شرح المفصل لابن يعيشفصل [المستثني المنصوب]

فصل [المستثني المنصوب]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "المستثنى في إعرابه على خمسة أضرب: أحدها منصوب أبداً, وهو على ثلاثة أوجه: ما استثني بـ "إلا" من كلام موجب, وذلك "جاءني القوم إلا زيداً"".

قال الشارح: اعلم أنّ الاستثناء استفعالٌ، من ثَنَاهُ عن الأمر يَثْنِيهِ إذا صرفه عنه، فالاستثناء صرفُ اللفظ عن عُمومه بإخراجِ المستثنى من أنّ يتناوله الأوّلُ، وحقيقتُه تخصيصُ صفةٍ عامّةٍ، فكلُّ استثناء تخصيصٌ، وليس كلٌ تخصيص استثناءً، فإذا قلت: "قام القومُ إلَّا زيدًا"، تُبين بقولك: "إلَّا زيدًا" أنّه لم يكن داخلًا تحت الصَّدْر، إنّما ذكرتَ الكلَّ، وأنت تريد بعضَ مدلوله مجازًا، وهذا معنَى قول النحويّين: "الاستثناءُ إخراجُ بعضٍ من كلّ"، أي: إخراجُه من أنّ يتناوله الصدرُ، فـ "إلَّا" تُخْرج الثاني ممّا دخل في الأوّل، فهي شِبْهُ حرف النفي، فقولُنا: "قام القومُ إلَّا زيدًا" بمنزلةِ "قام القومُ لا زيدُ"، إلَّا أنّ الفرق بين الاستثناء والعطف أنّ الاستثناء لا يكون إلّا بعضًا من كلّ، والمعطوف يكون غيرَ الأوّل، ويجوز أن يُعطَف على واحد، نحوَ قولك: "قام زيدٌ لا عمرٌو"، ولا يجوز في الاستثناء أنّ تقول: "قام زيد إلَّا عمرًا".
والمستثنَى منه والمستثنَى جملةٌ واحدةٌ، وهما بمنزلةِ اسم مضافٍ، فإذا قلت: "جاءني قومُك إلَّا قليلاً منهم"، فهو بمنزلة قولك: "جاءني أكثرُ قومك"، فكأنّه اسمٌ مضافٌ، لا يتِمّ إلّا بالإضافة.
وأصلُ المستثنى أنّ يكون منصوبًا، لأنّه كالمفعول، وإنّما يُعْدَل عنه لغَرَض يُذكَر بعدُ، وَلْنُقَدم الكلامَ على العامل في المستثنى، ثمّ على أقسامه.
وفي العامل في المستثنى أقوالُ 1 منها قولُ سيبويه: إنّ العامل فيه الفعلُ المقدَّمُ، أو معنى الفعل بواسطةِ "إلَّا".
فإن قيل: الفعل المتقدّم لازمٌ غيرُ متعدّ، فكيف يجوز أن يعمل في المستثنى النصبَ؟ قيل: لما دخلت عليه "إلَّا"، قَوَّتْه، وذلك أنّها أحدثتْ فيه معنى الاستثناء، كما يُقَوَّى بحرف الجرّ في "مررتُ بزيدٍ".

فإن قيل: فهلّا أعملوا "إلّا" فيما بعدها كما أعملوا حروفَ الجرّ لمّا أَوْصلتِ الفعلَ إلى ما بعدها، فالجوابُ أنّ "إلّا" إنّما لم تعمل جرّا, ولا غيرَه من قبل أنّها لم تخلُص للأسماء دون الأفعال والحروفِ، ألا تراك تقول: "ما جاءني زيدٌ قطُّ إلّا يَقْرَأُ"، و"لا مررتُ بمحمَّد قطّ إلّا يُصَلّي"، و"لا لقيتُ بكرًا إلّا في المسجد"، و"لا رأيتُ خالدًا إلّا على الفرس"، فلمّا لم تخلُص للأسماء، بل باشرتَ بها الأفعالَ والحروفَ كما باشرتَ بها الأسماءَ، لم يجز لها أنّ تعمل جرًّا, ولا غيره، وذلك لأنّ العامل ينبغي أنّ يكون له اختصاصٌ بما يعمل فيه، فلمّا لم يكن لـ "إِلَّا" اختصاصٌ بالاسم، لم يجز لها أنّ تعمل فيه.
وإذا قلت: "قام القومُ"، اقتضى ذلك كلَّ من يدخل تحت عُموم اللفظ، فإذا أتيتَ بالاستثناء بيّنْتَ أنّ مدلولَ الأوّلِ وعُمومَه ليس مرادًا، فاقتضى البيانَ، فنُصب المستثنى لاقتضائه إيّاه على حدِّ اقتضاء "العشرين" ما بعدها إذا قلتَ: "عندي عشرون درهمًا".
وذهب أبو العبّاس المبرّدُ، وأبو إسحاق الزجّاجُ، وطائفةٌ من الكوفيين 1 إلى أنّ الناصب للمستثنى "إلّا" نِيابةً عن "أَسْتَثْنِي"، فإذا قال: "أتاني القومُ إلّا زيدًا"، فكأنّه قال: "أتاني القومُ أستثني زيدًا".
وهو ضعيفٌ، لأنّك تقول: "أتاني القومُ غيرَ زيدٍ" فتنصب "غيرًا".
ولا يجوز أنّ تُقدّر بـ "أستثني غيرَ زيد"؛ لأنه يُفسِد المعنى، وليس قبلَ "غَيْرَ" حرفٌ تُقيمه مُقامَ الناصب، ولأنّ فيه إعمالَ معنى الحرف، وإعمالُ معاني الحروف لا يجوز، ألا ترى أنّك لا تقول: "ما زيدًا قائمًا" على معنَى "نَفَيْتُ زيدًا قائمًا".
وإنّما لم يجز ذلك, لأنهم إنّما أتوا بالحروف نائباتٍ عن الأفعال إيجازًا واختصارًا، فإذا أخذتَ تُعْمِل معاني هذه الحروف كان فيه تطلُّعٌ إلى الأفعال، وفيه نَقْصٌ للغرض، وتراجُعٌ عمّا اعتزموه، فلم يجز ذلك، كما لم يجز الإدغامُ في مثلِ "جَلْبَبَ"، و"مَهْدَدَ", لأنّ فيه إبطالَ غرضهم، وهو الإلحاقُ.
وذهب الفرّاءُ - وهو المشهورُ من مذهب الكوفيين 2 - إلى أنّ "إلّا" مركَّبةٌ من حرفَيْن: "إِنَّ" التي تنصب الأسماءَ، وترفع الأخبارَ، و"لا" التي للعطف، فصار "إِنَّ لَا" فخُفقّت النون، وادُّغِمتْ في اللام، فأعملوها فيما بعدها عَمَلَيْن، فنصبوا بها في الإيجاب اعتبارًا بـ "إِنَّ"، وعطفوا بها في النفي اعتبارًا بـ "لا".
فإذا رفعوا في النفي، فقد أعملوها عَمَلَ "لَا"، فجعلوها عاطفةً، وإذا نصبوا بها في الإيجاب، فقد أعملوها عملَ "إِنَّ"، و"زيدًا" اسمُها، وقد كَفَتْ "لا" من الخبر، والتأويلُ: إِنَّ زيدًا لم يقم.
وهو قولٌ فاسدٌ أيضًا، لأنّا نقول: "ما أتاني إلّا زيدٌ" فنرفع "زيدًا" وليس قبله مرفوعٌ يُعطَف عليه، ولم يجز فيه النصبُ، فيبطُلُ تأثيرُ الحرفَيْن معًا.

وحُكي عن الكِسائيّ أنّه قال: إنّما نصبنا المستثنى, لأنّ تأويله: قام القومُ إلّا أنّ زيدًا لم يقم.
وقد رَدَّه الفرّاءُ بأن قال: لو كان هذا النصبُ بأنّه لم يفعل، لكان مع "لا" في قولك: "قام زيدٌ لا عمرٌو" كذلك.
وقيل: قولُ الكسائيّ يرجِع إلى قول سيبويه، وإنّما هذا القولُ لتقريرِ معنى الاستثناء، لا لتحقيقِ نفس العامل.
فأمّا قولُ صاحب الكتاب: "المستثنى في إعرابه على خمسةِ أضرب: أحدُها منصوبٌ أبدًا، وهو على ثلاثةِ أوجه: ما استُثني بـ "إِلَّا" من كلام موجَب، وذلك "جاءني القومُ إِلّا زيداً""، فإنّه على ما ذكر.
وذلك أنّ المستثنى في إعرابه على خمسة أضرب، منها ما هو منصوبٌ أبداً، فلا يجوز غيرُه من الإعراب، وهو ثلاثةُ أشياءَ: أحدُها ما استُثني بـ "إِلَّا" من كلام موجَب.
و"إِلَّا" أُمُّ حروف الاستثناء وهي المستولِيَةُ على هذا الباب.
وقوله: "من كلام موجب"، فالموجَبُ من الكلام ما ليس معه حرفُ نفي، والمُثْبَتُ من الأفعال ما وقع وحدث، فقولُك: "قام زيدٌ" مُوجَبٌ مُثْبَتٌ، موجبٌ لأنّه ليس بمنفيّ، ولا جارٍ مجرَى المنفيّ بأن يكون معه حرفُ نفي، أو استفهامِ، ومثبتٌ من حيثُ إنّه قد وقع وكان، فكلُّ مثبت موجبٌ، وليس كل موجب مثبتًا.
فقولُك: "يقوم زيدٌ" موجبٌ لعدمِ النافي، أو ما يجري مجراه، وليس بمثبتٍ، والعِبْرةُ في الاستثناء بالموجب سواءً كان مثبتًا، أو غيرَ مثبت.
فالمستثنى من الموجب منصوبٌ أبداً، نحو قولك: "أتاني القومُ إلّا زيداً"، و"رأيتُ القومَ إلّا زيدًا"، و"مررتُ بالقوم إلّا زيدًا"، ليس فيه إلّا النصبُ، وإنّما كان منصوبًا لشَبَهه بالمفعول، ووجهُ الشبه بينهما أنّه يأتي بعد الكلام التامَّ فضلة، وموقعُه من الجملة الآخِرُ كموقعه، وإنّما قلنا: إِنّه مشبَّهٌ بالمفعول، ولم نقل إنّه مفعولٌ، لأنّ المستثنى أبدًا بعضُ المستثنى منه، والمفعولُ غيرُ الفاعل، وكذلك قلنا في خبرِ "كان": إِنه مشبَّهٌ بالمفعول.
ويُؤيِّد ما قلناه أنّه يعمل في المستثنى المعاني، نحوَ قولك: "القومُ في الدار إلّا زيدًا".
والمفعولُ الحقيقيُّ لا يعمل فيه إلّا لفظُ الفعل، إمّا ظاهرًا، وإمّا مضمَرًا، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: "وبـ "عدا" و"خلا" بعد كل كلام, وبعضهم يجر بـ "خلا", وقيل: بهما، ولم يورد هذا القول سيبويه, ولا المبرد".

قال الشارح: ومن ذلك المستثنى بـ "خَلاَ"، و"عَدَا".
فإنّ المستثنى بهما لا يكون إلّا نصبًا، سواء كان الاستثناءُ من موجَبٍ، أو منفىّ.
تقول: "قام القوم خلا زيدًا، وعدا عمرًا"، و"ما قام أحدٌ خلا زيدًا، وعدا عمرًا"، وما

بعدهما مُخْرَجٌ مما قبلهما، فهو بعد الموجَب منفىٌّ، وبعد المنفيّ موجبٌ مُثْبَتٌ.
وإنّما كان المستثنى بهما منصوبًا، لأنّهما فعلان ماضيان، وفاعلُهما مضمرٌ مستتِرٌ فيهما، لا يظهَر في تثنيةٍ, ولا جمع، فتقول: "قام القومُ خلا زيدًا"، و"خلا الزيدَيْن"، و"خلا الزيدِين"، وكذلك "عَدَا" والتقديرُ: خلا بعضُهم زيدًا، وعدا بعضُهم زيدًا، وخلا بعضهم الزيدَين، وعدا بعضهم الزيدَيْن، وكذلك في الجمع.
والفاعلُ المضمرُ المقدَّرُ بالبعض مُوَحَّدٌ أبدًا، وإن كان المستثنَى منه مُثَنَّى، أو مجموعًا, لأنّ البعض يقع على الاثنين والجمعِ على حَسْبِ المستثنى منه، فانتصابُ ما بعدهما بأنّه مفعولٌ، فأمّا "خَلَا" فإنّه فعلٌ لازمٌ في أصله لاَ يتعدّى إلّا في الاستثناء خاصّةً، وأمّا "عَدَا" فهو متعدٍّ في أصله مِن "عَدَاهُ الأمرُ، يَعْدُوهُ" إذا جَاوَزَه، وإنّما استُثني بهما - وإن لم يكن لفظُهما جَحْدًا - لِما فيهما من معنَى المجاوَزة، والخروج عن الشيء، فَجَرَيَا في هذا المكان مجرَى "لَيْسَ" و"لا يَكُونُ"، وصار لذلك منصوبُهما هو المرفوعَ في التقدير، كما كان كذلك في "ليس"، و"لا يكون".
وبعضُ العرب يجعل "خلا" حرفَ خفضٍ، فيخفِض المستثنى على كلّ حال، كما أنّ "حَاشى" كذلك، فيكون لفظُها مشتركًا بين الحرف والفعل، فإن اعتقدتَ فيها الحرفيّةَ، جررتَ ما بعدها، وإن اعتقدتَ فيها الفعليّةَ، نصبت بها، وصارت كلفظِ "على" مشترَكةً بين الحرف والفعل، وهذا لا خِلافَ فيه؛ وأمّا "عَدَا" فهي فعلٌ، ولم يَحْكِ سيبويه، ولا أبو العبّاس المبرّدُ فيها الحرفيّةَ، وإنّما حكاها أبو الحسن الأخفشُ، فعَدَّها مع "خَلَا" ممّا يجُرّ.

قال صاحب الكتاب: "فأما "ما عدا", و"ما خلا" فالنصب ليس إلا, وكذلك "ليس", ولا يكون, وذلك: "جاءني القوم, أو ما جاؤوني عدا زيداً, وخلا زيداً, وما عدا زيداً, وما خلا زيداً".
قال لبيد [من الطويل]: 1 - ألا كل شيء ما خلا الله باطل... [وكل نعيمٍ لا محالة زائلُ]

و"ليس زيداً", و"لا يكون زيداً" وهذه أفعالٌ مضمر فاعلوها".

قال الشارح: أمّا "مَا خَلاَ" و"مَا عَدَا"، فلا يقع بعدهما إلّا منصوبٌ, لأنّ "مَا" فيهما مصدريّةٌ، فلا تكون صلتُها إلّا فعلاً، وفاعلُها مضمرٌ مقدَّرٌ بالبَعْض على ما تقدّم، ومَا بعدهما في موضع مصدرٍ منصوبٍ، فإذا قلت: "قام القومُ ما خلا زيدًا"، "ما عدا بكرًا"، كأنّك قلت: "خُلُوَّ زيدٍ"، و"عَدْوَ بكرٍ"، كأنّك قلت: "قام القوم مجاوَزتَهم زيدًا"، وذلك المصدرُ في موضع الحال كما قالوا: "رَجَعَ عَوْدَهُ على بَدْئِهِ"، ونظائرُه كثيرةٌ، فأمّا قولُ لَبِيد [من الطويل]: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلُ... وكلٌّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زائلُ الشاهد فيه نصبُ اسم الله تعالى بقوله: "ما خلا" علَى ما قدّمناه.
ومعنى البيتِ ظاهرٌ.
وكذلك الاستثناءُ بـ "لَيْسَ"، و"لَا يَكُونُ"، لا يكون المستثنى بهما إلَّا منصوبًا، مَنْفيًّا كان المستثنى منه أو موجبًا، وذلك قولُك في الموجب: "قام القوم ليس زيدًا"، و"لا يكون زيدًا".
وتقول في المنفيّ: "ما قام القوم ليس زيدًا, ولا يكون زيداً"، وانتصابُ المستثنى هنا بأنّه خبرُ "لَيْسَ" و"لا يَكُونُ"، واسمُهما مضمَرٌ، والتقديرُ: ليس بعضُهم زيدًا, ولا يكون بعضُهم زيدًا.
= المعنى: كل شيء في هذا الوجود ماضٍ إلى زوال إلّا وجه ربّك ذي الجلال والإكرام.
الإعراب: "ألا": حرف استفتاح وتنبيه "كلّ": مبتدأ مرفوع، وهو مضاف.
"شيء": مضاف إليه مجرور.
"ما": حرف مصدري.
"خلا": فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدّر على الألف للتعذّر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: هو على خلاف الأصل.
"الله": لفظ الجلالة، مفعول به منصوب.
"باطل": خبر المبتدأ مرفوع.
"وكلّ": الواو: حرف عطف، "كلّ": مبتدأ مرفوع، وهو مضاف.
"نعيم": مضاف إليه مجرور.
"لا": نافية للجنس.
"محالة": اسم "لا" مبني على الفتح في محلّ نصب، وخبرها محذوف.
"زائل": خبر المبتدأ مرفوع.
وجملة "كل شيء باطل": لا محل لها من الإعراب لأنّها ابتدائية.
وجملة "ما خلا الله": لا محلّ لها من الإعراب لأنّها اعتراضية، أو في محل نصب حال، والتقدير: "خاليًا".
وجملة "كلّ نعيم... ": معطوفة على جملة "كل شيء" لا محل لها من الإعراب.
وجملة "لا محالة... ": لا محل لها من الإعراب لأنّها اعتراضية.
والشاهد فيه قوله: "ما خلا الله" حيث ورد بنصب لفظ الجلالة بعد "خلا"، فدلّ ذلك على أنّ الاسم الواقع بعد "ما خلا" يكون منصوبًا، وذلك لأنّ "ما" هذه مصدرية، و "ما" المصدريَّة لا يكون بعدها إلّا فعل، ولذلك يجب نصب ما بعدها على أنّه مفعول به، وانّما يجوز جرّه إذا كانت حرفًا، وهي لا تكون حرفًا متى سبقها الحرف المصدريّ.
وفي البيت شاهد آخر للنحاة، وهو توسّط المستثنى بين جزأي الكلام في قوله: "ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل"، يريد: ألا كل شيء باطل ما خلا الله.

ولا يظهَر هذا الاسمُ المقدَّرُ على ما تقدّم في "خلَا"، و"عَدَا"؛ لأنّ هذه الأفعال أُنيبتْ في الاستثناء عن "إلّا"، فكما لا يكون بعد "إلّا" في الاستثناء إلّا اسمٌ واحدٌ، فكذلك لا يكون بعد هذه الأفعال إلّا اسمٌ واحدٌ, لأنّها في معناها.
والكوفيون يقولون التقديرُ: لا يكون فَعْلُهم فَعْلَ زيد، أضمرتَ الفَعْل، وهو المضمر المجهول، ووضعتَ الاسم المنصوب موضعَ الفَعْل.
وما ذهب إليه البصريون أمثلُ, لأنه أقلُّ إضمارًا، فكان أوْلى، وقد يكون "لَيْسَ"، و"لَا يَكُونُ" وصفَيْن لِما قبلهما من النكرات، تقول: "أتتْني امرأةٌ لا تكون هندًا"، فموضعُ "لَا تَكُونُ" رفعٌ بأنّه وصفٌ لامرأةٍ، وكذلك تقول في النصب، والجرّ: "رأيتُ امرأةً ليست هندًا, ولا تكون هندًا"، و"مررتُ بامرأةٍ ليست هندًا, ولا تكون هندًا"، ولا يوصَف بـ "خَلَا" و"عَدَا"، كما وُصف بـ "لَيْسَ"، و"لَا يَكُونُ".
لا تقول: "أتتني امرأةٌ خلتْ هندًا، وعدتْ جُمْلاً"، وذلك أنّ "لَيْسَ"، و"لَا يَكُونُ" لفظُهما جَحْدٌ، فخالَفَ ما بعدهما ما قبلهما، فجريا في ذلك مجرى "غَيْرِ"، فوُصف بهما كما يوصَف بـ "غَيْرٍ"، وأمّا "خَلَا"، و"عَدَا"، فليس كذلك، وإنّما يُستثنى بهما على التأويل، لا لأنّهما جحدٌ، ولمّا كان معناهما المجاوَزةَ، والخروجَ عن الشيء، فُهم منهما مفارَقةُ الأوّل، فاستُثني بهما لهذا المعنى، ولم يوصَف بهما, لأنّ لفظهما ليس جحدًا، فيجرِيا مجرى "غيْرٍ".
فإن قيل: فما موضعُ "ليس"، و"لا يكون" من الإعراب في الاستثناء؟ قيل: يحتمل وجهَيْن: أحدُهما: أنّ لا يكون لواحد منهما موضعٌ من الإعراب، بل يكون كلامًا مستأنَفًا، خُصّص به ذلك العامُ، كما يقول القائلُ: "جاءني الناسُ، وما جاءني زيدٌ" عقيبَ كلامه بجملةٍ من غير الكلام الأوّل بَيَّنَ بها خصوصَ الجملة الأوُلى، ومثلُه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ 1، ثمّ قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ 2، فجرى ذلك مجرَى "إلّا أنّ يكون له إخوةٌ".
والوجه الثاني: أنّ يكونا في موضع الحال، فإذا قلت: "جاءني القومُ ليس زيدًا، ولا يكون زيدًا"، فتقديرُه: جاءني القوم وليس بعضُهم زيدًا, ولا يكون بعضُهم زيدًا، كما تقول: "جاءني زيدٌ وليس معه عمرٌو".
ويجوز إسقاطُ الواو، فتقول: "جاءني زيدٌ ليس معه عمرٌو"، فيلزَم إسقاطُ الواو في الاستثناء؛ لأنّ "لَيْسَ"، و"لا يَكُونُ" نائبان عن "إلّا"، ولا يكون مع "إلَّا" الواوُ، فكذلك في "لَيْسَ"، و"لا يَكُونُ" ويكون التقديرُ: جاءني القوم خالِينَ من زيدٍ، وعادِينَ عن زيد، وتكون الجملتان كلامًا واحداً، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: "وما قدم من المستثنى, كقولك: "ما جاءني إلا أخاك أحدٌ".
قال [من الطويل]: 1 - وما لي إلا آل أحمد شيعةٌ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب"

قال الشارح: هذا هو الوجهُ الثاني من الوجوه الثلاثة التي لا يكون المستثنى فيها إلّا منصوبًا، وذلك المستثنى إذا تقدّم على المستثنى منه.
نحوَ قولك: "ما جاءني إلّا زيدًا أحدٌ"، و"ما رأيتُ إلّا زيدًا أحدا"، و"ما مررت إلّا زيدًا بأحدٍ"، وإنّما لزم النصبُ في المستثنى إذا تقدّم، لأنّه قبل تقدُّمِ المستثنى كان فيه وجهان: البَدَل والنصبُ، فالبدلُ هو الوجهُ المختارُ على ما سيُذكَر بعدُ، والنصبُ جائزٌ على أصلِ الباب؛ فلمّا قدّمتَه, امتنع البدلُ الذي هو الوجهُ الراجح, لأنّ البدل لا يتقدّم المُبْدَلَ منه من حيث كان من التوابع، كالنعْت، والتأكيدِ، وليس قبله ما يكون بدلاً منه، فتَعيّنَ النصبُ الذي هو المرجوحُ للضرورة، ومن النحويّين من يسمّيه أحسنَ القبيحَيْن.
ونظيرُ هذه المسألة صفةُ النكرة إذا تقدّمتْ، نحو: "فيها قائمًا رجلٌ"، لا يجوز في "قائم" إلّا النصبُ، لأنّك إذا أخّرتَه، فقلت: "فيها رجلٌ قائمٌ"، جاز في "قائم" وجهان: الرفع على النعت والنصبُ على الحال، إلّا أنّ الحال ضعيفٌ, لأنّ نعتَ النكرة أجودُ من الحال منها، فإذا قُدَّم بطل النعتُ، وإذا بطل النعت، تَعيّنَ النصبُ على الحال ضرورة، فصار ما كان جائزًا مرجوحًا، مختارًا.

فأمّا قول الشاعر الذي أنشده، فإنّ البيت للكُمَيْت.
ومَشْعَبُ الحقّ: طريقُه.
والشَّيعَة: الأعوانُ، والأحزابُ، والأصلُ: فما لي شيعةٌ إلّا آلُ أحمد، وما لي مشعبٌ إلّا مشعبُ الحقّ، وقال الآخرُ، وهو كَعْبُ بن مالك [من البسيط]: 1 - والناسُ ألْبٌ علينا فيك ليس لنا... إلا السُيُوفَ وأطرافَ القَنَا وَزرُ يخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم -. والألْبُ.
المتألّبون المجتمِعون.
والوَزَرُ: المَلْجَأُ، وأصلُه: الجَبَلُ.

قال صاحب الكتاب: "وما كان استثناؤه منقطعاً,كقولك: "ما جاءني أحدٌ إلا حماراً" وهي اللغة الحجازية, ومنه قوله عز وجل: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ (2)، وقولهم: "ما زاد إلا ما نقص", و"ما نفع إلا ما ضر"".

قال الشارح: هذا هو الوجه الثالث ممّا لا يكون المستثنى فيه إلّا منصوبًا، وهو ما كان المستثنى فيه من غيرِ نوعِ الأوّل.
ويسمّى المنقطِعَ لانقطاعه منه، إذ كان من غير نوعه، وهذا النوعُ من الاستثناء ليس على سبيلِ استثناءِ الشيء ممّا هو من جنسه, لأنّ استثناء الشيء من جنسه إخراجُ بعضٍ ما لولاه لَتَناولَه الأوَّلُ، ولذلك كان تخصيصًا على ما سبق، فأمّا إذا كان من غير الجنس، فلا يتناوله اللفظُ، وإذا لم يتناوله اللفظُ، فلا يحتاج إلى ما يُخْرِجه منه، إذ اللفظُ، إذا

كان موضوعًا بإزاءِ شيء، وأُطلق، فلا يتناول ما خالَفَه.
وإذا كان كذلك، فإنّما يصحّ بطريق المجاز، والحملِ على "لكِنْ" في الاستدراك، ولذلك قّدرها سيبويه بـ "لكِنْ" 1. وذلك من قِبَل أنّ "لكن" لا يكون ما بعدها إلّا مخالفًا لِما قبلها، كما أنّ "إلّا" في الاستثناء كذلك، إلَّا أنَّ "لكِنّ" لا يُشترط أنّ يكون ما بعدها بعضًا لِما قبلها بخلافِ "إلّا"، فإنَّه لا يُستثنى بها إلّا بعضٌ من كلّ.
فعلى هذا تقول: "ما جاءني أحدٌ إلّا حمارًا"، و"ما بالدار أحدٌ إلّا وَتَدًا".
فهذا المستثنى، وما كان مثلَه منصوبٌ أبدًا، وذلك لتعذُّرِ البَدَل، إذ لا يُبْدَل في الاستثناء إلّا ما كان بعضًا للأوّل، وإذا امتنع البدلُ، تَعيَّن النصبُ على ما ذكرنا في الاستثناء المقدَّم.
وهذا الاستثناء على ضربَيْن: أحدُهما ما النصبُ فيه مختارٌ، والآخرُ واجبٌ، فالأوّلُ نحوُ قولك: "ما جاءني أحدٌ إلّا حمارًا"، و"ما بالدار أحدٌ إلَّا دابَّةً"، فهذا وشِبْهُهُ فيه مذهبان: مذهبُ أهل الحِجاز، وهي اللغة الفُصْحَى، وذلك نصبُ المستثنى على كل حال لِما ذكرناه من الاعتلال، ومذهبُ بني تميم، وهو أن يُجيزوا فيه البدلَ والنصبَ، فالنصبُ على أصل الباب، والبدلُ على تأويلَيْن: أحدُهما أنّك إذا قلت: "ما جاءني أحدٌ إلّا حمارٌ"، فكأنّك قلت: "ما جاءني إلَّا حمارٌ"، ثمّ ذكرتَ "أحدًا" توكيدًا، فيكون الاستثناءُ من القَدْر الذي وقعتِ الشرْكَةُ فيه بين الأحَدِين، والحمارِ، وهي الحَيَوانِيّةُ، مَثَلًا، أو الشَّيْئيّةُ، ويكون تقديرُه: ما جاءني حَيَوانٌ، أو شيءٌ أحدٌ، أو غيرُه إلّا حمارٌ.
الثاني من التأويلَيْن أنّ تجعل الحمارَ يقوم مقامَ مَن جاءك من الرِّجال على التمثيل، كما يُقال: "عِتابُك السيفُ"، و"تَحِيَّتُك الضرْبُ"، كما قال [من الوافر]: 298 - وخَيْلٍ قد دلفتُ لها بخيلٍ... تَحِيَّةُ بَيْنِهم ضَرْبٌ وَجِيعُ2

وقال الآخر [من الخفيف]: 1 - لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَ قَيْسٍ عِتابٌ... غيرُ (2) طَعْنِ الكُلَى وضَرْبِ الرقابِ أي: هذا الذي أقامه مُقامَ التحية والعتابِ، ومن الاستثناء المنقطع قولُه تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (3) وقولُه تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (4) وبنو تميم يقرؤونها بالرفع، يجعلون "اتّباعَ الظنّ" عِلْمَهم، و"ابتغاءَ وجهه" سبحانه نعمة لهم عنده، ومنه قول الشاعر [من الرجز]: 5 - وَبَلْدَةٍ ليس لها أنِيسُ... إلَّا اليَعافِيرُ وإلَّا العِيسُ = جملة "وخيل قد دلفت لها": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "دلفت": في محلّ رفع خبر لـ (خيل).
وجملة "تحية بينهم ضرب وجيع": في محلّ جرّ صفة لـ (خيل).
والشاهد فيه قوله: "تحيه بينهم ضرب وجيع" حيث جعل "الضرب الوجيع" كالتحيه، على التمثيل التشبيهي.

جعل "اليعافيرَ" أنيسَ ذلك المكان، ومثلُه قول النابِغة [من البسيط]: 1 - وَقَفْتُ فيها أُصَيْلانًا أسائِلُها... عَيَّتْ جَوابًا وما بالرَبْعِ مِن أحدِ إلا الأوارِىّ لأيا ما أبَيَّنُها... والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ = ص 452؛ والمقتضب 2/ 319، 347، 414؛ وهمع الهوامع 1/ 225. اللغة: الأنيس: الذي يؤنس به.
اليعافير: جمع اليعفور، وهو ولد البقرة الوحشية أو الغزال.
العيس: الإبل البيض.
المعنى: ربّ بلدة بلغتها، فوجدتها خالية من الناس، وليس فيها إلّا الظباء والإبل البيض.
الإعراب: "وبلدة": الواو: واو "ربّ" "بلدة": اسم مجرور بـ "ربّ"، المحذوفة، مجرور لفظًا مرفرع محلًا على أنه مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: دخلتها أو بلغتها.
"ليس": فعل ماض ناقص.
"لها": جار مجرور متعلّقان بخبر "ليس" المحذوف."أنيس": اسم "ليس" مرفوع.
" إلّا": حرف حصر.
"اليعافير": بدل من "أنيس" مرفوع.
"وإلا": الواو: حرف عطف، "إلّا": حرف حصر.
"العيس": بدل من "أنيس" مرفرع.
جملة "وبلدة": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ليس لها أنيس": في محل جر أو رفع صفة لـ "بلدة".
والشاهد فيه قوله: "إلّا اليعافير والاّ العيس"، حيث جعلها بعضًا من الأنيس.

يُنشد برفع "الأواريّ" ونصبِها، فَمن رفع، جعلها من أحَدِي ذلك المكان، والوجهُ النصبُ، وعليه أكثرُ الناس.
وأمّا الضربُ الثاني: وهو ما لا يجوز فيه إلّا النصبُ فقط، وذلك نحوُ قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ 1، فـ "من" في موضعِ نصب, لأنّه من غير الجنس؛ لأنّ "عاصمَ" فاعلٌ، و"مَن رحم" معصومٌ، أي: مَن رحمه اللهُ، والفاعلُ ليس من جنس المفعول، ومنهم من يجعله استثناء متّصِلًا، فيكون "عاصمَ" فاعلًا بمعنَى مفعول، أي: ذو عِصْمَةٍ، نحوَ قوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ 2، أي: مدفوقٍ، وقولهِ تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ 3 أي: مرضيّةٍ، ومنه قولُ الشاعر [من الطويل]: 302 - [لقدْ عيَّل الأيتامَ طعنةُ ناشرَه]... أنَاشِرَ لا زالتْ يَمِينُك آشِرَهْ بمعنَى "مأشورة" أي: مقطوعة، وهو ضعيف لأنّه خلافُ الظاهر، وإنّما يُصار إلى4 = رفع خبر لـ "النؤي"، "الحوض": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
"بالمظلومة": جار ومجرورة متعلقان بحال محذوفة من (الحوض).
"الجلد": صفة (المظلومة) مجرورة بالكسرة.
وجملة "وقفت": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "أسائلها": في محل نصب حال.
وجملة "عيَّت": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "ما بالربع من أحد": استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "أبينها": في محلّ نصب حال.
وجملة "النؤيُ كالحوض": استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "الأواريّ" حيث يجوز فيه الرفع والنصب على ما سيبُينه الشارح.

مثله ما لم يُوجَد عنه مندوحةٌ، ويجوز أنّ يكون متّصلًا من وجهٍ آخر، وذلك أن يكون "مَن رَحِمَ" هو اللهَ تعالى, لأنه هو الراحم، والمعنى: لا يعصِم من أمر الله إلّا اللهُ.
ومن ذلك ما حكاه سيبويه 1 عن أبي الخَطّاب: "ما زاد إلَّا ما نقص، وما نفع إِلا ما ضرّ"، فَـ "ما" الأوُلى نافيةٌ، و"مَا" الثانية مع الفعل بعدها في موضع مصدرٍ منصوبٍ، وفي"زَادَ" ضميرٌ يعود إلى مذكورٍ, وكذلك في "نَفَعَ".
والمعنى ما زاد النَّهْرُ إلّا النُقْصانَ، وما نفع زيدٌ إلا الضُّرَّ، أقام النقصانَ مُقامَ الزيادة، والضرَّ مقامَ النفع، كما يُقال: "الجُوعُ زادُ مَن لا زادَ له".
فهذا وأشباهُه لا يجوز في المستثنى فيه إلَّا النصبُ على لغةِ بني تميم وغيرِهم، لتعذّر البدل، إذ لا يمكن فمه تقديرُ حذفِ الاسم الأوّل، وإيقاعُ المستثنى موقعَه، كما أمكن ذلك إذا قلت: "ما فيها أحدٌ إلّا حمارٌ"، فلا يُقال: "لا اليومَ مِن أمر الله إلّا مَن رحم"، وكذلك إذا رددتَ المحذوفَ الذي هو خبرُ "عاصم" لم يجز أيضًا.
لو قُلْت: في "لا عاصم لهم اليومَ من أمر الله إلّا من رحم": "لا لهم اليومَ من أمر الله إلّا من رحم"، لم يجز البدلُ، وذلك لأنّه يبقى الجارُّ والمجرور الذي هو الخبر بلا مخبَرٍ عنه، وذلك لا يجوز، ولا معنَى لذلك، والنكْتَة فيه أنّ الاستثناء من الجنس تخصيصٌ، وفي هذا الباب استدراكٌ، فاعرفه.

[المستثني الذي يجوز فيه النصب والبدل]

قال صاحب الكتاب: "والثاني جائز فيه النصب والبدل وهو المستثنى من كلام تام غير موجب كقولك: "ما جاءني أحد إلا زيداً وإلا زيد", وكذلك إذا كان المستثنى منه منصوباً أو مجروراً, والاختيار البدل قال الله تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قليل﴾ 2, وأما قوله عز وجل: ﴿إلا أمرأتك﴾ 3 فيمن قرأ بالنصب فمستثنى من قوله تعالى: ﴿فأسر بأهلك﴾ " 4.

قال الشارح: قوله: "الثاني"، يريد النوعَ الثانِيَ من القِسْمة الأولى، وهي الأنواعُ الخمسةُ.
وهذا المستثنى من كلّ كلام غيرِ موجب تامّ.
وغيرُ الموجب ما كان فيه حرفٌ نافٍ، أو استفهامٌ، أو نهىٌ، نحوُ قولك: "ما جاءني من أحدٍ إلّا زيدًا"، و"لا يقمْ أحدٌ إلّا زيدٌ"، فهذا يجوز في المستثنى فيه النصبُ والبدلُ.
أمّا النصبُ فعلى أصل الاستثناء على ما تقدّم، وأمّا البدلُ - وهو الوجهُ - فعلى أنّ تجعل "زيدًا" بدلًا من "أحد"، فيصير

التقديرُ: "ما جاءني إلّا زيدٌ", لأنّ البدل يحُلّ محلَّ المُبْدَل منه، ألا ترى أنّ قولك: "مررتُ بأخيك زيدٍ" إنّما هو بمنزلةِ "مررت بزيدٍ" لأنّك لمّا نحّيتَ الأخَ، قام زيدٌ مقامَه، فعلى هذا تقول: "ما جاءني أحدٌ إلّا زيدٌ"، و"ما رأيت أحدًا إلّا زيدًا".
و"ما مررت بأحدٍ إلّا زيدٍ".
وإنّما كان البدل هو الوجهَ, لأن البدل والنصبَ في الاستثناء من حيثُ هو إخراجٌ واحدٌ في المعنى، وفي البدل فضلُ مشاكَلةِ ما بعدَ "إلّا" لما قبلها، فكان أوْلى.
وكان الكِسائيّ والفرّاء يجعلان ما جعله سيبويه ههنا بدلًا من قبيل العطف، وقال أبو العبّاس ثَعْلَبٌ: كيف يكون بدلاً، و"أحدٌ"، منفيٌّ، وما بعد "إلّا" موجَبٌ؟ والجوابُ أنّه بدلٌ منه في عملِ العامل فيه، وذلك أنّا إذا قلنا: "ما جاءني أحدٌ"، فالرافعُ لـ"أحدٍ" هو"جاءني"، وإذا لم نذكر "أحدًا"، وقلنا: "ما جاءني إلّا زيدٌ"، فالرافعُ لـ "زيد" هو "جاءني" أيضًا، فكل واحد من "أحدٍ"، و"زيدٍ" يرتفع بـ "جاءني" إذا أفردتَه، فإذا جمعنا بينهما، فلا بدّ من رفعِ الأوّل منهما بالفعل, لأنه يتّصِل به، ويكون الثاني تابعًا له، كما يتبعُه إذا قلت: "جاءني أخوك زيدٌ"، إذ الفعلُ لا يكون له فاعلان.
وأمّا اختلافُهما في النفي والإيجابِ، فلا يُخْرِجهما عن البدل, لأنّه ليس من شرط البدل أنّ يُعَدّ في موضعِ الأوّل إذا قُدّر زوالُه، بل من شرط البدل أنّ يعمل فيه ما يعمل في الأوّل في موضعه الذي رُتب فيه.
وقد يقع في العطف، والصفةِ نحوُ ذلك، وهو أنّ يكون الأوّلُ موجَبًا، والثاني منفيًّا، فالعطفُ نحوُ: "جاءني زيدٌ لا عمرٌو"، و"مررت بزيدٍ لا عمرو"، و"رأيت زيدًا لا عمرًا".
فالثاني معطوفٌ على الأوّل، وهما مختلِفان في المعنى من حيثُ النفيُ والإثباتُ.
وكذلك تقول في الصفة: "مررت برجلٍ لا كريمٍ ولا عالمٍ" فـ "كريمٌ" مخفوضٌ, لأنّه نعتٌ لـ"رجلٍ"، وأحدُهما موجَبٌ، والآخرُ منفيٌّ.
وإذا جار ذلك في العطف والنعتِ، جاز مثلُه في البدل, لأنّه مثلهما من حيثُ هو تابعٌ.
فإن قيل: فلِمَ لا جاز البدلُ في الإيجاب كما جاز في النفي، فقلت: "جاءني القومُ إلّا زيدٌ" كما قلت في طَرَفِ النفي، وإلَّا فما الفرقُ بينهما؟ قيل: لأنّ عِبْرةَ البدل أنّ يحُلّ محلَّ المبدَل منه، وفي المنفيّ يصحّ حذفُ الاسم المبدَلِ منه قبل "إلّا"، ولا يصحّ ذلك في الموجب، لا يُقال: "أتاني إلّا زيدٌ"، وإنّما كان كذلك من قِبَل أنّ النفي الذي قبلَ "إلّا" قد وقع على ما لا يجوز إثباتُه من الأشياء المتضادّةِ، ألا ترى أنّا إذا قلنا: "ما أتاني أحدٌ"، كنّا قد نَفَيْنا إتيانَ كلّ واحد على سبيل الاجتماع والافتراقِ؟ ولو أخذنا نُثْبِت إتيانَهم على هذا الحدّ لكانَ مُحالاً, لأنّك توجِب لهم الإتيانَ على هذه الأحوال المتضادّةِ.
والذي يُؤيِّد عندك ذلك أنّك تقول: "ما زيدٌ إلّا قائمٌ".
نفيتَ عنه القعودَ والاضطجاعَ، وأثبت له القيامَ، ولا تقول: "زيدٌ إلّا قائمٌ"،

فتوجِب له كلَّ حال إلّا القيامَ، إذ من المُحال اجتماعُ القعود والاضطجاع، فلذلك ساغ البدلُ في المنفيّ، ولم يسُغ في الموجب.
فأمّا قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ 1، فشاهدٌ على اختيار البدل في النفي، وذلك لإجماعِ القُرّاء على رفعِ "قَلِيل" إلّا أهلَ الشام 2، فإنّهم نصبوه على أصل الباب.
وأمّا قوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ 3 فإنّ الجماعة قرؤوا بالنصب إلّا أبا عمرو، وابنَ كَثِير، فإنّهما قَرَآ: "امرأتُك" بالرفع، وإنّما كان الأكثرُ النصبَ ها هنا, لأنّه استثناءٌ من موجب وهو قولُه: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ 4. ولم يجعلوه مِن "أحَدٌ"؛ لأنّها لم يكن مُباحًا لها الالتفاتُ.
ولو كانت مستثناةَ من المنهيّ، لم تكن داخلة في جملةِ مَن نُهى عن الالتفات، ويدلّ على أنّه لم يكن مباحًا لها الالتفاتُ قولُه تعالى: ﴿مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ 5، فلمّا كان حالُها في العَذاب كحالهم؛ دلّ على أنّها كانت داخلة تحت النهي دخولهم.
وأمّا مَن قرأ بالرفع، فقِراءةٌ ضعيفةٌ، وقد أنكرها أبو عُبَيْد، وذلك لِما ذكرناه من المعنى.
ومجازُها على أنّ يكون اللفظُ نَهْيًا، والمعنى على الخبر، كما جاء الأمرُ بمعنى الخبر كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ 6. ألا ترى أنه لا معنَى للأمر ههنا، وإنما المرادُ: مَدَّهُ الرَّحمنُ مَدَّا، ومنه ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ 7، وهو كثيرٌ في كلامهم.

[المستثني المجرور]

قال صاحب الكتاب: "والثالث مجرور أبداً, وهو ما استثنى بـ "غيرٍ", و"حاشا" و"سوى", و"سواءٍ", والمبرد يجيز النصب بـ "حاشا"".

قال الشارح: أصلُ الاستثناء أنّ يكون بـ "إلَّا"، وإنّما كانت "إلّا" هي الأصلَ، لأنّها حرفٌ، وإنّما يُنقَل الكلام من حَدّ إلى حدّ بالحروف، كما نقلت "ما" في قولك: "ما قام زيدٌ" من الإيجاب إلى النفي، وكذلك حرفُ الاستفهام ينقُل من الخبر إلى الاستخبار في قولك: "أقام زيدٌ؟ " وكذلك حرفُ التعريف ينقل من النكرة إلى المعرفة.
فعلى هذا تكون "إلّا" هي الأصلَ؛ لأنّها تنقل الكلامَ من العمُوم إلى الخصوص، وتكتفي

من ذِكْرِ المستثنى منه إذا قلت: "ما قام إلّا زيدٌ"، وما عداها ممّا يُستثنى به، فموضوعٌ موضعَها، ومحمولٌ عليها لمشابهةٍ بينهما، فمن ذلك "غَيْرٌ" و"سوًى" و"حَاشَا".
فأمّا "غيرٌ" فمحمولةٌ على "إلَّا"، ومشبَّهةٌ بها, لأنّ "غيرًا" يلزَمها أنّ يكون ما بعدها على خلافِ ما قبلها في النفي والإثباتِ، ألا ترى أنّك إذا قلت: "مررتُ بغيرِ زيد"، فالذي وقع به المرُورُ ليس "زيدًا"، و"زيدٌ" لم يقع به المرورُ، ولو قيل: "ما مررت بغيرِ زيد"، لكان الذي نُفي عنه المرورُ ليس بـ "زيد"، ولم يُنفَ المرور عن زيد، فلمّا كان في "غَيْرٍ" من مخالفةِ الاسم الذي بعدها مثلُ مخالفةِ ما قبلَ "إلَّا" لِما بعدها، حُملت عليها، وجُعلت هي وما أُضيفت إليه بمنزلةِ "إلَّا" وما بعدها.
إلّا أنّ ما بعد "غيرٍ" لا يكون إلا مخفوضًا, لأنّها تلزم الإضافةَ لَفْرطِ إبهامها، وأمّا "سوى"، فظرفٌ من ظروف الأمكِنة، ومعناه إذا أُضيف كمعنَى "مَكَانَكَ".
فإذا قلت: "جاءني رجلٌ سِواك"، فكأنّك قلت: رجلٌ مكانَك، أي: في موضعك، وبَدَلٌ منك، فتنصب "سواك" على كلِّ حال، لأنّه ظرفٌ.
وفي سوى ثلاثُ لغات: فتحُ السين، وكسرُها، وضمّها.
فإذا فتحتَ مددتَ، وإذا ضممت قصرت، وإذا كسرت جاز فيه الأمران، وإذا مددتَ تَبيَّن فيه الإعرابُ، وظهر النصبُ.
وإذا قصرت، كان النصبُ مَنْويًّا كما يكون في "عَصًا"، وَ "رحًى".
والذي يدلّ على ظَرْفيّتها أنّها تقع صِلةً، فتقول: "جاءني الذي سواك"، و"رأيت الذي سواك"، و"مررت بالذي سواك"، كما تقول: "جاءني الذي عندك".
وممّا يدلّ على ظرفيّتها أنّ العامل يتخطّاها، ويعمل فيما بعدها, ولا يكون ذلك في شيء من الأسماء إلّا ما كان ظرفًا.
قال لَبِيدٌ [من مجزوء الكامل]: وابْذُلْ سَوامَ المالِ إنْـ... نَ سِواءَها دُهْمًا وَجُونَا 1 فنصب "سواءها" على الظرف، و"دهمًا وجونًا" اسمُ "إنَّ"، وتخطّاه العاملُ إلى ما بعده، كما تقول: "إنّ عندك زيدًا"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا﴾ 2 إلّا أنّ فيه معنى الاستثناء كما كان في "غَيْر".
ألا ترى أنّ الذي هو مكانَه، وبدلٌ منه غيرُه، وليس إيّاه، فلذلك تقول: "مررتُ بالقوم سواك"، و"جاؤوني سواك"، و"رأيتهم سواك".
فما بعدَ "سوى" مجرورٌ، وليس داخلًا فيما قبلها كما كان في "غَيْر" كذلك، إلّا أنّ بين "غَيْر"، و"سوَى" فَرْقًا، وذلك أنّ "سوى" لا تُضاف إلى معرفِة، وهي باقيةٌ على تنكيرها كما كانت "غيرٌ" كذلك, لأنّ "سوى" ظرفٌ، فإضافتُه كإضافةِ "خَلْفَكَ"، و"قُدَّامَكَ"، فوجب لذلك أنّ يكون معرفة.
فإن قيل: فأنتم تصِفون النكرةَ بـ "سوى"، كما تصفونها بـ "غير"، فتقولون: "مررت

برجل سواك"، كما تقولون: "بغيرك"، فما بالُكم فرّقتم بينهما؟ قيل: الوصفُ بـ "سوى" لا على حدّ الوصف بـ "غير", لأنّه لا يجري عليه في إعرابه، إنّما هو منصوبٌ على الظرف، والعاملُ فيه الاستقرارُ، وذلك الاستقرارُ هو الصفةُ، كما تقول: "مررت برجل عندي".
وذهب الكوفيون 1 إلى أنّها إذا استُثني بها خرجتْ عن حكم الظرفيّة إلى حكم الاسميّة، فصارت بمنزلةِ "غير" في الاستثناء، واستدلّوا على ذلك بجَوَازِ دخولِ حروف الجرّ عليها، كما تدخل على "غير"، نحوَ قول الشاعر [من الطويل]: تَجانَفُ عن جَوّ اليَمامَة ناقَتِي... وماقصدتْ من أهْلِها لِسِوائكا 2 وقال أبو دُؤادٍ [من البسيط]: 303 - وكلُّ مَن ظَنَّ أنّ المَوْتَ مُخْطِئُهُ... مُعَلّلٌ بسواءِ الحَق مَكْذُوبُ ولا دليلَ في ذلك، لقِلّته وشُذوذه، وامتناعِه من سَعَةِ الكلام وحالِ الاختيار، فهو من قبيل الضرورة.
وأمّا "حَاشَا" فهو حرفُ جرّ عند سيبويه 4، يجرّ ما بعده، وهو وما بعده في موضعِ نصب بما قبله، وفيه معنَى الاستثناء كما أنّ "حَتَّى" حرفٌ يجرّ ما بعده، وفيه معنى الانتهاء، تقول: "أتاني القومُ حاشا زيدٍ"، و"ما أتاني القومُ حاشا زيدٍ"، والمعنى: سوَى زيدِ، قال الشاعر [من الكامل]: 304 - حَاشَا أبِي ثَوبانَ إنّ به... ضنّا عن المَلْحاةِ والشَّتْمِ35

وزعم الفرّاء أنّ "حاشا" فعلٌ، ولا فاعلَ له، وأنّ الأصل في قولك: "حاشا زيدٍ": "حاشا لزيدٍ" فحُذفت اللام لكثرة الاستعمال، وخفضوا بها، وهذا فاسدٌ, لأنّ الفعل لا يخلو من فاعلٍ.
وذهب أبو العبّاس المبرّدُ إلى أنها تكون حرفَ جرّ كما ذكر سيبويه، وتكون فعلًا ينصب ما بعده، واحتجّ لذلك بأشياءَ، منها أنّه يتصرّف، فتقول: "حَاشَيْتُ، أُحَاشِي"، قال النابغة [من البسيط]: 1 - ولا أرَى فاعِلًا في الناس يُشْبِهُةُ... ولا أُحَاشِي من الأقْوام من أحدِ = 3/ 176؛ وشرح اختيارات المفضل ص 1507؛ وشرح شواهد المغني 1/ 368؛ والمقاصد النحوية 3/ 129؛ وله أو لسبرة بن عمرو الأسدي في لسان العرب 14/ 182 (حشا)؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب 4/ 182؛ ولسان العرب 14/ 181 (حشا)؛ والمحتسب 1/ 341؛ ومغنى اللبيب 1/ 122؛ وهمع الهوامع 1/ 232. اللغة: ضنّا: بخلًا بسبب الحرص.
الملحاة: الملامة.
الشتم: السباب.
المعنى: أستثنى أبا ثوبان مما سبق القول به، فهو حريص على ألاّ يناله سباب أو لوم.
الإعراب:"حاشا": حرف جر شبيه بالزائد.
"أبي": اسم مجرور بالياء لفظًا، منصوب محلا على الاستثناء.
"ثوبان": مضاف إليه مجرور بالفتحة عوضًا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف.
"إنّ": حرف مشبّه بالفعل.
"به": جار ومجرور متعلّقان بخبر "إن".
"ضنًّا": اسم "إنّ" منصوب بالفتحة.
"عن الملحاة": جار ومجرور متعلّقان بالمصدر (ضنًّا).
"والشتم": الواو: للعطف، "الشتم": اسم معطوف على مجرور، مجرور مثله.
وجملة "إن به ضنًّا": ابتدائية، أو استئنافية، لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "حاشا أبا ثوبان" حيث جاء بالاسم (أبي ثوبان) مجرورًا بـ (حاشا)، وقد ورد البيت بنصب الاسم بعدها في المفضليات (حاشا أبا ثوبان)، وهذا لا ينفي كونها تجرّ الاسم بعدها أحيانًا.

والتصرّف من خصائِص الأفعال، ومنها أنّه يدخل على لام الجرّ، فتقول: "حَاشَا لزيد".
قال الله تعالى: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ 1. ولو كان حرفَ جرّ لم يدخل على مثله، ومنها أنّه يدخله الحذفُ، نحوُ: "حَاشَ لزيدٍ"، وقد قرأت القُرّاءُ إلّا أبا عمرو: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾.
وليس القياسُ في الحروف الحذفَ، إنما ذلك في الأسماء، نحوِ: "أخٍ"، و"يَدٍ"، وفي الأفعال، نحوِ: "لم يَكُ"، و"لا أدْرِ"، وهو قولٌ مَتِينٌ، يُؤيّده أيضًا ما حكاَه أبو عمرو الشَّيْبانيُّ وغيرُه أنّ العرب تخفِض بها وتنصب.
وحكى أبو عثمان المازنيُّ عن أبي زيد قال: سمعت أعرابيًّا يقول: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ولِمن سَمِعَ حَاشَا الشيطانَ، وابنَ الأصْبَغ"، فنصب بـ "حاشا"، فإذا يكون حالُها كحالِ "خَلَا".
وقال أبو إسحاق: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ في معنَى "بَرَاءَةَ اللهِ"، مأخوذٌ من قولهم: "كنتُ في حَشَا فلانٍ"، أي: في ناحِيَته، من قول الشاعر [من الطويل]: 306 - [يقولُ الذي يُمْسي إلى الحَزْنِ أهْلُهُ]... بأي الحَشَا أمْسَى الخَلِيطُ المُبايِنُ فإذا قال: "حاشا لزيدٍ"، فمعناه: تَباعَد فعلُهم، وصار في حَشَا منه، أي في ناحِيَته، كما أنّك إذا قلت: "قد تَنحّى" معناه: قد صار في ناحيةٍ منه، فاعرفه.

[المستثني الذي يجوز فيه الجرّ والرفع]

قال صاحب الكتاب: "والرابع جائز فيه الجر والرفع, وهو ما استثني بـ "لا سيما" وقول امرئ القيس [من الطويل]: 307 - [ألا رُب يومٍ لك منهنّ صالحٍ]... ولا سيما يوم بدارة جلجل23

يروى مجروراً ومرفوعاً وقد روي فيه النصب".

قال الشارح: "لا سِيَّمَا" كلمةٌ يُستثنى بها، وقع بعدها المرفوعُ والمخفوضُ، فَمن خفض جعل "ما" زائدةً مؤكّدةً، وخفض ما بعدها بإضافةِ الـ"سيّ" إليه، كأنّه قال: "ولا سِىّ زيدٍ"، أي: ولا مثلَ زيدٍ.
ومَن رفع جعل "مَا" بمعنَى "الَّذِي"، ورفع ما بعدها على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والمعنى: سِىَّ الذي هو زيدٌ، و"هو" العائدُ إلى "الذي".
ومثلُه قوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ 1 برفع "أحسن" على تقدير: الذي هو أحسنُ، وكقِراءةِ مَن قرأ ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ 2، وهو قَبيحٌ جدَّا لحَذفٍ ما ليس بفضلةٍ، و"السَّيٌّ" منصوبْ بـ "لاَ"، وليس بمبنى لأنّه مضافٌ إلى ما بعده، ولا يُبْنَى ما هو مضافٌ, لأنّ المبنيّ مشابِةٌ للحروف، ولا يصحّ إضافةُ الحروف، مع أنّ فيه جَعْلَ ثلاثةِ أشياءَ بمنزلةِ شيء واحد، وذلك إجحافٌ، والسَّيُّ: المِثْلُ.
قال الحُطَيْئَةُ [من الوافر]: 308 - فإيّاكم وحَيَّةَ بَطْنِ وادٍ... هَمُوزَ النابِ ليس لكم بسِيّ3 = 3/ 444، 451؛ والدرر 3/ 183؛ وشرح شواهد المغني 1/ 412، 2/ 558؛ والصاحبي في فقه اللغة ص 155؛ ولسان العرب 14/ 411 (سوا)؛ وبلا نسبة في رصف المباني ص 193؛ وشرح الأشموني 1/ 241؛ وهمع الهوامع 1/ 234. اللغة: دارة جلجل: موضع فيه غدير ماء.
المعنى: ربَّ يوم فزتُ فيه بوصال النساء، وظفرتُ بعيش صالح ناعم منهنّ، ولاسيّما يوم من تلك الأيام مثل دارة جلجل، يريد أنّ ذلك اليوم كان أحسن الأيَام.
الإعراب: "ألا": حرف استفتاح.
"رب": حرف جرّ شبيه بالزائد.
"يوم": اسم مجرور لفظًا، مرفوع محلًا على أنّه مبتدأ.
"لك": جار ومجرور متعلقان بخبر "يوم" "منهن": جار ومجرور متعلقان بـ "صالح".
"صالح": نعت "يوم" مجرور بالكسرة."ولا سيَّما": الواو: اعتراضية، و"لا": نافية للجنس.
"سيَّما":"سي": اسم "لا" منصوب بالفتحة، وخبرها محذوف, و"ما": اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
"يوم": بدل من "ما" مجرور بالكسرة.
"بدارة": جار ومجرور متعلقان بصفة محذوفة لـ "يوم" وهو مضاف.
"جلجل": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وجملة "ألا ربّ يوم لكل منهنّ صالح": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "لا سيّما": اعتراضية لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "ولا سيَّما يوم" حيث يجوز في "يوم" الجر والرفع.
ويعرب "يوم" في حالة الرفع، خبرأ لمبتدأ محذوف.
ويجوز إعرابه مضافًا إليه باعتبار"ما" زائدة.
وفي "يوم" وجه ثالث هو النصب باعتباره تمييزًا.

والتثنيةُ: سِيّانِ.
قال أبو ذُؤَيْبٍ [من البسيط]: 1 - وكان سِيّانِ أن لا يَسْرَحُوا نَعَمًا... أو يسرحوه بها واغبَرَّت السُّوحُ = 96؛ والخصائص 3/ 220؛ وشرح شواهد الإيضاح ص430؛ الصاحبي في فقه اللغة ص 155؛ ولسان العرب 14/ 411 (سوا)؛ وبلا نسبة في الصاحبي في فقه اللغة ص 138؛ والمنصف 2/ 2. اللغة: الهموز: فَعُول من الهمز بمعنى الضغط.
السىُّ: المثل، وليس لكم بسىّ، أي: لا تستوون معه، بل هو أشرف منكم، ويعني الشاعر بذلك نفسه.
المعنى: يحذر الحطيئة أعداءه من نفسه، فيقول: إنه يحمي ناحيته، ويُتقى منه كما يُتَّقى من الحية الحامية لبطن واديها، والمانعة له.
الإعراب: "فإياكم": الفاء: استئنافية، إياكم: ضمير نصب منفصل مبني على السكون في محل نصب بفعل محذوف، والكاف: للخطاب، والميم: علامة جمع الذكور العقلاء.
"وحية": الواو: حرف عطف، حية: مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: أبعدوا إياكم، واحذروا الحية.
"بطن": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"وادٍ": مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين.
"هموز": صفة لـ "حية" منصوبة مثلها بفتحة ظاهرة.
"الناب": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"ليس": فعل ماضٍ ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: هو، يعود على الحية.
"لكم": جار ومجرور متعلقان بحال من "سىّ".
"بسىّ": الباء: حرف جر زائد، سيّ: مجرور لفظًا منصوب محلًا على أنه خبر"ليس".
وجملة "أبعدو إياكم": استئنافية، وعطف عليها جملة "احذروا حية".
وجملة "ليس لكم بسىّ": صفة ثانية لـ"حية بطن وادٍ" محلها النصب.
والشاهد فيه: مجيء "سيّ" بمعنى "مثل".

ولا يستثنى بـ "سيَّما" إلا ومعه جحد، لو قلت: "جاءني القوم سيَّما زيدٌ"، لم يجز حتى تأتي بـ "لا".
ولا يستثنى بـ "لا سيما" إِلّا فيما يراد تعظيمه، فأما بيت امرئ القيس [من الطويل]: ألا ربَّ يومٍ لك منهن صالحٍ... ولا سِيُّمَا يومٌ بدارَةِ جُلْجُلِ فإنّه رُوي بجرّ "يوم" ورفعِه على ما ذكرناه، وقد رُوي منصوبًا على الظرف، وهو قليلٌ شاذّ.

[المستثني الجاري علي وإعرابه قبل دخول كلمة الاستثناء]

قال صاحب الكتاب: "والخامس جار على إعرابه قبل دخول كلمة الإستثناء, وذلك "ما جاءني إلا زيدٌ"، و"ما رأيت إلا زيداً", و"ما مررت إلا بزيدٍ"".

قال الشارح: إذا استثنيتَ بـ "إلّا" من كلام منفىّ غيرِ تامّ، وذلك بأن يكون ما قبل "إلّا" محتاجًا إلى ما بعدها.
ومثالُ ذلك "ما جاءني إلَّا زيدٌ"، و"ما رأيتُ إلا زيدًا"، و"ما مررت إلّا بزيدٍ"، و"ما ذهب إلّا عمرٌو" فهذا لا يكون فيه إلَّا الرفعُ؛ لأن للفعل المُفرَّغِ لِما بعد "إلَّا" أن يعمل فيه، والأصلُ أن تقول: "ما جاءني أحدٌ"، و"ما ذهب أحدٌ، أو شيءٌ"، ليصحّ معنى الاستثناء, لأنّ الاستثناء تخصيصُ صفةٍ عامّةٍ على ما ذكرنا، إلّا أنّك حذفت الفاعلَ استغناءً عنه لعُمُوم النفي، وأنت تريده.
ولَسْنَا نعني أنّه مضمرٌ، وأن المذكور بعد "إلّا" بدلٌ منه، وإنّما نعني أنَّ المعنى على ذلك، ولمّا حذف ما كان يجب أنّ يُشْغَل به الفعلُ المنفيُّ، لم يجز تركُ الفعل بلا فاعلٍ، أو ما ينوب عن الفاعل، فلم يكن بدّ من إسنادِ هذا الحديث إلى مُحَدَّثٍ عنه، وشَغْلِ هذا الفعل بشيءٍ، يرتفع به كما لم يكن بدٌّ من شغلِ الفعل بالمفعول، إذا لم يسمّ الفاعلُ، فرفعتَ به ما بعد "إلَّا"، وأقمتَه مقامَ الفاعل، وشغلتَ الفعلَ به لفظًا دلّ الاستثناءُ على المحذوف من جهة المعنى، كما دلّ تغييرُ بِنْيَةِ الفعل فيما لم يسمّ فاعلُه بعد إقامةِ المفعول مقام الفاعل، على أنّ ثَمَّ فاعلًا لهذا الفعل غيرَ المذكور.
والذي يدلّ على أنّ الفعل عاملٌ فيما بعد "إلّا" ومسندٌ إليه أمران: أحدهما أنّ هنا فعلًا لا بدّ له من فاعلٍ، وليس هنا فاعلٌ سوى الموجود، ولا يُقال الفاعلُ محذوفٌ، إذ =وجملة "وكان الشأن... ": بحسب ما قبلها، أو ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "سراحهم أو عدمه سيان": في محلّ نصب خبر "كان".
وجملة "اغبرت السوح": في محلّ نصب حال.
والشاهد فيه قوله: "سِيّان": حيث جاءت هذه الكلمة تثيِيةً لِ"سيّ".

الفاعلُ لا يجوز حذفُه.
والثاني أنّه قد يُؤنَّث الفعل لتأنيثِ المستثنى، فيقال: "ما قامت إلَّا هندٌ".
قال ذو الرُمَّة [من الطويل]: 1 - بَرَى النَّحْزُ والأجْرازُ ما في غُروضها... فما بَقِيَتْ إلَّا الصُّدورُ الجَراشِعُ ومن ذلك قِراءةُ الحسن، وجماعةٍ من القُرّاء غير السَّبْعَة: ﴿فأصْبَحُوا لاَ تُرَى إلّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ (2) فأنَّت، وإن كان القياسُ التذكيرَ, لأنّه من مواضع العُمُوم والتذكيرِ، إذ التقديرُ: فما بقي شيءٌ ولا يُرَى شيءٌ.
فإذا قلت: "ما قام إلَّا زيدٌ"، و"ما رأيت إلّا زيدًا"، و"ما مررت إلّا بزيد"، فهو بمنزلةِ "قام زيدٌ"، و"رأيت زيدًا"، و"مررت بزيد" في أنّ الفعل عاملٌ في الفاعل والمفعولِ بعد "إلّا" كما يعمل إذا لم يكن "إلّا"، مذكورًا.
وهذا معنى قوله: "جارٍ على إعرابه قبل دخولِ كلمةِ الاستثناء".
وفائدةُ الاستثناء في قولك: "ما قام إلّا زيدٌ" إثباتُ القيام له، ونَفْيُه عمّن سِواه، ولو قلت: "قام زيدٌ لا غيرُ"، لم يكن فيه دلالةٌ على نَفْيه عن غيره، فاعرفه.

قال صاحب الكتاب: "والمشبه بالمفعول منها هو الأول, والثاني في أحد وجهيه.
وشبهه به لمجيئه فضلةً, وله شبهٌ خاصّ بالمفعول معه, لأن العامل فيه بتوسط حرف".

قال الشارح: قوله: "والمشبَّه بالمفعول منها هو الأوّل"، يريد المستثنى من الموجَب، نحوَ قولك: "قام القومُ إلّا زيدًا", لأنّ الاستثناء جاء بعدما تَمَّ الكلامُ بالفاعل، كما يأتي المفعولُ كذلك، نحوَ قولك: "ضرب زيدٌ عمرًا".
قوله: "والثاني في أحدِ وجهَيْه"، يريد به ما يجوز من النصب والبدل في المستثنى من المنفيّ التامّ، نحوَ قولك: "ما جاءني أحدٌ إلّا زيدٌ"، فإنّه يجوز فيه النصب على أصل الباب، وهو المشبَّهُ بالمفعول والبدلُ، والفرق بين البدل والنصب في قولك: "ما قام أحد إلّا زيد" أنّك إذا نصبت، جعلت معتمَدَ الكلام النفيَ، وصار المستثنى فضلةً، فتنصبه كما تنصب المفعول به، وإذا أبدلتَه منه، كان معتمدُ الكلام إيجابَ القيام لزيد، وكان ذكرُ الأوّل كالتَّوْطئة، كما ترفع الخبرَ, لأنّه معتمدُ الكلام، وتنصب الحالَ لأنّه تَبِيعٌ للمعتمد في نحوِ: "زيدٌ في الدار قائمًا".
وقوله: "وله شَبَهٌ خاصٌّ بالمفعول معه"، يريد أنّ الفعل كما لم يتعدّ إلى المفعول معه إلّا بواسطةِ الواو، وتقوِيَتِه، كذلك "إلّا" تقويةٌ للفعل قبلها, لا يتعدّى إلى المستثنى إلّا بواسطتها, وليس واحدٌ منهما عاملًا فيما دخلا عليه فاعرفه.

[حكم غير]

قال صاحب الكتاب: "وحكم "غير" حكم الأسم الواقع بعد "إلا": تنصبه في الموجب, والمنقطع, وعند التقديم, وتُجيز فيه البدل والنصب في غير الموجب, وقالوا: إنما عمل فيه غير المتعدي لشبهه بالظرف لإبهامه".

قال الشارح: لمّا كانت "إلّا" حرفًا لا يعمل شيئًا، ولا يعمل فيه عاملٌ، وكان ما قبلها مقتضِيًا لِما بعدها، تَخَطَّى عملُ ما قبلها إلى ما بعدها، فعمِل فيه، كقولنا: "ما قام إلّا زيدٌ"، و"ما رأيت إلّا زيدًا"، و"ما مررت إلّا بزيد".
و"غَيْرٌ" اسمٌ تعمل فيه العواملُ، وما بعدها لا يعمل فيه سِواها, لأنّ إضافتها إليه لازمةٌ، فصار الإعرابُ الواجبِ للاسم الواقع بعد "إلَّا" حاصلًا في نفس "غَيْرٍ"، فإذا استثنيتَ بها من موجَبٍ، نصبتَ، نحوَ قولك: "قام القومُ غيرَ زيدٍ"، كما نصبت ما بعد "إلّا"، نحوَ: "قام القوَمُ إلّا زيدًا"، وكذلك إذا كان الثاني منقطعًا ليس من جنسِ الأوّل، كقولك: "جاءني القومُ غيرَ حمارٍ"، كما تقول: "إلّا حمارًا".
وكذلك إذا قدّمتَه على المستثنى منه، نحوَ قولك: "ما جاءني غيرَ زيدٍ أحدٌ"، كما قلت: "ما جاءني إلّا زيدًا أحدٌ".
وتقول: "ما جاءني أحد غيرُ زيدٍ"، فيجوز في "غير" الرفعُ والنصبُ، كما كان ذلك جائزًا مع "إلّا".

فإن قيل: كيف جاز أن تقول: "قام القومُ غيرَ زيد"، فتنصب "غيرًا" بالفعل قبله، وهو لازمٌ غيرُ متعدّ؟ فالجوابُ أنّ "غيرًا" ههنا لمّا كانت مُشابِهةً لـ"سِوى" بما فيها من الإبهام، ألا ترى أنّك إذا قلت: "مررت برجلٍ غيرِك"، فهو غيرُ متميِّزٍ كما أنّ "سوى" كذلك فكما يتعدّى الفعلُ اللازمُ إلى "سوى" بنفسه، كذلك يتعدّى إلى "غير", لأنّه في معناه.
وهذا معنى قوله: "وقالوا: إنّما عمل فيه الفعلُ غيرُ المتعدّي لشَبَهه بالظرف"، يريد سِوى.

جارٍ التحميل