شرح المفصل لابن يعيشفصل [إضمار العامل في خبر "كان"]

فصل [إضمار العامل في خبر "كان"]

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن يعيش
الكتاب
شرح المفصل للزمخشري
المؤلف
يعيش بن علي بن يعيش ابن أبي السرايا محمد بن علي، أبو البقاء، موفق الدين الأسدي الموصلي، المعروف بابن يعيش وبابن الصانع (المتوفى: 643هـ)قدم له: الدكتور إميل بديع يعقوب
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
6 (5 وجزء للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال صاحب الكتاب: "ويضمر العامل في خبر "كان" في مثل قولهم: "الناس

مَجْزِيّون بأعمالهم إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ" 1، و"المَرْءُ مقتولٌ بما قَتَلَ به إن خَنْجَرَا فخنجرٌ، وإن سَيفًا فسيفٌ" أي: إن كان عَمَلُه خيرًا فجَزاؤُه خيرٌ، إن كان شرًّا فجزاؤه شرٌّ.
ومنهم من ينصبهما، أي: إن كان خيرًا كان خيرًا، والرفعُ أحْسَنُ في الآخِر.
ومنهم من يرفعهما، ويُضمِر الرافعَ، أي: إن كان معه خنجرٌ.
فالذي يُقتَل به خنجرٌ قال النّعْمان بن المُنْذر [من البسيط]: 318 - قد قِيلَ ذلك إن حَقًّا وإن كَذِبًا... [وما اعْتِذارُكَ من شيء إذا قيلا] "

قال الشارح: اعلم أنّ "كَانَ" قد تُحذَف كثيرًا، وهي مرادة، وذلك لكثرتها في الكلام.
فمن ذلك قولُهم: "الناسُ مَجْزيون بأعمالهم إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشرٌ"، فلَكَ في هذه المسألة أربعةُ أوجه من الإعراب: أن تنصبهما جميعًا، وأن ترفعهما جميعًا، وأن تنصب الأوّلَ وترفع الثانِيَ، وأن ترفع الأوّلَ وتنصب الثاني.
فإذا نصبتَهما جميعًا قلت: الناسُ مجزيون باْعمالهم إن خيرَا فخيرًا".
وانتصابُهما بفعلَيْن مضمرَيْن أحدهما شرطٌ، والآخرُ جزاءٌ, خُذفا لدلالة "إن" عليهما، إذ لا يقع بعدها إلّا فعل.
والتقدير: إن كان عمله خيرًا، فيكون جزاؤه خيرًا، أو فهو يُجْزَى خيرًا.
فالأوّل خبرُ "كَانَ" المحذوفةِ، والثاني خبرُ "كَانَ" الثانية، إن قدّرتَ "كَانَ"، أو مفعولٌ ثانٍ إن قدّرت "يُجْزَى".2

وإذا رفعتَهما، وقلت: "إن خيرٌ فخير، وإن شر فشرٌّ"، فالأوّل مرفوعٌ بفعل محذوف، والتقديرُ: إن كان في عمله خيرٌ فجزاؤه خيرٌ.
ولا يرتفع إلّا على هذا التقدير لوُقوعه بعد "إن" الشرطيّة.
وحرفُ الشرط لا يقع بعده مبتدأ, لأنّ الشرط لا يكون بالأسماء، فيكون ارتفاعُ "خير" الأوّلِ على أنّه اسمُ "كَانَ"، والخبرُ محذوفٌ، وهو الجارُ والمجرور، وهو عربيٌّ جيّدٌ.
ويجوز أنّ يكون المضمر، "كَانَ" التامّةَ، فلا يحتاج إلى خبر، وأمّا "خير" الثاني، فمرتفعٌ، لأنّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ, لأنّ الجزاء قد يكون بالجُمَل الاسميّةِ إذا كان معها الفاءُ، نحو قولك: "إن أتاني زيدٌ فله درهمٌ".
وإذا نصبت الأوّل، ورفعت الثانِيَ، وقلت: "إن خيرًا فخيرٌ"، وهو الوجه المختارُ، فيكون انتصابُ الأوّل بتقديرِ فعل، كأنّك قلت: "إن كان عملُه خيرًا" على ما ذكرنا في الوجة الأوّل.
ويكون ارتفاعُ "خير" الثاني على أنّه خبرُ مبتدأ، وتقديره: "فجزاؤه خيرٌ" على ما ذكرنا في الوجه الثاني.
وإنّما كان هذا الوجه المختارَ, لأنّ "إنْ" من حيثُ هي شرطٌ تقتضي الفعلَ، لأنّ الشرط بالاسم لا يصحّ، فلم يكن بدٌّ من تقديرِ فعل, إمّا "كَانَ" أو نحوها، فإذا نصبنا، كنّا قد أضمرنا "كَانَ"، والفعلُ لا بدّ له من فاعلٍ، وهما كالشيء الواحد، وإذا رفعنا، أضمرنا "كَانَ" وخبرًا لها أو شيئًا في موضع الخبر، والخبرُ بمنزلةِ المفعول، والمفعولُ منفصِلٌ من الفعل أجْنَبِىٌّ منه، فهما شيئان.
وكُلَّما كثُر الإضمارُ، كان أضعفَ.
واختير رفعُ الثاني لدُخول الفاء في الجواب، والفاء إنّما أُتي بها في الجواب، إذا كان مبتدأً وخبرًا، فأمّا إذا كان فعلًا؛ لم يحتج إلى الفاء، نحو قولك: "إن أكرمتني أكرمتُك"، و"إنْ تُكْرِمْني أكْرِمْك".
ولو قلت: "إن أكرمتَني لك درهمٌ"، أو "إن أتيتَني زيدٌ مُقِيمٌ عندي"، لم يجز حتّى تأتي بالفاء، فتقول: "إن أكرمتَني فلك درهم"، و"إن أتيتني فزيدٌ مقيم عندي".
وإذا رفعت الأوّل، ونصبت الثاني، فقلت: "إن خيرٌ فخيرًا، وإن شرٌّ فشرًّا"، فترفع الأوّل بأنّه اسمُ "كَانَ" على ما تقدّم، وتنصب الثاني على ما ذكرنا، ويكون التقدير: فهو يُجْزَى خيرًا.
واعلم أنّ هذا الحذف والإضمار، لا يسوغ مع كلّ حرف لا يقع بعده إلّا الفعلُ، وإنّما ذلك مسموعٌ منهم، تُضْمِر حيث أضمروا، وتُظْهِر حيث أظهروا.
تَقِفُ في ذلك حيث وقفوا؛ فأمّا قوله [من البسيط]: قد قِيَل ذلك إنّ حَقًّا وإنْ كَذِبًا... وما اعْتِذارُك من شيءٍ إذا قِيلَا فإنّه يجوز فيه الوجوهُ الأربعةُ: فالنصبُ على ما ذكرناه أوّلاً، والرفعُ على تقدير: "إن وقع حَقٌّ، وإن وقع كذبٌ" أو على "إن كان فيه حقٌّ، وإن كان فيه كذبٌ"، والبيت للنُّعْمان بن المُنْذِر قاله للرَّبِيع بن زِيادٍ العَبْسِيّ حين دخل عليه لَبِيدُ بن رَبِيعَةَ، والربيعُ يُؤاكِله، فقال [من الرجز]: مَهْلًا أَبَيْتَ اللَعْنَ لا تَأْكُلْ مَعَهْ... إنّ اسْتَهُ من بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ

فأمسك النعمانُ عن الأكل، فقال الربيع- أَبَيتَ اللعنَ-: إن لبيدًا كاذِبٌ، فقال النعمان [من البسيط]: قد قيل ذلك إنْ حَقًّا وإن كذبا البيت، فقال قومٌ: هو له، وقيل: هو لغيره، وإنّما تَمثَّل به.

جارٍ التحميل