شرح المفصل لابن يعيشفصل [تعريف الاسم المعرب]

فصل [تعريف الاسم المعرب]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "والاسم المعرب ما اختلف آخره باختلاف العوامل, لفظًا أو محلّاً, بحركةٍ أو حرفٍ.
فاختلافه لفظًا بحركة في كلِّ ما كان حرف إعرابه صحيحًا أو جاريًا مجراه, كقولك: "جاء الرجلُ", و"رأيت الرجل", و"مررت بالرجل"".

قال الشارح: "قوله ما اختلف آخِرُه"؛ يريد من الأسماء، لكنّه تركه ثِقَةً بعلم المخاطَب به، ولولا ذلك التقديرُ، لكان اللفظ عامًا يشمَل الاسمَ والفعلَ المعرَبَيْن، وإنمَّا مرادُه تفسيرُ الاسم المُعْرَب لا غيرُ.
ويجوز أن يكون أطلق العامَّ، وأراد به الخاصَّ، واحترز بذلك من المبنيّ, لأن المبنّي لا يختلف آخِرُه، وإنّما يلزم طريقةً واحدةً من سكونٍ أو حركةٍ؛ فحركةُ آخره كحركة أوّلِه وحَشوِه في اللزوم والثبات.
والمرادُ باختلاف الآخِر اختلافُ الحركات عليه، لا أنّ الحرف في نفسه يختلف ويتغيّر.
وقوله: "باختلاف العوامل"؛ يحترز ممّا قد يتحرّك من المبنيّات على السكون، بغير حركةٍ لالتقاء الساكنَيْن، أو لإلقاء حركةِ غيره عليه.
فالأوّلُ نحوُ: "شُدُّ"، و"شُدَّ"، و"شُدِّ"، و"مُدُّ"، و"مُدَّ"، و"مُدِّ"؛ فهذا وأشباهُه يجوز فيه ثلاثة أوجه: الضمّ والفتح والكسر.
فالضمُّ للإتباع، والفتحُ للتخفيف، والكسرُ لالتقاء الساكنَيْن.
ومن ذلك قولك: "أخذت مِنَ الرجُل"؛ فتفتح النون لالتقاء الساكنَيْن بسكونها وسكون اللام بعدها، وتقول: "أخذت مِنِ ابْنِكَ"، فتكسرها لسكون النون وما بعدها.
وأمّا ما حُرّك لإلقاء حركة غيره عليه، فنحو قولك: "كَمَ خَذْتَ"؟ في: "كَمْ أخذت"؟ "وكَمِ بِلِكَ"؛ في: "كَمْ إبِلِكَ"؟ و"كَمُ خْتًا لك"؟ في: "كَمْ أُخْتًا لك"؟ ألقيتَ حركاتِ الهمزات على الميم تخفيفًا للهمزة، وقد قُرىء ﴿قَدَ فْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ 1. وهذا يأتي في موضعه مستوفىً.
وهذا اختلافٌ كائنٌ في المبنيّات، وليس بإعراب, لأنّه لم يَحْدُث بعامل، فلذلك قيّد الاختلافَ أن يكون بعامل، ولم يُطْلِقْهُ.

وقوله: "لفظًا أو محلاًّ"؛ احترز به من الأسماء التي لا يتبيّن فيها الإعرابُ، وإنّما يُدْرَك البيان من العوامل قبلها، وذلك نحو الأسماء المقصورة، من نحو: "عَصًا"، وَ"رَحًى"؛ والمنقوص في حالتَي الرفع والجرّ, لأن هذه الأسماء معرَبةٌ، وإن لم يظهر فيها إعرابٌ، وإنّما لم يظهر فيها إعراب لنُبُوِّ حرف الإعراب عن تحمُّل الحركات.
وجملة الأمر أنّ المعرب على ضربَيْن: أحدهما: باختلاف في اللفظ بادٍ للأسماع؛ والآخرُ: باختلاف في المحلّ، يقدر تقديرًا من غيرِ أن يُلْفَظ به.
فالاختلافُ في اللفظ يكون بحركة، أو حرف.
فالاختلاف بالحركة يكون في كلّ اسم حرفُ إعرابه صحيحٌ، أو جارٍ مجرى الصحيح.
فالصحيح ما لم يكن حرفُ إعرابه حرفَ عِلّة، كالواو، والياء، والألف، وذلك نحو: "رجل"، "وفرس".
فالآخِرُ من هذه الكَلِم قد اختلف بحسبِ تعاقُب العوامل في أوّلها، وهو: الابتداء، ورأيت، والباء 1. وقوله: "أو ما كان جاريًا مجراه"؛ يريد أو ما كان جاريًا مجرى الصحيح من المعتل، وذلك إذا سكن ما قبل حرف العلّة منه، وإنّما يتأتى ذلك في الواو، والياء.
فأمّا الألف فلا يمكن سكونُ ما قبلها، وإذا سكن ما قبل حرف العلّة، جرى مجرى الصحيح في تعاقُب حركات الإعراب عليه، نحو قولك: "هذا غَزْوٌ وظَبْيٌ"، و"رأيت غزوًا وظبيًا"، و"مررت بغزوٍ وظبي".
وإنما كان كذلك لأنّ الواو إذا انضمّ ما قبلها، والياءَ إذا انكسر ما قبلها، أشبهتا الألفَ، وصارتا مَدَّتَيْن، كما أن الألف كذلك، فحينئذ تثقل الضمّةُ والكسرةُ عليهما، كثقلهما على الألف، إلَّا أن امتناع الألف من الحركة للتعذّر، وامتناعَ الواو والياء منها نوعُ استحسانٍ للثقل، مع إمكان الإتيان بهما فيهما.
فأمّا إذا سكن ما قبل الواو والياء، زال المَدّ منهما، وفارقتا الألفَ بذلك، فجرتا لذلك مجرى الصحيح، ولم يثقل عليهما ضمّةٌ وكسرةٌ.
وكذلك الواو المشدّدة، والياء المشدّدة، تدخلهما حركاتُ الإعراب من غير ثقل؛ تقول: "هذا عَدُوٌّ وكُرْسِيٌّ"، و"رأيت عدوًّا وكرسيًّا"، و"مررت بعدوٍّ وكرسيٍّ ". وذلك لأنّ الحرف المشدَّد يُعَدّ بحرفَيْن، الأوّل منهما ساكنٌ، والثاني متحرّك.
والواوُ الأولى من "عدوّ" والياءُ الأولى من "كرسيّ" بمنزلة الزاي من "غَزْوٍ"، والباء من "ظَبْي" والحاء من "نُحْيٍ" في السكون، فلذلك كان حكمُهما في تعاقُب الحركات عيهما واحدًا.
فإن قيل: "قد اشترطتم في الاسم المعرب بالحركات أن يكون حرفُ إعرابه صحيحًا، فما تعنون بحرف الإعراب"؟ فالجواب: أن المراد بقولنا: "حرف الإعراب":

محلُّ الإعراب، وهو من كل معرب آخِرُه، نحوُ الدال من "زيد"، والباء من "يَضْرِبُ".
وعلى هذا لا يكون للمبنيّ حرفُ إعراب، لأنه لا إعرابَ فيه، وربمّا سُمي آخِرُ الكلمة مطلقًا حرفَ إعراب، سواء كانت معربة، أو لم تكن معربة، فعلى هذا حرفُ الإعراب مِن "ضَرَبَ": "الباءُ"؛ على معنَى أنّه لو أُعْرب، أو كان ممّا يُعْرَب، لكان محلَّ الإعراب.
فإن قيل: "ولِمَ كان الإعراب في آخر الكلمة، ولم يكن في أوّلها، ولا في وَسَطها"؟ قيل: إنّما كان كذلك لوجهَيْن: أحدهما: أن الإعراب دليلٌ، والمعربَ مدلولٌ عليه.
ولا يصحّ إقامةُ الدليل، إلَّا بعد تقدُّم ذكرِ المدلول عليه؛ فلذلك كان الإعراب آخرًا.
الوجهُ الثاني: أنه لمّا احتيج إلى الإعراب، لم يَخْلُ من أن يكون أوّلاً، أو وسطًا، أو آخرًا.
فلم يجز أن يكون أوّلاً, لأن الحرف الأول لا يكون إلّا متحرّكًا.
فلو جُعل الإعراب أوّلاً، لم يُعْلَم إعرابٌ هو أم بناءٌ.
ومع ذلك، فإنّ من جملة الإعراب الجزمَ الذي هو سكونٌ في آخِر الأفعال.
فلو كان الإعرابُ أوّلاً لامتنع منها الجزم، إذ الأوّل لا يمكن أن يكون ساكنًا.
ولم يُجْعَل وسطًا، لأن بوسط الكلمة يُعْرَف وزنها: هل هي على "فَعَلٍ"، كـ "فَرَسٍ"، أو"فَعِلٍ"، كـ "كَتِفٍ"، أو على "فَعُلٍ" كـ "عَضُدٍ"، مع أنّ من الأسماء ما هو رباعيٌّ لا وسطَ له.
فلمّا امتنع الاْوّلُ والوسطُ بما ذكرناه، لم يبق إلَّا جَعْلُ الإعراب آخِرًا، فاعرفه.

[المُعرب بالحروف]

قال صاحب الكتاب: "واختلافه لفظًا بحرف في ثلاثة مواضع: في الأسماء الستة مضافة, وذلك نحو:"جاءني أبوه, وأخوه, وحموه, وهنوه, وفوه, وذو مال", ورأيت أباه", و"مررت بأبيه", وكذلك الباقية؛ وفي "كلا" مضافًا إلى مضمر, تقول: "جاءني كلاهما", و"رأيت كليهما", و"مررت بكليهما"؛وفي التثنية والجمع على حدّها, تقول: "جاءني مسلمان ومسلمون" ورأيت مسلمينِ ومسلمينَ", و"مررت بمسلمين ومسلمين"".

قال الشارح: اعلم أن أصل الإعراب أن يكون بالحركات، والإعرابُ بالحروف فَرْعٌ عليها.
وإنمّا كان الإعراب بالحركات هو الأصل لوجهَيْن: أحدهما: أنّا لمّا افتقرنا إلى الإعراب للدلالة على المعنى، كانت الحركات أوْلى, لأنها أقلُّ وأخفُّ، وبها نَصِلُ إلى الغرض، فلم يكن بنا حاجةٌ إلى تكلُّفِ ما هو أثقل.
ولذلك كثرتْ في بابها، أعني الحركات، دون غيرها، ممّا أُعْرب به.
وقُدّر غيرها بها ولم تُقدَّر هي به.
الوجه الثاني: أنَّا لمّا افتقرنا إلى علامات تدل على المعاني وتفرق بينها، وكانت الكَلِم مركَّبة من

الحروف، وجب أن تكون العلامات غيرَ الحروف؛ لأنّ العلامة غيرُ المعلَّم، كالطَّراز في الثوب.
ولذلك كانت الحركات هي الأصلَ؛ هذا هو القياس.
وقد خُولف الدليل، وأعربوا بعضَ الكلم بالحروف لأمرٍ اقتضاه، وذلك في مواضعَ.
منها: الأسماء الستّة المعتلّة؛ إذا كانت مضافة؛ ومنها "كِلا"؛ ومنها التثنية، والجمع السالم.
فأمّا الأسماء الستّة المعتلّة، وهي: "أخوك"، و"أبوك"، و"حموك"، و"فوك"، و"هنوك"، و"ذو مال"، فهذه الأسماء إذا أُضيفت إلى غير ضميرِ متكلّم، كان رفعها بالواو، ونصبها بالألف، وجرّها بالياء؛ نحوَ قولك: "هذا أخوك وأبوك"، و"رأيت أخاك وأباك" و"مررت بأخيك وأبيك".
وكذلك سائرها.
وإنما أُعربت هذه الأسماء بالحروف, لأنها أسماءٌ حُذفت لاماتها في حال إفرادها، وتضمّنت معنى الإضافة، فجُعل إعرابها بالحروف كالعوض من حذفِ لاماتها.
واحترزنا بقولنا: "وتضمّنت معنى الإضافة"، عن مثل "يَدٍ"، و"دَم"، و"غَدٍ"، وشِبْهِها ممّا حُذفت لامه.
فإن قيل: قولكم: "تضمّنت معنى الإضافة" زيادةُ وصف لا تاثيرَ له، وإلحاقُه بالعلّة يكون حَشْوًا، فلا يكون جُزْء للعلّة.
فالجواب لا نُسِلّم أنَّه لا تأثير له، وذلك لأنه إذا تضمّن معنى الإضافة، صار في معنى التثنية، لدلالته على شيئَيْن، مع أنّا نقول: إن إلحاق الوصف بالعلّة، مع عدم المناسَبة إذا ذُكر احترازًا من وُرود نَقصٍ، جاز كما لو كان له تأثير؛ وذلك لأنّ الأوصاف في العلّة تفتقر إلى شيئَيْن: أحدهما: أن يكون لها تأثيرٌ، والثاني: أن تكون للاحتراز.
فكما لا يكون ما له تأثير حشوًا، كذلك لا يكون ما فيه احتراز حشوًا.
وقال قوم: إنّما أُعربت هذه الأسماء بالحروف توطئة لإعراب التثنية والجمع بالحروف؛ وذلك أنهم لمّا اعتزموا إعرابَ التثنية والجمع بالحروف؛ جعلوا بعض المفردة بالحروف، حتى لا يُسْتوحش من الإعراب في التثنية والجمع السالم 1 بالحروف.
ونظيرُ التوطئة ها هنا قول أبي إسحاق: "إنّ اللام الأوُلى، في نحو قولهم: "واللهِ لَئنْ زُرْتَني لأكرمتُك"، إنّما دخلت زائدة مُؤْذِنة باللام الثانية التي هي جوابُ القسم ومعتمَدُه".
وقد اختلفوا في هذه الحروف؛ فذهب سيبويه إلى أنهّا حروف إعرابٍ، والإعراب فيها مقدَّرٌ، كما يقدَّر في الأسماء المقصورة؛ وإنّما قُلبت في النصب والجرّ للدلالة على الإعراب المقدَّر فيها, ولا يلزم مثلُ ذلك في الأسماء المقصورة, لأنّهم أرادوا اختلافَ أواخر هذه الأسماء توطئة للتثنية والجمع، على ما ذكرنا، فلم يلزم في غيرها ممّا كان في معناها.

وذهب الأخفش إلى مثلِ مذهب سيبويه في أنّها حروف إعراب، ويدلّ على الإعراب في أحد قولَيْه، إلَّا أنه لا يقول: إنّ فيها إعرابًا مَنْوِيًّا.
وذهب الجَرْمِيّ إلى أن الانقلاب فيها بمنزلة الإعراب.
وفيه ضعفٌ؛ لأنّه يلزم أن تكون في حال الرفع غيرَ معربة, لأنّ الواو لامُ الكلمة في الأصل، ولم تنقلب عن غيرها.
وذهب المازني إلى أنّها معربة بالحركات، وأن الباء في "أبيك" حرفُ الإعراب، والخاء في "أخيك" حرف الإعراب، وكذلك الباقيةُ، وهذه الحروف، أعني "الواو"، و"الألف"، و"الياء"، إشباعٌ حدث عن الحركات؛ وإشباعُ حركات الإعراب حتّى ينشأ عنها هذه الحروفُ كثيرٌ، في الشعر وغيره، وتُؤيِّده عنده لغةُ من يُعْرِب بالحركات في حال الإضافة، نحوَ: "هذا أبُك"، و"رأيت أبَك"، و"مررت بأبِك"، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنّ هذا الإشباع إنّما يكون في ضرورة الشعر، ولا داعِيَ يدعو إليه في حال الاختيار، ولا دليل عليه.
مع أنّه يلزم منه أن يكون لنا اسمٌ ظاهرٌ معربٌ، على حرف واحد، وهو: "فُوك"، و"ذُو مالٍ"، وذلك معدوم.
وذهب الزِّياديّ إلى أنها أنفسَها إعرابٌ.
وذلك فاسد أيضًا؛ لأنّه يلزم منه أن يكون اسم معرب على حرف واحد، وهو "فوك، وذو مال".
وكان عليّ بن عيسى الرَّبعيّ يذهب إلى أنها معربةٌ بالحركات، وأن هذه الحروف، أعني: الواو والألف والياء، لاماتٌ؛ فإذا قلت: "هذا أخوك"، فأصلُه: "أَخَوُكَ"، وإنما نُقلت الضمّة من الواو إلى الخاء، لئلاّ تنقلب ألفًا لتحرُّكها وانفتاحِ ما قبلها؛ وإذا قلت: "أخيك"، فأصله "أخَوِكَ"، فنقلت الكسرة من الواو إلى الخاء، ثمّ قلبتَها ياء لسكونها وانكسارِ ما قبلها.
ولا ينفكّ من ضُعْف أيضًا, لأن نقل الحركة إنما يكون إلى حرف ساكن.
وذهب الكوفيون 1 إلى أنها معربة من مكانَيْن، بالحروف والحركاتِ التي قبلها؛ فإذا قلت: "هذا أخوك"، فهو مرفوع، والواو علامةُ الرفع، والضمّةُ التي قبلها؛ وإذا قلت: "رأيت أخاك"، فالألف علامة النصب، والفتحةُ التي قبلها؛ وإذا قلت: "مررت بأخيك"، فالياء علامة الجرّ، والكسرةُ التي قبلها.
وهو قول ضعيف من قِبَلِ أن الإعراب أمارةٌ على المعنى، وذلك يحصل بعلامة واحدة، ولم يكن لنا حاجة إلى أكثر منها.
واعلم أن هذه الأسماء قد خُولف فيها القياس بحذف لاماتها في حال إفرادها، لأنّك إذا قلت: "أخٌ"، فأصله: "أخَوٌ"؛ "وأبٌ"، فأصله: "أبَوٌ"،

و"حَمٌ"، فأصله: "حَمَوٌ"؛ و"هَنٌ"، فأصله: "هَنَوٌ".
والذي يدلّ على ذلك قولُهم في التثنية: "أخَوَانِ"، و"أبوان"، و"حموان"، و"هنوان".
وقالوا في الجمع: "هَنَواتٌ".
قال الشاعر [من الطويل]: 1 - أرَى ابنَ نِزارٍ قد جَفاني وَمَلَّني... على هَنَواتٍ شَأنُها مُتَتابِعُ وكان مقتضى القياس فيها أن تقلب الواو فيها ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها، إلَّا أنهم حذفوها تخفيفًا، مبالغة في التخفيف.
والقياسُ ما قدّمناه؛ ألا ترى أنهم لم يحذفوا اللام في مثل "عَصًا"، وَ "رَحًى".
ويُحْكَى أن "بَلْحارِثِ" يأتون بها على القياس مقصورةً، فيقولون: "هذا أبًا وأخًا، ورأيت أبًا وأخًا".
قال الشاعر [من الرجز]: 2 - إن أبَاها وأبا أباها... قد بَلَغَا في المَجْد غايَتاها

وَيُحْكَى أن منهم من يحذف لاماتِها في كلّ حال، ويُعْرِبها بالحركات في حال إضافتها، فيقول: "هذا أبُكَ"، و"رأيت أبَكَ"، و"مررت بأبِكَ".
وأمَّا "فَمٌ"، فأصله: "فَوْهٌ"، بزنة "فَوْزٍ".
يدلّك على ذلك قولك في تكسيره: "أفَوَاهٌ"، وفي تصغيره: "فُوَيْهٌ".
فهذا وحدَه لامُه هاءٌ، والهاءُ مشبَّهة بحروف العِلّة لخفائها، وقُرْبها في المَخْرَج من الألف، فحُذفت كحذفِ حرف العلّة، فبقيت الواو، التي هي عينٌ، حرفَ الإعراب، وكان القياس قلبَها ألفًا لتحرّكها بحركات الإعراب وانفتاح ما قبلها، ثمّ يدخل التنوين على حدّ دخوله في نحو: "عَصًا"، و"رَحًى"، فتحذف الألف لالتقاء الساكنَيْن، فبقي الاسم المعرب على حرف واحد، وذلك معدومُ النظير.
فلمّا كان القياس يُؤدِّي إلى ما ذُكر، أبدلوا من الواو ميمًا, لأن الميم حرفٌ جَلْدٌ، يتحمّل الحركاتِ من غير استثقال.
وهما من الشفتَيْن فهما متقاربان، وقلت: "هذا فَمٌ"، و"رأيت فَمًا"، و"مررت بفَمٍ".
وأمّا "ذو مالٍ" فأصلُ "ذو" فيه "ذَوًا"، مثلُ "عَصًا"، و"قَفًا"، يدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ 1. وأن تكون لامه ياءً أمثلُ من أن تكون واوًا، وذلك لأنّ القضاء عليها بالواو يُصيِّرها من باب "القُوَّة"، و"الهُوَّة"، ممّا عينه ولامه من واد واحد؛ والقضاءُ عليها بالياء يصيّرها من بابِ "شَوَيْتُ"، و"لَوَيْتُ"، وهو أكثر من الأوّل، والعملُ إنّما هو على الأكثر.
وأمّا "ذُو" فلا تُستعمل إلَّا مضافةً، ولا تضاف إلَّا إلى اسم جنس، من نحوِ: "مال" و"عَقْل"، ونحوهما.
ولا تضاف إلى صفة، ولا مضمرٍ؛ فلا يُقال: "ذو صالحٍ"، ولا "ذو = اللغة: المجد: الرفعة والشرف.
غايتاها: أي منتهاها.
والمقصود بالغايتين: الحسب والنسب.
المعنى: إنّ أبا هذه المرأة وجدها قد بلغا في المجد الذروة.
الإعراب: "إن": حرف مشبّه بالفعل.
"أباها": اسم "إنّ" منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستّة، وهو مضاف، و"ها": ضمير في محلّ جرّ بالإضافة.
"وأبا": الواو: حرف عطف، "أبا": معطوف على "أباها" منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستّة، وهو مضاف.
"أباها": مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدّرة على الألف للتعذّر، وهو مضاف، و"ها": ضمير في محل جرّ بالإضافة.
"قد": حرف تحقيق.
"بلغا": فعل ماضٍ مبني على الفتح، والألف.
فاعل.
"في": حرف جرّ.
"المجد": اسم مجرور بالكسرة، والجار والمجرور متعلّقان بـ "بلغا".
"غايتاها": مفعول به منصوب بالفتحة المقدّرة على الألف للتعذّر، وهو مضاف، و"ها": ضمير في محلّ جرّ بالإضافة.
جملة "إنّ أباها... ": لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية.
وجملة "بلغا... ": في محلّ رفع خبر"إنّ".
والشاهد فيه قوله: "إن أباها وأبا أباها... غايتاها" حيث ألزم المثنى الألف في حالتي الجرّ والنصب، على لغة بني الحارث بن كعب، والأشهر الجردّ والنصب بالياء.

طالحٍ"، ولا يجوز "ذُوهُ"، ولا "ذُوكَ".
لأنّها لم تدخل إلَّا وُصْلَةً إلى وصف الأسماء بالأجناس، كما دخلت "الَّذِي" وصلةً إلى وصف المعارف بالجُمَل، وكما أُتي بـ "أيًّ" وصلةً إلى نِداءِ ما فيه الألف واللام في قولك: "يا أيُّهَا الرجلُ"، "ويَا أيُّها الناسُ".
وقد جاء مضافًا إلى المضمر.
قال كَعْب بن زُهَيْر [من الوافر]: 1 - صَبَحْنا الخَزْرَجِيَّةَ مُرْهَفاتٍ... أبارَ ذَوِي أرُومَتِها ذَوُوهَا وقال الآخر [من مجزوء الرمل]: 2 - إنَّما يَعْرِفُ ذَا الفَضْ... ـلِ من الناسِ ذَوُوهُ والذي جسّر على ذلك كونُ الضمير عائدًا إلى اسم الجنس.
وأضعفُ من ذلك قولُ من يقول: "اللَّهُمَّ صَل على محمَّدٍ وذَوِيهِ"، من قِبَلِ أن مضمره لا يعود إلى جنس.
والذي حسّنه قليلاً أنّها ليست بصفةٍ موجودةِ الموصوفِ، فجرت مجرَى ما ليس بصفة.

فأمّا قوله تعالى، في قراءة ابن مسعود: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ 1، فالأشبهُ بالقياس أن يكون "العالم" ها هنا مصدرًا كـ "الفالج"، و"الباطل".
فكَأنّه قال: "وفوق كلّ ذي عِلْم عليمٌ"، فالقراءتان في المعنى سَواءٌ.
ويجوز أن يكون على مذهب من يرى زيادةَ "ذِي"، فيكون حاصلُه: و"فوق كل عالمٍ عليمٌ".
ويجوز أن يكون من إضَافة المسمّى إلى الاسم، أي: و"فوق كلّ شخص يسمّى عالماً، أو يُقال له: عالمٌ، عليمٌ"؛ وذلك على حد قول الشاعر [من الطويل]: إليكم ذوِي آلِ النبي تَطلّعتْ... نَوازعُ من قَلْبِي ظِماءٌ وَأَلْبُبُ 2 على ما سنذكر في موضعه.
والموضع الثاني: ما اختلف آخِرُه في اللفظ بحرف، وهو"كِلا".
اعلمْ أنّ "كِلا" اسمٌ مفردٌ، يفيد معنى التثنية؛ كما أنّ "كُلاًّ" اسم مفرد، يفيد معنى الجمع والكثرةِ.
هذا مذهب البصريين 3. وذهب الكوفيون إلى أنَّه اسمٌ مُثَنًّى لفظًا ومعنًى.
والصوابُ مذهب البصريين؛ بدليل جوازِ وقوع الخبر عنه مفردًا، نحوَ قولك: "كِلَا أخوَيْك مُقْبِلٌ".
قال الشاعر [من الوافر]: 97 - كِلا يَوْمَيْ أُمامَةَ يومُ صَدًّ... وإنْ لم نَأْتِها إلَّا لِماما4

وقال الآخر [من الوافر]: 1 - أُكاشِرُهُ وأَعْلَمُ أنْ كِلانا... على ماساءَ صاحِبُهُ حَرِيصُ فأخبر عنها بالمفرد، وهو"يوم صدّ"، و"حريص"؛ وكلاهما مفردٌ، ولو كانت تثنيةً حقيقيّةً، لفظًا ومعنًى، كما زعموا، لَمَا جاز إلَّا "يَوْمَا صَدًّ" و"حريصان"؛ ألا ترى أنّه لا يجوز بوجهٍ أن تقول: "الزيدان قائمٌ".
وممّا يدل على إفرادها من جهة اللفظ جوازُ إضافتها إلى المثنّى؛ كقولك: "جاءني كلا أخوَيْك، وكلا الرجلَيْن"، و"مررت بهما كلَيْهما".
ولو كانت تثنيةً على الحقيقة، لم يجز ذلك، ولَكان من قبيلِ إضافة الشيء إلى نفسه، وذلك ممتنع؛ ألَّا ترى أنه لا يُقال: "مررت بهما اثنَيْهما"، كما تقول: "مررت بهما كِلَيْهما".
وممّا يدلّ على إفرادها أنّك متى أضفتها إلى ظاهر، كانت بالألف على كلّ حال، وليس المثنّى كذلك.
فإن قيل: فقد عاد الضمير إلهيا بلفظ التثنية، نحوَ قوله [من البسيط]: 2 - كِلاهما حِينَ جدَّ الجَرْيُ بينهما... قد أقْلَعَا وكِلَا أنْفَيْهِما رابِي = والشاهد فيه قوله: "كلا يومي أمامة يوم" حيث أخبر بـ "يوم" وهو مفرد عن "كلا"، وذلك يدل على أن "كلا" مفرد لفظًا.

فقال: "قد أقلعا"، وأنت لا تقول: "زيدٌ قامَا".
فالجواب: أن هذا محمولٌ على المعنى، كما يُحْمَل على معنَى "كُلٍّ"، و"مَنْ"؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ 3. وفي موضع آخر: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ 4، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ 5؛ فأعاد الضمير على اللفظ تارةً بالإفراد، وعلى المعنى أُخْرَى بالجمع، فكذلك "كِلا" لفظة مفردة، ومعناها التثنية، فلَكَ أن تحمل الخبرَ تارة على اللفظ فتُفْرِده، وتارة على المعنى فتثنّيه.
ونوّنه صاحبُ الكتاب، فقال: "كِلا" 6؛ لأنّه عنده مفرد، من قبيل المقصور، وهو غير مضاف، وألفُ "كلا" لامٌ، وليست زائدة، لئلاّ يبقى الاسم الظاهر على حرفَيْن، وليس ذلك في كلامهم أصلاً.
وذهب بعضهم إلى أنّها منقلبة عن ياء، وذلك لأنّه رآها قد أميلت.
قال سيبويه: لو سمّيتَ بـ "كِلاً"، وثنّيتَ، لقلبتَ الألف ياءً, لأنّه قد سُمع فيها = 314؛ والدرر 1/ 122؛ وشرح التصريح 2/ 43؛ وشرح شواهد المغني ص 552؛ ونوادر أبي زيد ص 162؛ ولم أقع عليه في ديوانه؛ وهو للفرزدق أو لجرير في لسان العرب 9/ 156؛ (سكف)؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب 1/ 131، 4/ 299؛ والخصائص 2/ 421؛ وشرح شواهد الإيضاح ص171؛ ومغني اللبيب ص 204؛ وهمع الهوامع 1/ 41. اللغة: كلاهما: يقصد عضيدة بنت جرير وزوجها الأبلق، أو جريرًا وابنته.
أقلعا: كفا عنه وتركاه.
رابي: منتفخ.
المعنى: إن عضيدة وزوجها حينما جَدَّ الخطب تركاه، ويا لسوء منظرهما وأنفهما منتفخ قبيح.
الأعراب: "كلاهما": مبتدأ مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى، وهما: ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة.
"حين": ظرف مبني على الفتح في محل نصب متعلق بـ" أقلعا".
"جدّ": فعل ماض مبني على الفتح.
"الجزي": فاعل مرفوع بالضمة.
"بينهما": مفعول فيه ظرف مكان منصوب بالفتحة متعلق بالفعل "جدّ"، والضمير "هما" في محلّ جرّ بالإضافة.
"قد أقلعا": "قد": حرف تحقيق، "أقلعا": فعل ماضٍ مبني على الفتح، وألف الاثنين في محل رفع فاعل.
"وكلا": الواو حالية، "كلا": مبتدأ مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى.
"أنفيهما": مضاف إليه مجرور بالياء لأنّه مثنى وحذفت النون للإضافة، و"هما": ضمير متصل مبني على السكون في محل جرّ بالإضافة.
"رابي": خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدّرة.
وجملة "كلاهما قد أقلعا": ابتدائية لا محل لها.
وجملة "قد أقلعا": في محلّ رفع خبر.
وجملة "وكلا أنفيهما رابي" في محل نصب حال.
والشاهد فيه قوله: "كلاهما قد أقلعا" وقوله "وكلا أنفيهما رابي" فقد أعاد الضمير إلى "كلاهما" في العبارة الأولى مثنى، وذلك قوله: "أقلعا"مراعاة لمعنى "كلا".
وأخبر عن "كلا" في العبارة الثانية بمفرد، وذلك في قوله "رابي" مراعاة للفظ "كلا"، فدل ذلك على أنه يجوز مراعاة لفظ "كلا"، ومراعاة معناها.

الإمالة.
والأمثل أن تكون منقلبة عن واو, لأنّها قد أُبدلت تاءً في "كلتا"، وإبدالُ التاء من الواو، أضعافُ 1 إبدالها من الياء؛ والعملُ إنّما هو على الأكثر.
وإنما أميلت لكسرة الكاف، ولأئها تنقلب ياءً، وذلك إذا أُضيفت إلى مضمر في حال النصب والجرّ، نحوَ: "ضربت الرجلَيْن كِلَيْهما"، و"مررت بهما كِلَيْهما".
وإنّما قلبوها في هذه الحال تشبيهًا بـ "عَلَيْكَ"، و"إلَيْكَ"، و"لَدَيْكَ".
ووجهُ الشَبَه بينهما أنّ آخِرَها ألفٌ، كأواخرِ هذه الكلم؛ وهي ملازِمةٌ للإضافة، كما أنّ تلك كذلك؛ وليس لها تصرّفُ غيرها، ممّا يُستعمل مفردًا ومضافًا، فجرت مجرى الأدَوات، نحو: "عَلَى"، و"إلَى"، والظروفِ غير المتمكّنة، نحو: "لَدَى"، فقلبوا ألفها لذلك ياءً، كما قلبوا الألف في "عليك"، و"إليك"، و"لديك"، ولم يقلبوها في الرفع ياءً، فيقولوا: "قام الرجلان كليهما"، لانّها بعُدت برفعها عن شَبَهِ "عليك"، و"إليك"، و"لديك"؛ إذ كُنَّ لا حَظَّ لهنّ في الرفع.
فهذه الألفُ، وإن فُهم من اختلافها الإعرابُ، فليس الاختلافُ في الحقيقة لأجل الإعراب، بل لِمَا ذكرتُ لك.
وحالُ "كِلْتَا" كحالِ "كلا" في الإفراد والانقلاب، إلَّا أنّها مؤنّثة.
قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ 2. وقد اختلف العلماءُ في هذه التاء.
فذهب سيبويه إلى أن الألف للتأنيث 3، والتاء بدلٌ من لام الكلمة، كما أُبدلت منها في "بِنْت"، و"أُخْت"، ووزنُها "فِعْلَى" كـ "ذِكْرى" و"حِفْرَى"، وهو نَبْتٌ.
وذهب أبو عمر الجَرْميّ إلى أن التاء للتأنيث، والألف لام الكلمة، كما كانت في "كِلا".
واَلأوْجَه الأوَّل، وذلك لأمرَيْن: أحدهما: ندرةُ البناء، وانّه ليس في الأسماء "فِعْتَلٌ".
والثاني: أنّ تاء التأنيث لا تكون في الأسماء المفردة إلَّا وقبلها مفتوحٌ، نحوَ: "حَمْزَةَ"، و"طَلْحَةَ"، و"قائمةٍ"، و"قاعدةٍ"؛ و"كلتا" اسمٌ مفردٌ عندنا، وما قبل التاء فيه ساكنٌ، فلم تكن تاؤه للتأنيث، مع أن تاء التأنيث لا تكون حشوًا في كلمة؛ فلو سمّيت رجلاً بـ "كلتا"، لم تصرفه في معرفة ولا نكرةٍ، كما لو سمْيت بـ "ذِكْرَى"، و"سَكْرَى"، لأنّ الألف للتأنيث.
وقياسُ مذهب أبي عمر الجرمي أن لا تصرفه في المعرفة، وتصرفه في النكرة, لأنه كـ "قائمة"، و"قاعدة" إذا سُمّي بهما، فاعرفه.
فأما التثنية وجمع السلامة فإنهما يُعْرَبان بالحروف، وتختلف أواخرُهما بها.
فأمّا التثنية فإن إعرابها بحرفَيْن؛ الألف والياء.
فالألفُ للرفع، والياءُ للنصب والجر، إلَّا أنّك

تفتح ما قبل الياء، فتقول: "جاءني الزيدان والعمران"، و"رأيت الزيدَيْن والعمرَيْن"؛ و"مررت بالزيدّيْن والعمرَيْن".
والجمعُ السالمُ إعرابه بحرفَيْن أيضًا، وهما الواو والياء، فالرفع بالواو، نحو قولك: "جاءني الزيدون والمسلمون"؛ والجر والنصب بالياء؛ إلا أنك تكسر ما قبل الياء في الجمع، فَرْقًا بينه 1 وبين التثنية.
تقول: "رأيت الزيدِين، والعمرِين"؛ و"مررت بالزيدِين، والعمرِين".
والتثنية والجمع فَصْلان يُستقصى الكلام عليهما فيهما.

قال صاحب الكتاب: "واختلافه محلاً في نحو: "العصا", و"سعدى" و"القاضي", في حالتي الرفع الجر, وهو في النصب كـ "الضارب"".

قال الشارح: يريد أن اختلاف الآخِر يقْدَّر تقديرًا، من غيرِ أن يُلْفَظ به، وذلك إذا كان حرفُ الإعراب نابِيًا عن تحمُّل الحركة؛ بأن يكون حرفَ عِلّة، كالألف في "عَصًا" و"حُبْلَى"، والياء في "قاضٍ"؛ لأنّ الكلمة في نفسها معربةٌ بحُكْم الاسميّة، إذ لم يعرض فيها ما يُخْرِجها عن التمكّن، واستحقاقِ الإعراب.
وإنما حرفُ الإعراب في "عصا" وشِبْهه ألفٌ، والألف لا تتحرَّك بحركة، لأنّها مَدَّةٌ في الحَلْق، وتحريكُها يمنعها من الاستطالة والامتدادِ، ويُفْضِي بها إلى مُخْرَج الحركة.
فكونُ الإعراب لا يظهر فيها لم يكن لأنّ الكلمة غيرُ معربة، بل لنُبُوّ في محل الحركة.
بخلافِ "مَنْ"، و"كَمْ"، ونحوِهما من المبنيات، فإنّ الإعراب لا يتعذر على حرف الإعرابُ منها، لأنه حرفٌ صحيح يمكن تحريكُه.
فلو كانت الكلمةُ في نفسها معربة، لَظهر الإعرابُ فيها، وإنّما الكلمةُ جَمْعًا في موضعِ كلمة معربة.
وكذلك ياءُ "المَاضي"، و"الداعي"، لا يظهر فيهما الرفعُ والجرُّ، لثقلِ الضمّة والكسرة على الياء المكسورِ ما قبلها، فهي نابيةٌ عن تحمّلِ الضمّة والكسرة.
واعلم أن صاحب الكتاب لم يستقصِ الكلام على المقصور والمنقوص، وإنمّا أشار إليهما إشارة، ولا بد من التنبيه على نُكَت بابَيْهما، بما فيه مَقْنَعٌ إن شاء الله تعالى.
المقصور: اعلم أن المقصور كلُّ اسم وقعتْ في آخره ألف مفردةٌ، نحوُ: "العَصَا"، و"الفتَى"، و"حُبْلَى"، و"سَكْرَى".
وقولُنا: "مفردة"، احترازٌ من مثل: "حَمْرَاءَ، وصحراء"، وبابِهما.
فإنّ هذه الأسماء في آخِرها ألفان: ألفُ التأنيث المنقلبةُ همزةً، وألفٌ أُخرى قبلها للمَدّ.
وإنّما سمّي مقصورًا لأنه قُصر عن الإعراب كلَّه، أي حُبس عنه، فلم يدخله رفعٌ ولا نصبٌ ولا جرٌّ.

فتقول في الرفع "هذه عصًا ورحى يا فَتَى"؛ وفي الجرّ: "مررت بعصًا ورحى يا فتى"؛ وفي النصب: "رأيت عصًا ورحًى يا فتى".
والقصرُ: الحبسُ.
ومنه قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ 1 أي محبوسات، وإنّما لم يدخله شيء من حركات الإعراب, لأنّ في آخِره ألفًا؛ والألفُ لا تتحرّك بحركة، على ما تقدّم، فكان فيها مقدَّرًا؛ فإذا قلت: في الرفع: "هذه عصا"، ففي الألف ضمّةٌ منويّةٌ؛ وإذا قلت في النصب: "رأيت عصا"، ففي الألف فتحة منويّةٌ؛ وإذا قلت في الجرّ: "مررت بعصا"، ففي الألف كسرة منوية.
والمقصور على ضربَيْن: منصرفٌ، وغيرُ منصرف.
فالمنصرف: ما يدخله التنوينُ وحدَه؛ نحو: "عصا"، و"رحى".
ثمّ يلتقي ساكنان الألفُ، التي هي لام الكلمة، والتنوينُ بعدها ساكنٌ، فيحذف لالتقاء الساكنين.
وكانت الألف أوْلى بالحذف من التنوين لوجوه ثلاثة: أحدُها: أن التنوين دخل لمعنًى، ويزول بزَوالِ ذلك المعنى، وليست الألف كذلك لأنّها لام الكلمة.
الثاني: أنّ الألف إذا حُذفت، بقي قبلها ما يدلّ على الألف المحذوفة، وهي الفتحة قبلها؛ وليس على حذف التنوين دليلٌ.
الثالثُ: أن الساكن الأول هو المانع من النطق بالثاني، فكان حذفه هو الوجه لإزالة المانع، فلذلك تقول: "هذا عصًا"، و"رأيت عصًا"، و"مررت بعصًا"، بالتنوين من غير ألف.
وغير المنصرف: ما كان في آخِره ألفُ التأنيث المفردةُ؛ نحو: "حُبْلَى" وَ"سَكْرَى".
فهذا لا يدخله شيءٌ من الإعراب, لأنّ في آخِره ألفًا، والألفُ لا تقبل الحركةَ؛ ولا يدخله التنوين, لأنّه غير منصرف، لأجل التأنيث اللازم، فتقول: "هذه حُبْلَى وسَكْرَى"، و"رأيت حبَلى وسكرَى"، و"مررت بحبلَى وسكرَى"، فالألفُ ثابتةٌ على كلّ حال لا تُحْذَف، إلَّا إذا لقِيها ساكنٌ بعدها من كلمة أخرى، نحوَ: "حُبْلَى الْقَوْمِ" و"سَكْرَى ابْنِكَ".
فاعرفه.
والمنقوص: كل اسم وقعت في آخره ياء قبلها كسرةٌ، نحو: "القاضِي"، و"الداعِي"، و"قاضٍ"، و"داع".
فهذا يدخله النصبُ وحده مع التنوين، ولا يدخله رفعٌ، ولا جرٌّ.
وإنّما سمّي منقوصًا لأنه نقص شيئَيْن: حركةً وحرفًا.
فالحركةُ هي الضمّة، أو الكسرة حُذفت للثقل؛ والحرفُ هو الياء، حُذف لالتقاء الساكنين.
فتقول في الرفع: "هذا قاضٍ، يا فَتَى"؛ وفي الجرّ: "مررت بقاضٍ، يا فتى".
وكان الأصل: "هذا قاضِىٌ"، بضمّ الياء وتنوينها، و: "مررت

بقاضِي"، بكسر الياء وتنوينها أيضًا؛ فاستُثقلت الضمّة والكسرة على الياء المكسورِ ما قبلها، لأنهّا قد صارت مَدَّةً كالألف، لِسَعَةِ مَخْرَجها وكونِ حركةِ ما قبلها من جنسها، على ما تقدّم، فحُذفت الضمّة والكسرةُ لما تقدّم، ولمّا حُذفت سكنت الياءُ، وكان التنوين بعدها ساكنًا، فحُذفت لالتقاء الساكنين، على ما ذكرناه في المقصور.
فلذلك تقول في الرفع: "هذا قاضٍ"؛ وفي الجرّ: "مررت بقاضٍ.
قال الله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (1)، وقال: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ (2)؛ وتقول في النصب: "رأيت قاضِيًا"، تُثْبِت الفتحة لخفتها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (3)، وقال: ﴿أجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (4). فاعرفه.

جارٍ التحميل