شرح المفصل لابن يعيشفصل [تعدادها]

فصل [تعدادها]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "ذا" للمذكر، ولمثناه "ذان" في الرفع, و"ذين" في النصب والجر، ويجيء "ذان" فيهما في بعض اللغات ومنه قوله تعالي: ﴿إن هذا لساحران﴾ 1, و"تا" و"تي" و"ته" و"ذه" بالوصل, وبالسكون, و"ذي" بالمؤنث, ولمثناه "تان", و"تين".
ولم يثن من لغاته إلا "تا" وحدها.
ولجمعهما جميعاً "أولاً" بالقصر, والمد، مستوياً في ذلك أولو العقل وغيرهم.
قال جرير [من الكامل]: 472 - ذم المنازل بعد منزلة اللوى... والعيش بعد أولئك الأيام

قال الشارح: اعلم أن هذا الضرب من الأسماء هو البابُ الثاني من المبنيات، وهي2

الأسماءُ التي يشار بها إلى المسمى، وفيها من أجلِ ذلك معنى الفعل، ولذلك كانت عاملة في الأحوال، وهي ضربٌ من المبهم.
وإنما كانت مبنية لتضمّنها معنى حرفِ الإشارة.
وذلك أن الإشارة معنى، والموضوع لإفادةِ المعاني إنّما هي الحروفُ، فلما استُفيد من هذه الأسماء الإشارة، عُلم أن للإشارة حرفًا تَضمَّنه هذا الاسم، وإن لم يُنْطَق به، فبُني كما بُني "مَنْ"، و"كَمْ " ونحوُهما.
وقال قوم: إنّما بُني اسمُ الإشارة لشَبَهه بالمضمر، وذلك لأنّك تشير به إلى ما بحَضْرتك ما دام حاضرًا، فإذا غاب، زال عنه ذلك الاسمُ.
والأسماءُ موضوعة للزومِ مسمَّياتها, ولمّا كان هذا غيرَ لازم لِما وُضع له؛ صار بمنزلة المضمر الذي يُسمَّى به إذا تقدم ظاهرٌ، ولم يكن اسمًا له قبل ذلك، فهو اسمٌ للمسمى في حال دون حال، فلمّا وجب بناءُ المضمر، وجب بناء المبهم كذلك.
ويقال لهذه الأسماء: مبهماتٌ؛ لأنها تشير بها إلى كل ما بحضرتك، وقد يكون بحضرتك أشياء، فتُلْبِس على المخاطب، فلم يدر إلى أيها تشير، فكانت مبهمة لذلك.
ولذلك، لزمها البيانُ بالصفة عند الإلباس.
ومعنى الإشارة الإيماء إلى حاضر بجارحةٍ أو ما يقوم مقامَ الجارحة، فيتعرفُ بذلك، فتعريفُ الإشارة أن تخصِّص للمخاطب شخصًا يعرفه بحاسَّةِ البَصَرِ، وسائرِ المعارف هو أن تختصّ شخصًا يعرفه المخاطبُ بقلبه، فلذلك قال النحويون: إِن أسماء الإشارة تتعرّف بشيئَيْن: بالعين وبالقلب.
فـ "ذا" إشارة إلى مذكر، وهو ثُلاثىُّ، ووزنُه "فَعْلٌ" ساكنَ العين محذوفَ اللام، وألفُه منقلبة عن ياء، فهو من مضاعَفِ الياء من بابِ "حَييتُ"، و"عَيِيتُ".
هذا مذهبُ البصريين، قالوا: أصلُه: "ذَيٌّ" على لفظِ "حَىٍّ"، و"عَىٍّ"، ثمّ حُذفت اللام لضرب من التخفيف، فبقي "ذَيْ" ساكن الياء، فقُلبت ياؤه ألفًا، لئلا يُشْبِه الأدواتِ، نحو: "كَيْ"، و"أَيْ".
فإن قيل: فمن أَيْنَ زعمتم أن ألفَه منقلبةٌ عن ياء؟ وهلّا كانت أصلاً، لبُعْدها من التمكّن، وعدم اشتقاقِها كما قلتم ذلك في ألِف "مَتَى" و"لَدَى"، و"إذا" ونحوها من الأسماء غير المتمكنة.
فالجوابُ: أنهم قد قالوا في "ذَا": "ذا"، فأمالوها، حكاه سيبويه، فدل أنها من الياء.
وذهب قومٌ إلى أنّها من الواو، قالوا: لأن بابَ "شَوَيْتُ"، و"لَوَيْتُ" أكثرُ من بابِ "حَيِيتُ" و"عَيِيتُ".
والأوّلُ أقيسُ لمجئ الإمالة فيها.
فإن قيل: ولِمَ حكمتم عليها بأنّها من ذواتِ الثلاثة؟ وهلّا كانت ثُنائيةَ كـ"منْ"، و"كَمْ".
قيل: لأن "ذَا" اسمٌ منفصلٌ قائمٌ بنفسه، قد غلب عليه أحكامُ الأسماء الظاهرة، نحو وَصْفه، والوصف به، وتثنيته، وتحقيره.
فلمّا غلب عليه شَبَهُ الأسماء المتمكّنة، حُكم عليه بأنه ثُلاثى كالأسماء المتمكنة.
وقد جعله بعضُهم من الأسماء الظاهرة، وهو القياسُ، إذ لا يفتقر إلى تقدُّم ظاهرِ، فيكونَ كنايةَ عنه.

فإن قيل: فهلَّا كان مما أُضمر على شريطةِ التفسير، ويكون ما بعده من النعت بيَانًا له، كما فُسّر المضمر بالظاهر في قولك: "أَكْرَمَني، وأكرمتُ زيدًا".
قيل: لو كان كذلك، لزم نعتُه، ولم يجز أن لا تذكره.
ألا تراك تقول: "هذا زيدٌ"، و"رأيتُ هذا"، فلا تأتي له بصفةٍ، إنّما تأتي بها إذا التبس للإيضاح، فلذلك كان القياس أن يكون ظاهرًا.
وقد أشكل أمرُه على قوم، فجعلوه قِسْمًا ثالثًا بين الأسماء الظاهرة والمضمرة؛ لأن له شَبَهًا بالظاهرة، وشبهًا بالمضَمرة.
فمن حيث كانت مبنيّة، ولم يُفارِقها تعريفُ الإشارة، كانت كالمضمرة، ومن حيث صُغرت، ووُصفت، ووُصف بها، كانت كالظاهرة.
وذهب الكوفيون 1 إلى أن الاسم إنما هو الذالُ وحدها، والألف مزيدةٌ لتكثيرِ الكلمة، قالوا: والدليلُ على ذلك قولُهم في التثنية: "ذَانِ"، و"ذَيْنِ"، فحذفوا الألف لقيام حرف التثنية مقامَها في التكثير.
وهذا فاسدٌ لقولهم في التحقير: "ذَيَّا"، فأعادوه إلىَ أصله، وهذا شأنُ التصغير.
وأما ذَهابُ ألفه في التثنية، فلم يكن لِما ذكروه من الاستغناء عنه بحرف التثنية، إنّما حذفُه لالتقائه مع حرف التثنية، فحُذف لالتقاء الساكنين.
ولم يقلبوه كما قلبوه في "رَحَيان"، لبُعده من التمكن، وعدمِ تصرُّفه.
فإن قيل: الزيادة في حال التصغير لا تدل على أن ذلك أصل فيها، فإنّا لو سمّينا بـ "قَدْ" أو"هَلْ" ونحوهما مما هو على حرفَيْن، ثم صغرناه، لزِدْنا فيه ما لم يكن له، فكذلك اسمُ الإشارة لما كان على حرفَيْن، وصغرناه، زدنا فيه زيادةً، كمّلتْ له بناء التصغير.
قيلٍ: نحن إذا سمّينا بـ "قَدْ" وأشباهِه، فإنّا ننقُله من الحرف إلى الاسم، فإذا صغرناه، فإنّما نُصغره على أنَّه اسمٌ، فوجب أن نجتلِب له حرفاً، يوجِبه الاسميةُ.
وإذا صغّرنا "ذا" ونحوَه من أسماء الإشارة، فإنّما نصغره، وهو على معناه من الاسمية الذي وُضع له، على أنه لو ذهب ذاهبٌ إلى أن "ذا" ثُنائيُّ، وليس له أصل في الثلاثية، نحوَ: "مَنْ"، و"كَمْ" في المبهمة، وأنّ ألفه أصل كالألف في "لَدى" و"إذا"، لم أَرَ به بأسًا لعدم اشتقاقه، وبُعْدِه عن التصرّف.
والذي يُؤيد ذلك أنك لو سمّيت بـ "ذا"، لقلت: "هذا "ذاءٌ"، فتزيدها ألفاً أخرى، ثم تقلِبها همزةً لاجتماعِ الألفَيْن، كما تقول: "لاءٌ"، إذا سمّيت بـ "لا".
ولو كان أصلُها الثلاثية، ولامُها ياء، لكنت تقول إذا سمّيت به: "هذا ذايٌ"، فتأتي بالياء الأصلية، ولا تقلبها لوقوعها بعد ألفِ أصليلة، كما تقول: "زايٌ"، و"رايٌ".
فأمّا الإِمالة، فإنّما ساغت فيه؛ لأن الألف قد تنقلب ياء في "ذِي"، فإذا ثنيتَه، قلت: "ذَانِ" في الرفع.
وهذه الألفُ علامةُ الرفع، وقد انحذفت ألفُ الأصل لالتقاء الساكنين، دل على ذلك انقلابُها في النصب والجرّ من نحو: "رأيت ذَيْنِ"، و"مررت بذَيْن".

وقد اختلف النحويون في هذه التثنية، فذهب قومٌ إلى أنّها تثنيةٌ صِناعيّةٌ، والنونُ عوضٌ من الحركة والتنوين، كما كانت في قولك: "الزيدان"، و"العمران" كذلك، وإن كان الواحدُ مبنيًّا لا حركةَ ولا تنوينَ فيه؛ لأنه بالتثنية فَارَقَ الحرفَ، وعاد إلى حكم التمكن، فقُدّر فيه في التثنية الحركةُ والتنوينُ، فصارت النونُ عوضًا منهما.
وقال آخرون: إن النون في "هذَانِ"، و"هذَيْن" عوضٌ من الألف الأصليّة حين حُذفت في التثنية لالتقاء الساكنين.
وذهب آخرون إلى أنها ليست تثنيةً صناعيّةً، وإنما هي صيغةٌ للتثنية، كما صيغت "اللَّذَانِ"، و"اللَّتَانِ" للتثنية، وليست النونُ عوضًا من الحركة والتنوين، ولا عوضًا من الحرف المحذوف، وذلك أن أسماء الإشارة لا تصح تثنيةُ شيء منها، من قِبَل أنّ التثنية إنما تأتي في النكرات، وأسماء الإشارة لا يصح تنكيرُها بحالٍ، فلا يصحّ أن يُثنى شيءٌ منها.
وهو الصوابُ.
ألا ترى أن حال أسماء الإشارة بعد التثنية على حد ما كانت عليه قبل التثنية، وذلك نحو قولك: "هذان الزيدان قائمَيْن"، فتنصب "قائمين" على الحال، بمعنى الفعل الذي دل عليه الإشارة والتنبيهُ، كما كنتَ تنصب في الواحد، نحو: "هذا زيد قائمًا"، فتجد الحالَ واحدة قبل التثنية وبعدها.
فإذًا طريقُ "هذان"، و"هاتان" غيرُ طريقِ "الزيدان"، و"العمران".
ألا ترى أن تعريفَ "زيد"، و"عمرو" بالوضع والعَلَميّةِ، فإذا ثنّيت واحدًا منهما، تنكر حتى صار كأسماءِ الأجناس الشائعة، فتقول: "هذان زيدان ظريفان"، و"رأيت زيدَيْن ظريفَيْن".
فلو لم يكونا نكرتَيْن، لما صح وصفُهما بالنكرة.
فإذا أردت بعد ذلك التعريفَ، فبالألف واللام، أو بالإضافة.
فتعريفُهما بعد التثنية من غير وجه التعريف قبلها.
وإذ امتنع تثنيةُ الأسماء المشار بها لامتناع تنكيرها، كان قولهم: "هذان"، و"هاتان"، و"هذيْن"، و"هاتَين"، صيغًا موضوعة للتثنية مخترعة لها.
وليست تضُمّ هذا إلى هذا كما ضممتَ "زيداً" إلى "زيد" حين قلت: "الزيدان"، إلَّا أنهم جاؤوا بها على منهاجِ التثنية الحقيقية، فقالوا: "هذان" و"هذَين"، لئلا يختلف طريقُ التثنية.
ونظيرُ ذلك الأسماء المضمرةُ، نحو قولك: "أنتَ" و"أنْتُمَا"، و"هُوَ"، و"هما" في أنّها صيغٌ صيغتْ للتثنية، وأسماء مخترعة لها, وليست تثنية صِناعيةً.
فإن قيل: فإذا كان "هذان"، و"هاتان" صيغا للتثنية كـ"هُمَا" و"أَنْتُمَا" في المضمرات، فهلّا قالوا في "أنت": "أنتان"، وفي "هُوَ": "هُوان"، كما قالوا في "هذا"، و"هاتا": "هذان"، و"هاتان".
قيل: أسماء الإشارة أشد شَبَهًا بالمتمكّنة من المضمرة، ألا تراهم يصفون أسماءَ الإشارة، ويصفون بها، فيقولون: "مررت بهذا الرجل"، و"مررت بزيدٍ هذا؟ " فلمّا قاربت أسماءُ الإشارة المتمكنةَ هذه المقارَبةَ، ودانتْها هذه المُداناةَ، صيغت في التثنية على منهاج تثنيةِ الأسماء المتكنة، ولذلك أُعربت التثنية، وإن كان

الواحدُ مبنيّا، كأنّ ذلك لئلا يختلف طريقُهما.
ولمّا بعُدت المضمراتُ من المتمكنة، وتَوغلتْ في شَبَهِ الحروف، صاغوا لها أسماء للتثنية على غير منهاجِ تثنيةِ المتمكّنة تمييزًا لما قارب المتمكنة على ما لم يُقارِبها، وبُعد عنها.
فأمّا قول صاحب الكتاب: "ويجيء ذَانِ" فيهما في بعض اللغات"، فإن المراد بذلك أنّه يكون في حالِ الرفع والنصب والجرّ بالألف، فتقول: "جاءني ذان"، و"رأيت ذان"، و"مررت بذان".
وليس ذلك ممّا يختص بأسماء الإشارة، بل يكون في جميع الأسماء المثناة، نحو قولك: "جاءني الزيدان"، و"رأيت الزيدان"، و"مررت بالزيدان"، وهي لغةٌ لبني الحارث وبُطون من رَبِيعَةَ، فمن ذلك قوله [من الطويل]: 1 - تَزَوَّدَ مِنا بَيْنَ أُذْناهُ طَعْنَة... دَعَتهُ إلى هابِي التُرابِ عَقِيمِ وقال الآخر [من الطويل]: 2 - فأَطْرَقَ إطراقَ الشُجاع ولو يَرَى... مَساغًا لِناباهُ الشُجاعُ لَصمَّمَا

وأنشدوا [من الرجز]: 1 - إن لِسَلْمَى عِنْدَنَا دِيوانَا... أَخزَى فُلانًا وابْنَهُ فلانَا أَعْرِفُ منها الأَنْفَ والعَيْنانَا... ومَنْخَرَيْن أَشبَهَا ظَبْيانَا = سنحت لها الظروف وتهيأ لها الأمر.
الإعراب:"فأطرق": الفاء: بحسب ما قبلها، "أطرق": فعل ماضٍ مبني على الفتحة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"إطراق": مفعول مطلق منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"الشجاع": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"ولو": الواو: حالية، "لو": حرف شرط غير جازم."يرى": فعل مضارع مرفوع.
"مساغًا" مفعول به مقدم منصوب بالفتحة.
"لناباه": اللام: حرف جرّ، "ناباه": اسم مجرور بالكسرة المقدّرة على الألف للتعذّر، وهو مضاف، والهاء: ضمير في محلّ جرّ بالإضافة.
"الشجاع": فاعل "رأى" مرفوع بالضمّة.
"لصمّما": اللام: واقعة في جواب "لو"، "صمما": فعل ماضٍ مبني على الفتحة، والألف للإطلاق، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
وجملة "أطرق... ": بحسب ما قبلها.
وجملة "يرى" جملة الشرط غير الظرفي لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "صمما": لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم.
وجملة فعل الشرط وجوابه استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "لناباه" حيث أجرى المثنّى مجرى الاسم المقصور فجرّه بالكسرة مقدّرة على الألف بدلًا من الياء.
والأصل أن يقال:"لنابيه".
وهذا دليل على أن بعض العرب يجعلون المثنّى بالألف في جميع أحواله.

يريد العينَيْن، ثمّ جاء بمنخرَيْن على القياس، وقال آخر [من الرجز]: طارُوا عَلاهُن فطِرْ عَلاهَا... واشْدُدْ بمَثْنَى حَقَب حَقْواهَا 1 إن أباها وأَبَا أباها... قد بَلَغا في المَجْد غايَتاها وهي لغة فاشيةٌ.
فأمّا قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ 2، فقد قرأ ابنُ كَثِير وحَفْص "إن" بالتخفيف، وقرأ أبو عمرو: "إنَّ هذَيْن لساحران" بتشديد النون والياء في "هذين".
وقرأ الباقون بتشديد النون والألف.
فأمّا قراءةُ ابن كثير وحفصٍ، فعلى أن "إن" المخففةُ من الثقيلة، ودخلت اللامُ فَرْقًا بينها وبين النافية، وأُبطل عملُها لنقصِ لفظها وخروجِها لذلك عن شَبَه الفعل، وهو المختار في "إنِ" المكسورةِ إذا خُفّفت، وقال الكوفيون: "إنْ" ههنا بمعنى النفي، واللامُ بمعنى "إلَّا"، والتقديرُ: ما هذان إلَّا ساحران، وهو حسن على أصلهم، غير أن أصحابنا لا يُثْبِتون مجيء اللام بمعنى "إلَّا".
وأما قراءةُ الجماعة: "إن هذان لساحران"، فأمثلُ الأقوال فيها أن تكون على لغة بني الحارث في جَعْلهم المثنى بالألف على كلّ حال، كأنهم أبدلوا من الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها، وإن كانت ساكنةً، كقولهم في "يَيأسُ": يَاءَسُ.
وقال أبو إسحاق: الهاء مرادةٌ، والتقديرُ: إنهُ هذان لساحران، واللامُ مزيدة فيه للتأكيد، وحسُن دخولُها في الخبر حيث كانت الجملةُ مفسِّرةً لذلك المضمر، فكأنّها في الحكم بعد "إن"، فدخلت اللامُ مع الهاء للتأكيد كما تدخل مع عدمها.
وقال قومٌ: "إن" ها هنا بمعنى "نَعَمْ"، والمعنى: نَعَمْ هذان لساحران، واللامُ مزيدة للتأكيد، وكان محلها أن تكون في الاسم إلا أنهم أخروها إلى الخبر لوجودِ لفظِ "إن"، و"إن" كانت بمعنى "نَعَمْ".
وإذا كانوا قد أخروا لام التأكيد من الاسم إلى الخبر نحو قوله [من الرجز]: 476 - أُمُّ الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهرَ بَهْ... تَرْضَى من اللحْم بَعظْمِ الرَّقَبَهْ3 = لِـ "ديوان".
وجملة "أعرف... ": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أشبها ظبيانا": في محل نصب نعت "منخرين".
والشاهد فيهما: أن لزوم الألف في المثنى "العينان" وفي الأحوال الثلاثة، لغة بني الحارث بن كعب.

على توهُّمِ "إن" لكثرةِ دخولها على المبتدأ، فلأنْ يُؤخروها مع وجود لفظها أجدرُ.
وإلى هذا الوجه ذهب أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بن المُثَنَّى، ومحمّدُ بن زيد، وأبو الحسن عليّ بن سليمان الأخفش.
وقد جاءت "إن" بمعنى "نَعَمْ" كثيرًا.
قال الشاعر [من مجزوء الكامل]: 1 - بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو... حٍ يَلُمْنَنِي وألَومُهُنهْ وَيقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلا... ك وقد كَبِرْتَ، فقلتُ: إنَّهْ = اللغة: أم الحليس: الأتان.
الحلس: كساء رقيق يوضع تحت برذعة الدابة.
شهربة: عجوز كبيرة.
الإعراب: "أمّ": مبتدأ مرفوع بالضمّة، وهو مضاف.
"الحليس": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"لعجوز": اللام: حرف زائد، و"عجوز": خبر المبتدأ مرفوع بالضمّة.
"شهربة": نعت "عجوز" مرفوع، وسكن للقافية.
"ترضى": فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة للتعذّر، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي.
"من اللحم": جاز ومجرور متعلقان بـ "ترضى".
"بعظم": جاز ومجرور متعلقان بـ"ترضى".
"الرقبة": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وجملة "أمّ الحليس لعجوز": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ترضى": في محلّ رفع خبر ثانٍ لـ "أم".
والشاهد فيه قوله: "لعجوز" حيث جاء ما ظاهره دخول اللام على خبر المبتدأ المؤخر مجرّدًا من "إن".
ولهذا ذهب العلماء إلى أنّ اللام ليست للابتداء ولكنها زائدة.
وقيل: "عجوز" خبر لمبتدأ محذوف كانت اللام مقترنة به: "أم الحليس لهي عجوز".

أي: نَعَم هو كذلك، والهاء لبيانِ الحركة.
وقال الآخر [من الكامل]: 1 - قالوا: غَدَرْتَ فقلتُ: "إن" ورُبمَا... نالَ العُلَى وشِفا الغَلِيلِ الغادِرُ أي: نعم، فإذا أشرت إلى المؤنث، ففيه خمسُ لغات، قالوا: "ذِي"، و"ذِهْ"، و"تَا"، و"تِي"، و"تِهْ".
فأمّا "ذِي"، فهو تأنيثُ "ذَا"، ووزنُه فِعْلٌ، كـ "بِنْت"، والياء فيه أصل، وليس للتأنيث، إنما هي عينُ الكلمة، واللامُ محذوفة كما كانت في "ذا" كذلك.
والتأنيثُ مستفادٌ من الصيغة، وصحّت الياء لانكسار ما قبلها.
وأما "ذِهْ" فهي ذِي، والهاء فيها بدلٌ من الياء، وليست للتأنيث أيضًا.
فإن قيل: فلِمَ قلتم: إِن الهاء بدل من الياء في "ذي"؟ وهلا كان الأمرُ فيها بالعكس.
قيل: إنما قلنا: إِن الياء هي الأصلُ، لقولهم في تصغير "ذَا": "ذَيَّا".
و"ذِي" إنما هو تأنيثُ "ذَا"، فكما أن الهاء ليس لها أصلٌ في المذكر، فكذلك هي في المؤنث؛ لأنها من لفظه.
فإن قيل: فهلّا كانت الهاء للتأنيث على حدّها في "قائمة"، و"قاعدة"، فالجوابُ: = محل رفع فاعل."إنه":"إن": حرف جواب بمعنى نعم، والهاء: للسكت لا محل لها، ومنهم من قال: "إن": حرف مثله بالفعل، والهاء: اسمها، وخبرها: محذوف تقديره: إنه كذلك.
وجملة "بكر العواذل": بحسب ما قبلها.
وجملة "يلمنني": في محل نصب حال، وعطف عليها جملة "ألومهنه".
وجملة "ويقلن": معطوفة على جملة في البيت السابق في محل نصب حال.
وجملة "شيب قد علاك": في محل نصب مفعول به (مقول القول).
وجملة "علاك": في محل رفع خبر (شيب).
وجملة "كبرت": معطوفة على جملة "شيب قد علاك".
وجملة "فقلت": معطوفة على جملة (ويقلن) في محل نصب حال أيضًا.
والشاهد فيه قوله: "إنه" حيث اعتبرها حرف جواب بمعنى "أجَلْ".

أنها لو كانت للتأنيث على حدّها في "قائمة"، و"قاعدة"، لكانت زائدة، وكان يؤدي إلى أن يكون الاسم على حرف واحد، وقد بينّا ضُعْفَ مذهب الكوفيين في ذلك.
وأمرٌ آخرُ أنك لا تجد الهاء علامة للتأنيث في موضع من المواضع.
والياء قد تكون علامة للتأنيث في قولك: "اضرِبِي"، فأمّا "قائمة" و"قاعدةٌ"، فإِنما التأنيثُ بالتاء.
والهاء من تغيرِ الوقف، ألا تراك تجدها تاء في الوصل، نحو: "طَلْحَتان"، و"هذه طلحةٌ يا فَتَى، وقائمة يا رجلُ"، فإذا وقفتَ كانت هاء؟ والهاء في "ذِهْ" ثابتة وصلًا ووقفًا، والكلامُ إنّما هو في حقيقته، وما يندرج عليه، ألا ترى أننا نُبدِل من التنوين ألفًا في النصب، وهو في الحقيقة تنوين على ما يُدْرَج عليه الكلامُ؟ ويؤيد ذلك أن قومًا من العرب- وهم طَيىءٌ - يقِفون على هذا بالتاء، فيقولون: "شَجَرَت"، و"حَجَفَت"، فثبت بما ذكرناه أن الهاء في "ذِهْ" ليست كالهاء في "قائمة"، فلا تُفيد فائدتَها من التأنيث.
وقوله: "بالوصل والسكون" يريد أن هذه الهاء يجوز فيها وجهان: أن تكسِرها وتَصِلها بحرفِ مد كما تفعل بهاء الإضمار.
والآخرُ أن تُسكنها وصلًا ووقفًا.
فمن حركها؛ فلأنها هاء في اسم مبهم غير متمكّن، فشُبهت بهاء الإضمار، نحو: "مررت بهِ"،، و"نظرت إلى غلامهِ".
ومَن سكنها؛ فإنّه جرى على القياس، إذ كانت بدلًا من حرف ساكن، وهو الياء، فيقول: "هذه أمةُ الله"، و"نظرت إلى هذِهْ يا فَتَى".
فإذا لَقِيَها ساكن، لم يكن بدٌّ من تحريكها بالكسر، فتقول: "هذهِ المرأةُ قائمةٌ"، و"هذه الأَمةُ عاقلةٌ".
ويحتمل ذلك أمرَيْن: أحدهما: أن يكون لمّا صار إلى موضع يُحتاج فيه إلى حركةِ الهاء لئلا يجتمع ساكنان، عاد إلى لغةِ من يكسر، ولم يجعلها في قوله: "هذه أمةُ الله"، لالتقاء الساكنين.
وذلك أقيسُ من اجتلابِ حركة غريبة.
ويدل على ذلك أن من قال: "هُمْ قاموا"، فأسكنَ الميمَ من "هُمْ"، متى احتاج إلى حركتها، ردّ إليها الضمة التي في لغةِ من يقول: "هُمُو قاموا".
وعلى ذلك من قال: "مُذْ"، فأسكنَ الذالَ لزَوالِ النون الساكنة من قبلِها، إذا احتاج إلى حركةِ الذال، ردها إلى الضمّ، فقال: "مُذُ اليومِ".
وكذلك من أعمل "مَا" النافيةَ، إذا عرض ما يُبْطِل الإعمالَ من اعتراضِ الاستثناء، أو تقديمِ الخبر، صار إلى لغةِ من لا يُعْمِل.
والأمر الآخر: أن تكون الكسرة لالتقاء الساكنين، وكذلك الضم في "هُمُ القومُ" لالتقاء الساكنين، وإنما عُدل إلى الضم للإتباع، وكذلك الضم في "مُذُ الليلةِ"، ويؤيد ما قلناه أن بعضَ ذلك قد جاء مكسورًا.
قال الشاعر فيما أنشده قُطْرُبْ [من الطويل]: 1 - ألا إِنّ أصْحابَ الكَنِيفِ وَجَدْتُهُم... هُمِ القَوْمُ لَما أَخْصَبوا وتَمَوَّلُوا

وأنشد الكوفيون [من الكامل]: 1 - فهُمُو بِطانَتُهم وهُمْ وُزَراؤُهمْ... وَهُمِ القُضاةُ ومِنهُمِ الحُكامُ وهي لغةٌ لبعضِ بني سُلَيم.
وحكى اللِّحْيانى: "مُذِ اليوم"، و "مُذِ الليلة"، والكسرُ لا محالةَ لالتقاء الساكنين، فكذلك يكون الضمُّ لالتقاء الساكنين.
وعدلوا عن الكسرة لإتباع على حد قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ﴾ (2)، و ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ (3)، وإذا جاز الإتباعُ مع الفصل فيما ذكرناه، فجوازُه مع غير الفصل أولى.
فإذا ثنيتَ، قلت: "تانِ" في الرفع، و"تَينِ" في النصب والجرّ، كما ذكرنا في المذكر.
وقال صاحب الكتاب: و"لم يُثَن من لغاته إلَّا تَا وحدَها".
والذي أراه أن "ذِي"، و"ذِهْ" لا يصح تثنيتهما؛ لأتك لو فعلت، لكنت تحذف الياء من "ذي"، لسكونها، والهاء من "ذِهْ"؛ لأنها بدلٌ من الياء، وكنت تقول: "ذَانِ"، و"ذَيْنِ"، فيُلبِس بالمذكر.
= الإعراب: "ألا": حرف استفتاح.
"إن": حرف مشبه بالفعل."أصحاب": اسم "إن" منصوب بالفتحة وهو مضاف.
"الكنيف": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"وجدتهم": فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرّك، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل، و"هم": ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
"هم": ضمير منفصل مبني في محلّ رفع مبتدأ.
"القوم": خبر مرفوع بالضمّة.
"لمّا": ظرف زمان مبني في محل نصب مفعول فيه متعلق بـ "أخصبوا".
"أخصبوا": فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والألف فارقة.
"وتمولوا": الواو للعطف، "تمولوا": تعرب إعراب "أخصبوا".
وجملة " إن أصحاب... ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "وجدتهم": في محل رفع خبر (إن).
وجملة "هم القوم": في محل نصب مفعول به ثان للفعل "وجدتهم".
وجملة "أخصبوا": في محل جر بالإضافة.
وعطف عليها جملة "تمولوا".
والشاهد فيه قوله:"هم القوم" حيث كسر ميم الضمير (هم) منعًا لالتقاء الساكنين، والغالب ضم الميم على الإتباع للهاء.

وأما "تَا"، و"تِي"، و"تِهْ"، فلا مانعَ من تثنيتها، فإذا قلت: "تَانِ"، جاز أن يكون على لغةِ من يقول: "تَا"، فحذف الألفَ لالتقاء الساكنين، وجاز أن يكون على لغةِ من يقول:"تِي"، فحذف الياء، وفتح التاء لمُجاوَرةِ ألف التثنية، ويجوز أن يكون على لغةِ من يقول: "تِة"، فحذف الهاء؛ لأنها عوضٌ من الياء في "تِي"، فأجراها مُجرى الياء في الحذف، وفتح التاء لمجاورةِ ألف التثنية.
فإذا أردت الجمع؛ قلت: "أُولَا"، و"أولاء" بالقصر والمد، وهذا اللفظُ يُعبر به عن المذكر والمؤنث.
وهي صيغةٌ من غيرِ لفظ الواحد، كـ"الإبل" و"الخَيْل".
والقصرُ هو الأصل، ونظيرُه: "قُرَى"، و"بُرَى"، ولم يلتق في آخِره ساكنان، فيُكْسَرَ لالتقائهما، فبقي ساكنًا على ما يقتضيه القياسُ في كل مبني.
ومَن مد، فإنه زاد ألفًا قبل اللام حيث أراد بناء الكلمة على المدّ، فاجتمع ألفان: الألفُ المبدلة من اللام، وألفُ المدّ، فوجب حذفُ أحدهما، أو تحريكه لالتقاء الساكنين، فلم يجز الحذفُ لئلا يزول المدّ، وقد بنيت الكلمة على المدّ، فوجب التحريكُ، فلم يجز تحريكُ الأُولى؛ لأن تحريكها يُؤدِّي إلى قَلبها همزةً.
ولو قُلبت همزةً، لفارقتِ المدَّ، فوجب تحريكُ الثانية، فانقلبت همزةً؛ لأنها أقربُ الحروف إليها، وكان القياسُ أن تكون ساكنةً على أصلِ البناء، وإنما كُسِرت لالتقاء الساكنين.
وهذه الصيغة يستوي فيها المذكرُ والمؤنثُ، لأنها واقعة على جمع، أو جماعةِ، فكأنه قال: أُشير إلى هذه الجماعة، أو إلى هذا الجمع.
والجمعُ والجماعةُ، كل واحد منهما يقع على المذكر والمؤنث، والحَيَوانِ والجَمادِ، فلذلك استوى فيه لفظُ المذكر، والمؤنث، ووزنُه " فُعالٌ" على وزنِ "غُرابٍ".
فأمّا قولُ جَرِير [من الكامل]: ذم المنازل (1)... إلخ فالشاهد فيه استعمالُ "أولئك" فيما لا يعقل، وهي الأيامُ، على حد ما يُستعمل في العُقلاء.
ألا ترى أنه قال: "أولئك الأيام" كما يقولون: "أولئك القومُ"؟ ومثلُه قول الآخر [من البسيط]: يا ما أُمَيلِحَ غِزلَانا شَدَن لنا... من هؤُلَيائِكُن الضالِ والسمُرِ (2) فجاء بـ "أولاءِ" للضال والسمُر كما جاء به جرير للأيام.

جارٍ التحميل