شرح المفصل لابن يعيشفصل [نصب المضارع بـ"أنْ" مضمرة]

فصل [نصب المضارع بـ"أنْ" مضمرة]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: وينتصب بـ "أن" المضمرة بعد خمسة أحرف وهي: "حتى"، واللام، و"أو" بمعنى "إلى"، وواو الجمع، والفاء، في جواب الأشياء الستة الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض.
وذلك قولك: "سرت حتى أدخلها"، وجئتك لتكرمني، ولألزمنك أو تعطيني حقي، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن، وإيتني فأكرمك، و ﴿ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾ 2، و"ماتأتينا فتحدثنا"، و ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا﴾ 3, و ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز﴾ 4, و"ألا تنزل فتصيب خيراً".
1 = الإعراب: "فلا": الفاء: بحسب ما قبلها، "لا": حرف نفي.
"والله": جار ومجرور متعلّقان بفعل القسم المحذوف.
"لا": حرف نفي.
"يلفى": فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمّة مقدرة على الألف.
"لما": جار ومجرور متعلقان بـ"يلفى".
"بي": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صلة الموصول المقدر بـ"استقر".
"ولا": الواو: حرف عطف، "لا": حرف نفي.
"للما": اللام الأولى: حرف جرّ، واللام الثانية: توكيد لفظي للأولى.
"ما": اسم موصول مبني في محل جرّ بحرف الجرّ.
"بهم": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صلة الموصول المقدر بـ"استقر".
"أبدًا": ظرف زمان منصوب، متعلق بـ"يلفى": "دواء": نائب فاعل مرفوع.
وجملة "والله": ابتدائية.
وجملة "لا يلفى": جواب القسم، وجملة "استقر بي" المحذوفة: صلة الموصول.
وجملة "استقر بهم": مثلها.
والشاهد فيه قوله: "للما بي" حيث أكد الشاعر اللام الجارّة، وهي حرف جوابي، توكيدًا لفظيًا، فأعاده بنفس لفظها الأول من غير أن يفصل بين المؤكد والتوكيد.
والتوكيد على هذا الشكل شاذّ.

قال الشارح: اعلم أن الفعل ينتصب بعد هذه الأحرف التي ذكرها، وهي خمسة، منها اثنان من حروف الجرّ، وثلاثة من حروف العطف، وهما "حَتَّى"، واللام، وذلك قولك: "سرت حتى أدخلَها"، و"جئتك لتكرمَني"، فالفعل بعد هذه الحروف ينتصب بإضمار "أنْ" لا بها نفسها.
فإن قيل: ولِمَ قلتم: إن "أن" مقدّرة بعد هذه الحروف، ولم تكن مقدّرة بعد "إذَنْ"، و"لَن"، و"كَيْ"؟ قيل: إن "إذن"، و"لن"، و"كي" في أحد وجهَيْها تلزم الأفعالَ، وتُحْدِث فيها معانِيَ، فصارت كـ"أنْ" في لزومها الفعلَ، فحُملت عليها، وعملت عملها لمشارَكتها إيّاها على ما وصفنا؛ فأما اللام و"حَتَّى"، فهما حرفا جرّ، وعواملُ الأسماء لا تعمل في الأفعال، فإذا وُجد الفعل بعدهما منصوبًا، كان بغيرهما.
فإذا قدّرتَ "أنْ" صارت اللام، و"حتى"، عاملتَيْن في اسم على أصلهما، لأنّ "أن" والفعل في تأويل الاسم.
وإنما ساغ حذفُ "أن" والنصب بهما, لأنّ "حتى"، واللام صارتا عوضين منها، فكانت كالموجودة لوجود العوض منها.
وقال الكوفيون 1: النصب في قولك: "جئتُ لأكرمَك"، و"سرت حتى أدخلَ المدينة"، إنما هو باللام، و"حتى"، فاللامُ هي الناصبة لـ"أكرمك"، وهي بمنزلةِ "أن"، وليست هي لام الخفض التي في الأسماء، ولكنها لام تفيد الشرطَ، وتستعمل على معنى "كَيْ".
وإذا أتت اللام مع "كَيْ"؛ فالنصب باللام، و"كي"، مؤكِّدة لها.
وإذا انفردت "كي"، فالعمل بها، وإن جاءت "أنْ" مظهرةً بعد "كَي"، فهو جائز عندهم، وصحيح أن يُقال: "جئتك لكي أن تكرمني"، ولا موضع لـ"أن", لأنها توكيد لـ"كَيْ" كما أكدتْها في قوله [من الطويل]: 965 - أردتُ لِكَيْمَا أن تَطِيرَ بِقرْبتي... وتَتْرُكَها شَنَّا ببَيداءَ بَلْقَعِ2

ولذلك أجازوا ظهورها بعد "حتى" كظهورها بعد "كي"، والنصبُ عندهم بـ"حتى" كالنصب بـ"أنْ"، فإذا قلت: "لأسِيرَنَّ حتى أن أُصَبِّحَ القادِسيَّةَ"، فهو جائز، والنصب بـ "حتى"، و"أنْ"، توكيد لـ"حتى" كما كانت توكيدًا لـ"كي".
وقال ثعلب قولاً خالف فيه أصحابَه والبصريين، وذلك أنه قال في "جئت لأكرمك"، و"سرت حتى أدخل المدينة": إن المستقبل منصوب باللام و"حتى"، لقيامهما مقام "أنْ "، فخالف أصحابَه, لأنهم يقولون: إن النصب بهما بطريق الأصالة، ولم يوافق البصريين, لأنه يقول: إن النصب بهما لا بمضمر بعدهما.
وما احتجّ به الكوفيون أنهم قالوا: لو كانت اللام الداخلة على الفعل هي اللامَ الخافضةَ، لجاز أن تقول: "أمرتُ بِتُكْرِمَ" على معنَى "أمرت بأن تكرم"، والجواب أن حروف الجرّ لا تتساوى في ذلك, لأنّ اللام قد تدخل على المصادر التي هي أغراض الفاعلين في أفعالهم، وهي شاملة، يجوز أن يسأل بها عن كل فعل، فيقال: "لِمَ فعلت"؟ فيقال: لـ"كذا"؛ لأنّ لكل فاعل غرضًا في فعله، وباللام يخبر عن جميعِ ذلك، و"كَيْ"، و"حَتَّى" في معناها، فكأنها دخلت على "أنْ" والفعل, لأنهما مصدر لإفادةِ "أَنْ" ذلك الغرضَ من إيقاع الفعل المتقدّم، ثم حُذفت "أنْ" تخفيفًا، فصارت هذه الحروف كالعوض منها، ولذلك لا يجوز ظهورُها، وليس ذلك بأوّلِ ما حذف لكثرة الاستعمال.
فإن قيل: ولِمَ كانت "أنْ" أوْلى بالإضمار من سائر الحروف؟ قيل: لأمرَيْن: أحدهما: إن "أنْ" هي الأصل في العمل، لِما ذكرناه من شَبَهها بـ"أن" المشدّدة، فوجب أن يكون المضمر "أنْ" لقوّتها في بابها، وأن يكون ما حُمل عليها يلزم موضعًا واحدًا، ولا يتصرّف.
والأمر الآخر: أن لها من القوّة والتصرْف ما ليس لغيرها، ألا ترى أنّ "أنْ" يليها الماضي والمستقبل بخلاف أخواتها، فإنّها لا يليها إلَّا المستقبل؟ فلمّا كان لها من التصرّف ما ذُكر، جُعلت لها مزيّة على أخواتها بالإضمار، فاعرفه.
= وجوبًا تقديره: أنت، والمصدر المؤول من "أن" وما بعدها في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بـ"أردت".
"بقربتي": جار ومجرور متعلّقان بـ"تطير"، وهو مضاف، والياء: ضمير في محلّ جرّ بالإضافة.
"وتتركها": الواو: حرف عطف، "تتركها": فعل مضارع منصوب، لأنه معطوف على "تطير"، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، و"ها": ضمير في محلّ نصب مفعول به.
"شنا": مفعول به ثانٍ منصوب.
"ببيداء": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف نعت "شنَّا".
"بلقع": نعت "بيداء" مجرور بالكسرة.
وجملة "أردت": ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
وجملة "تتركها": معطوفة على جملة "تطير".
والشاهد فيه قوله: "لكيما أنْ" حيث ظهرت "أن" بعد "كي" ضرورة.
وقيل: إن "أن" زائدة.
وقيل غير ذلك.

وأمّا "حتى"، فإذا نصبت الفعل بعدها؛ فهي فيه حرف جرّ على ما ذكرنا، فإذا قلت: "سرت حتى أدخلَها"، فالفعل منتصب بـ"أنْ" مضمرة، و"أنْ" والفعل في تأويل مصدر، والمصدرُ في محل مخفوض بـ "حتى"، و"حتى" وما بعدها من المصدر في موضع نصب بالفعل، كما أن الجار والمجرور كذلك في قولك: "مررت يزيد"، و"نزلت على عمرو".
ولها في النصب معنيان: أحدهما: أن تكون غاية بمعنَى "إلى أن"، والمراد بالغاية أن يكون ما قبلها من الفعل متصلًا بها حتى يقع الفعل الذي بعدها في منتهاه، كقولك: "سرت حتى أدخلَها"، فيكون السير والدخول جميعًا، قد وقعا، كأنك قلت: "سرت إلى دخولها"، فالدخولُ غاية لسيرك، والسير هو الذي يؤدّي إلى الدخول، ومنه قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ 1 بالنصب، أي: زلزلوا إلى أن قال الرسول.
والثاني: أن تكون بمعنى "كَيْ"، فيكون الفعل الأوّل في زمان، والثاني في زمان آخر غيرَ متصل بالأوّل، وذلك نحو قولك: "كلّمتُه حتى يأمرَ لي بشيء"، والمراد: كلمته كي يأمر لي بشيء، وكذلك "أسلمتُ حتى أدخلَ الجنّة".
ولـ"حَتَّى" مواضع أخر قد ذُكر بعضها في العطف، وسيذكر الباقي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وأمّا اللام، فهي من حروف الجرّ، ومعناها الغرض، وأن ما قبلها من الفعل علّةٌ لوجود الفعل بعدها، كما كانت "كي" كذلك، وقد تقدّم الكلام عليها.
وأمّا حروف العطف، فـ"أوْ"، و"الواو"، و"الفاء"، فهذه الحروف أيضًا ينتصب الفعل بعدها بإضمار "أنْ"، وليست هي الناصبة عند سيبويه 2، وذلك من قبل أنها حروف عطف، وحروف العطف تدخل على الأسماء والأفعال.
وكلُّ حرف يدخل على الأسماء والأفعال لا يعمل في أحدهما، فلذلك وجب أن يقدّر "أنْ" بعدها ليصحّ نصب الفعل، إذ كانت هذه الحروف ممّا لا يجوز أن يعمل في الأفعال.
وذهب الجرميّ إلى أنها هي الناصبة بأنفسها، وذهب الفرّاء من الكوفيين إلى أن النصب في هذه الأفعال لا بهذه الحروف بل هي منتصبة على الخلاف, لأنها عطفت ما بعدها على غيرِ شَكْله، وذلك أنه لمّا قال: "لا تَظْلِمْني فتَنْدَمَ"، دخل النهي على الظلم، ولم يدخل على الندم.
فحين عطفت فعلاً على فعل لا يشاكله في معناه، ولا يدخل عليه حرف النهي كما دخل على الذي قبله، استحقّ النصبَ بالخلاف، كما استحق ذلك الاسمُ المعطوفُ على ما لا يشاكله في قولهم: "لو تُرِكْتَ والأسدَ لأكَلَك".
قال: وذلك من قبل أن الأفعال فروع للأسماء، فإذا كان الخلاف في الأصل ناصبًا، وجب أن يكون في الفرع كذلك.
والخلاف الموجب للنصب في الأسماء عندهم في

أشياء، منها نصبُ الظروف بعد الأسماء، نحوُ: "زيدٌ عندَك"، و"زيدٌ خلفَك".
لمّا خالفتْ هذه الظروفُ ما قبلها، نُصِبَتْ على الخلاف.
والمذهبُ الأول؛ فأما قول الجرميّ إنها هي الناصبة، فقد أبطله المبرّد بأنّها لو كانت ناصبة بأنفسها؛ لكانت كـ "أن"، وكان يجوز أن تدخل عليها حروف العطف كما تدخل على "أنْ"، فكان يلزم أن يجوز عنده أن يُقال: "ما أنت بصاحبي فأُحدِّثَك، وفأُكرِمَك" لأنّ الفاء هي الناصبة، وكان يجوز أن يُقال: "لا تأكلِ السَّمَكَ وتشربَ اللبنَ" لأنّ الواو هي الناصبة، ألا ترى أن الواو في القَسَم، لما كانت هي العاملة للخفض مكان الباء، ساغ دخول حرف العطف عليها، وجاز أن يُقال: "والله ووالله".
ولمّا كانت واوُ "رُبَّ" أصلها العطفُ، لم يجز دخول حرف العطف عليها، فلا يقال في مثلِ [من الرجز]: وبَلْدَةٍ ليس لها أنِيسُ 1 "ووبلدة".
كذلك ها هنا، لو كانت هذه الحروف هي الناصبة أنفسها؛ لجاز دخول حرف العطف عليها، كما جاز دخوله على واو القسم.
ولمّا امتنع منها ذلك، دلّ على أن أصلها العطف كواو "رُبَّ".
وبذلك احتجّ سيبويه في دفع هذه المقالة.
فأمَّا "أوْ" فأصلها العطف حيث كانت، وتستعمل في النصب على وجهين: أحدهما: أن يتقدّم فعل منصوبٌ بناصبٍ من الحروف، ثمّ يعطف عليه بـ"أوْ"، كما يعطف بسائر الحروف، وذلك نحوُ: "مدحتُ الأميرَ كي يَهَبَ لي دينارًا، أو يحملَني على دابّةٍ"، ومعناها أحد الشيئين.
وهذا الوجه يقع فيه المرفوع والمجزوم إذا تقدّم مرفوع أو مجزوم، وليس بحَتم أن يقع فيه منصوب، فتقول في المرفوع: "أنا أكرمُك، أو أخرجُ"، وتقول في المجزوم "لِيَخْرُجْ زيد إلى البصرة أو يُقِمْ في مكانه".
والوجهُ الآخر ما نحن بصدده، وهو أن يُخالِف ما بعدها ما قبلها، ويكون معناها "إلَّا أنْ".
والفرق بين هذا الوجه والأول أن الأول لا تعلُّقَ فيه بين ما قبل "أوْ" وبين ما بعدها، وإنما هي لأحد الأمرَين، وليس بينهما ملابسة، إنما هو إخبارٌ بوجود أحدهما، ألا ترى أنه لا ملابسة بين قوله ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾ 2 وبين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ 3، فهو كعطف الاسم على الاسم بـ"أوْ"، نحوِ قولك: "جاءَني زيدٌ أو عمرٌو".
والوجه الثاني: أَنْ يكون الفعل الأول كالعامّ في كلِّ زمان، والثاني كالمُخْرِج له عن عمومه، ألا ترى أنك إذا قلت: "لألْزَمَنَّك" أن ذلك عامّ في كلّ الأزمنة، فإذا قلت: "أو

تقضيَني حَقي"؛ فقد أخرجت بعض الأزمنة المستقبلة من ذلك، وجعلته ممتدا في جميع الأوقات سوى وقت القضاء، ففي الأوّل كان مطلقًا، وبالثاني صار مقيَّدًا، وهو في الوجه الأوّل عطف ظاهر، وفي الثاني عطف متأوَّل, لأنك في الأوّل تعطف ما بعدها على ما قبلها، وتُشرِكه في إعرابه وظاهرِ معناه.
والنصبُ بعد "أوْ" هذه ليس بإضمارِ "أنْ"، إنما هو بالناصب الذي نصب ما قبلها، ثمّ عُطف عليه بحرف العطف المُشرِك بينهما في العامل، وأمّا العطف المتأوَّل فنحو: "لألزمنّك، أو تُعْطِيَنِي حقّي"، فهذا لا يريد فيه العطف الظاهر, لأنه لم يُرِد إيجاب أحدهما، إنما يريد إيجاب اللزوم ممتدًّا إلى وقت الإعطاء، فلمّا لم يرد فيه العطف الظاهر، تأوَّلوه بـ"أن"، وتَوهموا المصدرَ في الأوّل؛ لأنّ الفعل يدلّ على المصدر، ونصبوا الثاني بإضمارِ "أنْ", لأن "أنْ" والفعل مصدرٌ، وصارت "أوْ" قد عطفت مصدرا في التأويل على مصدر في التأويل، ولذلك لا يجوز إظهار "أنْ"، لئلا يصير المصدر ملفوظًا به، فيؤدّي إلى عطف اسم على فعل، وذلك لا يجوز.
ومما يؤكّد عندك الفرق بينهما أنك إذا قلت: "ستُكلِّم زيدًا، أو يَقْضِيَ حاجتَك"، فتنصب "يقضي" على معنى: "إلَّا أنْ يقضي"، فقد جعلت قضاء حاجتك سببًا لكلامه.
وإذا عطفت، فإنّما تُخبِر بأنه سيقع أحد الأمرين من غير أن يدخله هذا المعنى، ويوضِح ذلك لك أن الفعلين اللذَيْن في العطف نظيران، أيهما شئت قدّمته فيصحّ به المعنى، فتقول: "سيقضي حاجتَك زيدٌ أو تكلّمه"، إذا عطفت، فأيّهما قدّمت كان المعنى واحدًا، وإذا نصبت اختلف المعنى، فدل على السبب كما بيّنت لك، ولا يصحّ على هذا "سيقضي حاجتك زيدٌ أو تكلِّمَه"، إلَّا أن تريد أن تجعل الكلام سببًا لإبطال قضاء حاجته، فيجوز حينئذ كأنّه يكره كلامَه، فهو يقضي حاجته إن سكت، وإن كلّمه، لم يقضها.
فإن قيل: وأيُّ مناسبة بين "أوْ" و"إلَّا أنْ" حتى كانت في معناها؟ قيل: بينهما مناسبة ظاهرة، وهو العدول عن ما أوجبه اللفظ الأوَّل، وذلك أنّا إذا قلنا: "جاءني القومُ إلَّا زيدًا"، فاللفظ الأول قد أوجب دخول "زيد" فيما دخل فيه القوم؛ لأنه منهم، فإذا قلت: "إلَّا"، فقد أبطلت ما أوجبه الأوّل، وإذا قلت: "جاءني زيد أو عمرو"، فقد أوجبت المجيء لزيد في اللفظ قبل دخول "أوْ".
فلمّا دخلت، بطل ذلك الوجوبُ، ولأجل هذه المخالفة احتيج إلى تقدير الفعل الأوّل مصدرًا، وعطفِ الثاني عليه على التقدير الذي مضى.
ومن النحويين من يقدّر "أوْ" هذه بـ"إلَى"، ويجعل ما بعد "أوْ" غايةً لما قبلها، وإيّاه اختار صاحب هذا الكتاب.
والوجه الأوّل، وهو اختيار سيبويه 1, لأنّ قوله: "لألزمنّك" يقتضي التأبيد في جميع الأوقات، فوجب أن يُستثنى الوقت الذي يقع

فيه انتهاؤُه، فلذلك قدّروه بـ"إلَّا"، فيكون المعنى أن الفعل الأول يقع، ثمّ يرتفع بوجود الفعل الواقع بعد "أوْ"، فيكون سببًا لارتفاعه، وعلى قِيلهم يكون ممتدًا إلى غاية وقوع الثاني، فمن ذلك قول امرئ القيس [من الطويل]: 1 - فقلتُ له لا تَبْكِ عَيْنُك إنّما... نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فنُعْذَرَا والقوافي منصوبة، والتقدير فيه ما قدمناه.
ولو رفع، لجاز على تقديرَيْن: أحدهما على الوجه الأول، وهو أن يكون معطوفًا على "نحاول"، أو يكون مستأنَفًا، كأنه قال: "أو نحن نموتُ، فنُعْذَرُ".
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (2) بالرفع على الاشتراك بين الثاني والأوّل، أو على الاستئناف، كأنه قال: "أو هم يسلمون".
وقد وُجد في بعض المصاحف، "أو يُسْلِمُوا" بحذف النون للنصب على الوجه الثاني.
والفرقُ بينهما أن مَن رفع كان المراد أن الواقع أحد الأمرين: إمّا القتال، وإمّا الإِسلام، وعلى الوجه الثاني يجوز أن يقع القتال، ثمّ يرتفع بالإِسلام.
وأمّا الواو، فتنصب الأفعالَ المستقبلةَ إذا كانت بمعنى الجمع، نحوَ قولهم: "لا

تأكلِ السمك وتشربَ اللبن" أي: لا تجمعْ بينهما، ومنه قول الأخْطَل [من الكامل]: 1 - لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأتِيَ مِثْلَه... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ فالمراد: لا تجمعْ بين أكل السمك وشربِ اللبن، ولا تجمع بين نَهْيك عن شيء وإتيانك مثلَه، والنصب في ذلك كله بإضمار "أنْ" بعد الواو عندنا، كما كان بعد "أوْ"، وحملِه على الفعل الأول، ألا ترى أنهم لم يريدوا بقولهم: "لا تأكلِ السمك وتشرب اللبن" النهيَ عن أكل السمك منفردًا، وشربِ اللبن منفردًا، وإنما المراد أن ينهاه عن الجمع بينهما، لِما في ذلك من الفساد والضرر؟ ولو جزمه بالعطف على ما تقدّم، لكان داخلاً في حكم الأوّل، وكان التقدير: لا

تنه عن خلق، ولا تأتِ مثلَه.
ولو كان قال ذلك، لكان قد نهاه أن ينهى عن شيء، ونهاه أن يأتي شيئًا من الأشياء، وهو محال.
فلمّا استحال، حَمَلَ الثاني على الأول، كأئَّه تَخيّل مصدرَ الأوّل إذ كان الفعل دالاً عليه مع موافَقة المعنى المرادِ، فصار كأنّه قال: "لا يكن منك نَهيٌ"، ثمّ أضمر "أنْ" مع الثاني، فصار مصدرًا في الحكم، ثمّ عطف مصدرًا متأوَّلاً على مصدر متأوّل، ولذلك لا يجوز إظهارُ "أنْ" فيه، لئلّا يصير المصدر مصرَّحًا به، ثم تعطفه، فتكون قد عطفت اسمًا صريحًا على فعل صريح.
فلو كان الأول مصدرًا صريحًا، لجاز لك أن تُظْهِر "أنْ" في الثاني، نحوَ قوله [من الوافر]: 1 - لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقِرَّ عَيْنِي... أحَبُّ إليّ من لُبْسِ الشُفُوفِ ولو قال: "وأن تقرّ عيني"، لجاز؛ لأنّ الأول مصدرٌ، فـ "لبس عباءة" مبتدأٌ، و"تقرّ عيني" في موضع رفع بالعطف عليه، "وأحبّ إليّ" الخبرُ عنهما.
والمعنى أن لبس الخَشِن من الثياب مع قُرّة العين أحبّ إليّ من لبس الشفوف، وهو الرقيق من الملبوس، فالتفضيلُ لهما مجتمعين على لبس الشفوف، ولو انفرد أحدهما، بطل المعنى الذي أراده، إذ لم يكن مراده أن لبس عباءة أحبّ إليه من لبس الشفوف، فلمّا كان المعنى يعود إلى ضمِّ "تقرّ عيني" إلى "لبس عباءة"، اضطُرّ إلى إضمارِ "أنْ" والنصب.
وقد حُكي عن الأصمعي أنه قال: لم أسمعه إلَّا "وتأتي مثلَه" بإسكان الياء يجعَله مرفوعًا على

الاستئناف، أو يجعله حالاً، أي: لا تنه عن خلقِ وأنت تأتي مثلَه"، أي: في حال إتيانك مثلَه.
وهذا قريب من معنى النصب.
فأمَّا قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 1، فقد قُرئت على وجهَين: برفع الفعلَين الآخِرين، وهما "لا نكذب" و"نكون"، وبنصبهما.
وأمّا الرفع، فكان عيسى بن عمر يجعلهما متمنّيين معطوفين على "نردّ"، ويقول: إِن الله تعالى: أكذَبهم 2 في تمنِّيهم على قولِ من يرى التمنّي خبرًا.
وكان أبو عمرو بن العَلاء يرفعهما لا على هذا الوجه، بل على سبيل الاستئناف، وتأويلِ: "ونحن لا نكذّبُ بآيات ربّنا، ونكونُ من المؤمنين إن رُددنا"، فالفعلان الأخيران خبران غير متمنّيين، ولذلك أكذبهم الله، ولم يكن يرى التمنّي خبرًا.
فأمّا النصب -وهو قراءة حمزة وابن عامر وحفصٍ- فعلى معنى الجمع، والتقدير: يا ليتنا يُجْمَع لنا الردّ وتركُ التكذيب والكونُ من المؤمنين، ويكون المعنى كالوجه الأول في دخولهما في التمني، ويكون التكذيب على رأي من يرى التمني خبرًا، فاعرفه.
فأمّا "الفاء" فينتصب الفعل بعدها على تقديرِ "أنْ" أيضًا، وذلك إذا وقعت جوابًا للأشياء التي ذكرناها، وهي: الأمر، والنهي، والنفي، والاستفهام، والتمني، والعَرْض.
ومنهم من يضيف إليها الدعاء، ويجعلها سبعةً، ومنهم من يجتزىء عن كلّ ذلك بالأمر وحدَه لأنّ اللفظ واحد، فالأمر، نحو قوله: "إيتِني فأكرِمَك".
ومنه [من الرجز]: 969 - يا ناقَ سِيري عَنَقًا فَسِيحَا... إلى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا3

ومثال النهي "لا تأتِ زيدًا فيُهِينَك".
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ 1، وقال تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ 2. ومثال النفي.
"ما تأتيني فَتُحَدِّثَنِي".
قال زياد [من البسيط]: 970 - وما أُصاحِبُ من قَوْمِ فأذْكُرَهم... إلا يَزيدُهُمُ حُبًّا إليَّ هُمُ3 = والجار والمجرور متعلّقان بـ"سيري".
"فنستريحا": الفاء السببية: عاطفة، "نستريحا": فعل مضارع منصوب بـ"أن" مضمرة، والألف: للإطلاق، والمصدر المؤوّل من "أن نستريحا" معطوف على مصدر مُنْتَزَع ممّا قبله، والتقدير: ليكن منك سير فاستراحة.
وجملة " يا ناق... " الفعليّة: لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية.
وجملة (سيري) الفعلية: لا محل لها من الإعراب لأنها استئنافية.
والشاهد فيه قوله: "فنستريحا" حيث نصب الفعل المضارع "نستريح" بـ"أن" مضمرة بعد فاء السببية.

وأمّا الاستفهام، فنحو قولك: "أيْنَ بيتُك فأزُورَك".
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ 1. وقال الشاعر [من البسيط]: 971 - هل مِن سَبِيلٍ إلى خَمْرٍ فأشرَبَها... أم هل سبيلٌ إلى نَصْرِ بن حَجّاج والتمنّي: "ليت لي مالاً فأُنفِقَه".
قال الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ 3. والعَرض: "ألا تنزلُ فتُحدِّثَ".
فهذه الأفعال تُنْصَب بعد هذه الفاء بإضمار "أنْ" إذا كانت جوابًا.
وإنّما أضمرت "أنْ" ها هنا، ونُصب بها من قبل أنهم تَخيَّلوا في أوّل الكلام معنى المصدر، فإذا قال: "زُزني فأزُورَك"، فكأنه قال: "لِتكنْ منك زيارةٌ"، فلمّا كان الفعل الأول في تقدير المصدر، والمصدر اسمٌ، لم يسغ عطف الفعل الذي بعده عليه, لأنّ الفعل لا يعطف على الاسم، فإذا أضمروا "أنْ" قبل الفعل، صار مصدرًا، فجاز لذلك عطفُه على ما قبله، وكان من قبيل عطف الاسم على الاسم.
وإنما تَخيَّلوا في الأوْل مصدرًا لمخالفة الفعل الثاني الفعلَ الأولَ في المعنى، ولذلك إذا قلت: "ما تَزُورُني فتُحَدِّثَنِي"، لم ترد أن تنفيهما جميعًا، إذ لو أردت ذلك لَرفعت الفعلَيْن معًا، ولكنّك تريد: ما تزورني مُحدِّثًا، أي: قد تزورُني ولا حديثَ، فأثبت له الزيارة، ونفيتَ الحديثَ.
فلمّا اختلف الفعلان، ولم يجز العطف على ظاهر2

الفعل الأول، عدلوا عن الظاهر، وأضمروا مصدره، إذ الفعل يدل على المصدر، فاضطُروا لذلك إلى إضمار "أنْ" لِما ذكرت لك.
وأمّا مجيئه بعد غير الفعل فهو أسهل في اعتقاد المصدر, لأنه ليس هناك فعل يجوز عطف هذا الفعل المتأخر عليه، ألا ترى أنك إذا قلت: "أيْنَ بيتُك؟ " ليس هناك فعل يعطف عليه "أزورك"، فحمل على المعنى؛ لأنّ معناه "ليكنْ تعريفُ بيتك منك فزيارةٌ منِّي"؛ لأنّ معنَى "أين بيتك": "عَرِّفْنِي".
واعلم أن هذه الفاء التي يجاب بها تعقد الجملة الأخيرة بالأولى، فتجعلهما جملة واحدة، كما يفعل حرفُ الشرط، ولو قلت: "ما تزورُني، فتحدّثُني"، فرفعتَ "تحدّثني"، لم يكن الكلام جملة واحدة، بل جملتين, لأنّ التقدير: "ما تزورُني، وما تحّدثُني"، فقولك: "ما تزورني" جملة على حِيالها، و"ما تحدّثني" جملة ثانية كذلك.
والكوفيون يقولون في مثل هذا وأشباهه: إنه منصوب على الصرف، وهذا الكلام، إن كان المراد به أنّه لمّا لم يُرَد فيه عطف الثاني على لفظ الفعل الأول، صُرف عن الفعليّة إلى معنى الاسميّة بأن أضمروا "أنْ"، ونصبوا بها، فهو كلام صحيح.
وإن كان المراد أن نفس الصرف الذي هو المعنى عامل، فهو باطل, لأنّ المعاني لا تعمل في الأفعال النصبَ، إنما المعنى يعمل فيها الرفع، وهو وقوعه موقعَ الاسم كما كان الابتداء الذي هو معنى عاملاً في الاسم، فاعرفه.

جارٍ التحميل