فصل [حكمُ ما أُضيفَ إلى ياء المتكلّم]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وما أضيف إلى ياء المتكلم فحكمه الكسر نحو قولك في الصحيح والجاري مجراه "غلامي", و"دلوي"، إلا إذا كان آخره ألفاً أو ياء متحركاً ما قبلها, أو واواً.
أما الألف, فلا تتغير إلا في لغة هذيل في نحو قوله [من الكامل]:
1 - سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم... [فتخرموا ولكل جنبٍ مضرع]
وفي حديث طلحة رضي الله عنه: فوضعوا اللج على قفي، يجعلونها إذا لم يكن للتثنية ياء، ويدغمونها.
وقالوا جميعًا "لدي" و"لديه" و "لديك", كما قالوا: "عليَّ", و"عليه", و"عليك".
وياء الإضافة مفتوحة إلا ماجاء عن نافعٍ ﴿محياي ومماتي﴾ 1 وهو غريب.
قال الشارح: اعلم أن ياء المتكلم حكمُها أن يُكسَر ما قبلها نحو قولك: "غُلاَمِي"، و"صاحِبِي" و"دَلْوِي".
وإنّما وجب كسرُ ما قبل ياء المتكلّم، لِيسلَم الياءُ من التغيير والانقلاب، وذلك أن ياء المتكلم تكون ساكنة، ومفتوحة.
فلو لم يكن يُكسَر ما قبلها، لكانت تنَقلب في الرفع واوًا في لغة من أسكنَها، وكان اللفظُ في الرفع: "هذا غُلامُو"، فيذهَب صيغة الإضافة، وكانت تنقلب في النصب ألفًا في لغةِ من فتحها، فكنت تقول: "رأيتُ غُلامَا".
فلمّا كان إعرابُ ما قبلها يُؤدّي إلى تغييرها وانقلابِها إلى لفظِ غيرها، رفضوا ذلك، وعدلوا إلى كسرِ ما قبلها البتةَ.
فإن قيل: فأنتم قد قلبتموها ألفًا في النداء، نحو: "يا غُلَامَا"، قيل: ذلك شيء اختص به النداء، كما اختص بالعَدْل، نحو: "يا غَدارِ"، و"يا فَساقِ"، و"يا غُدَرُ"، و"يا فُسَقُ"، و "ياهَنَاهْ".
ولا يُستعمل ذلك في غير النداء، وليس كسرُ ما قبلها لثِقَلِ الضمّة، ألا ترى أن الفتحة أخفُّ الحركات، ومع ذلك كسرتَ، فعُلم أنّ الكسرة فيها لغيرِ الاستثقال، فتقول: "هذا غلامي، وصاحبي"، ونحوهما من الصحيح اللام، أو ما جرى مجرى الصحيح.
فالصحيحُ ما لم يكن حرفُ إعرابه ألفًا، ولا واوًا، وَلا ياءً، نحو: رجل، وفرس.
والبخاري مجرَى الصحيح ما كان آخرُه ياء، أو واوًا قبلهما ساكنٌ، نحو: ظَبْي، ودَلْو؛ لأنه إذا سكن ما قبلهما، بَعُدَتَا عن شَبَهِ الألف، وجرتَا مجرى الصحيح في تحَمُّلِ حركاتِ الإعراب، فلذلك تقول: "هذا دَلْوِي، وظَبْيِي"، فتكسِر ما قبل ياء الإضافة، كما تكسر ما قبلها من الصحيح.
واعلم أنهم قد اختلفوا في هذه الكسرة، فذهب قوم إلى أنها حركةُ بناء، وليست إعرابًا؛ لأتها لم تحدُث بعامل، وإنّما حدوثُها عن علةِ، وهو وقوعُ ياءِ النفس بعدها، ولذلك لا تختلِف باختلافِ العوامل.
ألا تراك تقول: "جاء غلامي"، و"رأيت غلامي" و"مررت بغلامي"، فتختلف العواملُ في أوّله، ولا تختلف حركةُ حرفِ الإعراب، بل يلزم الكسرَ البتّةَ مع إمكانِ تحرُكه.
إلّا أن هذه الكسرة، وإن كانت بناءً، فهي عارضةٌ في الاسم، لوقوعِ الياء بعدها،
وليست الحركةُ فيها كالحركة في المبني بمُشابَهةِ الحروف، أو تضمُّنِ معناها، أو التي تحدث في الاسم بعد وجوب بناءه، وتلزمُ كالتي في "أَمْسِ"، و"هؤلاءِ".
ألا ترى أن البناء فيهما وجب لتضمُّنِ الحرَف، ثمّ عرض التحريكُ، لالتقاء الساكنَيْن.
والساكنان من كلمة واحدة لا ينفصِل أحدهما من الآخر، فصار مما يُثْبِت الكلمةَ على الحركة، فحركةُ الآخر كحركةِ أوّلها، وما هو حَشْوٌ فيها من جهةِ اللزوم والثَباتِ.
وإذا كانت عارضة، لم تَصِرِ الكلمةُ بها مبنيّة.
ونظيرُ ذلك حركةُ التقاء الساكنَين، نحو "لم يَقُم الرجلُ" و"لم تَذْهَب الجاريةُ"، فهذه الكسرةُ ليست إعرابًا، ألا ترى أنّ "لَمْ" لا تعمل الكسرةَ، وإنما عملُهاَ الجزمُ الذي هو سكونٌ مع أن الحركة لالتقاء الساكنَئن بناءٌ.
فالكلمةُ باقيةُ على إعرابها لكونها عارضةً، تزول عند زَوالِ الساكن.
فالكسرةُ هنا كالضمة في نحو: "لم يضربوا"، والفتحةِ في نحو "لم يضربا" في كونهما عارضتَين للواو والألِف.
وقد ذهب قومٌ إلى أن هذه الحركة لها حكمٌ بين حكمَيْن، وليست إعرابًا ولا بناءً.
أما كونُها غيرَ إعراب، فلأنّ الاسم يكون مرفوعًا، ومنصوبًا، وهي فيه، فدلّ على أنها غيرُ إعراب، وأما كونُها غيرَ بناء، فلأن الكلمة لم يُوجَدْ فيها شيءٌ من أسبابِ البناء.
وأسبابُ البناء مُشابَهة الحرف، نحو: "الذِي و"التِي" أو تضمُّنُ معنى الحرف، نحو: "أَيْنَ"، و"كَيْفَ"، أو وقوعه موقعَ الفعل المبني نحو "نَزَالِ"، و"تَرَاكِ".
فلما لم يُوجَد فيها شيءٌ من ذلك، دل على أنها معربةُ متمكِّنةٌ، إذ لم يعرِض فيها ما يُخْرِجها عن التمكن، ألا ترى أنه لا فَرْقَ بين قولك: "غلامِي"، وقولك: "غلامُكَ" و"غلامُهُ" في التمكن، واستحقاقِ الإعراب.
فكما أن "غلامه"، و"غلامك" معربان، فكذلك "غلامي" معربٌ.
والأولُ أقيسُ.
فإن كان الاسمُ المضاف معتَلا، فما كان آخِرُه ألفًا، فإنك إذا أضفتَه إلى ياء المتكلم أثبث الألف، وفتحتَ الياء، وذلك نحو قولك: "عَصَايَ"، و"هُدَايَ"، و"بُشرَايَ".
وإنّما فتحتَ الياء لسكونِ الألف قبلها، فلمّا وجب تحريكُها؛ كان تحريكُها بحركتها الأصلية أَوْلى من اجتلابِ حركة غريبة.
ومن العرب من يقلِب هذه الألفَ ياءً في الإضافة إلى ياء المتكلّم، فيقول: "هَوَيَّ"، و"عَصَىَّ"، و"هُدَيَّ".
وله وجهٌ صالحٌ في القياس، وذلك أنه لما كانت ياء المتكلم أبدًا بكسر الحرف الذي قبلها إذا كان حرفًا صحيحًا، نحو: "هذا غلامي"، و"رأيت غلامي"، و"مررت بغلامي"، وكانت الياء وَسِيلَةَ الكسرة في نحو: "أخيك"، و"أبيك"، وفي المتثنية والجمع من نحو: "الزيدَيْن"، و"الزيدِين"؛ وجب أن لا يقولوا: "رأيت عَصَايَ"، بإثبات الألف، كما لم يقولوا: "رأيت غُلامَيَ" بفتح الميم، فأبدلوا من
الألف ياء، كما أبدلوا من الفتحة كسرة، فقالوا: "هذه عَصَييَّ، وهُدَيَّ، كما قالوا: "صاحبِي"، و"غلامِي"، وهو كثير.
قال أبو ذُؤَيب الهُذَلِي [من الكامل]:
سَبَقُوا هَوَيَّ وأَعنَقُوا لِهَوَاهُمُ... فتُخُرمُوا ولكُل جَنب مَصْرَعُ
والشاهد فيه "هَوَيَّ"، والمرادُ: هَوايَ، فأبدل من الألف ياء، لوقوعها موقعَ كسرة، ولا يُمكِن الكسرةُ فيها.
يَرْثِي أَولادَه، وكان له عشرةُ أولادٍ، فماتوا، فقال: كنتُ أَهْوَى حياتَهم، فسبقوا هَوَيَّ، أي: انقرضوا كلُّهم.
ومن ذلك حديث طَلْحَةَ، رضي الله عنه، يومَ الجَمَل، حين قال له عَلِيٌّ كرم الله وجهَه: "عرفتَني بالحجاز، وأنكرتَني بالعِراق، فما عَدا مِمَّا 1 بَدَا؟ " فقال طلحةُ: بايَعْتُ واللُجُّ على قَفَى، أي مُكرَهًا.
واللُجّ: السيفُ.
يُشبه السيفَ لكثرةِ مائه وبَصِيصِه باللُجّ، وهو الماء الكثيرُ.
ويُحكى عن يُونُسَ النحوِيّ أنّه قال: "لئن مَكنَنِي الله من ثلاثة يومَ القيامةِ؛ لأحُجنهم، منهم آدَمُ، أقول: أنتَ خَلَقَك الله من تُراب، وأسكَنَك الجَنةَ بغيرِ عَمَل، ومَكنَك ممّا فيها من ثِمارٍ ونَعِيمٍ، ونَهَاك عن شجرة، فلِمَ خالفتَ، حتّى أوقعتَ بَنِيك في هذا العَناء والتعَب؟ والثاني يوسفُ الصديقُ، أقول: أنتَ فارقتَ أباك مُدَّة، وأنت بمِصْرَ، وهو بأرضِ كَنعانَ، بَينَكما مَسافة يَسِيرة، هَلاَّ كتبتَ إليه: إنني في عافِيَةٍ، وخقفتَ ما به.
والآخِرُ طَلْحَةُ والزبَيرُ، أقول لهما: أنْتُمَا بايَعْتما عَلِيًّا بالمَدِينة، وخَلَعْتماه بالكوفة، أي شيء أحدث لكما؟ وقد قُرىء ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ 2. ويروي قُطْرُبٌ [من الوافر]:
403 - يُطَوَّفُ بي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ... ويَطْعُنُ بالصُّمُلةِ في قَفَيا
فإن لم تَثْأراني من عِكَبٍّ... فلا رَوَّيتُمَا أَبَدًا صَدَيَّا3
الضمُلَّة: العَصَا.
والضمْلُ الضربُ بالعصا.
ومن قال هذا، لم يقل: "هذان غُلامَى"، فيقلِبَ ألفَ التثنية في الرفع ياء، كما قلبها في "عَصَيَّ" و"هُدَيَّ"، لئلّا يذهب الدلالة على الرفع.
فإن قيل: فأنتم تقولون في الصحيح: "هذا غلامِي"، و"رأيت غلامِي"، و"مررت بغلامِي"، فيزول عَلَم الإعراب، فهَلَّا أَجَزتم ذلك في التثنية.
قيل: الدليلُ يقتضي ثبوتَ الإعراب في الجميع للبيان، وإنّما خالفناه في الصحيح خَوْفًا على لفظةِ ياء الإضافة وانقلابِها.
ومع ألِف التثنية فقد أَمِنَّا تغييرَ الياء وانقلابَها، فكان لنا عن تغيير ألف التثنية وانقلابِها مَنْدُوحَةٌ.
قال: "وقالوا جميعًا: لَدَيَّ، ولَدَيْهِ، ولَدَيْكَ".
يعني العربَ، وذلك أن الذي يقلِب ألفَ "عَصًا"، و"رَحًى" إِنما هو بعضُ العرب، لا كلهم.
وكلُّ العرب تقلب ألفَ "لَدَى" إذا اتصل بالمضمر، سواءً كان المضمرُ متكلِّمًا، أو مخاطبًا، أو غائبًا، نحو: "لَدَيَّ"، و"لَدَيكَ" و"لَدَيه".
فعلوا ذلك تشبيهَا لها بالأدَوات، نحو: "عَلَى"، و"إلَى"، فكما قالوا: "عَلَىَّ"، و "إليَّ"، و"عَلَيْكَ"، و"إلَيْكَ" و"عَلَيْهِ"، و"إلَيْهِ"، كذلك قالوا: "لَدَيَّ"، و"لَدَيْكَ"، و"لَدَيهِ".
وإنّما قلبوا ألفَ "عَلَى" و"إلَى" تشبيهًا لها بالأفعال من جهةِ لزومها الأسماء، وعَمَلِها فيها.
فكما كانت الأفعال تنقلَب ألفاتِها عند اتصالِ ضميرِ الفاعل بها من نحو: "رَمَيْت" و"سَعَيت"، كذلك قلبوا ألفَ "على"، و"إلى"، فقالوا: "عليه"، و"إليه"؛ لأن المجرور يتنزل من الجارّ منزلةَ الفاعل من الفعل من جهةِ لزومِه له وافتقارِه إليه.
وخُصت ألفُ الأدوات بالياء دون الواو لوجهَيْن: أحدهما أنّ الياء أخف من الواو، والغرضُ انقلابُ الألف إلى أحدهما بحُكْمِ الشَّبَه، فكان قَلْبها إلى الأخف أوْلى.
الثاني: = للإطلاق، والجارّ والمجرور متعلقان بحال من "الصِملة".
"فإن": الفاء للاستئناف، "إن": حرف شرط جازم.
"لم": حرف جزم ونفي.
"تثأراني": فعل مضارع مجزوم بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والألف: ضمير متصل مبني في محلّ رفع فاعل، والنون للوقاية، والياء: ضمير متصل مبنى في محل نصب مفعول به.
"من عكب": جار ومجرور متعلقان بـ "تثأران".
"فلا": الفاء: رابطة لجوْاب الشرط، "لا": نافية.
"رويتما": فعل ماضٍ مبنى على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، و"تما": ضمير متصل مبني في محلّ رفع فاعل.
"أبْدًا" ظرف لاستغراق المستقبل، منصوب بالفتحة.
"صديا": مفعول به منصوب بالفتحة.
وجملة "يطوّف": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "يطعن": معطوفة عليها لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "تثأراني": جملة الشرط غير الظرفي لا محلّ لها من الإعراب.
وجملة "رويتما": جملة جواب شرط جازم مقترن بالفاء في محل جزم جواب الشرط.
وجملة فعل الشرط وجوابه استئنافية لا محل لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "قفيا" وأصلها قفايَ، فأبدل من الألف ياء، لوقوعها موقع كسرة، ودمج الياء مع ياء المتكلّم.
أن الغالب على الألف، إذا كانت لامًا، الياءُ، والغالبَ عليها، إذا كانت عينًا، الواوُ، فلذلك قُلبت إلى الياء.
وربما جاءت هذه الألفُ مع المضمر غيرَ منقلبةٍ على حدِّ مَجيئها مع الظاهر.
أنشد أبو زيد [من الرجز]:
1 - طَارُوا عَلاهُنَّ، فَطِرْ عَلَاهَا... واشدُدْ بِمَثْنَى حَقَبٍ حَقْوَاهَا
قال الجُرْجاني: إئما قلبوها مع الضمير ياء ساكنة، لِيدلوا بذلك على أنها أصلٌ، وليست منقلبة عن غيرها مما أصلُه الحركة، نحو الأفعال، مثل: "غَزَا" و"سَعَى"، فاعرفه.
قال: "وياء الإضافة مفتوحة".
يعني مع الألف لِما ذكرناه من التقاء الساكنَيْن.
فأما قِراءةُ نافع: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ (2) بسكون الياء، فهو غريب لخروجه عن القياس، وما عليه الجُمهورُ.
ووجهُ هذه القراءة اعتقادُ الوَقْف، فإنه في الوقف يجوز أن يُجمَع بين ساكنَيْن، فيكون الوقفُ كالساد مَسَدَّ الحركة؛ لأنّ الوقف على الحرف يَزيد في صوته مع أنه استغنى بأحد الشرطَيْن، وهو المدُّ الذي في الألف، والشرطان المَرْعِيان في الجمع بين ساكنَين، أن يكون الساكنُ الأوَّل حرفَ مدّ ولِين، والثاني مُدغَمًا، كـ "الدابة" و"شَابه"، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: وأما الياء فلا تخلو من أن ينفتح ما قبلها كياء التثنية وياء "الأشقين" و"المصطفين" و"المرامين" و"المعلين" أو ينكسر كياء الجمع.
والواو لا تخلو من أن ينفتح ما قبلها, كـ"الأشقون" وأخواته أو ينضم كـ"المسلمون" و"المصطفون".
فما انفتح ما قبله من ذلك فمدغم في ياء المتكلم ياء ساكنة بين مفتوحين، وما انكسر ما قبله من ذلك أو انضم؛ فمدغم فيها ياء ساكنة بين مكسور ومفتوح.
قال الشارح: إذا كان آخِرُ الاسم ياء قبلها مفتوحُ، كياء التثنية، نحو: "غُلاَمَيْنِ"، و"مُسْلِمَيْنِ"، ونحو ياء جمع المقصورِ، كـ "الأشقَيْنَ" و"المُصْطَفَينَ"، و"المُرامَيْنَ"، و"المُعَليْنَ".
فالأَشْقَيْنَ: جمع الأشقَى، والمصطفَيْنَ: جمعُ المصطفَى، والمرامَيْنَ: جمعُ المرامَى، والمُعَليْنَ: جمعُ المُعَلى.
فما كان من ذلك، وأضيف إلى ياء النفس، فإن نونه تُحذف للإضافة، ثم يُدغَم في ياء الإضافة، فتقول: "رأيتُ غلامي، وصاحبَى"، وتقول: "هؤلاء مصطفَى، وأَشْقَى"، فتحصُل الياء بين فتحتَيْن: فتحة ما قبل الياء، وفتحةِ ياء النفس.
فإن كان الآخِرُ من المضاف ياء مكسورًا ما قبلها بأن يكون الاسم منقوصًا، نحو: "قاضٍ"، و"داع"، أو ياء جمع السلامة، نحو: "مسلمِينَ" و"صالِحينَ"، فإنّ المنقوص تُدْغم ياؤه في ياء الإضافة مفتوحة، نحو: "قاضِى"، و"داعِى".
تُشدَّد الياء لأجل الادّغام، وتُفتح ياء النفس لسكونِ الياء المدّغمة، فتحصُل الياء المدغمةُ بين كسرةِ ما قبل الياء، وفتحةِ ياء النفس.
فإن كان المضاف جمعًا؛ فإن ياء الجمع تُدغم في ياء النفس بعد حذف النون، ولا تكون ياء الإضافة إلّا مفتوحة، نحو: "رأيتُ مسلمِى وصالِحى".
فإن كان آخِرُ الاسم المضافِ واوًا، فإنك تقلِب الواو ياء، وتَدغِمها في ياء الإضافة، سواءَ كان ما قبلها مفتوحًا، كـ "الأشقَوْنَ" وأخواته ممّا هو جمعُ سلامةِ المقصورِ، نحو "المُعَلونَ"، و"الأعلَوْنَ"، أو مضموما، نحو: "المسلمُونَ"، و"المُصْطَفُونَ" في جمع "مُصْطَفٍ"، وهو اسمُ فاعل من "اصْطَفَى يَصْطَفِي" فالفاعلُ مُصْطَفٍ، وجمعُه مُصْطَفُونَ، بضم الفاء.
والأصلُ: مُصْطَفِيُونَ، استُثقلت الضمة على الياء المكسورِ ما قبلها، فحُذفت ثمّ حُذفت الياء لسكونها، وسكونِ واو الجمع بعدها، ثم ضَمُّوا الفاء لِتصحّ الواوُ، كما قالوا: "غَازُونَ"، و"قَاضونَ".
وتقول في الإضافة: "هؤلاء أَشْقَى، ومُعَلى، ومصطفَىَّ"، فتقلِب الواوَ ياء، وتَدغِمها في ياء النفس، فتصير الياء المنقلِبةُ عن الواو بين فتحتَيْن.
وكذلك تقول في الواو المضموم ما قبلها: "هؤلاء مسلمِى، ومصطفِى".
وأصلُه: مسلمُويَ ومصطفويَ، فخذفت النون لَلإضافة، وقُلبت الواو ياء لاجتماعها مع ياء النفس ساكنة على حَد "شَوَيْتُ
شَيّا، ولَوَيْتُ لَيًّا"، وأُدغمتْ في ياء الإضافة، فحصلت الياء المنقلبةُ هنا بين الكسرة المُبدَلة من الضمة، وفتحة ياء النفس.
وإنّما أبدل من الضمة هنا كسرةٌ، لأنّ الواو هنا جُعلت مَدّةَ حركةِ ما قبلها من جنسها، وكان القياس في ياء التثنية أن تكون كذلك، إِلأ أنهم فتحوا ما قبلها للفَرْق بينها وبين ياء الجمع.
فلما وجب قلبُ الواو ياء؛ أُبدل أيضًا من الضمّة كسرة، لتُناسِبَها، ولئلا يُخرَج عن المَد.
وإن شئت أن تقول: إِنّ الواو هنا في موضع كسرة لمكانِ ياء النفس بعدها، إذ ياء النفس لا يكون ما قبلها إلّا مكسورًا، والياء وَسِيلةُ الكسرة على ما تقدّم، فقُلبت الواو ياء، كما تُقلب الضقة كسرةً في "هذا غلامي".
فإن قيل: يلزم من ذلك قلبُ الألف ياءً في التثنية، إذا أضفتها إلى ياء النفس، ولا مُبالاة بالإعراب كما أبدلتم من الواو ياء، ولم تُبالوا بالإعراب في قولك: "هذان غلامَايَ"؛ لأنها في موضع كسرة.
قيل: الواوُ أقربُ إلى الياء من الألف إلى الياء، ألا ترى أنهما تَتفِقان في الرِّدْف، وتنفرِد الألفُ بالتأسيس، فلقُرْب ما بين الواو والياء اجتذبتْها الياء مع كونها في موضع كسرة، ولبُعْدِ ما بين الألف والياء، لم يَقوَ السببُ على قَلبها مع وجود المانع، وهو زَوال الدلالة على الإِعراب.
فإن قيل: إذا زعمتم أن ياء الجمع، أو واو الجمع، إذا أضيف إلى ياء النفس، فإن الياء لا تكون إلّا مفتوحة، فما وجهُ القراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ (1)، قيل: هذه قراءة حَمْزَةَ والأعْمَشِ (2)، وهي قليلةُ النظير جدًّا، على أنها ليست في البُعد من القياس بالمكان الذي تُعْزَى إليه، وذلك أن الإسكان في ياء النفس لما كثُر، صار كالأصل.
فلمّا تقدّم ساكنٌ؛ حرّكوها بالكسرة لالتقاء الساكنَين، لِيدلّوا بذلك أن الحركة لالتقاء الساكنين، لا للبناء، فلم يُراعوا أصلَ حرفِ اللين فاعرفه.