شرح المفصل لابن يعيشفصل [وقوع المصدر حالًا]

فصل [وقوع المصدر حالًا]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "وقد يقع المصدر حالاً كما تقع الصفة مصدراً في قولهم: "قم قائماً"، وفي وقوله [من الطويل]: 277 - [ألم ترني عاهدت ربي وإنني... لبين رتاجٍ قائمًا ومقامِ123

علي حلفةٍ لا أشتم الدهر مسلمًا]... ولا خارجا من فيَّ زور كلام وذلك قتلته صبراً، ولقيته فجاءه وعياناً كفاحاً، وكلمته مشافهة، وأتيته ركضاً وعدواً ومشياً، وأخذت عنه سمعاً، أي مصبوراً ومفاجئاً ومعايناً, وكذلك البواقي وليس عند سيبويه 1 بقياسٍ.
وأنكر "أتانا رجلة وسرعة".
وأجازه المبرد في كل ما دل عليه الفعل".
= وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب 1/ 177؛ ولسان العرب 2/ 279 (رتج) (البيت الأول)؛ والمقتضب 3/ 269. اللغة: عاهدته: حالفته وعقدت معه ميثاقًا.
الرتاج: الباب العظيم الكبر، أو الباب المغلق.
المعنى: أعطيت ربي ميثاقًا لا أخونه، لا أسب مسلمًا ما دمت حيًا، وقد أعطيت ميثاقي هذا وأنا في مكان عظيم بين المقامين الساميين، الكعبة المشرفة، وحرم إبراهيم النبي - عليه السلام -. الإعراب: "ألم ترني": الهمزة: حرف استفهام، و"لم": حرف نفي وقلب وجزم، "ترني": فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الألف المقصورة) من آخره، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
"عاهدت": فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك، والتاء: ضمير متصل مبنيّ في محل رفع فاعل.
"ربي": مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل الياء لاشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: ضمير متصل مبنيّ في محل جر بالإضافة.
"وإنني": الواو: حالية، و"إنّ": حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: ضمير متصل مبنيّ في محل نصب اسمها.
"لبين": اللام: المزحلقة للتوكيد، و"بين": مفعول فيه ظرف مكان منصوب متعلق بخبر محذوف، وهو مضاف.
"رتاج": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
"قائمًا": حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
"ومقام": الواو: عاطفة، "مقام": اسم معطوف على "رتاج" مجرور مثله.
"على حلفة": جار ومجرور متعلقان بالفعل "عاهدت".
"لا": نافية.
"أشتم": فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنا.
"الدهر": مفعول فيه ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بالفعل "أشتم".
"مسلمًا": مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
"ولا خارجًا": الواو: حرف عطف، و"لا": نافية.
"خارجًا": مفعول مطلق (لوقوعه موقع المصدر الموضوع موضع الفعل) منصوب، أو حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
"من فيّ": "من": حرف جر، "فيّ": اسم مجرور بالكسرة المقدرة على ما قبل الياء، والياء: ضمير متصل مبنيّ في محل جر بالإضافة، والجار والمجرور متعلقان باسم الفاعل "خارجًا".
"زور": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
"كلام": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
وجملة "ألم ترني": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "عاهدت ربي": في محل نصب مفعول به ثانٍ.
وجملة "إنني": مع الخبر المحذوف في محل نصب حال.
وجملة "لا أشتم": في محل نصب حال.
والشاهد فيه قوله: "خارجًا" حيث نصب لوقوعه موقع المصدر، والتقدير: ولا يخرج خارجًا.
ويرى بعضهم أنه حال، والتقدير: غير خارجٍ.

قال الشارح: اعلم أنّ المصدر قد يقع في موضع الحال، فيقال: "أتيتُه رَكْضًا"، و"قتلتْه صَبْرًا"، و"لقيتُه فُجاءةً وعِيانًا" و"كلّمتُه مُشافَهةً".
والتقدير: أتيتُه راكِضًا، وقتلتُه مصبورًا، إذا كان الحالُ من الهاء، فإن كان من التاء فتقديرُه: قتلتُه صابرًا، ولقيتُه مُفاجِئًا ومُعايِنًا، وكلّمتُه مُشافِها.
فهذه المصادرُ وشبْهُها وقعتْ موقعَ الصفة، وانتصبتْ على الحال كما قد تقع الصفةُ في موقع المصدر المؤكِّدِ، نحوَ: "قُمْ قائمًا"، والأصلُ: قُم قِيامًا.
ألا ترى أنّه لا يحسن أن يُحمَل على ظاهره، فيقالَ: إِنّه حالٌ، لأنّك لا تأمر بفعلٍ مَن هو فيه؟ ومثلُه قوله [من الطويل]: على حِلْفَةٍ لا أشْتِمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا... ولا خارِجًا مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ البيت للفَرَزْدَق وقبله: ألَمْ تَرَنِي عاهَدْتُ رَبِّي وإنِّنِي... لَبَيْنَ رِتاجٍ قائمًا ومَقامِ الشاهد فيه نصبُ "خارجًا من فيّ زورُ كلام".
ونَصَبَه لوُقوعه موقع المصدر الموضوع موضعَ الفعل.
والتقديرُ: عاهدتُ رَبّي لا يخرُج من فيَّ زورُ كلام خُروجًا.
ويجوز أن يكون قوله: "ولا خارجًا" حالًا، والمراد: عاهدتُ ربّي غيرَ شاتمٍ، ولا خارجٍ، أي: عاهدتُه صادقًا.
وهو رأيُ عيسى بن عمرو، والمعنى أنّه تابَ عن الهِجاء، وقَذْفِ المُحصَنات، وعاهَدَ اللَّهَ على ذلك بين رِتاجِ الكَعْبة، وهو بابُها ومقامِ إبراهيمَ، صلواتُ الله عليه.
والأوّلُ مذهبُ سيبويه، وليس ذلك بقياس مُطّرِد وإنّما يُستعمل فيما استعملته العربُ، لأنّه شيءٌ وضع موضعَ غيره، كما أنّ باب "سَقيًا ورَعْيًا" و"حَمْدًا" لا يطّرِد فيه القياس، فيقال فيه: "طَعامًا وشَرابًا".
وكان أبو العَبّاس يُجِيز هذا في كلّ شيء يدلّ عليه الفعلُ، فأجاز أن تقول: "أتانا رُجْلَةً"، و"أتانا سُرْعَةً"، ولا يقال: "أتانا ضَرْبًا"، ولا "أتانا ضِحْكًا"، لأنّ الضرب والضحكَ ليسا من ضروب الإتيان، لأنّ الآتِيَ ينقسِم إتيانُه إلى سُرْعةٍ، وإبْطاءٍ، وتوسُّطٍ، وينقسم إلى رُجْلَةٍ ورُكوبٍ، ولا ينقسم إلى الضرب، والضحكِ.
وكان يقول: إنّ نصبَ "مَشْيًا" وشِبْهِه إنّما هو بالفعل المقدَّر، كأنّه قال: أتانا يَمْشِي مَشْيًا.
والصحيح مذهبُ سيبويه، وعليه الزجّاجِ، لأنّ قولَ القائل: "أتانا زيدٌ مشيًا" يصِحّ أنّ يكون جوابًا لقائلٍ قال: "كيف أتاكم زيدٌ؟ " وممّا يدلّ على صحّةِ مذهب سيبويه أنّه لا يجوز أنّ تقول: "أتانا زيدٌ المَشْيَ" مُعَرَّفًا.
وعلى قياس قول أبي العبّاس يلزَم أن يجوز ذلك، لأنّه يكون تقديرُه: أتانا زيد يمشي المشيَ، كما قالوا: "أرْسَلَهَا العِراكَ".
والتقديرُ: أرسلها تعترِكُ العراكَ.
وقد ذهب السيرافيُّ إلى جوازِ أنّ يكون قولك: "أتانا زيدٌ مَشْيًا" مصدرًا مؤكِّدًا، والعاملُ فيه أتانا، لأنّ المَشْيَ نَوْعٌ من الإتيان، ويكون من المصادر التي ليست من لفظ الفعل، نحو: "أَعْجَبَنِي حُبًّا"، و"كَرِهْتُه بُغْضًا"، و"تَبسّمَتْ

وَمِيضَ البَرْقِ".
وهو قولٌ، إلاّ أنّ كَوْنه لم يَرِد إلّا نكرةً يدلّ على ضُعْفه، إذ لو كان مصدرًا على ما ادّعاه، لم يمتنِع من وقوع المعرفة فيه، فاعرفه.

جارٍ التحميل