فصل [حكم ما يضاف إليه "كلا"]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وحق ما يضاف إليه "كلا" أن يكون معرفة ومثنى, أو ما هو في معنى المثنى، كقوله [من الوافر]: 361 - فإن الله يعلمني ووهبًا... ويعلم أن سيلقاه كلانا12
وقوله [من الرمل]:
1 - إن للخير وللشر مدى... وكلا ذلك وجه وقبل
ونظيره ﴿عوان بين ذلك﴾ (2). ويجوز التفريق في الشعر, كقولك: "كلا زيد وعمرو".
وحكمه إذا أضيف إلى الظاهر أن يجري مجرى "عصا", و"رحي".
تقول: "جاءني كلا الرجلين"، و"رأيت كلا الرجلين"، و"مررت بكلا الرجلين"؛ وإذا أضيف إلى المضمر, أن يجري مجرى المثنى على ما ذكر, وفي العرب من يقر آخره على الألف في الوجهين.
قال الشارح: قد تقدّم الكلام على "كِلا" وأحكامِها، وأنّها مفردةٌ معناها التثنيةُ، وهي موضوعةٌ لتأكيدِ التثنية، كما أنّ "كُلاًّ"، و"أَجْمَعَ" لتأكيدِ الجمع، وهي من الألفاظ المضافة، التي: يُؤكَّد بها المعارفُ.
وكلُّ لفظ مضاف يُؤكَّد به المعنى، يكون مضافًا إلى ضميرِ ذلك المؤكَّدِ، نحوَ: "جاءني زيدٌ نفسُه وعينُه"، و"أكلتُ الرَّغِيفَ كلَّه".
وإنّما كان كذلك ليُعلَم أنّه له، ومُمكّنٌ لمعناه.
فلذلك وجب أن تكون "كِلا" مضافةً إلى معرفةٍ ومثنَّى, لأنّه لا يؤكَّد بها إلَّا ما هذه سبيلُه، وإن خرج عن سَنَن التأكيد بأن يكون مبتدأ، نحوَ: "كِلاَ أخوَيْك جاءني"، أو فاعلًا، نحوَ: "جاءني كلا أَخوَيْك"، فلن يخرجَ عن حكم التأكيد ومعناه.
ومُجازُ ذلك على إقامةِ التأكيد مُقامَ المؤكَّد، كما تُقام الصفة مقامَ الموصَوف، فإذا قال: "جاءني كِلاَ أخوَيْك"، فأصلُه: "جاءني أخواك كلاهما"، إلا أنّك وضعتَ التأكيد موضعَ المؤكَّد مبالغةً، ثمّ أضفتَه إلى لفظِ المؤكَّد للبَيان، فلذلك لزم أن يضاف إلى المثنّى، ولا يضاف إلَّا إلى معرفةٍ, لأنّه لا يكون تأكيدًا إلَّا لمعرفة.
وحكمُ "كِلْتَا" حكمُ "كِلا"، إلّا أنّ "كلتا" للمؤنَّث، و"كلا" للمذكَّر؛ فأمّا قوله [من الوافر]:
فإنّ الله يعلمني إلخ
فالبيت للنَّمِر بن تَوْلَبٍ، والشاهدُ فيه إضافتُه إلى "نَا"، وهو ضميرُ جمع، و"كِلا" إنّما يضاف إلى تثنيةٍ.
وذلك لأنّ الاثنين والجمعَ في الكناية عن المتكلِّم واحدٌ، وإن شئتَ أن تقول: هو للجمع، ولكنّه حمل الكلامَ على المعنى, لأنّه عَنَى نفسه ووَهْبًا.
وإليه أشار صاحبُ الكتاب، وهو أجودُ, لأنّه قد يقع لفظُ الجمع على التثنية، نحوَ قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ 1، وقوله: ﴿تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ 2، ثمّ قال: خَصْمَان، ويُروى: سيلقاه بالياء، وسنلقاه بالنون، فمَن رواه بالياء جعل "كلانا" فاعلَه، ومن رواه بالنون، جعل "كلانا" تأكيدًا لضميرِ المتكلِّمين.
وأمّا قولُ ابن الزَّبَعْرى في يوم أُحُدٍ [من الرمل]:
يا غُرابَ البَيْنِ أَنْعَمْتَ فَقِلْ... إِنّما تَنْطِقُ شيئًا قد فُعِلْ
إنّ للخَيْر وللشَّرِّ مَدًى... وكِلَا ذلك وَجْهٌ وقِبَلْ
والعَطيّاتُ خِساسٌ بَيْنَهم... وسَواءٌ قَبْرُ مُثْرٍ ومُقِلْ
كلُّ عَيْشٍ ونَعِيمٍ زائلٌ... وبَناتُ الدَهْرِ يَلْعَبْنَ بكُلْ
فالشاهد فيه إضافةُ "كِلا" إلى مفردٍ يراد به التثنيةُ، كما أُضيف في الذي قبلَه إلى لفظ الجمع، إذ كان المراد به التثنية.
ومثلُ ذلك في أنّ المراد به التثنيةُ قولُه تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ 3، أي: بين الفُروض والبَكارة، فجاز إضافةُ "كلا" إليه كما جاز إضافةُ "بَيْنَ" إليه، إلَّا أنّ "بَيْنَ" يضاف إلى اثنين فصاعدًا، و"كلا" يضاف إلى اثنين فقط.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ 4. أُضيف "كلٌّ" إليه حيث كان المراد به الكثرة.
وقوله: "ويجوز التفريقُ في الشعر"، يريد أنّك تُضيفه إلى اسم واحد، ثمّ تعطِف عليه اسمًا آخرَ، نحوَ: "كِلَا زيدٍ وعمرٍو"؛ لأنّ العطف بالواو نظيرُ التثنية، إذ كانت الواوُ لا تُرتِّب كالتثنية، فحُمل الكلام في الشعر على المعنى، نحو قوله [من الطويل]:
363 - كِلَا السَّيْفِ والساقِ الذي ضُرِبَتْ به... على دَهَشٍ ألْقاهُ بَاثنَيْن صاحِبُه5
وصار ذلك كقولك: "زيدُ وعمرو قَامَا"، كما تقول: "الزيدان قاما"، ولا يجوز مثلُه في حالِ الاختيار والسعةِ، ألا ترى أنك لا تقول: "كِلا أخِيك وأبِيك ذاهبٌ"، كما لم يجز: "كلُّ عبدِ الله وأخِيه وأبِيه ذاهِبون".
ولو قلت: "كِلا زيدٍ فعمرو جاءني"، لم يجز في الشعر، ولا غيرِه؛ لأنك كنت تضيف "كلا" إلى مفردٍ مخصوص، وإنما يضاف إلى اثنين، أو إلى مفرد في معنى التثنية، أو إلى لفط مشترك بين التثنية والجمع، فاعرفه.
وقوله: "وحكمُه إذا أضيف إلى الظاهر أن يُجْرَى مُجْرَى عَصا ورَحى" يريد أنّ آخِره يكون بالألف إذا أضيف إلى ظاهرٍ في حالِ الرفع والنصب والجر.
وهو القياسُ، لأنه عندنا اسمٌ مفردٌ ومقصورٌ كـ "عصا" و"رحى"، ولا إشكالَ في ذلك على أصلنا، إنما الإشكالُ على أصلِ الكوفيين؛ لأتها عندهم تثنية صحيحة.
وقوله: "وإذا أضيف إلى المضمر أن يُجرى مَجْرَى المثنّى"، يعني أن ألفه تنقلِب ياء في حالِ النصب والجرّ، كما تنقلب في التثنية، فتقول: "جاءني أخواك كِلاهما"، و"رأيت أخويكَ كليهما"، و "مررت بأخويك كليهما".
تثبت الألف في حال الرفع، وتنقلب ياء في حال النصب والجر.
كما أن التثنية كذلك، إلَّا أن انقلابها في التثنية للإعراب، واختلافِ العامل، وانقلابَها في "كلا" و"كلتا" لا للإعراب، بل للحمل على "لَدَى" و"عَلَى"، على ما تقدم.
ومن العرب من يجري في "كلا" و"كلتا" على القياس، فيُقر الألفَ بحالها، ولا يقلِبها لا مع ظاهر، ولا مضمر، فاعرفه.