّ تصرُّفهما واحدٌ، تقول: "أَمْلَى الكتابَ يُمْلِيه إمْلاءً، و"أمَلَّهُ يُمِلُّهُ إمْلالًا"، فليس جعلُ أحدهما أصلاً والآخر فرعًا بأولى من العكس، وقالوا: "قَضيتُ أَطفارِي" حكاه ابن السِّكيت في "قصّصتُ"، أبدلوا من الصاد الثالثة ياء لثقل التضعيف، ويجوز أن يكون المراد "تَقَصَّيْتُ أظفاري", أي: أتيتُ على أقاصيها, لأنّ المأخوذ أطرافها، وطرفُ كلّ شيء أقصاه.
وقالوا: "لا وَرَبِيك لا أفعلُ" يريدون: "لا وَرَبَّك"، فأبدلوا من الباء الثانية ياءً لثقل التضعيف.
وقالوا: "تَسَرَّيتُ"، وأصله "تَسَرَّرْتُ" "تَفَعَّلْتُ" من "السَّرْ"، وهو "النَّكاح"، وسُمّي النكاح سِرًّا، لأنّ من أراده استتر واستخفى، و"سُرِّيَّةَ": فُعْلِيَّةُ منه، فأبدلوا من الراء الثالثة الياء للتضعيف.
وقال أبو الحسن: هو فُعْلِيَّةُ من "السرور"، وذلك أنّ صاحبها يُسَرّ بها.
وقالوا: "تَظَنَّيْتُ"، وأصله "تَظَنَّنْتُ"، و"التظَنِّي": إعمالِ الظنّ، وأصله "التَّظَنُّن"، فأبدلوا من إحدى نوناته الياء لثقل التضعيف، وقالوا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ 3: أصله لم يَتَسَنَّنْ، من قوله تعالى.
﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ 4، أي: متغيَّر، فأبدل من النون الثالثة ياءً، ثم قلبها ألفًا لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها، فصار "يَتَسَنَّى"، ثمّ حذف الألف للجزم، فصار اللفظ: "لم يَتَسَنَّ".
هذا قول أبي عمرو، وقيل: هو من "السَّنَة"، ومعناها أي: لم تُغَيِّرْه السنون بمرورها، وذلك على قول من قال: "سَنَةٌ سَنْواءٌ وسَنَواتٌ".
ومن قرأ: = الحاجب 3/ 213؛ وشرح شواهد الشافية ص 448؛ ولسان العرب 2/ 121 (ثلث)؛ وهمع الهوامع 2/ 157. الإعراب: "قد": حرف تحقيق.
"مرّ": فعل ماضٍ.
"يومان": فاعل مرفوع بالألف لأنّه مثنى.
"وهذا": الواو حرف عطف، و"هذا": اسم إشارة مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ.
"الثالي": بدل أو عطف بيان مرفوع بالضمة المقدّرة على الياء للثقل.
"وأنت": الواو حاليّة، و"أنت": ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
"بالهجران": جار ومجرور متعلّقان بـ "تبالي".
"لا": نافية.
"تبالي": فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
وجملة "قد مرّ يومان": ابتدائيّة لا محل لها من الإعراب.
وجملة "وهذا هو الثالي": معطوفة عليها لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "أنت لا تبالي": في محل نصب حال.
وجملة "لا تبالي": في محلّ رفع خبر المبتدأ.
والشاهد فيه قوله: "الثالي" حيث أبدلت الياء من الثاء، والأصل "الثالث".

"يَتَسَنَّهْ" 1، جاز أن تكون الهاء للسكت، ويكون اللفظُ كما تقدّم, وجاز أن تكون الهاء أصلاً من قولهم: "سانَهتُه".
وأمّا قولهم: "تَقَضَّى البازى"، فالمراد: "تَقَضَّضَ" من قولهم: "انقضّ الطائرُ" إذا هوى في طَيَرانه، ولم يستعملوا التفعّل منه إلّا مُبْدلًا، قال العجّاج [من الرجز]: 1295 - [إذا الكِرامُ ابتَدووا الباع بدرْ]... تَقَضّيَ البازي إذا البازي كَسَرْ وأمّا قول الآخر: نزور امرأ... إلخ أنشده ابن السكّيت عن ابن الأعرابيّ، والشاهد فيه قوله: "يأتمي"، أراد: "يَأْتَمُّ"، لكنّه أبدل من الميم الثانية ياءً؛ فأمّا "التَّصْدِيَة" من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ 3 فالياء بدلٌ من الدال, لأنّه من "صَدَّ يَصِدّ" وهو التصفيق والصوت، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ 4، أي: يَضِجّون، ويَعجِّون،2

فحوّل إحدى الدالَين ياءً.
هذا قول أبي عُبَيدة، وأنكر الرُّسْتَميّ هذا القول، وقال: إنما هو من "الصَّدى"، وهو الصوت.
والوجهُ الأولُ غير ممتنع لوقوع "يصدّون" على الصوت، أو ضرب منه.
وإذا كان كذلك، لم يمتنع أن تكون تَصدِيَةٌ منه، فتكون تَفعِلَة كالتحِلة والتعِلّة.
فَلمّا قُلبت الدال الثانية ياء، امتنع الادغامُ لاختلاف اللفظَين.
وقالوا: "تَلَعيتُ"، أي: أكلتُ اللُّعاعَة، وهي بَقْلَة ناعمة، وذلك فيما حكاه ابن السّكيت عن ابن الأعرابي.
قال الأصمعي: ومنه قيل للدنيا: "لُعاعةٌ"، وأصله: "تَلَعَّعتُ"، أبدلوا من إحدى العينَين ياءً على حدِّ "تَظَنَّيْتُ" كراهيةَ اجتماع العينات.
وقالوا: "دَهْدَيتُ الحجرَ، فتَدَهْدَى، أُدَهدِيه دَهْداةً ودِهداءً": أي: دَهدَهتُه فتَدَهدَهَ، أي: دَحرجتُه فتَدَحرَجَ، قال ذو الرمة [من البسيط]: 1 - [أدنى تَقاذُفِهِ التَّقريبُ أو خَبَبٌ]... كما تَدَهدى من العَرضِ الجَلاميدُ وقال أبو النَّجم [من الرجز]: 2 - كأن صَوتَ جَرعِها المُستعجَلِ... جَندَلَةٌ دَهدَيتَها مِن جَندَلِ

ويدل أن "دَهدَهتُ" هو الأصل قولُهم: "دهدوهة 1 الجُعَل" لِما يُدَحْرِجه.
وقالوا: "صَهصَيتُ" في "صَهصَهتُ" إذا قلت: "صَهْ صَهْ"، بمعنى أسكُتْ، فالياء بدلٌ من الهاء كراهيةَ التضعيف.
وقالوا: "مَكوكٌ"، و"مَكاكِيكُ"، و"مَكاكِيُّ" فيما حكاه أبو زيد، فبعد الكاف ياءٌ مشددة، فهما ياءان، فالأولى بدل من واو "مَكّوك" صارت ياءً في الجمع لانكسار ما قبلها، والثانيةُ بدل من الكاف للتضعيف.
وقالوا: "دَياج" في جمع "دَيجُوجٍ"، وهو المظلِم، يقال: "ليل دَيجُوجٌ"، أي: شديدُ الظُّلْمة، وأصله "دَياجِيجُ"، فكرهوا التضعيف، فأبدلوا من الجيم الأخيرة ياء، فاجتمعت مع الياء الأولى، فخففوا بحذف إحدى الياءيْن، فصار "دَياجٍ" من قبيل المنقوص.
وقالوا: "دِيوانٌ"، وأصله: "دِوّانٌ"، ومثاله "فِعالٌ"، النون فيه لامٌ لقولهم: "دَوَّنْتُ"، و"دُوَيْوِينٌ" في التحقير.
فإن قيل: فهلا قلبتم الواو ياء لوقوع الياء الساكنة قبلها على حد قلبها في "سَيِّدٍ" و"مَيتٍ"، قيل: لأنه كان يؤدّي إلى نقض الغرض، لأنهم كرهوا التضعيف في "دِوّان"، فأبدلوا ليختلف الحرفان، فلو أبدلوا الواو فيما بعدُ، وقالوا: "دِيانٌ"، لعادوا إلى نحو مِما فرّوا منه مع أن الياء غير لازمة؛ لأنها إنما أبدلت تخفيفًا، ألا ترى أنهم قالوا: "دَواوِينُ"، فأعادوا الواو لما زالت الكسرةُ من قبلها، فبانَ لك أن هذه الياء ليست لازمة، لأنها ترجع إلى أصلها في بعض الأحوال؟ وقد قال بعضهم: "دَياوِين"، فجعل البدل لازمًا.
وقالوا: "دِيباجٌ"، والأصل: "دِبّاج" دلّ على ذلك قولهم: "دبَابِيجُ" بالباء في الجمع، كأنهم كرهوا التضعيف، فأبدلوا.
وقالوا: "قِيراط"، وأصله: "قِرَّاط" على ما تقدّم، فأبدلوا من الراء الأولى ياءً لثقل = فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرّك، والتاء: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، و"ها": ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
"من جندل": جار ومجرور متعلّقان بالفعل قبلهما.
وجملة "كأن صوت.. جندلة": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "دهديتها": في محل رفع صفة للجندلة.
والشاهد فيه قوله: "دهديتها" حيث قلب الواو ياء، وكان عليه: أن يقول دهدوت أو دهدهت.

التضعيف، دل على ذلك قولهم في الجمع: "قَرارِيط".
فظهورُ الراء دليلٌ على ما قلناه.
وقالوا: "شيراز"، وقالوا في الجمع: "شَرارِيزُ"، و"شَوارِيزُ".
فمن قال: "شَرارِيزُ"، كان أصله عنده "شِرّازٌ" كـ "قِرّاطٍ"، ومن قال: "شَوارِيزُ"، كانت الياء عنده مبدلة من الواو الساكنة على حدّ الإبدال في "مِيزان" و"مِيعاد".
فإن قيل: فإنّ مثال "فِوْعال" غير موجود، فكيف ساغ حملُ "شيراز" على مثالٍ لا نظيرَ له؟ قيل: عدمُ النظير لا يضُر مع قيام الدليل؛ إمّا إذا وُجد، كان مُؤنِسًا؛ وإمّا أن يتوقف ثبوتُ الحكم مع قيام دليله على وجوده، فلا.
وقالوا: "ديماسٌ" للسجْن وللسَّرَب، ويقال للسرب أيصا: "دَيماس".
وقالوا في جمعه: "دَمامِيسُ" و"دَيامِيسُ"، فمن قال: "دماميس"، كانت الياء مبدلة من الميم في الواحد، وكان من قبيل "قِيراط" و"قرَارِيطَ".
ومن قال: "دَيامِيسُ" لم تكن مبدلة، وكانت مزيدة للإلحاق بـ "سِرداح"، ولذلك قال سيبويه 1 فيمن قال: "شَواريزُ"، و"دَيامِيسُ".
وقالوا في "اتصَلَت": "ايتَصَلَت"، أبدلوا من التاء الأولى ياء للعلة المذكورة، قال الشاعر [من الرجز]: قام بها يُنشِدُكل مُنشِدِ... فايتَصَلَت بِمِثْلِ ضَوْءِ الفَرْقَدِ 2 أراد: اتصَلَتْ، فكره التضعيف.
وقالوا: "إِنسانٌ"، و"أَنَاسِيّ"، و"ظَرِبانٌ"، و"ظَرابِيُّ".
فأما "أناسِيّ" فأصله: "أناسِين" على حد "سِرْحانٍ"، و"سراحِينَ" فأبدلوا من النون ياء، وادغموا الياء المبدلة من النون في الياء الأولى المبدلة من الألف في "إنسان".
وقيل: "أَناسيُّ" ليس بتكسير "إنسان"، وإنما هو جمعُ "إنسِيٍّ" كـ "بُختِي"، و"بَخاتِيّ".
وكذلك "ظَرِبانٌ" بفتح الظاء وكسر الراء - وهي دُوَيبة كالهِرة مُنتِنَةٌ، تزعم العربُ أنها إذا فستْ في ثوب أحدهم حين يَصِيدها يَبْلَى الثوبُ، ولا تبلى رائحتُها، وفي المَثَل "فسا بينهم الظربانُ" 3 إذا تقاطعوا، ويُجمع على "ظَرابِينَ" كـ "سَراحين"، وقالوا: "ظَرابيّ" أبدلوا من النون ياء كما قالوا: "أَناسيُّ".
قال الشاعر [من الطويل]: 1298 - وهل أَنْتُم إلا ظَرابِيُّ مَذحِجٍ... تَفاسَى وتَسْتَنشِي بآنفِها الطُّخْمِ4

وربما قالوا في الجمع: "ظِربَى" كـ"حِجْلى".
قال الفرزدق [من الطويل]: 1 - وما جَعَل الظرْبَى القِصارُ أنوفَها... إلى الطِّمّ من مَوْجِ البِحارِ الخَضارِمِ وربما جاء هذا البدل في غير التضعيف، أنشد سيبويه لرجلٍ من يَشْكُرَ، وقيل: هو مصنوع لخَلَفٍ الأحمر [من الرجز]: ومنهل ليس له... إلخ (2) أراد: "الضَّفادِع"، فأبدل من العين الياء ضرورة.
والمَنْهَل: المَورِد، والحَوازقُ: الجماعات، واحدتُها: حَزِيقةٌ جُمعت جمع "فاعِلَةَ"، كأنها حازِقَةٌ، لأن الجمع قد يُبْنَى = اللغة: الظرابي: جمع الظربان وهو حيوان كريه الرائحة.
مذحِج: اسم قبيلة عربية.
تفاسى وتتفاسى: تخرج ريحًا بدون صوت.
تستنشي: تشمّ.
الطخم: جمع الأطخَم، وهو مقَدّم الخُرطوم في الإنسان والدابة.
المعنى: يهجو أناسًا عادًّا إياهم هذه الحيوانات المنتنة، تفسو وتشم هذه الروائح بأنوفها.
الإعراب: "وهل": الواو: بحسب ما قبلها، "هل": حرف استفهام لا محل له.
"أنتم": ضمير منفصل مبنى في محلّ رفع مبتدأ.
"إلا": حرف حصر.
"ظرابى": خبر المبتدأ مرفوع بالضمّة، وهو مضاف.
"مذحج": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"تفاسى": فعل مضارع مرفوع بضمّة مقدرة على الألف للتعذّر، وفاعله ضمير مستتر جوازًا تقديره: هي.
"وتستنشي": الواو: حرف عطف، "تستنشي": تعرب إعراب "تفاسى" عدا أن الضمّة مقدرة على الياء للثقل.
"بآنفها": جارّ ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و"ها": ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
"الطخم": نعت مجرور بالكسرة.
وجملة "أنتم ظرابي مذحج": بحسب الواو.
وجملة "تفاسى": في محلّ نصب حال، وعطف عليها جملة "تستنشي" فهي في محل نصب حال كذلك.
والشاهد فيه قوله: "ظرابى" حيث أبدلوا النون في "ظرابين" ياءً.

على غيرِ واحده.
والنَقانِق: أصوات الضَفادِع، واحدُها نَقنَقَةٌ.
وأنشد أيضًا [من البسيط]: لها أشارير... إلخ (1) فأراد: الثعالب، وأرانِبها، فاضطُرّ إلى الإسكان، فلم يُمكِنه ذلك، فأبدل من الباء ياء ساكنة في موضع الجر.
يصف عُقابًا، والأشارِيرُ: جمعُ إشرارةٍ، وهي: القطعة من اللحم تُجفَّف للادّخار.
ومعنى "مُتَمَّرَة": مُجفَّفةٌ، من التمر، يريد: بقّاها في وَكرها حتى تجِفَّ لكثرتها، والوَخْز: القطعُ من اللحم، وأصل الوخز الطعنُ الخفيف، يريد ما يقطعه من اللحم بسرعة؛ وأما قوله [من الوافر]: إذا ما عدّ أربعة... إلخ (2) أراد سادِسًا، فأبدل من السين ياء ضرورة.
ومثله قول الراجز: يَفدِيكَ يا زُرْعَ أبي وخالي... قد مَرّ يَومان وهذا الثالي وأنَتَ بالهِجران لا تُبالِي (3) فإنه أبدل من الثاء الثانية ياء، كأنه كره بابَ "سَلِسَ" و"قَلِقَ"، فاعرفه.

جارٍ التحميل