فصل [الاستفهام بـ "أيّ" عن نكرة في وصل]
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن يعيش
- الكتاب
- شرح المفصل للزمخشري
- المؤلف
- يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال صاحب الكتاب: وإذا استفهم بها عن نكرة في وصل, قيل لمن يقول: "جاءني رجل": "أي؟ " بالرفع، ولمن يقول: "رأيت رجلاً": "أياً؟ " ولمن يقول: "مررت برجل": "أي؟ " وفي التثنية والجمع في الأحوال الثلاث, "أيان؟ " و"أيون؟ " و"أيينِ؟ " و"أيينَ؟ " وفي المؤنث "أيةٌ؟ " وأما في الوقف, فإسقاط التنوين وتسكين النون.
سبيلُ "أي" في الاستثبات سبيلُ "مَنْ"، وكان الأصلُ إذا قال القائل: "رأيت رجلًا"، أن تقول: "أي الرجلُ؟ " لأنّ النكرة إذا أُعيدت، عُرّفت بالألف واللام؛ لأنّها تصير معهودة بتقديم ذكرها، فاقتصروا على "أي"، وأعربوه بإعرابِ الاسم المتقدّم، وحكوا إعرابَه، وتثنيتَه، وجمعَه إن كان مثنى، أو مجموعًا، ليُعْلِموا بذلك أنه المقصود دون غيره.
فإذا قال: "جاءني رجل" قلت: "أي؟ " وإذا قال: "رأيت رجلًا"، قلت: "أيا؟ " وإذا قال: "مررت برجلٍ"، قلت: "أي؟ " وإذا قال: "جاءني رجلان" قلت: "أيانِ؟ " وفي النصب والجرّ: "أَيينِ؟ " وإذا قال: "رجال"، قلت: "أيُّونَ؟ " وفي النصب والجرّ:123
"أيينَ؟ " وإذا قال: "جاءتْني امرأة"، قلت: "أيةٌ؟ " وإذا قال: "امرأتان"، أو"امرأتَيْنِ"، قلت: "أيتَانِ؟ " أو"أيتَيْنِ؟ " وإن قال: "جاءني نساءٌ"، قلت: "أيَّاتٌ؟ " وكان ذلك أخصرَ وأوجزَ من أن يأتوا بزيادةِ الألف واللام والجملةِ بأسرها مع حصولِ المقصود بدُونها.
وربما وقع عند ظهور الخبر بالألف واللام في الخبر لبسٌ بأن المذكور معهود غيرُ الأوّل.
قال أبو العبّاس المبرد: لو ذكرتَ الخبر، وأظهرتَه، لم تكن "أيٌّ" إلَّا مرفوعة، نحوَ قولك: "أي مَن ذكرتَ؟ " أو"أي هؤلاء؟ " ولم تحسن الحكايةُ؛ لأنّ الخبر إذا ظهر، عُلم أن المتقدِّم مبتدأ، فقبُح مخالَفةُ ما يقتضيه إعرابُ المبتدأ.
ألا ترى أنّهم قد أجازوا الحكايةَ بـ "مَنْ" في العَلَم، فقالوا في جواب من قال: "رأيت زيدًا": "مَن زيدًا؟ " لعدمِ ظهور الإعراب في "مَنْ".
ولم يفعلوا ذلك مَع "أي"، لظهور الإعراب فيها، فاستقبحوا مخالَفةَ ما يقتضيه ظاهرُ اللفظ، وكذلك ورد عنهم: "إِنّهم أجمعون ذاهبون"، برفعِ "أجمعين" على الموضع، لما لم يظهر في المكنِي الإعرابُ، ولم يُجيزوا: "إنّ القومَ أجمعون ذاهبون" على الموضع، لظهور الإعراب في "القوم".
واعلم أنّ "أيا" لما كانت مخالِفةَ لـ"مَنْ" من جهةِ أنّ "أيا" معربةٌ، و"مَنْ" مبنيّة، كان ما يلحق "أيا" إعرابًا يثبت وصلًا، ويُحذَف وقفًا، ويُبدَل في الوقف من تنوينه في النصب ألفٌ.
ولمّا كانت "مَنْ" مبنيّةٌ، لم يكن ما يلحقها إعرابًا، وإنّما هو علاماتٌ ودلالاتٌ على المسؤول عنه، ولذلك كان بابُه الوقفَ، ويُحذف في الوصل، فاعرفه.
قال صاحب الكتاب: ومحله الرفع على الإبتداء في هذه الأحوال كلها وما في لفظه من الرفع والنصب والجر حكاية وكذلك قولك: "من زيدٌ؟ " و"من زيداً؟ " و"من زيدٍ؟ " "من" والاسم بعده مرفوعًا المحل, مبتدأ وخبراً.
ويجوز إفراده على كل حال, وأن يقال: "أياً؟ " لمن قال: "رأيت رجلين" أو"أمرأتين" أو "رجالاً" أو "نساءً"، ويقال في المعرفة إذا قال: "رأيت عبد الله", "أي عبد الله؟ " لا غير.
قال الشارح: اعلم أنّك إذا حكيت، وقلت "أيا؟ " في جواب "رأيتُ رجلًا"، فـ "أيا" في محل مرفوع بالابتداء، والخبرُ محذوف، والتقديرُ: إلا مَن ذَكرتَ؟ أو أيا المذكور؟ ويجوز أن يكون خبرَ ابتداء، والمحذوفُ هو المبتدأ، والنصبُ في لفظه على حكايةِ إعرابِ الاسم المتقدّم.
كما أنّك إذا حكيتَ بـ "مَنْ" عن العَلَم، فقلت في جوابِ من قال: "رأيت زيدًا": "مَن زيدًا؟ " يكون "زيدًا" في موضعِ رفع بأنّه خبرُ المبتدأ، وإن كان منصوبًا على الحكاية.
كذلك إذا قلت: "أيا؟ " كان في موضعِ مرفوع، وإن كان منصوبًا في اللفظ على الحكاية، وكذلك الجرُّ إذا قلت: "أي؟ " في جوابِ "مررت برجلٍ" في موضعِ رفع
بالابتداء، وخفضُه حكايةُ إعراب الاسم المتقدّم.
وإذا قيل: "جاءني رجلٌ"، قلت "أيّ؟ " فرفعت فالرفعُ على الحكاية؛ لأنك إنما تستفهم عمّا وضع المتكلّمُ كلامَه عليه، وليس الرفع الذي يُوجِبه الابتداءُ، إنما هو في محلِّ مبتدأ.
ويجوز أن يُقال "أيًا؟ " لِمَن قال: "رأيت رجلَيْن أو امرأتَيْن أو رجالًا أو نساءً"، فتُفْرِدها مع الاثنين والجماعة، وتُذكِّرها مع المؤنّث؛ لأنّ لفظَ "أي" يجوز أن يقع للاثنين والجماعة على لفظ الواحد، ويقع على المؤنث بلفظِ المذكّر، كما كانت "مَنْ" كذلك.
فإذا استثبتَ بـ "أي" عن معرفة، لم يكن بد من الإتيان بالخبر، وبطلت الحكايةُ، فإذا قال "جاءني عبدُ الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ "، وإذا قال: "رأيت عبد الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ "، وإذا قال: "مررت بعبد الله"، قلت: "أيّ عبدُ الله؟ " بالرفع لا غيرُ.
لم يكتفوا في المعرفة إلَّا بذكرِ الاسم والخبر، وفصلوا بين المعرفة والنكرة لاختلافِ حالَيْهما في السؤال.
وذلك أن السؤال في النكرة، إنّما هو عن ذاتها، وفي المعرفهَ إنما هو عن صفتها.
فإذا سألت عن منكورٍ، فإنما سألت عن شائع في الجنس، لِيخُصه لك باللقب أو بغيره من المُعرِّفات، وإذا سألت عن معرفة، فإنّما سألت عن معروفٍ وقع فيه اشتراك عارض، فأردت أن يخُصّه لك بالنعت، فإذا قال: "جاءني عبد الله"، قلت: "أيٌّ عبدُ الله؟ " فالجوابُ: "الطويلُ"، أو"العالمُ"، ونحوهما من الصفات المميزة ممّن له مثلُ اسمه، فلما كان الجوابُ بالنعت، لم يكن بد من ذكرِ المنعوت، فاعرفه.