شرح المفصل لابن يعيشفصل [ما شذَّ عن الحكم السابق]

فصل [ما شذَّ عن الحكم السابق]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: ومما شذ عن ذلك قولهم: "ثلاثمائة" إلى "تسعمائة"، اجتزؤوا بلفظ الواحد عن الجمع كقوله [من الوافر]: كلوا في بعض بطنكم تعفوا... فإن زمانكم زمن خميص 1 وقد رجع إلى القياس من قال [من الطويل]: 849 - ثلاث مئين للملوك وفي بها... ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم وقد قالوا: "ثلاثة أثواباً": وأنشد صاحب الكتاب [من الوافر]: 850 - إذا عاش الفتى مئتين عاماً... فقد ذهب اللذاذة والفتاء23

وقوله عز من قائل: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ 1 على البدل، وكذلك قوله عز وجل: ﴿اثنتي عشرة أسباطاً﴾ 2. قال أبو إسحاق: ولو انتصب "سنين" على التمييز؛ لوجب أن يكونوا قد لبثوا تسعمائة سنة.

قال الشارح: القياس في "ثلاثمائَةٍ"، و"أربعمائة" إلى "تسعمائة" أن تُجمَع "المائة"، فيقال: "ثلاثُ مِئِينَ"، أو"ثلاثُ مئاتِ", لأنّ العدد من "الثلاثة" إلى "العشرة" يضاف إلى الجمع، نحو: "ثلاثة أقْفِزَةٍ، وأربعة دراهم".
وقولُه: "وممّا شذّ عن ذلك قولهم: ثلاثمائة" يريد أنَّه شذّ عن القياس، وأمّا من جهة الاستعمال، فكثيرٌ مطّردٌ.
قال سيبويه 3: شبّهوه بـ"عشرين"، و"أحدَ عشرَ"، يريد أنّهم يبيّنونه بواحد كما بيّنوا "عشرين"، و"أحد عشر" بواحد لِما بينهما من المشابهة والمناسبة، وذلك أنّك إذا قلت: "ثلاثين"، و"أربعين" إلى "التسعين"؛ صرت إلى عَقْدٍ ليس لفظُه من لفظ قبله، فكذلك "ثلاثمائة"، و"سبعمائة" إذا جاوزت "تسعمائة"، صرت إلى عقد يخالف لفظه لفظ ما قبله، وهو قولك: "ألْفٌ"، فلا تقول: "عشر مائة"، فأشبهت "ثلاثمائة" "العشرين"، فبُيّنت بالواحد، وأشبهت "الثلاثَ" في الآحاد، فجُعل بيانها بالإضافة.
ويدل على صحةِ هذا أنّهم يقولون: "ثلاثة آلافِ درهمٍ"، فيضيفون "الثلاث" إلى الجمع؛ لأنّهم يقولون: "عشرة آلافٍ"، فلمّا كان "عشرةٌ" على منهاج "ثلاثة"، أجروه مجرى "ثلاثةِ أثواب"؛ لأنّك تقول: "عشرة أثواب".
قال سيبويه 4: وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدًا، والمعنى جمعًا.
وهذا إنّما يكون عند عدم اللبس.
وعليه قوله، أنشده سبيويه [من الوافر]: كُلُوا في بعضِ بَطْنكم... إلخ = الإعراب: "إذا": ظرف زمان يتضمّن معنى الشرط خافض شرطه متعلّق بجوابه.
"عاش": فعل ماضٍ.
"الفتى": فاعل مرفوع.
"مئتين": مفعول فيه ظرف زمان منصوب بالياء لأنه مثنّى متعلق بالفعل "عاش".
"عامًا": تمييز منصوب.
"فقد": الفاء: واقعة في جواب الشرط، و"قد": حرف تحقيق.
"ذهب": فعل ماضٍ.
"اللذاذة": فاعل مرفوع.
"والفتاء": الواو: حرف عطف، و"الفتاء": معطوف على "اللذاذة" مرفوع.
وجملة "إذا عاش... ": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "عاش... ": في محلّ جرّ بالإضافة.
وجملة "ذهب": جواب شرط غير جازم لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "مئتين عامًا" حيث أفرد الاسم المميز "عاما" ونصبه بعد "مئتين"، وكان الوجه حذف نون "مئتين" وخفض ما بعدها، إلَّا أنّها شبّهت للضرورة بالعشرين ونحوها مما تثبت نونه، وينصب ما بعده.

والشاهد فيه وضع "البطن" موضعَ "البطون"، لأنّه اسمُ جنس ينوب واحدُه عن جمعه، فأفرد اجتزاءً بلفظ الواحد عن الجمع؛ لأنّه لمّا أضاف "البطن" إلى ضمير الجماعة؛ عُلم أنّه أراد الجمعَ، إذ لا يكون للجماعة بطنٌ واحدٌ.
يصف شدّة الزمان وكَلَبه، يقول: "كلوا في بعض بطونكم"، أي: لا تلمؤوها حتى تعتادوا ذلك، وتَعِفُّوا عن كثرة الأكل، وتقنعوا باليسير، فإنّ الزمان ذو مَخمَصةٍ وجَدْبٍ.
وقوله: "زمانكم زمنٌ خميص" كقولهم: "نهارُه صائمٌ، وليلُه قائم".
فكما اجتزؤوا بالواحد عن الجمع، كذلك إذا قلت: "عشرون درهمًا" ونحوه من الأعداد المفسَّرة بالواحد، قد عُلم من العدد الجماعة، فجاز أن يُستغنى بلفظ الواحد في التفسير عن الجمع.
ومثله قوله [من الرجز]: 1 - لا تُنْكِرُوا القَتْلَ وقد سُبِينَا... في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِينَا أفرد "الحلق"، والمراد: حلوقكم؛ لأمْن اللبس.
فأمّا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (2)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ (3)، فإنّما أفرد لأنّهما أُخرجا مخرج التمييز.
وقد جاء في الشعر على القياس، فقالوا: "ثلاثُ مِئِينَ"، و"ثلاثُ مئاتٍ"؛ لأنّ الشُعراء يُفْسَح لهم في مُراجعة الأصول المرفوضة.
قال الشاعر [من الطويل]: ثلاث مِئِين للملوك... إلخ

وقال الآخر [من الطويل]: 1 - ثلاثُ مِئِينَ قد مَرَرْنَ كَوامِلًا... وهَا أَنَا هذا أَشْتَهِي مَرَّ أَرْبَعِ وهذا- وإن كان القياسَ- إلَّا أنّه شاذ في الاستعمال، وقد يجوز قطعُه عن الإضافة وتنوينُه، ويجوز حينئذ في التفسير وجهان: أحدهما الإتباع على البدل، نحو: "ثلاثةٌ أثوابٌ"، والنصبُ على التمييز، نحو: "ثلاثةٌ أثوابًا".
وهو من قبيل ضرورة الشعر.
فأمّا قوله [من الوافر]: إذا عاش الفتى مائتَيْن عامًا... إلخ فالشاهد فيه إثباتُ النون في "مائتين" ضرورةً، ونصبُ ما بعدها على التمييز، وهو "عام"، شبّهه بـ"عشرين"، و"ثلاثين"، وكان الوجه حذفَها، وخفضَ ما بعدها، والبيت للرَّبيع بن ضبع الفَزاريّ، والمعنى أنّه يصف هَرَمَه وذَهابَ لَذّاته، وكان نَيَّفَ على المائتين، ويروى: "تسعين عامًا"، فعلى هذا لا يكون فيه شاهدٌ.
ومثله قوله [من الرجز]: 2 - أَنْعَتُ عَيْرًا من حَمِيرِ خَنْزَرَهْ... في كلّ عَيْرٍ مائتانِ كَمَرَهْ

لمّا أثبت النونَ، نصب "كمرةً" على التمييز.
وأمّا قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ (1)، فإن "سنين" نصبٌ على البدل من "ثلاثمائة"، وليس بتمييز، وكذلك قوله: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (2) نصب "أسباطًا" على البدل، هذا رأيُ أبي إسحاق الزجّاج، قال: ولا يجوز أن يكون تمييزًا؛ لأنّه لو كان تمييزًا، لوجب أن يكون أقلُّ ما لبثوا تسعمائة سنةٍ؛ لأنّ المفسِّر يكون لكلّ واحد من العدد، وكلُّ واحد "سنون"، وهو جمع، والجمعُ أقلُّ ما يكون ثلاثةٌ، فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة.
وأجاز الفرّاء أن يكون "سنين" تمييزًا على حدّ قوله [من الكامل]: فيها اثنتان وأَرْبَعون حَلُوبَةً... سُودًا كخافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ (3) وذلك أنّه جاء في التمييز "سُودًا"، وهو جمع؛ لأنّ الصفة والموصوف شيء واحد.
والمذهبِ الأوّل؛ لأنّ الثواني يجوز فيها ما لا يجوز في الأوائل، ألا ترى أنّك تقول: "يا زيدُ الطويلُ"، ولو قلت: "يا الطويل"، لم يجز، فاعرفه.

جارٍ التحميل