شرح المفصل لابن يعيشفصل [نوعا الإضافة المفتوحة]

فصل [نوعا الإضافة المفتوحة]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "والأسماء المضافة إضافة معنوية على ضربين: لازمة للإضافة, وغير لازمة لها, فاللازمة على ضربين: ظروفٌ وغير ظروف, فالظروف نحو "فوق", و"تحت" و"أمام" و"قدام" و"خلف", و"وراء", و"تلقاء", و"تجاه" و"حذاء",و"حذة", و"عند" و"لدن" و"لدى" و"بين" و"وسط", و"سوى", و"مع", و"دون"".

قال الشارح: قد تقدّم أنّ الإضافة على ضربَيْن: لفظيّةٌ ومعنويّةٌ، فالمعنويّةٌ ما كان اللفظُ على الإضافة، والمعنى كذلك، نحو: "غلامُ زيد"، و"ثوبُ خَزّ"، واللفظيّةُ ما كان اللفظُ على الإضافة، والمعنى بخلافها، نحو "ضاربُ زيد غدًا"، فهذه إضافةٌ لفظيّةٌ لا غيرُ, لأنّ المعنى: "ضاربٌ زيدًا غدًا"، فما كان من الإضافة كذلك، فإنّها لا تقع لازمةً ألبتّةَ، لأنّها إنّما تضاف لضربٍ من التخفيف، والنيّةُ غيرُ الإضافة.
وما كان منها معنويًّا، فهو على ضربَيْن: يكون لازمًا، وغيرَ لازمٍ، وذلك أنّ من الأسماء ما يلزم الإضافةَ، ويغلِب عليها, ولا يكاد يُستعمل مُفرَدًا وذلك ظروفٌ وغير ظروف، فمن الظروف الجِهاتُ الستُّ، وهي "فَوْقَ"، و"تَحْتَ"، و"أَمَامَ"، و"قُدّامَ"، و"خَلْفَ"، و"وراءَ"، و"تِلْقاءَ"، و"تِجاهَ"، و"حِذاءَ"، و"حِذةَ".
فهذه الظروفُ تلزم الإضافةَ، وإنّما لزمت الإضافةُ هذه الأشياءَ, لأنّها أُمورٌ نِسْبيّةٌ، فإنّ "فَوْقًا" يكون بالنسْبة إلى شيءٍ فَوْقًا، و"تحتًا" بالنسبة إلى شيءٍ آخرَ، وكذلك "أَمام" وسائرُها، فلزمتها الإضافة للتعريف وتحقيقِ الجهة.1

وقال أبو العبّاس المبرّدُ: إنّما لزمت هذه الظروفُ الإضافةَ لعدمِ إفادتها مفردةً، ألا ترى أنّك إذا قلت: "جلستُ خلفًا"، فالمخاطبُ يعلم أنّ كلَّ مكان لا بدّ أن يكون خلفًا لشيء، فإذا أضفتَه، عُرف، وحصل منه فائدةٌ.
وقال الكوفيون إنّما لزمَتِ الإضافةَ لأنّها تكون أخبارًا عن الاسم، كما يكون الفعلُ خبرًا عن الاسم إذا قلت: "زيدٌ يذهَب، ويركَب"، فلمّا كان الفعلُ يحتاج إلى فاعلٍ، وقد يتّصِل به أشياءُ يقتضيها من المصدر، والمكانِ، والزمانِ، والمفعول، ألزموا الظرفَ الإضافةَ، ليسُدّ المضافُ إليه مَسَدَّ ما يطلُبه الفعلُ، ويدلّ عليه.
فإذا أُفردت، وقيل: "قام زيدٌ خَلْفًا"، و"ذهب عمرٌو قُدّاما"، فهو عند البصريين نصبٌ على الظرف، كما يكون مضافًا، نحوَ "قام قُدّامَك" و"ذهب خَلْفَك"، إلَّا أنّه مبهمٌ منكورٌ، كأنّك قلت: "قام خَلْفَ غيرِه"، و"ذهب قدّامَ شيءٍ".
ومنع الكوفيون من ذلك، وقالوا لا تكون ظروفًا إلَّا مضافةً، وإذا أُفردت، صارت أسماءً، وكانت في تقديرِ الحال، كأنّه قال: "قام متأخَّرًا وذهب متقدمًا".
وفائدة الخلاف تظهر في الخبر، فعند البصريين تقول: "زيدٌ خَلْفًا، وعمرو قدامًا"، فيكون خبرًا، كما يكون مضافًا.
والكوفيون يرفعون، ويقولون: زيدٌ خَلْفٌ، أي: متأخر، وقُدّامٌ أي متقدِّمٌ.
ويكون الخبرُ مفردًا هو الأوّلَ كما تقول: "زيدٌ قائمٌ".
ومن ذلك "عِنْدَ" و"لَدُنْ" و"لَدَى"، وهي ظروفٌ، معناها القُرْبُ والحَضْرَةُ، ولذلك لزمتِ الإضافةَ للبَيان، إذ كانت مبهمةً، لأنّها لا تختصّ مكانًا معيَّنًا, لأنّ القرب والمُجاوَرَة أمرٌ إضافيٌّ، إذ الشيءُ يكون قريبًا من شخصٍ، بعيدًا من آخرَ.
وهي لابتداءِ الغاية في الزمان والمكان، وذلك قولك: "من لَدُنْ صَلاة العَصْر إلى وقتِ كذا".
و"من لدن الحائط إلى مكانِ كذا" فهي مشترِكةٌ في البابَيْن، وليست كـ "مُنْذُ" الذي هو ابتداءُ غايةِ الزمان، ولا كـ "مِنْ" الذي هو ابتداءُ غايةِ المكان.
وفي "عند" لغتان: "عَنْدَ"، و"عِنْدَ"، بفتح العين، وكسرها، و"لَدُنْ" في معنى "عند"، إلاّ أنّ "عند" معربةٌ، و"لدن" مبنيّةٌ.
وفي "لدن" ثَماني لغاتٍ، يقال: "لَدُنْ" و"لَدَى"، و"لَدَنْ" و"لَدُ" بفتح الفاء وضمِّ العين، و"لُدُ" بضمّهما، و"لَدْنِ" بفتح الفاء وسكونِ العين وكسرِ النون، و"لَدْنَ" بفتح النون، و"لَدْ" بفتح الفاء وسكون العين.
فأمّا "لَدُنْ" بفتح الفاء، وضمّ العين؛ فهو الأصلُ، لكثرته ووُرودِ التنزيلِ به، ومن قال: "لَدَنْ"، فوَجْهُه أنّه أَسكن العينَ في "لَدُنْ"، كما أسكنها في "عَضُدٍ" و"عَجُزٍ"، فالتقى بعد الحذف ساكنان: الدالُ والنونُ، فحُرّك الأوّل بالفتح كما حُرّك الأوّل منهما بالفتح، في قولهم: "اضْرِبَنْ"، إذا دخلت النونُ الخفيفةُ في "اضْرِبْ".
وأمّا "لَدَى"، فلغةٌ قائمةٌ بنفسها ليست من لفظِ "لَدُنْ"، والقياسُ في ألفها أن لا

تكون أصلاً.
فأمّا انقلابها مع المضمر ياء؛ فعلى التشبيه بألفِ "عَلَى" و"إِلَى" على ما سيُوضَح أمره إن شاء الله تعالى.
وأمّا "لَدُ" بالضمّ؛ فمحذوفةٌ من "لَدُنْ".
قال الراجز: 1 - يَسْتَوعِبُ البَوْعَيْن مِن جَرِيره... مِن لَدُ لَحْيَيْهِ إلى حُنْجُوره والذي يدلّ أنّها منتقِصةٌ منها أنّها لو كانت أصلاً على حِيالها, ولم تكن مخفَّفةً من "لَدُنْ"، لكانت ساكنةً على أصل البناء، ومثلُه قولهم: "رُبَ"، و"رُبَّ" مخفَّفةً، ومشدَّدةً، أبقوا حركتَها بعد الحذف، ليكون ذلك دلالةً على أنّها منتقصةٌ من غيرها, وليست أصلاً قائمًا بنفسه.
ومن قال "لُدُ" بضمّ الفاء، والعين فإنّه أتبع الضمَّ الضمَّ بعد حذفِ اللام.
ومن قال "لَدْنِ" بفتح الفاء، وسكون العين، وكسر النون؛ فإنّه كسر النونَ لالتقاء الساكنَيْن بعد حذفِ حركةِ العين، وذلك على أصلِ التقاء الساكنَيْن.
ومَن فتح النونَ؛ فهو لالتقاء الساكنَيْن، وقَصْدِ التخفيف، كـ "أَيْنَ" و"كَيْفَ".
وأمّا من قال: "لَدْ" بسكون الدال، وفتح الفاء، فإنّه بناءٌ على السكون بعد الحذف، جعلها قائمةً بنفسها.
فإن قيل: ولِمَ بُنيتْ "لَدُنْ"، ولم تكن معربةً كـ "عِنْدَ"؟ قيل: لمّا لم يتجاوزوا بـ "لَدُنْ" حَضْرَةَ الشيء، والقُرْبَ منه، ولم يتصرّفوا فيه بأكثرَ من ذلك، جرتْ مجرَى الحرف الموضوع بإزاءِ معنى، لا يتجاوزُه، فبُنيت لذلك كبِنائه.
وأمّا "عِنْدَ" فتَوسّعوا

فيها، وأوقعوها على ما بحضرتك، وما يبعُد، وإن كان أصلُها الحاضرَ، فقالوا: "عندي مالٌ"، وإن كان غائبًا في بَلَدٍ آخرَ.
فلمّا دخلها من التمكُّن والتصرُّفِ ما ذكرناه، فارَقَتِ الحروفَ، فأعربت لذلك.
ومن الظروف "بَيْنَ"، و"وَسْطَ" و"سِوَى" و"مَعَ" و"دُونَ"، كلُّها تلزمها الإضافةُ.
فأمّا "بَيْنَ" فهو ظرفٌ من ظروفِ الأمكنةِ بمعنَى "وَسْطَ"، ولذلك يقع خبرًا عن الجُثَّة، نحو قولك: "الدارُ بينَ زيدٍ وعمرٍو"، و"المالُ بين القوم".
وهي تُوجِب الاشتراكَ من حيثُ كان معناها "وَسْطَ"، والشركةُ لا تكون من واحد، وإنّما تكون بين اثنين فصاعدًا، نحوَ: "المالُ بين الزيدَيْن"، و"الدارُ بين القوم".
فإن أضفتها إلى واحد، وعطفتَ عليه بالواو جاز نحوَ "المالُ بين زيد وعمرو", لأنّ الواو لا تُوجِب ترتيبًا, ولو أتيتَ بالفاء، فقلت: "المالُ بين زيد فعمرٍو"، لم يحسُن, لأنّ الفاء توجب الترتيبَ، وفَصْلَ الثاني من الأوّل.
فأمّا قول امرىء القيس [من الطويل]: 1 - [قفا نَبكِ من ذكرى حبيبٍ ومَنْزِلِ... بِسَقْطِ اللِّوى] بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

فقد عابه الأصمعيُّ، ورواه بالواو.
وحُجَّةُ مَن رواه بالفاء أنّ "الدَّخُول"، و"حَوْمَلَ" موضعان يشتمِل كلُّ واحد منهما على أماكِنَ كالشَام والعِراق.
فلو قلت: "عبدُ الله بين الدخول" تريد: بين مواضعِ الدخول لَتَمَّ الكلامُ وصَلَحَ، كما تقول: "سِرْنا بين الشام"، والمراد بين مواضع الشام، فعلى هذا قال: "بين الدخول"، أي: بين مواضع الدخول، ثمّ عطف بالفاء فقال: "فَحَوْمَلِ".
وأمّا "وَسْطَ"، فيكون اسمًا وظرفًا.
فإذا أردتَ الظرفَ أسكنتَ السينَ، وإذا أردتَ الاسمَ، فتحتَ، فتقول: "وَسْطَ رأسِك دُهْنٌ"، إذا أخبرت أنّه استقرّ في ذلك الموضع؛ أسكنتَ السين، ونصبتَ، لأنّه ظرفٌ، وتقول: "وَسَطُ رأسِك صُلْبٌ" فتحتَ السين ورفعت, لأنّه اسمٌ غيرُ ظرف، وتقول: "حفرتُ وسْطَ الدار بئْرًا" بسكونِ السين، كأنّ البئر في بعضِ الوَسَط.
وتقول: "ضربتُ وَسَطَهُ" لأنّه مفعولٌ به.
وأمّا "سِوَى"، و"سَوَاء" مقصورًا وممدودًا، فبمعنى واحدٍ.
وذلك أنّك إذا قلت: "عندي رجلٌ سِوَى زيدٍ"، فمعناه: "عندي رجلٌ مكانَ زيد"، أي: يسُدّ مَسَدَّهُ، ولزم الإضافةَ, لأنّ معناه معنَى "غَيْرٍ"، وقد تقدّم الكلام عليهما.
وأمّا "مَعَ"، فهو ظرفٌ من ظروفِ الأمكِنة، ومعناه المُصاحَبةُ.
والذي يدلّ على أنّه اسمٌ أنّه إذا أُفرد نُوّن، فيقال: "جاءَا مَعًا".
و"أَقْبَلَا مَعًا"، وربّما أدخلوا عليه حرفَ الجرّ، قالوا: "جئتُ مِن مَعِهِ"، أي: من عِنْدِهِ.
ولو كان أداةً، لكانت ساكنةَ الآخِر على حدِّ "هَلْ"، و"قَدْ"، و"بَلْ"، إذ لا عِلَّةَ تُوجِب الفتح، وربّما ذُهب بها مذهبَ الحرف، فسُكّن آخِرُها.
قال الشاعر [من الوافر]: 1 - فَرِيشِي مِنْكُمُ وهَوايَ مَعْكُمْ... وإن كانت زِيارَتُكُمْ لِمامَا = وجملة "قفا" ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب، وجملة "نبكِ" لا محلّ لها من الإعراب لأنها جواب شرط مقدّر غير مقترن بالفاء أو "إذا".
والشاهد فيه أنّ: أن "الفاء" الداخلة على الأماكن المذكورة بمعنى "إلى"، أي: منازل بين الدخول إلى حومل، أو على حذف مضاف.

لمّا اعتقد فيها الحرفيّة سكّنها.
والقياسُ فيها أن تكون مبنيّة لفَرْطِ إبهامها، كـ "لَدُنْ"، و"حَيْثُ".
وإنّما أُعربت ونُصبت على الظرفيّة، لأنّهم تَصرَّفوا فيها على حدّ تصرُّفهم في "عِنْدَ"، فيقولون: "مَعِي مالٌ"، أي: هو في مِلْكِي، وإن كان غائبًا، كما يُقال: "عِنْدِي مالٌ".
وأمّا "دُونَ"، فلها معنيان: أحدهما الظرفيّةُ في معنى المكان تشبيهًا بالمكان، فيقال: "زيدٌ دونَ عمرٍو في الشَّرَف، والعِلمِ، وفي الخَيْر ونحو ذلك".
جُعل هذه الأشياءُ مَنازِلَ يَعْلُو بعضُها بعضًا، كالأماكن التي بعضُها أعْلَى من بعض، وجُعل بعضُ الناس في موضعٍ من الشرف أو من العلم، وهذه لا تكون إلَّا ظروفًا منصوبةً.
والموضع الآخر: لـ "دُونَ" أن تكون اسمًا صفةً بمعنَى حَقِيرٍ ومسترذَلٍ، فتقول: "ثَوْبٌ دُونٌ"، أي: رَدِيٌّ.
ويقال: "هذا دونُك"، أي: حقيرُك، ومستر ذَلُك.
ويُمكِن أن يكون هذا القِسْمُ هو الأوّل، واستُعمل اسمًا توسُّعًا لضربٍ من التأويل، لأنّك إذا جعلتَه في مكانٍ أسفلَ من مكانك، صار بمنزلةِ "أسفلَ"، و"تحتٍ"، و"أسفلُ" و"تحتٌ" قد يجوز رفعُهما في الشعر.
قال لَبِيدٌ [من الكامل]: فَغَدَتْ كِلَا الفَرْجَينِ تَحْسَبُ أنّه... مَوْلَى المَخافَةِ خَلْفُها وأَمامُها 1 على أنّ "أسفل" إذا كان نقيضَ "أَعْلَى"، كان متمكِّنًا، تقول: "هذا أسفلُ الحائط"، و"هذا أعلاهُ"، كما تقول: "هذا رأسُه"، و"هذا آخِرُه".

قال صاحب الكتاب: "وغير الظروف نحو: "مثل", و"شبه", و"بيدٍ", و"قيد", و"قداً", و"قاب", و"قيسٍ", و"أي", و"بعض", و"كل" و"كلا", و"ذو" ومؤنثه, ومثناه, و"مجموعه, و"أولو""أولات", و"قد" و"قط", و"حسب".
وغير اللازمة, نحو: "ثوب", و"فرس" و"دار", وغيرها مما يضاف في حال دون حال.
= عطف، "هواي": مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، والياء ضمير في محلّ جرّ بالإضافة.
"معكم": ظرف متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، وهو مضاف، و"كم": ضمير في محلّ جرّ بالإضافة.
"وإن": الواو حالية، إن: وصلية زائدة.
"كانت": فعل ماضٍ ناقص، والتاء للتأنيث.
"زيارتكم": اسم "كان" مرفوع، وهو مضاف، وكم: ضمير في محلّ جرّ بالإضافة.
"لمامًا": خبر "كان" منصوب.
وجملة "ريشي معكم": بحسب ما قبلها.
وجملة "هواي معكم": معطوفة على الجملة السابقة.
وجملة "وإن كانت زيارتكم لماما": في محل نصب حال.
والشاهد فيه قوله: "هواي معْكم" حيث وردت "مع" مبنيّة على السكون.

قال الشارح: اعلم أنّ من الأسماء أسماءً غيرَ ظروف، تضاف إلى ما بعدها، وهي على ضربَيْن: لازمةٌ للإضافة، وغيرُ لازمة.
فاللازمةُ نحو: "مِثْلٍ"، و"شِبْهٍ"، و"نَحْوٍ"، و"غَيْرٍ"، ونحوِها ممّا ذكرها صاحبُ الكتاب.
وأمّا "مِثْلٌ" و"شِبْهٌ" فبمعنًى واحدِ، و"غيرٌ" و"بَيْدٌ" بمعنى واحد، و"قِيد" و"قِدًا" و"قابٌ" و"قِيسٌ" بمعنَى مقدارِ الشيء.
يقال: "بيني وبينه قيدُ رُمْحٍ، وقابُ رمح، وقيسُ رمح".
قال الله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ 1. و"قيسُ رمح" بمعنَى: قَدْرِ رمح.
والقَدَرُ والقَدْرُ بالفتح والسكون واحدٌ، وهو مَبْلَغُ الشيء.
فهذه الأسماءُ كلُّها تلزم الإضافةَ، ولا تُفارِقها.
وإذا أُفردتْ كان معناها على الإضافة، ولذلك لا يحسُن دخولُ الألف واللام عليها، فلا يقال "المِثلُ"، ولا "الشِّبْهُ"، ولا "الكُلُّ"، ولا "البَعْضُ", لأنّ ذلك كالجمع بين الألف واللام، ومعنى الإضافة من جهةِ تضمُّنها معنى الإضافة.
فصارت الإضافةُ فها كالملفوظ بها، وذلك من قِبَل أنّ "مِثْلًا" يقتضي مُماثِلًا، و"شِبْهًا" يقتضي مُشبَّهًا به، وكذلك سائرُهما من نحو "قيد"، و"قدًا"، و"قاب"، و"قيس" كلُّها مَقاديرُ لا تُذكَر إلاّ مع المقدَّر به.
وكذلك "أَيٌّ"، و"بعضٌ"، و"كلٌّ"، و"كِلًا"، الإضافة فيها لازمةٌ؛ أمّا "أَيٌّ"، فإنّها اسمٌ مبهمٌ يقع على كلّ شيء ممّن يعقِل، وما لا يعقل من حَيَوان، وغيرِه، فافتقر إلى الإضافة للإيضاح، كافتقارِ الموصول إلى الصلة، وهي بعضُ ما أُضيفت إليه.
فإذا قلت: "أيُّ القوم"، كانت من القوم، وإذا قلت: "أَيُّ الثِّياب" فهي من الثياب.
فلُزومُها الإضافةَ لذلك.
و"بَعْضٌ" يُفيد البعضيّةَ، فهو يقتضي الشيءَ المبعَّضَ.
و"كُلٌّ" اسمٌ لأَجْزاءِ الشيء، فهو يقتضي المجزَّأَ، و"كِلا" اسمٌ مفردٌ عندنا معناه التثنيةُ، ولا يدلّ بلفظه على جنسِ ذلك المثنَّى، فلزمت إضافتُه إلى جنسه، ليُعْلَمَ، نحوَ: "جاءني كِلَا أَخَوَيْك"، و"رأيت كلا أخوَيْك"، و"مررت بكلا أخويك"، ويكون تأكيدًا للمثنّى، نحو: "جاءني الرجلان كِلاهما"، و"رأيت الرجلَيْن كِلَيْهما"، و"مررت بالرجلَيْن كِلَيْهما"، فتلزم إضافتُها إلى ضميرِ المؤكَّد ليُعلَم أنّها تأكيدٌ له، وليست اسمًا شائعًا، بخلافِ "أَجْمَعَ"، و"أجْمَعِينَ"، ونحوِهما، فإنّها لا تَلِي العواملَ، ولا تكون إلَّا تأكيدًا، فاستغنتْ عن الإضافة.
ومنها "ذُو" التي بمعنَى صاحبٍ، فإنّك تقول: "هذا رجلٌ ذو مالٍ"، و"رأيت رجلًا ذَا مال"، و"مررت برجلٍ ذي مال"، أي: صاحب مال.
وتقول في التثنية: "هذان رجلان ذَوَا مال"، وأصلُه "ذَوَانِ"، وإنّما حُذفت نونُه للإضافة، وفي النصب والجرّ، نحوَ: "رأيت رجلَيْن ذَوَيْ مال"، و"مررتُ برجلَيْن ذَوَيْ مال".
وتقول في الجمع: "هؤلاء رِجالٌ ذَوُو مال"، و"رأيت رجالًا ذَوِي مال"، و"مررت برجالٍ ذَوِي مال".
وأصلُه "ذَوُونَ"، و"ذَوِينَ", لأنّه جمعُ سَلامة.
وإنّما حُذفت نونُه للإضافة، وإنّما جُمع جمعَ السلامة, لأنّه

وُصف به من يعقِل، فجرى مجرَى "مُسلمين"، و"صالحين".
وتقول في المؤنّث "ذاتٌ"، نحُو: "هذه امرأةٌ ذاتُ جَمالٍ ومالٍ".
والتثنيةُ: "ذَوَاتَا".
قال الله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ 1. والجمعُ "ذَوَاتٌ" و"أُولُو" أيضًا جمعَ سلامة، والواحدُ "ذُو".
قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ 2. وقال الله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ 3. والمؤنّثُ "أُولاتُ".
وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 4. جاء الجمعُ ههنا على غيرِ واحده المستعملِ.
وقياسُ واحده "أُلٌ" مثلُ "عَم"، و"شَجٍ"، فهي في السلامة بمنزلةِ "المَذاكير" و"المَلامحِ" في التكسير، جاء على ما لم يُستعمل.
وإنّما لزمتْه الإضافةُ, لأنّ المضاف إليه هنا هو المقصودُ.
وذلك أنّهم أرادوا وَصْفَ الأسماء بالأجناس، نحوَ: "هذا رجلٌ مالٌ"، فلم يَسُغ ذلك، فأتوا بـ "ذِي" التي بمعنى صاحب، وأُضيفت إلى اسم الجنس، وجعلوها وُصْلَةً إلى وصفِ الأسماء بالأجناس، كما كانت "أَيٌّ" وصلةً إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللام.
وكانت الإضافةُ لازمةً، كما كان النعتُ لازمًا، لـ "أيِّ" في النداء، نحوِ: "يا أَيُّهَا الرجلُ"، و"يا أَيُّهَا الغلامُ".
ومن ذلك "قَدْ"، و"قَطْ"، و"حَسْبُ" كلُّها بمعنى واحد إلَّا أن "قَدْ" و"قَطْ" مبنيّان على السكون، و"حَسْبُ" معربةٌ.
وذلك من قِبَل أنّ "قد"، و"قط" وقعا موقعَ فِعْلٍ الأمر في أوّل أحوالهما، فبُنِيَا كبِنائه.
تقول: "قَدْكَ درهمان"، و"قَطْكَ ديناران"، أي: اكتَفِ بذلك، واقْطعْ.
و"حَسْبُ" اسمٌ متمكِّنٌ أُريد به معنى الفعل بعدَ أن وقع منصرِفًا, ولم يُوقَع موقعَ الفعل في أوّلِ أحواله.
ألا ترى أنّك تقول: "أَحْسَبَني الشيءُ إحسابًا" أي: كَفاني، ويقال: "هذا لك حِسابٌ" أي: كافٍ؟ قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ 5، فانصرف "حَسْبُ" ولم يُبْنَ كِبناءِ "قَدْ"، و"قَطْ".
واشتقاقُ "قَدْ" من "قَدَدْتُ الشيء".
واشتقاقُ "قَطْ" من "قططتُ الشيءَ" إذا قطعتَه، فأصلُهما لذلك التثقيلُ، وإنّما خُفّفتا بحذفِ لامَيْهما، وغلب عليهما التخفيفُ لكثرةِ استعمالهما.
وإنّما لزمت هذه الأسماءُ الإضافةَ، لأنّها واقعةٌ موقعَ فعلِ الأمرِ.
وفعلُ الأمر لا بد له من فاعل، ولم تكن هذه الأسماء ممّا يَرْفَع، فأُضيفت إلى الفاعل.
فإذا قلت: "قَدْكَ"، و"قَطْكَ"، فكأنّك قلت: "اكْتَفِ"، و"اقْطَعْ"، فالفاعلُ مضمرٌ.
وإذا قلت: "قَدْ زيدٍ"، أو "قَطْ عمرِو"، فكأنّك قلت: "لِيَكْتَفِ زيدٌ، أو عمرٌو بذلك".
وقد يدخل "قَدْ"، و"قَطْ" نونُ الوِقاية، فيقال: "قَدْنِي"، و"قَطْني" مُحافَظةً

على سكونهما، وصِيانَةً لآخِرهما عن الكسر، كما قالوا: "مِنِّي"، و"عَنِّي"، فأتوا فيهما بنون الوقاية.
قال الشاعر [من الرجز]: 1 - امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِي... مَهْلاً رُوَيدًا قد مَلأْتَ بَطْنِي وقال الآخر [من الرجز]: 2 - قَدْنِيَ من نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي... [ليسَ الإمامُ بالشَّحيحِ الملحِدِ]

فأتى بنون الوقاية، وتَرْكِها.
وربّما استعملوا "قَطْ" و"حَسْبُ" مفردَيْن من غير إضافة، فقالوا: "رأيتُه مرَّةً واحدةً فَقَطْ"، و"أعطاني دينارًا فحَسْبُ"، أي: اكْتَفِ بذلك، واقْطَعْ.
والإضافةُ أكثرُ، وأغلبُ، فاعرفه.
وأمّا الإضافة غيرُ اللازمة، ففي أكثرِ الأسماء، نحو: "ثَوْبٍ"، و"دارٍ" وغيرِهما من الأسماء المنكورة ممّا يضاف في حال دون حال.
وذلك على حسبِ إرادةِ المتكلّمِ، فإذا قال: "رأيت ثَوْبًا"، فقد أخبرَ عن واحد من الثِياب غيرِ معيَّن، وكذلك "رأيت دارًا".
وإذا قال: "رأيت ثوبَ خَزٍّ"، فقد أخبر عن ثوب من هذا الجنس دون غيره، فهو أخصُّ من الأوّل.
وإذا قال: "ملكتُ دارَ زيدٍ"، فقد أخبر عن واحدةٍ بعينها معرفةٍ فاعرفه.

[" أيّ" المضافة]

قال صاحب الكتاب: "و"أيٌّ" إضافته إلى اثنين فصاعدًا, إذا أضيف إلى المعرفة كقولك: أي الرجلين وأي الرجال.
عندك، وأيهما وأيهم, وأي من رأيت أفضل، وأي الذين لقيت أكرم.
وأما قولهم أيي وايك كان شرًا فأخزاه الله، فكقولك اخزي الله الكاذب مني ومنك وهو بين وبينك، والمعنى أينا ومنا وبيننا.
قال العباس بن مرداس [من الوافر]: 1 - فأيي ما وأيك كان شراً... فقيد إلى المقامة لا يراها = المبتدأ، وهو مضاف.
"الخبيبين": مضاف إليه مجرور بالياء لأنّه مثّنى.
"قدي": توكيد لفظي، وهو مضاف، والياء: ضمير متّصل في محلّ جرّ بالإضافة.
"ليس": فعل ماضٍ ناقص.
"الإِمام": اسم "ليس" مرفوع.
"بالشحيح": الباء: حرف جرّ زائد، "الشحيح": اسم مجرور لفظًا منصوب محلًا على أنّه خبر "ليس".
"الملحد": نعت "الشحيح" مجرور بالكسرة.
وجملة "قدني... " الاسمية: ابتدائيّة لا محل لها من الإعراب.
وجملة "ليس الإِمام... " الاسميّة: استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "قدني" و"قدي" حيث أتى بنون الوقاية وتركها.

واذا أضيف إلى النكرة أضيف إلى الواحد والاثنين والجماعة كقولك: أي رجل وأي رجلين وأي رجال، ولا تقول: أيا ضربت وبأي مررت إلا حيث جرى ذكر ما هو بعض منه كقوله عز وجل: ﴿أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ 1,ولا ستيجابه الإضافة عوضوا منها توسيط المقحم بينه وبين صفته في النداء".

قال الشارح: اعلم أنّ "أَيًّا" إنّما تقع على شيءٍ هي بعضُه، وذلك قولك: "أَيُّ أَخَوَيْك زيدٌ"، فقد علمتَ أنّ زيدًا أحدُهما, ولم تَدْرِ أَيُّهما هو.
وهي في الكلام على ثلاثةِ أضرب: الاستفهامُ، والجزاء، وبمعنَى "الَّذِي"، فإذا كانت استفهامًا أو جزاءً، كانت تامّةً، ولم تحتجّ إلى صلةٍ، إنّما تحتاج إلى الصلة إذا كانت موصولةً لا غيرُ، كما تحتاج "الذِي" و"مَنْ" و"مَا" إذا كانت موصولةً، وهي موضوعةٌ على الإضافة، لأنّها في الأحوال الثلاثة بعضُ ما أضيفت إليه، فلا تُفيد إلَّا بذكرِ المضاف إليه، وهذا المعنى يوجِب أن لا يكون المضافُ إليه إلَّا ممّا يتبعّضُ.
ولا تقتضي جوابًا، إلَّا إذا كانت استفهامًا، وجوابُها التعيينُ, لأنّها في الاستفهام مفسَّرةٌ بالهمزة، و"أَمْ".
فإذا قلت: "أَيُّ الرجلَيْن عندك؟ " فمعناه "أزيدٌ عندك أم عمرٌو؟ " فكما يلزم الجوابُ في الهمزة و"أَمْ" إذا قلت: "أزيد عندك أم عمرو؟ " والتعيينُ، فتقول: "زيدٌ أو عمرٌو" ولا يكفِي "لَا" أو "نَعَمْ"، كذلك يلزم في "أَيّ", لأنّ المعنى واحدٌ.
ولو قلت: "هل زيدٌ منطلقٌ أم عمرٌو" أو نحوَهما من أَدَواتِ الاستفهام، لم يكن لـ "أيّ" ههنا مَدْخَلٌ، فلذلك كانت "أَيٌّ" واقعةً على كل جملة إذا كانت بعضًا لها.
فعلى هذا يجوز إضافتُها إلى المعرفة والنكرة، فإذا أضيفت إلى المعرفة؛ وجب أن = وهو مضاف، والكاف: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ بالإضافة.
"كان": فعل ماضٍ ناقص مبني على الفتح، واسمها ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو.
"شرًّا": خبر "كان" منصوب بالفتحة.
"فقيدَ": الفاء: رابطة لجواب الشرط، ودخلت على الماضي لأنه إنشاء في المعنى، فهو دعاء، و"قيد": فعل ماضٍ مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: هو.
"إلى المقامة": جار ومجرور متعلقان بـ "قيد".
"لا": نافية لا محل لها.
"يراها": فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، و"ها": ضمير متصل مبنى في محلّ نصب مفعول به.
وجملة "أيّي ما وأيُّك كان شرًّا فقيد": بحسب ما قبلها.
وجملة "كان شرًا": جملة الشرط غير الظرفي لا محل لها من الإعراب.
وجملة الشرط وجوابه خبر المبتدأ (أيّي).
وجملة "قيد": جواب شرط جازم مقترن بالفاء محلها الجزم.
والشاهد فيه إفراد "أي" لكل واحد من الاثنين، وهذا للضرورة، والقياس أن يقال: أيُّنا.

تكون تلك المعرفةُ ممّا يتبعّضُ، وذلك بأن تكون المعرفة: إمّا تثنيةً، أو جمعًا، نحوَ قولك: "أيُّ الرجلَيْن عندك"، و"أيُّ الرّجال"، و"أيَّهما رأيتَ"، و"أيُّهم مررتَ به".
وتقول: "أيُّ مَن رأيتَ أفضلُ", لأنّ "مَنْ" قد تعنى بها الكثرةَ، وإن كان لفظُها واحدًا.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ 1، وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ 2، فحُمل مرّةً على اللفظ، ومرّةً على المعنى.
ومنه قولُ الشاعر [من الطويل]: 358 - تَعَشَّ فإِنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي... نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ ثَنَّى العائدَ حين عَنَى اثنين، ولا يكون "مَنْ" في قولك: "أَيُّ مَن رأيتَ أفضلُ" إلَّا موصولةً لا غيرُ، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: رأيتَه، كقوله سُبحانَه: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ 4، والمعنى: بَعَثَهُ، ولا يكون "مَن" استفهامًا هنا, ولا جزاءً, لأنّ "أيًّا" لا يضاف إلى الجُمَل.
فأمّا تمثيلُه بـ "أيُّ الذي لقيتَ أَكرمُ"، ففيه نَظَرٌ.
والصوابُ: "أيُّ اللذَيْن أو الذين" بلفظ التثنية، أو الجمع.
وإن صحّت الروايةُ عنه بلفظِ الواحد، فمُجازُه أنّ "الّذِي" قد يراد3

بها الكثرةُ، نحو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ 1، فعاد الضميرُ إلى "الذي" مرّةً مفردًا، ومرّةً مجموعًا، كما كان في "مَنْ" كذلك، وهو قليلٌ في "الذي".
ولو قلت: "أَيُّ زيدٍ أحسنُ"، فمُجازُه من وجهَيْن: أحدُهما أن يريد النكرةَ لمُشارِكٍ له في اسمه، فأجراه مُجرى الأنواع، نحوِ: "رجلٍ"، و"فرسٍ"، كما أجراه كذلك وأدخل عليه الألفَ واللام في قوله [من الرجز]: بَاعَدَ أُمَّ العَمْرِو مِن أَسِيرها... حُرّاسُ أَبْوابٍ على قُصُورها 2 والوجه الثاني: أن يريد: أيُّ شيءٍ من أعضائه أحسنُ: أَعَينُه، أم أَنْفُه، أم حاجِبُه، ونحو ذلك.
فأمّا قولهم: "أَيّى وأَيُّكَ كان شَرًّا، فأخزاه اللَّهُ"، فأضاف "أيًّا" إلى المضمر الذي هو ضميرُ النفس، وهو معرفةٌ، فإنما سوّغ ذلك أنّه عطف عليه ضميرَ المخاطَب بإعادةِ الخافض بالواو.
الواوُ لا تدلّ على الترتيب، وإنمّا تجمع بين الشيئيْن، أو الأشياءِ فقط، وصار ذلك بمنزلةِ التثنية والجمع، كأنّك قلت: "أَيُّنَا".
فهو كقولك: "أخزى اللَّهُ الكاذبَ منّي ومنك"، والمراد: منّا.
وكقولك: "هو بَيْني وبينك"، والمراد: بيننا.
والفرقُ بينهما أنّك إذا قلت: "أَيُّنَا"، فقد اشتركا في "أيٍّ".
وإذا قلت: "أَيِّي وأَيُّكَ"، فقد أخلصتَه لكلٍّ واحد منهما.
فهو أبلغُ.
فأمّا بيتُ العَبّاس بن مِرْداسٍ [من الوافر]: فأَيّى ما وأَيُّكَ كان شَرًّا... إلخ.
وبعده: ولا وَلَدَتْ لهم أبَدًا حَصانٌ... وخالَفَ ما يُرِيدُ إذا بَغَاها فالشاهد فيه إفرادُ "أَيٍّ" لكل واحد من الاسمَيْن، وإخلاصُه له توكيدًا، والمستعمَلُ إضافتُه إليهما معًا، فيقال "أَيُّنَا"، والمرادُ: أيّنا كان شرًّا من صاحبه، فقِيدَ إلى المقامة لا يَراها.
أي: أعماه اللَّهُ.
والمَقامةُ: جماعةُ الناس.
وقولُه: "لا يراها" أي: يَعْمَى عن رُؤْيَتهم.
ويروى: إلى المَنِيَّة، أي: جاءته المنيّةُ، ويدعو عليهم في البيت الثاني بانقطاعِ النَّسْل، ومثلُه قولُ جُمَيْحٍ [من الطويل]: 359 - وقد عَلِمَ الأقْوامُ أيَّي وأَيُّكُم... بَنِي عامِرٍ أَوْفَى وَفاءً وأَكْرَمُ3

وقولُ خِداشِ بن زُهَيُر [من الكامل]: 1 - ولَقَدْ عَلِمْت إذا الرجالُ تَناهَزُوا... أَيّي وأَيُّكُم أَعَزُّ وأَمْنَعُ المراد أَيُّنَا، وهو كثيرٌ.
وإذا أضيف إلى النكرة، أضيف إلى الواحد والتثنية والجمع، فتقول: "أَيُّ رجلٍ" و"أيُّ رجلَيْن"، و"أَيُّ رجالٍ".
وإنّما جاز إضافتُه إلى الواحد المنكورِ ههنا من حيثُ كان نوعًا يعُمّ أشخاصَ ذلك النوعِ، فهو يشمَل كلَّ من يقع عليه ذلك الاسمُ، فلذلك جازت إضافتُه إليه.
وقد يُفرَد "أَيٌّ" إذا تقدّم ذكرُ ما هو بعضٌ منه، نحوَ قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ = الإعراب: "وقد": الواو: بحسب ما قبلها.
قد: حرف تحقيق وتقريب.
"علم": فعل ماضٍ مبني على الفتح.
"الأقوام": فاعل مرفوع بالضمّة.
"أيّي": اسم مبني على الضمّ المقدّر على ما قبل ياء المتكلم في محلّ رفع مبتدأ، والياء: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ مضاف إليه.
"وأيكم": الواو: للعطف، أي: اسم مبني على الضمّ في محلّ نصب عطفًا على "أي" السابقة، وهو مضاف، وكم: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ مضاف إليه.
"بني": منادى منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكّر السالم، وهو مضاف.
"عامر": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"أوفى": خبر للمبتدأ "أيّي" مرفوع بالضمة المقدّرة على الألف للتعذّر.
"وفاءً": مفعول مطلق منصوب بالفتحة.
"وأكرم": الواو: حرف عطف، أكرم: معطوف على "أوفى" مرفوع بالضمّة.
وجملة "قد علم": بحسب الواو.
وجملة "أيّي وأيّكم أوفى": في محلّ نصب مفعول ثانٍ لـ "علم".
والشاهد فيه قوله: "أيي وأيكم" حيث أفرد "أيّ" وجمعها.

ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (1). أفردَ "أَيًّا" ههنا, لأنّه أحدُ الاسمَيْن المذكورَيْن.
ومعناه: أَيَّ الاسمَيْن دعوتم اللَّهَ، فله الأسماءُ الحسنى.
ولو قلت: "أيًّا ضربتَ"، أو "بأَيِّ مررتَ"، لم يجز, لأنّه لم يتقدّم ما يُسدّ مسدَّ المضاف إليه.
ولغَلَبةِ الإضافة عليه لمّا جاؤوا بـ "أَيّ" وُصْلةً إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللام غيرَ مضافة؛ عوّضوه من الإضافة هاءَ التنبيه بعده قبلَ صفته، نحوَ: "يا أَيُّهَا الناسُ"، و"يا أيّها الرجلُ".
وقوله: "ولاستِيجابه الإضافةَ" يريد لُوجوبها له.
فالاستيجابُ مصدرٌ بمعنى الُوجوب، كالاستقرار بمعنى القَرار، وفعلُه اسْتَوْجَبَ، كقولكم: "اسْتَوْهَبَ اسْتِيهَابًا"، و"اسْتَوْعَبَ اسْتِيعَابًا".
وقوله: "توسيط المُقْحَم" يعني بالمقحم هاءَ التنبيه.
"بينه"، أي: بين "أَيٍّ"، وصفتِه، فـ "ها" تنبيهٌ، وهي عِوَضٌ من لفظِ الإضافة، ولُزومُ الصفة عوضٌ من معناها، فاعرفه.

جارٍ التحميل