فصل [تنكير اسمها]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: "وحقُّه أن يكون نكرةً.
قال سيبويه 5: واعلمْ أنّ كلَّ شيء حسُن لك أن تُعمِل فيه "رُبَّ" حسُن لك أن تُعمِل فيه "لا"؛ وأمّا قول الشاعر [من الرجز]:
324 - لا هَيْثَمَ الليلةَ للمَطِيِّ12346
وقولُ ابنِ الزّبِير الأسدِيَّ [من الوافر]: 1 - أرَى الحاجاتِ عند أبي خُبَيْب... نَكِدْنَ ولا أُمَيّةَ بالبِلادِ وقولهم: "لا بَصْرَةَ لَكم"، و"قَضِيّةٌ وَلا أبَا حَسَنٍ لها"، فعلى تقديرِ التنكير، وأمّا "لا سِيَّمَا زيدٍ"، فمثلُ "لا مِثْلَ زيدٍ"".
قال الشارح: وقوله: وحقّه أن يكون نكرةً، يعني الاسمَ الذي تعمل فيه "لا"، فإنّه لا يكون إلَّا نكرة من حيثُ كانت تنفي نفيًا عامًّا مستغرِقًا، فلا يكون بعدها معيَّنٌ، فـ "لا" في هذا المعنى نظيرةُ "رُبَّ" و"كَمْ" في الاختصاص بالنكرة, لأنّ "رُبَّ" للتقليل، و"كَمْ" للتكثير، وهذا الإبهامُ أوْلى بها.
وقد جاءت أسماءٌ قليلةٌ ظاهرُها التعريفُ، والمراد بها التنكيرُ فمن ذلك قول الشاعر [من الرجز]:
لا هَيْثَمَ الليلةَ للمَطِيّ
أنشده سيبويه (2)، والشاهدُ فيه نصبُ "هيثم" بـ "لا"، وهو اسمٌ عَلَمٌ.
وهي لا تعمل إلَّا في نكرةٍ.
وجاز ذلك، لأنّه أراد: أمثالَ هيثم مِمَّن يقوم
مقامَه في جُودَةِ الحِداء للمَطِيّ.
ونحوُه قولُ ذي الرُمّة [من الطويل]:
1 - هي الدارُ إذْ مَيٌّ لأهْلِكَ جِيرةٌ... لَيالِيَ لا أمْثالَهُنَّ لَيالِيَا
فلمّا قُدّر بِـ "مثْلٍ"، تَنكّرَ، لأنّ "مثلاً" نكرةٌ، وإن أُضيفت إلى معرفة.
وقد يُطْلَق "مثلٌ" ويكون المرادُ به ما أُضيف إليه، كما يقول القائل لِمَن يخاطِبه: "مثلُك لا يتكلّم بهذا"، و"مثلُك لا يفعل القبيحَ"، وعليه قولُه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (2) في قِراءة الجماعة غيرِ أهل الكوفة (3)، بخفضِ "مثلٍ" والإضافةِ.
ألا ترى أنّه إنّما يَلزمه جزاءُ المقتول، لا جزاءُ مثله.
وأما قوله: "ولا أُمَيَّةَ في البلاد"، فهو لعبد الله بن زَبِير بن فُضالةَ بن شريك الوالي من أسَدِ بن خُزَيْمَةَ، والزَّبيرُ بفتح الزاي، وكسر الباء.
والشاهدُ فيه نصبُ "أُميّةَ" بـ "لَا"، وهو عَلَمٌ، على إرادةِ: ولا أمثالَ أُميّةَ كالذي قَبْلَه.
يقول هذا لعبد الله بن الزُّبَيْر حين أتاه مستمنِحًا، فلمّا مَثَلَ بين يَدَيْه، قال له: "إنّه نفِدتْ نَفَقَتِي، ونقِبتْ راحِلتي"، فقال: "أحْضِرْها"، فأحضرها.
فقال: "أقْبِلْ بها"، فأقبل.
ثمّ قال: لا أدْبِرْ بها" فأدبر.
فقال: "ارْقَعْها بسِبْبٍ، واخْصِفْها بهُلْبٍ، وأنْجِدْ بها يَبْرُدْ خُفُّها".
السِّبْتُ: جُلودُ البَقَر تُدْبَغ بالقَرَظ، تُحْذَى منه النعال، والهُلْبُ: شَعْرُ الخِنزير الذي يُخْرَز به.
فقال له ابنُ فضالة:
إنّني أتيتُك مستحمِلاً، لا مستوصِفًا، فلَعَنَ الله ناقةً حملتْني إليك.
فقال ابنُ الزُّبَيْر: "إنَّ وراكِبَها"، وانصرف عنه، وكان مُبخَّلاً، فذَمَّه، ومدح بني أُميّة، فقال [من الوافر]:
أقُولُ لغِلْمَتِي شُدُّوا رِكابي... أُجاوِزُ بَطْنَ مَكَّةَ في سَوادِ
فَمَا لي حِينَ أقْطَعُ ذاتَ عِرْقٍ... إلى ابن الكاهِليّة من مَعادِ
أرَى الحاجاتِ عند أبي خُبَيْبٍ... نَكِدْنَ ولا أُمَيَّةَ في البِلادِ
قوله: "ابن الكاهليّة" يعني أُمَّه، وكانت من كاهِل، وهو حَيٌّ من هُذَيْل.
ولمّا بلغ عبدَ الله هذا الشعرُ، قال: عَلِمَ أنّها شَرُّ أُمّهاتي، فعَيَّرَني بها، وهي خير عَمّاته.
وأبو خُبَيْب عبدُ الله بن الزبير، وخبيبٌ ابنُه، وهو أكبرُ أولاده، وكان يُكْنَى به، قال الراعِي [من الكامل]:
ما إنْ أتَيْتِ أبَا خُبَيْبٍ وافِدًا... إلَّا أُريدُ لَبَيْعَتِي تَبْدِيلَا
وقوله: نكدن، أي: ضِقْنَ، وَبَعُدْنَ.
والنَّكَدُ: ضَيْقُ العَيْش.
وأراد بالبلاد ما كان من بلادِ عبد الله، وفي طاعته زمنَ خِلافته.
وأمّا قوله: "لا بَصْرَةَ لكم"، فالمراد: لا مثلَ بصرةَ لكم، والبصرةُ هنا أحدُ العِراقَيْن.
وقولهم: "قَضيّةٌ ولا أبا حسنٍ لها"، المراد عليُّ بن أبي طالِبٍ، رِضوانُ الله عليه، أي: مثلَ أبي الحسن.
كأنّه نفي منكورِين كلُّهم في صفةِ عليّ، أي: لا فاضلَ، ولا قاضِيَ مثلَ أبي الحسن.
فالمرادُ بالنفي هنا العمومُ، والتنكيرُ، لا نفيُ هؤلاء المعرَّفين، وعَلِمَ المخاطَبُ أنّه قد دخل هؤلاء في جملةِ المنكورين.
وليس المعنى على نفي كلِّ مَن اسمه هَيْثَمٌ، أو أُمَيَّةُ، أو عليٌّ، وإنّما المراد نفيُ منكورين كلُّهم في صفةِ هؤلاء.
فالعَلَمُ إذا اشتهر بمعنًى من المعاني، ينزَّل منزلةَ الجنس الدالِّ على ذلك المعنى، فالمعنى الذي يُقال هذا الكلامُ عنده هو الذي يسوِّغ التنكيرَ، وذلك أنَّه إنّما يُقال لإنسانٍ يقوم بأمْرٍ من الأمُور له فيه كِفايةٌ، ثمّ يحضُر ذلك الأمرُ، ولم يحضر ذلك الإنسانُ، ولا مَن كَفَى فيه كفايتَه، فاعرفه.
وأمّا "لا سِيَّمَا زيدٍ"، فـ "السِّيُّ": المثلُ، فكأنّه لا مِثْلَ زيدٍ، فهو نكرةٌ من جهة المعنى.